العزيز، وشعيب بن الليث بن سعد، وأبي عبد الرحمن المقري، وطائفة.
ولزم الشافعي مدة، وتفقه به، وبابنه عبد الله، وغيرهما.
وعنه: ن. وابن خُزَيْمَة، وابن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وعمرو بن عثمان المكي الزاهد، وأبو بكر بن زياد النَّيسابوريّ، وإسماعيل بن داود بن وردان، وأبو العباس الأصم، وجماعة.
وثقه النَّسائي، وقَالَ مرّة: لا بأس به.
وقَالَ غيره: كان أَبُوهُ قد ضمّه إلى الشّافعيّ، فكان الشّافعيّ معجَبًا به لذكائه وحرصه على الفِقْه.
قَالَ أبو عُمَر الصَّدفّي: رَأَيْت أَهْل مصر لا يعدلون به أحدًا، ويصفونه بالعلم والفضل والتواضع.
وقَالَ إمام الأئمّة ابنُ خزيمة: ما رأيت من فقهاء الْإِسْلَام أعرف بأقاويل الصّحابة والتابعين من محمد بن عبد الله ابن عَبْد الحكم.
وقَالَ مرَّة: كان محمد بْن عَبْد الله أعلم مَن رَأيت على أديم الأرض بمذهب مالك، وأحفظهم. سمعته يقول: كنت أتعجّب ممّن يقول فِي المسائل: لا أدري.
قَالَ ابنُ خُزَيْمَة: وأمّا الإسناد فلم يكن يحفظه، وكان من أصحاب الشّافعيّ، وكان ممّن يتكلّم فيه. فوقعت بينه البُوَيْطي وحشة فِي مرض الشّافعيّ فحدَّثني أبو جعفر السُّكّريّ صديق الرَّبِيع قَالَ: لمّا مرض الشّافعيّ جاء ابنُ عَبْد الحَكَم ينازع البُوَيْطيّ فِي مجلس الشافعي، فقال البويطي: أَنَا أحقُّ بِهِ منك.
فجاء الحميديّ، وكان بمصر، فقال الشّافعيّ، ليس أحدّ أحقّ بمجلسي من البُوَيْطيّ، وليس أحد من أصحابي أعلمُ منه.
فقال الحُمَيْديّ: كذبت أنت وأبوك وأُمُّك.
وغضب ابنُ عَبْد احكم فترك مجلس الشّافعيّ١، فحدَّثني ابنُ عَبْد الحَكَم قال:
стр. 6302
كان الحُمَيْديّ معي فِي الدّار نحوًا من سنة وأعطاني كتاب ابنُ عُيَيْنَة، ثُمَّ أَبَوْا إلّا أن يُوقِعُوا بيننا ما وقع.
روى هَذَا كلَّه الحاكم عن حُسَيْنَك التَميميّ، عن ابنُ خُزَيْمَة.
وعن المُزَنيّ قَالَ: نظر الشّافعيّ إلى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وقد ركَب دابّته فأتْبعه بصره وقَالَ: ودِدت أنّ لي ولدًا مثله وعليّ ألف دينار لا أجد قضاءها.
وقَالَ أبو الشَّيخ: ثنا عَمْرو بْن عُثْمَان المكّيّ قَالَ: رَأَيْت مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُصلّي الضُّحى، فكان كلّما صلّى ركعتين سجد سجدتين، فسأله من يأنس به فقال: أسجد شكرا لله على ما أَنْعم به عليَّ من صلاة الركعتين١.
وقَالَ ابنُ أبي حاتم: صدوق، ثقه، أحد فقهاء مصر من أصحاب مالك. وقَالَ أبو إِسْحَاق الشّيرازيّ: قد حُمِل محمد فِي محنة القرآن إِلَى ابنِ أبي دُؤاد، ولم يُجِب إِلَى ما طلب منه، وردَّ إلى مصر، وانتهت إله الرئاسة بمصر، عني فِي العِلْم.
وقَالَ غيره: إنّه ضُرِب فهرب واختفى، وقد نالْته محنةٌ أخرى صَعْبة مرَّت فِي ترجمة أَخِيهِ الشهيد سنة سبعٍ وثلاثين.
نسب ابنُ الْجَوْزيّ، قَالَ أبو سَعِيد بْن يُونُس: كان محمد المفتي بمصر فِي أيّامه، تُوُفيّ يوم الأربعاء النِّصف من ذي القعدة سنة ثمانٍ وستّين وصلّى عليه بكّار بْن قُتَيْبَةَ القاضي.
قلت: آخر من روى حديثه عاليًا عَبْد الغفّار الشِّيرويّ.
وله تصانيف كثيرة منها: "كتاب أحكام القرآن، وكتاب الرّدّ على الشّافعيّ مما خالف فِيهِ الكتاب والسُّنَّة، وكتاب الرّدّ على أَهْل العراق، وكتاب أدب القضاة".
وَفِي المحدثين.
١٤٥- مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ٢.
رحل وروى عن أَحْمَد بْن مَسْعُود المقدسيّ.
روى أبو نُعَيْم الحافظ حديثه فِي الحلْية فقال: ثنا أبو حامد أَحْمَد بن محمد بن الحسن: ثنا محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم.
стр. 6303
١٤٦- محمد بْن عَبْد الله بْن المستورد١.
الحافظ أبو بكر البغداديّ.
عن: أبي نعيم، يحيى بْن بُكَيْر، والحسن بْن بُسْر، وجماعة.
حدَّث ببغداد، وإصبهان.
روى عَنْهُ: أبو عبد الله المحَامِليّ، وعبد الله بْن جَعْفَر بْن فارس، وآخرون.
توفّي سنة ستِّ وستين.
١٤٧- محمد ين عَبْد الرَّحْمَن بْن الأشعث٢.
أبو بَكْر الرَّبعيّ العجليّ، إمام جامع دمشق.
روى عنه: أبي مُسْهِر، ومحمد بن عِيسَى بْن الطّبّاع، وحَجّاج بْن أبي منيع، وغيرهم.
وعنه: النَّسائي، وابن صاعد، وأبو عَوَانةَ، وأبو بَكْر بْن أبي دَاوُد، وأبو بَكْر بْن زياد، والحسن بْن عَبْد الملك الحصائريّ، وجماعة.
وثّقه النَّسائي.
مات سنة ستِّ وستّين.
١٤٨- محمد بْن عَبْد الْعَزِيز بْن المَرْزُبان بْن جَعْفَر البَغَويّ٣.
والد أبي القاسم البَغَويّ.
قَالَ محمد بْن أَحْمَد الإسكافيّ فِي تاريخه: وُلِدَ سنة ثمانٍ وثمانين ومائة، وهو أسنّ إخواته.
سمع من: عَبْد الله بْن بَكْر السَّهميّ، وغيره.
وكان يحبّه ويحبّ أخاه عليّ ابني أَحْمَد بْن مَنِيع.
تُوُفيّ بسرَّ مَنْ رَأَى سنة سبعٍ وستين ومائتين.
стр. 6304
١٤٩- مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ١.
أبو جَعْفَر الواسطيّ الدّمشقيّ.
عن: يزيد بْن هارون، ووْهب بْن جرير، ومعلَّى بْن عُبَيْد، وأبي أَحْمَد الزُّبيريّ، وطائفة.
وعنه: أبو دَاوُد، وابن ماجة، وإبراهيم الحربيّ، وإبراهيم بْن محمد نِفْطَوَيْه، وابن صاعد، وابن أبي حاتم وإسماعيل الصّفّار، وجماعة.
قَالَ أبو حاتم: صدوق.
ووثّقه الدَّارقطنيّ.
تُوُفيّ فِي شوّال سنة ستٍّ وستّين.
١٥٠- محمد بْن عُبَيْد الله بْن يزيد٢.
أبو جَعْفَر الشَّيبانيّ مولاهم الحرّانيّ، ويُعرف بالقَرْدُوانيّ. قاضي حَرّان.
روى عن: أَبِيهِ، وعثمان بْن عَبْد الرَّحْمَن الظَّريفيّ، وأبي نعيم الفضل بن دكين.
وعنه: النَّسائي، وأحمد بن عمرو والبزّاز، وأبو عروبة، وابن صاعد، وأبو عوانة، وعدة.
قال ابن عروبة: كان من عدول الحكام. ولم يكن يعرف الحديث. كان عنده كتب ذكر أنّه سمعها من أَبِيهِ.
ومات لليالٍ بقين من شهر ذي الحجّة سنة ثمانٍ وستّين.
١٥١- محمد بْن عُثْمَان الهَرَويّ٣.
الحافظ متُّويه.
سمع: مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم، والحرميّ.
توفّي سنة أربعٍ وستين.
стр. 6305
١٥٢- محمد بْن عليّ بْن بسّام. أبو جَعْفَر الحافظ، ولَقَبُه مَعْدان١.
روى عن: عَبْد الصمد بْن النُّعمان، وقَبيِصة.
وعنه: مُطَيَّن، ومحمد بْن مَخْلَد.
تُوُفيّ سنة اثنتين وستّين.
١٥٣- محمد بْن عليّ بْن ميمون الرَّقيّ القطّان٢.
عن: عَبْد الله بن جعفر القيّ، ومحمد بْن يوسف الفِرْيَابِيّ، والقعْنَبيّ، وطبقتهم.
وعنه: النِّسائيّ، وأبو عرُوبة، ومحمد بْن جرير الطَّبريّ، وأبو الْعَبَّاس الأصغر، وجماعة.
قَالَ الحاكم: ثقة مأمون. كان إمام أَهْل الجزيرة فِي عصره.
قلت: تُوُفيّ سنة ثلاثٍ وستّين. وقِيلَ: سنة ثمانٍ وستّين، وهو أصحّ.
١٥٤- محمد بْن علي بْن دَاوُد الْبَغْدَادِيّ٣.
الحافظ أبو بَكْر ابنُ أخت غزال.
سمع: عفّان، وسعيد بْن دَاوُد الزُّبيريّ، وطائفة.
وعنه: أبو جَعْفَر الطّحاويّ، وعليّ بْن أَحْمَد علّان، وأبو عَوَانة.
وثّقه أبو بَكْر الخطيب.
ومات سنة أربعٍ وستّين.
١٥٥- محمد بن عُمَر بْن يزيد.
أبو عبد الله الزُّهريّ الإصبهانيّ. أخو رستة٤.
стр. 6306
عن: أبي داود الطيالسي، وبكر بن بكار، ومحمد بن أبان العنْبريّ.
وعنه: ابنه عَبْد الله، وأحمد بْن الْحُسَيْن الْأَنْصَارِيّ، وعبد الله بْن جَعْفَر بْن فارس.
تُوُفيّ سنة ثلاثٍ وستّين.
١٥٦- محمد بْن عُمَيْر.
أبو بَكْر الطَّبريّ الفقيه١، جليس أبي زُرْعة الرَّازيّ، والمفتي فِي مجلسه.
روى عن الحميد كتاب التفسير، وكتاب الرّد على النُّعمان.
قَالَ ابن أبي حاتم: كان يفتي رأي أبي ثور.
سمعت منه، وهو ثقة صدوق.
١٥٧- محمد بن محمد بن عيسى الزّاهد٢.
الزّاهد أبو الْحَسَن بْن أبي الورد الْبَغْدَادِيّ المعروف بحَبشيّ.
صحب بِشْر بْن الْحَارِث وغيره.
وروى عن: أبي النَّضْر هاشم بْن القاسم.
وعنه: أبو القاسم البَغَويّ، وعليّ بْن الْجُنَيْد الغضائريّ، وغيرهما.
وله أخ اسمه أحمد، كنته أيضًا أبو الْحَسَن. زاهد كبير، تُوُفيّ قبل حَبَشيّ.
وتُوُفيّ حَبَشيّ سنة اثنتين وستّين.
وقَالَ ابنُ قانع: سنة ثلاثٍ وستّين.
وقِيلَ: سنة اثنتين.
وكان من أعيان مشايخ لقوم من موالي سَعِيد بْن العاص الأمويّ. وسُمّي حَبَشيّ لسُمْرته. وأبو الورد جدّه من أصحاب المنصور وإليه تُنْسَب سُوَيْقة أبي الورد.
١٥٨- محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة٣.
стр. 6307
أبو عبد الله الرَّازيّ الحافظ.
طوّف وسمع الكثير.
وأخذ عن: محمد بْن يوسف الفِرْيابيّ، وأبي عاصم النّبيل، وهوزة بْن خليفة، وأبي مُسْهِر، وأبي المغيرة الحمصيّ، وأبي نُعَيْم، وآدم بْن أبي إياس، وقَبِيصة، وبشرٍ كثير.
وعنه: ن. ومحمد بن يحيى الذَُهليّ مع تقدمُّه، والبخاري خارج الصحيح، ومحمد بن المسيب الأرغياني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن صاعد، وأبو بكر بن مجاهد المقري، والمحامليّن وابن أبي حاتم، وخلق من آخرهم أبو عمرو أحمد بن محمد بن حكيم.
وقال ن: ثقة، صاحب حديث.
وقَالَ ابنُ أبي حاتم: ثقه، صدوق.
وكان أبو زُرْعة يجلّه ويُكْرمه.
وقَالَ عَبْد المؤمن بْن أَحْمَد: كان أبو زُرْعة لا يقوم لأحدٍ ولا يُجلِس أحدًا فِي مكانه إلّا ابنُ وَارَةَ.
وقَالَ فَضْلَك الرَّازيّ: سمعت أَبَا بَكْر بْن أبي شَيْبَة يقول: أَحْفَظُ من رَأَيْت أَحْمَد بن الفُرات، وأبو زُرْعة، وابن وَارَةَ.
وقَالَ الطّحاويّ: ثلاثةٌ من علماء الزمان بالحديث اتّفقوا بالرِّيّ، لم يكن فِي الأرض فِي وقتهم أمثالهم. فذكر أَبَا زُرْعة، وابن وَارَةَ، وأبا حاتم.
وعن عَبْد الرَّحْمَن بْن خِراش قَالَ: كان ابنُ وَارَةَ من أَهْل هَذَا الشأن المتقِنين الُأمناء. كنت ليلةً عنده، فذكر أَبَا إِسْحَاق السَّبيعيّ، فذكر شيوخه، فذكر فِي طَلْق واحدٍ سبعين ومائتي رَجُل. ثُمَّ قَالَ: كان آيةً شيئًا عجبًا.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ خُرَّزَاذَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّاذكونيّ يَقُولُ: جَاءَنِي محمد بْنُ مُسْلِمٍ، فَقَعَدَ يتقعَّر فِي كَلامِهِ، فَقُلْتُ: مِنْ أيِّ بلدٍ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الرِّيّ.
ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْتِكَ خَبَرِي، أَلَمْ تَسْمَعْ بِنَبَئِي، أَنَا ذُو الرِّحْلَتَيْنِ.
стр. 6308
قُلْتُ: مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً" ١.
فَقَالَ: حدَّثني بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
قُلْتُ: مَنْ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: أَبُو نُعَيْمٍ، وَقَبِيصَةُ.
قُلْتُ: يَا غُلامُ، ائْتِنِي بِالدِّرَّةِ.
فَأَتَانِي بِهَا، فَأَمَرْتُهُ، فَضَرَبَهُ بِهَا خَمْسِينَ، وَقُلْتُ: أَنْتَ تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِي مَا آمَنُ أَنْ تَقُولَ: حدَّثني بَعْضُ غِلْمَانِنَا٢.
وقَالَ زكريا السّاجيّ: جاء ابنُ وَارَةَ إِلَى أبي كُرَيْب، وكان فِي ابنِ وارة بَأْوٌ، فقال لأبي كُرَيْب: ألم يبلغْك خبري، ألم يأتِك نبئي؟ أَنَا ذو الرّحلتين، أَنَا محمد بن مُسْلِم بْن وَارَةَ.
فقال: وَارَةُ، وما وَارَةُ؟ وما أدراك ما وارة؟ قم، والله لا حدَّثنك، ولا حدَّثت قومًا أنت فيهم.
وقَالَ ابنُ عُقْدة: دقَّ ابنُ وَارَةَ على أبي كُرَيْب، فقال: مَنْ؟ قَالَ: ابنُ وَارة أبو الحديث وأُمُّه.
ذكر أبو أَحْمَد الحاكم أنّ ابنُ وَارَةَ سمع من سُفْيَان بْن عُيَيْنَة، ويحيى القطّان، وهذا وَهْمٌ منه.
قَالَ: ابنُ مَخْلَد، وغيره: تُوُفيّ فِي رمضان سنة سبعين.
وقَالَ المنادي: مات سنة خمسٍ وستّين. وهذا وهْم أيضًا.
١٥٩- محمد بْن مُوسَى.
أبو جَعْفَر الحَرَشيّ الْبَغْدَادِيّ الحافظ، الملقَّب: شاباص٣.
حدَّث عن: يزيد بن حيرة المدنّي، وخليفة بن خياط.
стр. 6309
وعنه: المَحَامِليّ، وابن مَخْلَد، وإسماعيل الصّفّار.
وهو ثقة.
١٦٠- محمد بْن هارون.
أبو جَعْفَر المُخَرّميّ الْبَغْدَادِيّ الفلّاسي شيْطا الحافظ١.
سمع: أَبَا نُعَيْم، وسليمان بْن حَرْب، وعَمْرو بْن حمّاد، وطبقتهم.
وعنه: المحامليّ، وابن مخلد، وابن حاتم وقَالَ: هُوَ مِن الحُفّاظ الثّقات، وأبو عوانة.
وكان من أحفظ النّاس.
توفّي بالنهران سنة خمسٍ وستّين.
١٦١- محمد بْن هشام بْن ملّاس.
أبو جَعْفَر النُّمَيْريّ الدّمشقيّ٢.
عن: مروان بْن مُعَاوِيَة، وحَرْمَلَة بْن عَبْد الْعَزِيز.
وعنه: حفيده محمد بْن جَعْفَر بْن محمد الحافظ، وأبو عليّ الحصائريّ، وابن أبي حاتم وقَالَ: صدوق، وأبو الْعَبَّاس الأصمّ، وجماعة.
وله جزء رواه أبو القاسم بْن رواحة عاليًا.
تُوُفيّ سنة سبعين، وله مائة سنة إلّا ثلاث سنين.
قَالَ: لقيت ابنُ عُيَيْنَة سنة اثنتين ومائتين، فكَثُرُوا عليه، فلم أكتب عَنْهُ.
١٦٢- محمد بْن وهْب.
أبو بَكْر الثّقفيّ المقرئ٣.
عن: أبي الوليد الطّيالسي، وجماعة.
стр. 6310
وعنه: إِسْمَاعِيل الصّفّار، وأبو سَعِيد بن الأعرابيّ، وغيرهم.
وكان صدر القرَّاء فِي البصْرة فِي زمانه.
سمع الحروف من يعقوب. قرأ القرآن على رَوْح صاحب يعقوب.
تلا عليه: محمد بْن يعقوب المعدّل، ومحمد بْن المؤمّل الصَّيرفيّ، ومحمد بن جامع الحلوانيّ.
بقي إلى قرب السبعين ومائتين.
١٦٣- محمد بْن يحيى بْن كثير.
أبو عبد الله الكْلبيّ الحرّانيّ الحافظ لؤلؤ١.
سمع: أَبَا قَتَادَة عَبْد الله بْن واقد، وعثمان بْن عَبْد الرَّحْمَن الطَّرائفيّ، وأبو النُّعمان الحَكَم بْن نافع، وأحمد بْن يُونُس، وطبقتهم.
وعنه: النَّسائيّ وقَالَ: هُوَ ثقة، وأبو عَروُبَة الحرّانيّ، وأبو عَوَانَة، وأبو عليّ محمد بْن سَعِيد الرَّقّيّ، وطائفة.
تُوُفيّ فِي صَفَر سنة سبعٍ وستّين.
١٦٤- محمد بْن أبي يحيى بْن زكريّا بْن يحيى الوقّاد٢.
المصريّ الفقيه أحد العالمين بمذهب مالك.
صنف كتاب السُّنَّة، ومختصر فِي الفقه، وغير ذلك.
تُوُفيّ سنة تسعٍ وستين.
١٦٥- محمد بن يوسف.
أبو عبيد الله البغداديّ الجوهريّ٣.
الرجل الصّالح الحافظ.
стр. 6311
رحل وطوّف، وحدَّث عن عُبَيْد الله بْن مُوسَى، وأبي غسّان مالك بْن إِسْمَاعِيل، وعبد الْعَزِيز الُأوَيْسيّ، وبِشْر الحافي وصَحِبه، ومعلَّى بْن أسَد، وطبقتهم.
روى عَنْهُ: عُمَر بْن شبَّة وهو أكبر منه، وابن صاعد، وابن أبي حاتم وقال: ثقة، ابن مَخْلَد، وآخرون.
قال الخطيب: كان موصوفا بالدِّين والسُّنن.
وقال ابن قانع: مات في ربيع الآخر سنة خمسٍ وستين.
١٦٦- مالك بن علي بن مالك بن عبد العزيز.
الإمام أبو خالد القرشي الفهري الأندلسي القرطبي الزاهد١.
روى عن: يحيى بْن يحيى اللَّيثيّ، والقعْنَبيّ، وأَصبغ بْن الفَرَج، وجماعة.
وعنه: محمد بْن عُمَر بْن لُبابة، ومُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن أَعْيَن، وآخرون.
تُوُفيّ سنة ثمانٍ وستّين ومائتين.
وصنَّف أيضًا فِي مذهب مالك مختصرًا.
١٦٧- المثنَّى بن جامع٢.
أبو الحين بن زياد الأنباريّ الزّاهر.
روى عن: سَعْدَوَيْه الواسطيّ، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الصّبّاح، وسُرَيْج بْن يُونُس.
وعنه: أَحْمَد بن محمد بْن الهيثم، ويوسف الأزرق.
قَالَ الخطيب: كان ثقة مشهورًا بالسُّنَّة، من أصحاب أَحْمَد. يُقال كان مستجاب الدعوة. وكان بِشْر الحافي يُكرمه ويُجِلّه.
١٦٨- مُسْلِم بْن الحجّاج بْن مُسْلِم٣.
الإمام أبو الحسن القشيريّ النيَّسابوري الحافظ صاحب الصّحيح.
стр. 6312
قَالَ بعض النّاس: وُلِدَ سنة أربعٍ ومائتين. وما أظنّه إلّا وُلِدَ قبل ذلك.
سمع سنة ثمان عشرة ومائتين ببلده مِن يحيى بْن يحيى، وبِشْر بْن الحَكَم، وإسحاق بْن راهَوَيْه.
وحجّ سنة عشرين، فسمع من: القَعْنَبيّ، وهو أقدم شيخ له، ومن: إِسْمَاعِيل بْن أبي أُوَيْس، وأحمد بْن يُونُس، وعُمَر بْن حَفْص بْن غِياث، وسعيد بْن مَنْصُور، وخالد بْن خِدَاش، وجماعة يسيرة.
وردَّ إِلَى وطنه. ثُمَّ رحل فِي حدود الخمس وعشرين ومائتين فسمع من: عليّ بْن الْجَعْد، ولم يروِ عَنْهُ فِي صحيحه لأجل بدعةٍ ما.
وسمع من: أَحْمَد بْن حنبل، وشَيْبان بْن فروُّخ، وخلف البزّاز، وسعيد بْن عَمْرو الأشْعثيّ، وعَوْن بْن سلام الدُّولابيّ، وأبي نصر التّمّار، ويحيى بْن بِشْر الحريريّ، وقُتَيْبَة بْن سَعِيد، وأُميّة بْن بِسْطام، وجعفر بْن حُمَيْد، وحيّان بْن مُوسَى المَرْوَزِيّ، والحَكَم بْن مُوسَى القَنْطَريّ، وعبد الرَّحْمَن بْن سلّام الْجُمَحيّ، وخلْق كثير من العراقيّين، والحجازيّين، والشّاميين، والمصريين، الخراسانيين. فسمي شيخُنا فِي تهذيب الكمال مائتين وأربعةً وعشرين شيخًا.
ورأيت بخطّ حافظ أنّه قد روى فِي صحيحه عن مائتين وسبعة عشر.
روى عَنْهُ: ت. حديثًا واحدًا فِي جامعه، ومحمد بْن عَبْد الوهاب الفرّاء، وعليّ بْن الْحَسَن بْن أبي عِيسَى الهلاليّ، وهما أكبر منه، وصالح بن محمد جَزَرَة، وأحمد بْن سَلَمَةَ، وأحمد بْن الْمُبَارَك المستملي، وهو من أقرانه، وإبراهيم بْن أبي طَالِب، والحسين بْن محمد القبّانيّ، وعليّ بْن الْحُسَيْن بْن الْجُنَيْد الرَّازيّ، وابن خُزَيْمَة، وأبو الْعَبَّاس السّرّاج، وابن صاعد، وأبو حامد بْن الشَّرقيّ، وأبو عَوَانة الإسْفرائينيّ، وأبو حامد أَحْمَد بْن حمدون الْأَعْمَش، وسعيد بْن عَمْرو البَرْذَعيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم ونَصْرَك بْن أَحْمَد بْن نصر الحُفّاظ، وأحمد بْن عليّ بْن الْحُسَيْن القلانسي، وإبراهيم بن محمد.
سُفْيَان الفقيه، وأبو بَكْر محمد بْن النَّضْر الجاروديّ، ومكّيّ بْن عَبْدان، ومحمد بْن مَخْلَد العطّار، وخلْق آخرهُم وفاةً أبو حامد أَحْمَد بْن عليّ بْن حَسْنَوية المقرئ أحد الضعفاء.
стр. 6313
ذكر الحافظ ابنُ عساكر فِي ترجمة مُسْلِم أنه سمع بدمشق من محمد بْن خَالِد السَّكسكيّ، ولم يذكر أنّه سمع من غيره.
وهذا بعيد، ولعلّه محمد بن خالد في الموسم، ولكن قَالَ ابنُ عساكر: حدَّثني أبو النَّصر اليُونارْتيّ قَالَ: دفع إليَّ صالح بْن أبي ورقة من لحاء شجرةٍ بخطّ مُسْلِم، قد كتبها بدمشق من حديث الْوَلِيد بْن مُسْلِم.
قلت: إنّ صح هَذَا فيكون قد دخل دمشق مجتازًا، ولم يُمْكنْه المُقام، أو مرض بها ولم يتمكّن من السّماع على شيوخها.
قَالَ أبو عَمْرو أحمد بْن الْمُبَارَك: سمعت إِسْحَاق بن منصور يقول لمسلم بن الحجّاج: لم نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين.
وقَالَ أَحْمَد بْن سَلَمَةَ: رَأَيْت أَبَا زُرْعة، وأبا حاتم يقدّمان مُسْلِم بْن الحَجّاج فِي معرفة الصّحيح على مشايخ عصرهما.
وسمعت الْحَسَن بْن مَنْصُور يقول: سمعت إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه، وذكر مُسْلِم بْن الحجّاج، فقال بالفارسيّة كلامًا معناه: أيّ رَجُل يكون هَذَا؟ قَالَ أَحْمَد بْن سَلَمَةَ: وعُقِد لمسلم مجلس المذاكرة، فذُكِر له حديث لم يعرفه، فانصرف إِلَى منزله وأوقد السِّراج، وقَالَ لِمن فِي الدّار: لا يدخل أحدٌ منكم. فَقِيلَ له: أُهْدِيَتْ لنا سلّة تمر.
فقال: قدِّموها.
فقدَّموها إليه، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فَنِي التّمرْ ووجد الحديث.
رواها الحاكم ثُمَّ قَالَ: زادني الثّقة من أصحابنا أنّه منها مات.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان ثقة من الحفّاظ، كتبت عَنْهُ بالرِّيّ، وَسُئِلَ أبي عَنْهُ فقال: صدوق.
وقَالَ أبو قُرَيْش الحافظ: سمعت محمد بْن بشّار يقول: حُفاظ الدُّنيا أربعة: أبو زُرْعة بالرِّيّ، ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدّارميّ بَسَمرْقَنْد، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
стр. 6314
وقَالَ أبو عَمْرو بْن حمدان: سَأَلت ابنُ عُقْدة الحافظ، عن الْبُخَارِيّ، ومسلم، أيُّهما أعلم؟ فقال: كان محمد عالمًا مسلم عالمًا.
فكرّرت عليه مِرارًا، ثُمَّ قَالَ: يا أبا عمرو وقد يقع لمحمد بْن إِسْمَاعِيل الغلط فِي أَهْل الشّام، وذلك أنّه أَخَذَ كُتُبَهم فنظر فيها، فربّما ذكر الواحد منهم بكُنْيته، ويذكره فِي مواضِع أُخَر باسمه ويتوهَّم أنَّهما اثنان، وأمّا مُسْلِم، فقلَّ ما يقع له من الغَلَط في العلل؛ لأّنه كتب المساني، ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل.
وقَالَ أبو عبد الله محمد بن بيعقوب بن الأخرم: إنّما أخْرَجَتْ نيسابور ثلاثة رجال: محمد بن يحيى الذُّهليّ، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وقال الحسن بْن محمد الماسَرْجِسيّ: سمعت أبي يقول: سمعت مسلمًا يقول: صنّفت هذا المسند الصّحيح من ثلاثمائة ألف حديثٍ مسموعة.
وقَالَ أَحْمَد بْن سَلَمة: كنت مع مُسْلِم فِي تأليف صحيحه خمسة عشر سنة. قَالَ: وهو اثنا عشر ألف حديث، يعني بالمكَّرر، وبحيث أنّه إذا قَالَ: ثنا قُتَيْبَةُ وابن رُمْح يعدُّهما حديثين، سواء اتّفق لفْظُهما أو اختلف.
وقَالَ ابنُ مَنْدَه: سمعت الحافظ أَبَا عليّ النَّيْسابوريّ يقول: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم.
وقال مكّي ين عَبْدان: سمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هَذَا المُسْنَد على أبي زُرْعة فكلّ ما أشار عليّ في هذا الكتاب له علّة وسببًا تركته. وكلّ ما قَالَ إنّه صحيح ليس له علّة، فهو الَّذِي أخرجت. ولو أنّ أَهْل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة فَمَدَارُهُم على هَذَا المُسْنَد.
وقَالَ مكي: سَأَلت مسلمًا عن عليّ بْن الْجَعْد فقال: ثقة، ولكنّه كان جهميًّا.
فسألته عن محمد بْن يزيد فقال: لا تكتب عنه.
وسألته عن محمد بْن عَبْد الوهّاب وعبد الرَّحْمَن بْن بِشْر فوثَّقهما.
وسألته عن قَطَن بْن إِبْرَاهِيم فقال: لا يُكتَب حديثه.
وممَّن صنَّف مستخرجًا على صحيح مُسْلِم أبو جَعْفَر بْن حمدان الحِيريّ، وأبو بَكْر محمد بْن محمد بْن رجاء النَّيسابوريّ، وأبو عَوَانة يعقوب بن إسحاق
стр. 6315
الإسْفَرائينيّ، وأبو حامد الشّاركيّ الهَرَوِيّ، وأبو بَكْر محمد بْن عَبْد الله الشّافعيّ، وأبو عبد اللَّه محمد بْن عَبْد اللَّه الحاكم، وأبو الْحَسَن الماسَرِجسيّ، وأبو نُعَيْم الإصبهانيّ، وأبو الْوَلِيد حسّان بْن محمد الفقيه.
وقَالَ أبو أَحْمَد الحاكم: نا أبو بَكْر محمد بْن عليّ الْبُخَارِيّ: سمعت إِبْرَاهِيم بْن أبي طَالِب يقول: قلت لمسلم: قد أكثرت فِي الصّحيح عن أَحْمَد بن عَبْد الرَّحْمَن الوَهْبيّ، وحاله قد ظهر.
فقال: إنّما نقموا عليه بعد خروجي من مصر.
وقَالَ الدّارَقُطْنِيّ: لولا الْبُخَارِيّ لمّا راح ولا جاء.
وقَالَ الحاكم: كان مَتْجَر مُسْلِم خان محْمَش، ومَعاشُه من ضِياعه بأُسْتُوا أَتَتْ من أعقابه من جهة البنات فِي داره. وسمعت أبي يقول: رَأَيْت مُسْلِم بْن الحجّاج يحدّث فِي خان مَحْمِش، وكان تامّ القامة، أبيض الرأس واللّحية، يرخي طرف عمامته بين كتفيه١.
وقَالَ أبو قُرَيْش: كنّا عند أبي زُرْعة، فجاء مُسْلِم فسلّم عليه وجلس ساعة وتَذَاكَرا، فَلَمَّا ذهبَ قلتُ له: هَذَا جمع أربعة آلاف حديث فِي الصّحيح! فقال أبو زُرْعة: لِمَ ترك الباقي؟ ثُمَّ قَالَ: ليس لهذا عقل لو داري محمد بن يحيى لصار رجلًا٢.
وقال مكّي ين عَبْدان: وافى دَاوُد بْن عليّ نَيْسابور أيام إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه، فعقدوا له مجلس النّظر، وحضر مجلسه يحيى بْن محمد بْن يحيى، ومسلم بْن الحَجّاج، فجرت مسألة تكلَّم فيها يحيى فَزَبَره دَاوُد وقَالَ: اسكت يا صبيّ. ولم ينصرْه مُسْلِم. فرجع إِلَى أَبِيهِ وشكى إليه دَاوُد، فقال أَبُوهُ: ومَن كان؟ ثُمَّ قَالَ: مُسْلِم ولم ينصرْني.
قَالَ: قد رجعت عن كلّ ما حدّثته به.
فبلغ ذلك مسلمًا، فجمع ما كتب عَنْهُ فِي زنبيلٍ وبعث به إليه، وقَالَ: لا أروي عنك أبدًا، ثُمَّ خرج إِلَى عَبْد بْن حُمَيْد.
стр. 6316
قَالَ الحاكم: علَّقت هَذِهِ الحكاية عن طاهر بْن أَحْمَد، عن مكّيّ. وقد كان مُسْلِم يختلف بعد هَذِهِ الواقعة إِلَى محمد، وإنّما انقطع عَنْهُ من أجل قصّة الْبُخَارِيّ.
وكان أبو عبد الله بْن الأخرم أعْرَف بِذَلِك، فأخبر عن الوحشة الأخيرة. وسمعته يقول: كان مُسْلِم بْن الحَجّاج يُظْهِر القول باللّفْظ ولا يكتمه. فَلَمَّا استوطن الْبُخَارِيّ نَيْسابور أكثَر مُسْلِم الاختلاف إليه، فَلَمَّا وقع بين الْبُخَارِيّ وبين محمد بْن يحيى ما وقع فِي مسألة اللّفظ، وتنادى عليه، ومنعَ النّاس من الاختلاف إليه حَتَّى هجر وسافر من نَيْسابور، قَالَ: فقطعه أكثر النّاس من غير مُسْلِم، فبلغ محمد بْن يحيى فقال يومًا: ألا مَن قَالَ باللَّفظ فلا يحلّ له أن يحضر مجلسنا.
فأخذ مسلم الرّداء فوق عمامته، وقام على رءوس النّاس، وبعثَ إليه بما كتب عَنْهُ على ظهر جَمّال.
وكان مُسْلِم يُظْهر القول باللَّفظ ولا يكتمه١.
وقال أبو حامد بن الشَّرقسّ: حضرت مجلس بْن يحيى فقال: ألا مَن قَالَ: لفْظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسَنا فقام مُسْلِم من المجلس. قَالَ أبو بَكْر الخطيب: كان مُسْلِم يناضل عن الْبُخَارِيّ حَتَّى أوحش ما بينه وبين محمد بْن يحيى بسببه.
قَالَ أبو عبد الله الحاكم: ذكْر مصنَّفات مُسْلِم: كتاب المُسْنَد الكبير على الرجال، ما أرى أنّه سمعه منه أحد، كتاب الجامع على الأبواب، رأيت بعضه، كتاب الأسامي والكنى، وكتاب المُسْنَد الصّحيح، كتاب التّمييز، كتاب العِلَل، كتاب الوحْدان، كتاب الأفراد، كتاب الأقران، كتاب سؤالات أَحْمَد بْن حنبل كتاب حديث عَمْرو بْن شُعَيْب، كتاب الانتفاع بأُهُب السِّباع، كتاب مشايخ مالك، كتاب مشايخ الثَّوريّ، كتاب مشايخ شُعْبَة، كتاب من ليس له إلّا راوٍ واحد، كتاب المُخَضْرمين، كتاب أفراد الشّاميّين.
وقَالَ ابنُ عساكر فِي أول كتاب الأطراف له بعد ذكر صحيح الْبُخَارِيّ، ثُمَّ سلك سبيله مُسْلِم، فأخذ فِي تخريج كتابه وتأليفه، وترتيبه على قسمين، وتصنيفه. وقصد أن يذكر فِي القسم الأول أحاديث أَهْل الإتقان، وَفِي القسم الثّاني أحاديث أهل الستر
стр. 6317
والصِّدق الّذين لم يبلغوا درجة المثَبَّتِين، فحال حُلُولُ المنيَّة بينه وبين هَذِهِ الُأمْنية، فمات قبل استتمام كتابه. غير أنَّ كتابه مع إعْوازِهِ اشتهرَ وانتشر.
وذكر ابنُ عساكر كلامًا غير هَذَا.
وقَالَ أبو حامد بْن الشَّرقّي: سمعت مسلمًا يقول: ما وَضَعْتُ شيئًا فِي هَذَا المُسْنَد إلّا بحُجّة، وما أسْقَطتُ منه شيئًا إلّا بحجَّة.
وقَالَ ابنُ سُفْيَان الفقيه: قلت لمسلم: حديث ابنُ عجلان، عن زَيْد بْن أسلم: وَإِذَا قُرئ فأنصتوا. قَالَ صحيح.
قلت: لِمَ لَمْ تضعْه فِي كتابك؟
قَالَ: إنّما وضعت ما أجمعوا عليه.
قَالَ الحاكم: أراد مُسْلِم أن يخرج الصّحيح على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الرُّواة.
وقد ذكر مُسْلِم هَذَا فِي صدر خُطْبته١.
قَالَ الحاكم: فلم يقدَّر إلًا الفراغ من الطبقّة الأولى، مات.
ثُمَّ ذكر الحاكم ذاك القول الَّذِي هُوَ دعوى، وهو قَالَ أن لا يذكر من الحديث إلا ما رواه صحابيٌ مشهور، له راويان ثقتان وأكثر، ثُمَّ يرويه عَنْهُ تابعيّ مشهور، له أيضًا راويان ثقتان وأكثر، ثُمَّ كذلك مَن بعدهم.
قَالَ أبو عليّ الْجَيّانيّ: المُراد بهذا أنّ الصحابيّ أو هَذَا التّابعيّ، وقد روى عَنْهُ رجلان خرج بهما عن حدّ الجهالة٢.
قَالَ عِياض: وَالَّذِي تأوّله الحاكم على مُسْلِم من اخترام المَنِيّة له قبل استيفاء غَرَضه إلّا من الطبقة الأولى. فأنا أقول إنّك إذا نظرت تقسيم مُسْلِم فِي كتابه الحديث كما قَالَ على ثلاث طبقات من النّاس على غير تكرار. فذكر أنّ القسم الأول حديث الحُفّاظ، ثُمَّ قَالَ: إذا انقضى هَذَا أتْبَعَه بأحاديث من لم يوصف بالحِذْق والإتقان، وذكر أنّهم لاحقون بالطبقة الأولى، فهؤلاء مذكورون فِي كتابه لمن تدبَّر الأبواب،
стр. 6318
والطبقة الثالثة قومٌ تكلَّم فيهم قومٌ وزكّاهم آخرون، فخرج حديثهم من ضعِّف أو اتُّهِمَ بِبِدْعة. وكذلك فعل الْبُخَارِيّ.
قَالَ عياض: فعندي أنّه أتى بطبقاته الثلاث فِي كتابه، وطرح الطبقة الرابعة١.
ثُمَّ سرد الحاكم تصانيف أخَرَ تركتُها.
ثُمَّ قَالَ: سمعت أَبَا عَبْد الله محمد بْن يعقوب يقول: تُوُفيّ مُسْلِم يوم الأحد، ودُفِنَ يوم الإثنين لخمسٍ بقين من رجب سنة إحدى وستّين ومائتين، وهو ابنُ خمسٍ وخمسين سنة.
قلت: وقبره مشهور بنَيْسابور ويُزار، تُوُفيّ وقد قارب السّتّين. وقد سمعت كتابه على زينب الكِنْدِيّة إِلَى النّكاح، وعلى ابنُ عساكر من النّكاح إِلَى آخر الصّحيح. كلاهما عن المؤيَّد الطُّوسيّ كتابة: أنا العزيزي، أنا الفارسي، أنا ابن عروبة، عن ابن سفيان، عن مسلم.
وسمعه المزني، والبرزالي، وطبقتهما قبلنا على القاسم الإربلي منه إجازة، بسماعه نقوله عن الطُّوسيّ، وهو عذْلٌ مقبول.
وسمعه النّاس قبل ذلك على الرِّضى التاجر، وابن عَبْد الدّايم، والمُزَنيّين.
وبِقَيْد الحياة منهم عددٌ كثير من الشّيوخ والكُهُول فِي وقتنا بمصر، والشّام.
وسمعه النّاس قبل ذلك بحين على ابنِ الصّلاح، والسَّخاويّ، وتلك الحَلَبة بدمشق على رأس الأربعين وستّمائة، من المؤيّد وأقرانه، وبمصر على ابنُ الحُبَاب، والمُدْلِجيّ، عن المأمون. فأحسن ما يُسمع فِي وقتنا على من يبقى من أصحاب هَؤُلَاء لتقدُّم سماعهم، فإنْ تعذر فعلى أجلّ أصحاب المذكورين قبلهم، وأجلهم بالإقليمين علمًا وفضلًا وثقة ونبلًا شيخ الإسلام أب إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن الفَزَاريّ الشّافعيّ ﵁ وأرضاه.
١٦٩- مُصْعَب بْن أَحْمَد البغداديّ القلانسيّ الزّاهد٢.
أبو أحمد.
стр. 6319
صحبه أبو سَعِيد بْن الأعرابيّ، وجعفر الخُلْديّ، وغيرهما.
وكان من طبقة الْجُنَيْد، ولكن تقدَّم موته.
كان على قدمٍ عظيمٍ من العبادة والأوراد والورع والتّجريد والقناعة، يأوي المسجد والصّحراء.
تُوُفيّ سنة سبعين.
١٧٠- مُعَاوِيَة بْن صالح ابْن الوزير أبي عُبَيْد الله مُعَاوِيَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ الأَشْعَرِيُّ١.
الحافظ أبو عُبَيْد الله.
رحل وكتب الكثير، وقلّد يحيى بْن مَعِين.
وحدَّث عن: أبي مُسْهَر الغسّانيّ، وعبد الله بن جعفر الرَّقيّ، وأبي غسان النَّهديّ، وخالد بن مخلد القطواني. وأبي الوليد الطَّيالسيّ، وأبي عبد الرحمن المقري، وخلق.
وعنه: النَّسائي، قال: لا بأس به.
وعنه: أبو زُرْعة الدّمشقي، وأبو حاتم، وابن جَوْصا، وأبو عَوَانة. وآخرون.
تُوُفيّ بدمشق سنة ثلاث وستّين ومائتين.
١٧١- مُوسَى بْن بُغا الكبير٢.
أحد قوّاد المتوّكل.
نُدِبَ سنة خمسين ومائتين لحرب أَهْل حمص حين قاتلوا واليهم. فأوقع بهم وقتل منهم خلْقًا، ورمى النّيران بحمص، وبالغ فِي العَسْف.
ثُمَّ ولي حرب الزَّنْج بالبصرة فنُصِر عليهم؛ وولي حرب الْحَسَن بْن أَحْمَد الكوكبيّ الحسينيّ الَّذِي استولى على قَزْوين وزنجان، فهزمه مُوسَى وقتل من عسكر الكوكبي نحو العشرة آلاف.
стр. 6320
تُوُفيّ سنة أربعٍ وستّين ومائتين.
١٧٢- مُوسَى بْن سهل بْن قادم.
أبو عِمْرَانَ الرَّمليّ. أخو عليّ بْن سهل١.
سمع: عليّ بْن عبّاس، وعمرو بن هاشم البروتيّ، وآدم بْن إياس، وطبقتهم.
وعنه: أبو دَاوُد، ابن خزيمة، ومحمد بن المسيّب الأرْغِيانيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم، وجماعة.
قَالَ أبو حاتم: صدوق.
تُوُفّي في جمادى الأولى ين اثنتين وستّين ومائتين.
١٧٣- مُوسَى بْن نصر بْن دينار.
أبو سهل الرَّازيّ٢.
سمع: جرير بْن عَبْد الحميد، وعبد الرَّحْمَن بْن مغراء، وجماعة.
وعنه: أَهْل الرِّيّ.
لكن قَالَ أبو حاتم: هُوَ أكفر من إبليس. يقول: الجنّة والنّار لم يُخْلقا، وإن خُلِقتا فسَيَفْنَيَان.
نقله الخلّال فِي كتاب السُّنّة له.
تُوُفيّ سنة إحدى وستّين ومائتين.
"حرف النون":
١٧٤- النَّضر بْن الْحَسَن.
الْمَوْصِلِيّ الفقيه الحنفيّ٣.
روى عَنْهُ: يزيد بْن هارون، ورَوْح بْن عُبادة، ويَعْلَى بْن عُبَيْد، وجماعة.
стр. 6321
وعنه: إِبْرَاهِيم بْن محمد الْمَوْصِلِيّ.
تُوُفيّ سنة إحدى أو اثنتين وستّين ومائتين.
١٧٥- النَّضر بْن سلمة بْن الجارود بْن يزيد١.
سمع: جدّه، ويحيى ين يحيى، وأبو الْوَلِيد الطَّيالسيّ.
وعنه: ولده الحافظ أبو بَكْر الجاروديّ، والحسن بْن عليّ بْن مَخْلَد، وغيرهما.
"حرف الهاء":
١٧٦- الهيثم بْن سهل التُّستريّ٢.
نزيل بغداد.
حدَّث عن: حمّاد بْن يزيد، وأبي عوانة، وعلب بْن مُسْهِر، وجماعة.
وعنه: عليّ بْن حَمَّاد، وجعفر والد أبي بَكْر القَطِيعيّ، ومحمد بْن يوسف الزّيّات، وأبو سَعِيد بْن الأعرابيّ، وآخرون.
ضعّفه الدّارَقُطْنِيّ.
وقَالَ الحافظ عَبْد الغني الْمَصْرِيّ: ضرب القاضي إِسْمَاعِيل على تحديث الهيثم بْن سهل، عن حمّاد بن يزيد، وأنكر عليه.
وقَالَ الهيثم: وُلِدْتُ سنة اثنتين وخمسين ومائة.
وعاش نيِّفًا وستّين.
"حرف الواو":
١٧٧- وهْب بْن حَفْص بْن الْوَلِيد بْن المحتسب٣.
الحرانيّ الزّاهد.
стр. 6322
عن: أَبِي قَتَادَة الحرّانيّ، وجعفر بْن عَوْن، وعبد الله بْن إِبْرَاهِيم الجدّيّ، وعثمان بْن عَبْد الرَّحْمَن، وجماعة.
وعنه: محمد بْن أَحْمَد بْن سهل الصّفّار، وأحمد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الصمد، وإسحاق بْن إِبْرَاهِيم النَّخعيّ، وآخرون.
قَالَ أبو عَرُوبه: كذّاب يضع الحديث.
وقَالَ أَحْمَد بْن خَالِد الحرّانيّ: كان من الصّالحين. مكث عشرين سنة لا يكلّم أحدًا.
"حرف الياء":
١٧٨- ياسين بْن عَبْد الأحد بْن أبي زرارة.
أبو اليُمْن القِتْبانيّ المصريّ١.
عن: جدّه، وأيوب بْن سُوَيْد المصريّ الرمليّ، ونعيم بْن حَمَّاد، وجماعة.
وعنه: النَّسائيّ، وابن خُزَيْمَة، وعَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر القَزْوينيْ، وأبو بَكْر بْن زياد النَّيسابوريّ، وجماعة.
قَالَ النَّسائيّ: لا بأس به.
واسم جدّه: اللَّيث بْن عاصم.
قَالَ ابنُ خُزَيْمَة: كان ياسين ملكًا من الملوك.
وقَالَ ابنُ يُونُس: صدوق.
مات فِي عاشر رمضان سنة تسعٍ وستّين.
١٧٩- يحيى بْن حجّاج الأندلسيّ٢.
عَنْ: يحيى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيّ، وعيسى بْن دينار، وسَحْنُون بْن سَعِيد، وغيرهم.
قتل في الواقعة التي كَانَتْ بالأندلس بين المسلمين والمشركين فِي سنة ثلاثٍ وستين. واستشهد فيها جماعة.
стр. 6323
١٨٠- يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن خالد بن فارس١.
الشَّهيد أبو زكريا الذُّهليّ النَّيسابوري. شيخ نَيْسابور بعد والده ومفتيها، ورأس المطَّوّعة.
من القرّاء.
سمع: يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وجماعة ببلده، وإبراهيم بْن مُوسَى بالرِّيّ، وأبا الْوَلِيد الطَّيالسيّ، وسلمان بْن حرب، وعليّ بْن عثمان اللّحقيّ، ومسدَّد بالبصرة، وأحمد بن حنبل، عليّ بْن الْجَعْد، وطائفة ببغداد، وإسماعيل بْن أبي أُوَيْس، وسعيد بْن مَنْصُور، وجماعة بالحجاز.
روى عَنْهُ: أَبُوهُ، والحسين بْن محمد القبّانيّ، وإبراهيم بن أبي طَالِب، وابن خُزَيْمَة، ومحمد بْن صالح بن هانئ، ومحمد بن يعقوب بن الأصرم، وآخرون.
وكان لقبه: حَيْكان.
قَالَ الحاكم: حيْكان الشّهيد إمام نيسابور فِي الفتوى والرئاسة، وابن أميرها، ورأس المطَّوَّعة بخُراسان. كان يسكن بدار أَبِيهِ ولكلٍّ منهما فيه صَوْمعة وآثار لعبادتهما.
وكان أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ قد ورد نَيْسابور ويحيى رئيس بها والقرّاء يَصْدُرُون عن رأيه.
وكانت الظّاهرية قد رفعت من شأنه وصيَّرته مُطَاعًا، ولم يُحسِن أَحْمَد الصُّحبة معه، وقصد الوضْع منه. ومع هَذَا فكان أَحْمَد مجتهدًا فِي التّمكُّن من الإمارة والاستبداد والأمور دون عِلْم يحيى، فكان لا يقدر، فَلَمَّا قدِم شِيرَوَيْه تمكَّن. فَلَمَّا خرج عن البلد تشوّش النّاس. عرض يحيى بضعة عشر ألفًا، وحاربوا قُوّاد الخُجُسْتانيّ وطردهم. وقتلوا أمّ أَحْمَد. فَلَمَّا رجع طلب يحيى وقتله.
سمعت أَبَا عَبْد الله بْن خُزَيْمَة يقول: ما رَأَيْت مثل حيْكان لا رحم الله قاتله.
стр. 6324
وسمعت محمد بْن يعقوب يقول: أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ هاربًا من نَيْسابور، فَلَمَّا خشي أهلُها رجوعَه اجتمعوا على باب حَيْكان يسألونه القيام لمنع الخُجُسْتانيّ، فامتنع. فَمَا زالوا به حَتَّى أجابهم. فعرضوا عليه زُهاء عشرة آلاف. ولمّا رجع الخُجُسْتانيّ تفرّقوا عن حَيْكان، فطُلِبَ، فخاف وهرب، فبينا هُوَ يسير فِي قافلة بين الحمّالين وهو بزيِّهم إذ عُرِف. فأخذ وأتوا به إلى الخُجُسْتانيّ، فحبسه أيّامًا، ثُمَّ غُيِّب شخصهُ، فَقِيلَ: إنّه بنى عليه جدارًا، وقِيلَ: قتله سرًّا.
سمعت أَبَا عليّ أَحْمَد بْن محمد بْن يزيد خَتن حَيْكان على ابنته يقول: دخلنا على أبي زكريّا بعد أن رُدّ من الطريق فقال: اشتراك فِي دمي خمسة: العبّاسان، وابن ياسين، وشِيرَوَيْه، وأحمد بْن نصر اللّبّاد.
سمعت أَبَا بَكْر الضُّبعيّ يقول: سمعت نوح بن أَحْمَد: سمعت الخجستانيّ يقول: دخلت على حيكان في مجلسه على أن أضربه خشبتين وأطبقه، فلما قربت منه قبضت على لحيته، فعض على خصيتي حتى لم أشك أنّه قاتلي، فَذَكَرْت سِكِّينًا فِي خُفّي، فجررتها وشَقَقْتُ بطْنه١.
سَمِعْتُ محمد بْن صالح بْن هانئ يَقُولُ: حضرنا الإملاء عند يحيى بن محمد بن رمضان، وقُتِل فِي شوّال سنة سبعٍ وستّين، فَرَبَضَتْ مجالسُ الحديث، وخبئِّت المحابر، حَتَّى لم يقدر أحد يمشي بمحبرة ولا كراريس إِلَى سنة سبعين، فاحتال أبو سَعِيد بْن إِسْمَاعِيل فِي ورود السَّريّ بْن خُزَيْمَة وعقد له مجلس الإملاء، وعلَّى المحبرة بيده، واجتمع عنده خلقٌ عظيم حَتَّى حضر ذلك المجلس.
قَالَ محمد بْن عَبْد الوهاب الفرّاء: حَتَّى لا نستطيع أن نسايره نَحْنُ ولا أعقابنا أنّ رجلًا جعل نحره لنا ونحن مطمئنون نعبد الله.
قَالَ صالح بْن محمد الحافظ فِي كتابه إِلَى أبي حاتم الرَّازيّ: كتبت تسألني عن أحوال أَهْل العلم بنَيْسابور وما بقي لهم من الإسناد فاعلم أنّ أخبار الدّين وعلم الحديث دون سائر العلوم اليوم مطروح مجفوّ حاله وأهل العناية به فِي شغل بالفِتَن الّتي دَهَمَتْهم وتواترت عليهم عند مقتل أَبِي زكريا يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى، وقد
стр. 6325
مضى لسبيله، ولم يخلف أحد مثله. ولزِم كلّ خاصّة نفسه. ومرقت طائفة ممّن كانوا يُظْهرون السُّنَّة فصارت تَدِين بدين ملوكها.
وقَالَ أبو عُمَر أَحْمَد بْن الْمُبَارَك المستملي: رَأَيْت يحيى فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غُفِر لي.
فقلت: ما فعل الله بالخُجُسْتانيّ. بعده سنة واحدة، وقتله غلمانه كما تقدَّم.
١٨١- يزيد بْن سِنَان بْن يزيد.
أبو خَالِد البصْريّ القزّاز، مَوْلَى قُرَيْش١.
نزل مصر، وحدَّث عن: يحيى بْن سَعِيد القطّان، ومُعاذ بْن هشام، وعبد الرَّحْمَن بن مهديّ، وجماعة.
وعنه: النَّسائيّ، وأبو عوانة، والطّحاويّ، وابن أبي حاتم، وآخرون.
وهو أخو محمد بْن سِنان القزّاز صاحب الجزء المشهور، وعمّ محمد بْن خُزَيْمَة الَّذِي سكن معه مصر.
وكان ثقة نبيلًا عالمًا. خرّج لنفسه المُسْنَد.
وهو آخر من حدّث عن يحيى القطّان بديار مصر.
تُوُفيّ فِي جُمادى الأولى سنة أربعٍ وستّين.
١٨٢- يعقوب بْن بختان٢.
الفقيه، صاحب الْإِمَام أَحْمَد.
روى عن: مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم، وأحمد بْن حنبل.
وعنه: أبو بَكْر بْن أبي الدنيا، وأحمد بن محمد بن أبي شَيْبَة.
قَالَ الخطيب: كان أحد الصالحين الثّقات.
١٨٣- يعقوب بْن شَيْبَة بْن الصَّلت بْن عصفور٣.
стр. 6326
الحافظ الكبير أبو يوسف السَّدوسيّ البصْريّ، نزيل بغداد.
سمع: عليّ بْن عاصم، ويزيد بْن هارون، وأزهر السَّمان، وبِشْر بْن عُمَر الزّهْرانيّ، وجعفر بْن عَوْن، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهميّ، وأبا عامر العَقَديّ، وعبد الوهاب الخفّاف، ووهْب بْن جرير، ويَعْلَى بْن عُبَيْد، وخلقًا من طبقتهم.
ثُمَّ كتب عن طبقةٍ أخرى بعدهم، كعليّ بْن المدينيّ، ويحيى بْن معين، وأحمد بْن حنبل.
ثُمَّ كتب عن طبقةٍ أخرى بعدهم كالحسن بْن عليّ الحلْوانيّ، ومحمد بن يحيى الذَّهليّ، وهارون الجمّال.
روي عَنْهُ: حفيده محمد بْن أَحْمَد بْن يعقوب، ويوسف بْن يعقوب الأزرق، وجماعة.
وثّقه الخطيب، وغيره.
وصنَّف مسندًا كبيرًا إِلَى الغاية القُصْوى لم يُتمّه. ولو تمّ لجاء فِي مائتي مجلد.
قَالَ الدَّارقطنيّ: لو كان كتاب يعقوب بْن شَيْبَة مسطورًا على حرامٍ لَوَجَبَ أن يُكْتَب.
وقَالَ أبو بَكْر الخطيب: حدَّثني الأزهريّ قَالَ: بلغني أنّه كان فِي منزل يعقوب بْن شَيْبَة أربعون لحافًا أعدَّها لمن كان يكتب عنده من الورّاقين الّذين يبيّضون المُسْنَد، ولَزِمَه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار.
قَالَ: وقِيلَ لي إنّ نسخةً بمُسْنَد أبي هُرَيْرَةَ شُوهِدت بمصر، فكانت مائتي جزء.
قَالَ: وَالَّذِي ظهر له من المسند: العشرة، وابن مَسْعُود، وعمّار، وعُقْبة بْن عَدْوان، وبعض الموالي.
قلت: وبلغني أنّ مُسْنَد عليّ ﵁ له فِي خمس مجلَّدات أَحْمَد بْن المعدّل، والحارث بْن مِسْكين. فقيهًا ثريًّا. وكان يقف فِي القرآن.
стр. 6327
وقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يحيى بْن خاقان: أمر المتوكل بمُسْنَد أَحْمَد بْن حنبل عمّن يتقلّد القضاء. قَالَ: فسألته، حَتَّى قلت: يعقوب بن شية؟ فقال: مبتدع صاحب هوى.
قَالَ أبو بَكْر الخطيب: وُصِف بِذَلِك لأجل الوقف، يعني يقول فِي القرآن فلا يقول: مخلوق ولا غير مخلوق.
قلت: أَخَذَ الوقف عن شيخه أَحْمَد بْن المعدل.
قَالَ المرُّوذيّ: أظهر يعقوب بْن شَيْبَة الوقف فِي ذلك الجانب، فحذِر أبو عبد الله أَحْمَد بْن حنبل منه.
تُوُفيّ فِي ربيع الأول سنة اثنتين وستّين.
١٨٤- يعقوب بْن اللَّيث الصّفّار.
الأمير أبو يوسف السّجِسْتانيّ، المستولي على خُراسان١.
ذكر عليّ بْن محمد أن يعقوب وعمرًا كانوا أخوين صفارين يظهران الزُّهد.
وكان صالح بن النَّضر المطوعي مشهورا بقتال الخوارج، فصحباه إلى أن مات، فتولّى مكانه درهم بْن الْحُسَيْن المطَّوِّعيّ، فصار معه يعقوب.
ثُمَّ إنّ أمير خراسان ظفر بدرهم، وبعث إِلَى بغداد، فحبسوه ثُمَّ أطلقوه، فخدم السّلطان، ثُمَّ إنّه تنسّك ولزِم الحجّ، وأقام ببيته.
قَالَ ابنُ الأثير: تغلب صالح بْن النَّضر الكِنانيّ على سِجِسْتان ومعه يعقوب، فاستنقذها منه طاهر بن عبد الله ابن طاهر، ثُمَّ ظهر بها درهم المطَّوِّعيّ فغلب عليها، وصار يعقوب قائد عسكره.
ورأى أصحاب درهم عجزه وضعف، فملكوا عليهم يعقوب لمّا رأوا من حُسْن سياسته. فلم ينازْعه دِرْهم، واستبدّ يعقوب بالإمرة، وقويت شوكته.
قَالَ عليّ بْن محمد: لمّا دخل درهم بغداد وَلِيَ يعقوب أمر المطَّوِّعة، وحارب الخوارج الشُّراة حتى أفناهم، وأطاعه جند طاعة لم يطيعوها أحدًا.
стр. 6328
واشتهرت صَوْلتُه، وغلب على سجِسْتان، وهَرَاة، وبُوشَنْج، ثُمَّ حضّهُ أَهْل سجِسْتان على حرب التّرْك الّذين بأطراف خُراسان مع رُتْبِيل لشدّة ضررهم، فغزاهم وظفر برُتْبيل فقتله، وقتل ثلاثة من ملوك التُّرك، ثُمَّ ردّ إِلَى سِجِسْتان وقد حمل رءوسهم مع رءوس أُلوفٍ منهم، فرهبته الملوك الّذين حوله، ملك المُولتان، وملك الرُّخج، وملك الطّبْسين، وملوك السِّنْد.
وكان على وجهه ضربة مُنْكَرَةَ من بعض قتال الشَّراة، سقط منها نصف وجهه، وَخَاطه ثُمَّ عُوفي.
وقد أرسل إِلَى المعتز بالله هديّة عظيمة، من جملتها مسجد فضّة يسع خمسة عشر نَفْسًا يصلُّون فِيهِ. وكان يُحمل على عدّة جِمال، ويُفَكَّك ثُمَّ يُركَّب.
ثُمَّ إنّه حارب عسكر فارس سنة خمسٍ وخمسين ومائتين، وقتل منهم أُلُوفًا. فكتب إليه وجُوه أَهْل فارس: إنّ كنت تريد الدّيانة والتّطَوُّع وقتل الخوارج فما ينبغي لك أن تتسرع فِي الدّماء. واعتدّوا للحصار، ونازلهم ووقع القتال، فظفر يعقوب بأميرهم عليّ بْن الْحُسَيْن بْن قُرَيْش وقد أُثْخِنَ بالجراح، وقتل من جُنْد فارس خمسة آلاف.
ودخل يعقوب شِيراز، فأمَّن أهلها وأحسن إليهم. وأخذ من ابنُ قريش أربعمائة بدرة، فأنفق في جيشه لكل ثلاثمائة درهم.
ثُمَّ بسط العذاب على ابنُ قُرَيْش حَتَّى أنّه عصره على أُنْثَيَيْه وصدْغَيْه، وقيّده بأربعين رطلًا، فاختلط عقله من شدّة العذاب.
ورجع يعقوب إِلَى سِجِسْتان، وخلع المعتز وبويع المعتمد على الله. ثُمَّ رجع يعقوب إِلَى فارس، فجبى خراجها ثلاثين ألف ألف درهم. واستعمل عليها محمد بْن واصل.
وكان يحمل إِلَى الخليفة فِي العام نحو خمسة آلاف ألف درهم.
وعجز الخليفة عَنْهُ، ورضي بمُدَاراته ومُهادنته. ودخل يعقوب إِلَى بَلْخ فِي سنة ثمانٍ وخمسين.
стр. 6329
ودخل إِلَى نَيْسابور بعد شهرين، وابن طاهر فِي أسْره ومعه ستُّون نفْسًا من أَهْل بيته، فقصد يعقوب جُرْجان وطَبَرِسْتان، فالتقاه المتغلِّب عليها حسن بْن زَيْد العلويّ فِي جيشٍ كبير فحمل عليهم يعقوب في خمسمائة من غلمانه، فهزمهم. وغنم يعقوب ثلاثمائة وقرْ مالًا كَانَتْ خزانة الْحَسَن بْن زَيْد، وأسر جماعة من العلويّين وأساء إليهم.
وكانت هذه الوقعة في رجب في سنة ستّين.
ثُمَّ دخل آمُل طَبَرِسْتان وقَصَد الرِّيّ، وأمر نائبها بالخروج عَنْهَا، وأظهر أنّ المعتمد على الله ولّاه الرِّيّ. فغضب المعتمد عندما بلغه ذلك، وعاقب غلمان يعقوب الذين ببغداد. فسار يعقوب في سنة إحدى وستين نحو جرجان، فقصده الْحَسَن بْن زَيْد العلويّ فِي الدَّيْلم من ناحية البحر، فنال من يعقوب وهزمه إِلَى جُرْجان. فجاءت بجُرْجان زلزلة قتلت من جُنْد يعقوب ألفي نفس. وأقام يعقوب به فظلم وعَسَف، واستعان مَن ببغداد مِن أَهْل خُراسان على يعقوب، فعزم المعتمد على حربه، ورجع يعقوب إِلَى جوار الرِّيّ وأخذ يستعدّ. ودخل نَيْسابور وصادر أهلها، ثُمَّ خرج إِلَى سِجِسْتان.
وجاءت كُتُب المعتمد إِلَى أعيان خُراسان بالحطّ١ على يعقوب وبأنْ يهتمّوا له. فأخذَ يكاتب الخليفة ويُداريه، ويسأله ولاية خُراسان وفارس وشرطتي بغداد وسامرّاء، وأن يعقد أيضًا على الرِّيّ، وطَبَرِسْتان، وجُرْجان، وأَذْرَبِيجَان، وكرْمان، وسِجِسْتان، ففعل ذلك المعتمد بإشارة أَخِيهِ الموفَّق. وكان المعتمد مقهورًا مع أَخِيهِ الموفَّق، فاضطّربت الموالي بسامرّاء لذلك وتحرّكوا.
ثُمَّ إنّ يعقوب لم يلتفت إِلَى ما أُجيبَ إليه من ذلك، ودخلَ خُوزستان وقارب عسكر مُكْرَم عازمًا على حرب المعتمد، وأخذ العراق منه. فوصلت طلائع المعتمد، وأقبلت جيوش يعقوب إلى دير العاقول، ووقع المصافّ، فبرز بين الصّفَّين خشتج أحد قوّاد المعتمد وقال: يأهل خراسان وسجستان ما
стр. 6330
عرفناكم إلّا بالطاعة والتّلاوة والحجّ، وإنّ دينكم لا يتّم إلّا بالإتّباع. وما نشك أنّ هَذَا الملعون قد موَّه عليكم، فَمَنْ تمسَّك منكم بالإسلام فلينفُرْ عَنْهُ. فلم يجيبوه.
وقِيلَ: كان عسكر يعقوب ميلًا فِي ميل، ودوابُّهم على غاية الفراهة، فوقف المعتمد بنفسه، وكشف الموفَّق أخوه رأسه وقَالَ: أَنَا الغلام الهاشميّ. وحمل وحمي الحرب، وقُتِل خلقٌ من الفريقين، فهزم يعقوب وأخذت خزائنه، وما أفلت أحمد من أصحابه إلّا جريحًا، وأدركهم الليل فوقعوا من الزّحمة وأثقلتهم الجراح.
وقَالَ أبو السّاج ليعقوب: ما رَأَيْت منك شيئًا من تدبير الحرب، فكيف كنت تغلب النّاس؟ فإنّك جعلت ثِقَلَك وأسْراك أمامك، وقصَدت بلدًا على قلة معرفة منك بمَخَائضه وأنهاره، وسرت من السُّوس إِلَى واسط فِي أربعين يومًا، وأحوال عسكرك منحلَّة. فقال: لم أعلم أنّي محارب، ولم أشكَّ فِي الظَّفر.
وقَالَ عَبْد الله بْن أَحْمَد بْن أبي طاهر: بعث يعقوب رُسُلَه إِلَى المعتمد، ثُمَّ سار إِلَى واسط فاستناب عليها، ووصل إِلَى دَيْر العاقول، فسار المعتمد لحربه.
وقَالَ أبو الفَرَج الكاتب: نهض الخليفة لمحاربة الصّفّار، ولم تزل كُتُبه تصل إِلَى الخليفة بالمراوغة ويقول: إنّي قد علمت أنّ نهوض أمير المؤمنين يشرّفني وينبّه على موقعي منه. والخليفة يرسل إليه ويأمره بالانصراف، ويحذَّره سوء العاقبة. ثُمَّ عبّى الخليفة وجيشه، وأرسلوا المياه على طريق الصّفّار، فكان ذلك سبب هزيمته، فإنّهم أخذوا عليه الطّريق وهو لا يعلم. والتحم القتال، ثُمَّ انهزم الصّفّار وغنموا خزائنه. وتوهَّم النّاس أنّ ذلك حيلة منه ومكرًا، ولولا ذلك لاتّبعوه. ورجع المعتمد منصورًا مسرورًا.
وخلص من أسر الصّفّار يومئذٍ محمد بْن طاهر أمير خُراسان، وجاء فِي قيوده إِلَى الخليفة، فخلع عليه خلْعةً سلطانية.
وقِيلَ إنّ بعض جيش يعقوب كانوا نصارى على أعلامهم الصُّلبان.
وكانت الوقعة فِي ثاني عشر رجب سنة اثنتين وستّين.
وانهزم الصّفّار إِلَى واسط، وعاث أصحابه فِي أعمال واسط، ثُمَّ سار إِلَى تُسْتَر،
стр. 6331
لم يهجمه أحد، ولا اقتحموا عليه، فحاصر تُسْتَر وأخذها. وتراجع جيشه وكثُر جمعه.
وكان موته بالقُولَنْجٍ، فَقِيلَ: إنّ طبيبةُ أخبره أنّ لا دواء له إلّا الحُقْنة فامتنع، وبقي ستّة عشر يومًا وهلك.
وكان المعتمد قد أنفذ إليه رسولًا يترضاه فوجده مريضًا.
وكان الْحَسَن بْن زَيْد العلويّ صاحب جُرْجان يسمّيه السّندان لثَباته. وكان قل أن يُرَى متبسّمًا.
وولي بعده أخوه وأحسن السّيرة إِلَى الغاية، وامتدّت أيّامه.
مات يعقوب فِي رابع عشر شوّال سنة خمسٍ وستّين بجُنْدَيْسابور.
١٨٥- يعقوب الزّيّات١.
أحد مشايخ الطّريق بالعراق، صحب أَبَا تراب النَّخشبيّ، وأبا حاتم العطّار، وأبا عليّ بْن الذّارع.
وذكر السُّلميّ فقال: هُوَ من أقران الْجُنَيْد.
مات هُوَ وأخوه جَعْفَر مُحرِمَيْن فِي طريق الحجّ سنة اثنتين وستّين.
١٨٦- يوسف بْن بحر التّميميّ٢.
أبو القاسم، قاضي حمص.
روى عن: علي بن عاصم، ويزيد بن هارون، وطبقتهما.
وعنه: ابنُ صاعد، ومحمد بن المسيّب الأرْغِيانيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم، ومحمد بن سليمان بْن حيدرة.
وأمّا أخوه خيثمة بْن سُلَيْمَان فأسرته الإفْرنج، فلم يخلص من الأسر حَتَّى مات يوسف. وكان بغداديًا نزل الشّام.
قَالَ ابن عديّ: ليس بالقويّ، أتى عن الثّقات بمناكير.
стр. 6332
١٨٧- يوسف بن محمد بن صاعد١.
مولى يني هاشم، أخو الحافظ يحيى.
سمع: خلّاد بْن يحيى، وسليمان بْن حرب، وجماعة.
روى عَنْهُ: أخوه يحيى، وعليّ بْن إِسْحَاق المادَرَائيّ، وعبد الله الحامض.
وكان موثَّقًا.
تُوُفيّ سنة سبعٍ وستّين.
١٨٨- يُونُس بْن حبيب.
أبو بِشْر العِجْليّ، مولاهم الإصبهانيّ٢.
روى عن: أبي دَاوُد الطيالسيّ جملة كثيرة من المُسْنَد.
وعن: عامر بْن إبراهيم، وبكر بن بكّار، ومحمد بن كثير الصّنعانيّ، وجماعة.
وعنه: أبو بكر بن أبي داود، وعليّ بن رستم، وأبو بكر بن عاصم، جماعة.
آخرهم موتًا عَبْد الله بْن جَعْفَر بْن فارس.
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بإصبهان وهو ثقة. وحدَّثني ابنُ أبي عاصم أنّ أَحْمَد بْن الفُرات أمره بالكتابة عن يُونُس بْن حبيب.
وقَالَ غيره: كان عظيم القدر بإصبهان، معروفًا بالسّتْر والصّلاح. تُوُفيّ سنة سبعٍ وستّين أيضًا.
روى القراءة عن قُتَيْبَةَ بْن مِهْران.
"الكُنَى":
١٨٩- أبو حاتم العطّار٣.
الْبَصْرِيّ العارف، أحد مشايخ الطّريق بالبصرة.
стр. 6333
قَالَ ابنُ الَأعرابي: لم يبلُغْنا أنّه كان في عصره أحد يُقَدَّم عليه فِي العلم بهذه المذاهب، وكان مع ذلك ملازمًا لسوقه وتجارته. يركب الحمار ويدلّل فِي العطّارين غير متمكن من الدُّنيا منحلّ، غير أنّه يرِد فِي هَذِهِ المذاهب حَتَّى ناب عن غيره، وتَلْمَذَ له من كان بالبصرة ممّن هُوَ أحسن منه.
وكان البغداديون يدخلون البصرة يقصدون كلٌّ منهم محمد بن وهب، ويعقوب الزّيّات، وزريق النّفّاط، وغيرهم.
وكان ظاهره مظاهر التّجار والعامّة منبسطًا معهم، فإذا تكلَّم كان غير ذلك. أخبرني محمد بْن عليّ: سمع أَبَا حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيّ: ربّما ذكر أبو حاتم، وكان يتكلم يوم الجمعة، فيقول فِي كلامه: لا تسألوني عن حالي، واعْفوا لي عن نفسي. حسابي على غيركم. اجعلوني كالفتيل أحرق نفسي وأُضيء لكم. وكان لا يظهر عليه خشوع ولا تنكيس رأس ولا لباس. وكان من أَهْل السُّنَّة والإتقان، يُزْري على الغسّانيّة وأهل الأوراد وأخْذِ المعلوم، كما يذمّ أَهْل الدُّنيا ومن يأوى إِلَى الأسباب.
يقول: من لم يعبد الله الغالب على قلبه، فإنّما يعبد هواه ونفسه.
وكان يقول: من ذكر الله نسي نفسه. ومن ذكر نعمة الله نسي عمله.
وكان عامّة فِي المعاني. ويقول: الأبطال فِي النُّجوم، والسّرائر فِي القلوب.
وتحتاج تتوب من توبتك وتعبد الله له لا لك.
ويْحَك كم تبكي وتصيح، صحّح واسترح.
السّاحة بالقلوب، وسَيْر الشّواتي سفر لا يقضي.
دع الإحصاء والعَدَد، وصُمِ الدُّنيا وأفطِر الآخرة.
وكان يقول، إذا رَأَى عليهم الفُوَط والّأبْراد والصوف، وهم يُصَلّون: قد نشرتم أعلامكم وضربتم طُبُولكم، فليت شعري فِي اللّقاء أيّ رجال أنتم؟ قال زريق النّفّاط، أو غيره: رَأَيْت أَبَا حاتم بيده عطْر يعرضه للبيع، فسألته عن مسألة، فقال: لكلّ مقامٍ مقال، ولكن اصْبِر حَتَّى أفرغ. وكان إذا فرغ جلس يوم الجمعة، اجتمع إليه الصُّوفيّة وأصحاب الحديث والغُرَباء، وعامّة، مسجد البصرة، وجميع الطبقات.
وكان الّذين يلزمون حلقته: ابنُ الشُّويطيّ. وأبو سَعِيد الغَنَويّ، والمَرْزُوقيّ. وكان الغَنَويّ يميل إِلَى شيءٍ من الكلام ويعرفه.
стр. 6334
وكان فِي المسجد طائفة من النّاس يُنْكِرون على أَهْل المحبّةِ لمّا يبلغهم من التّخليط، وكانوا أهل حديث، وكلّهم يستملي أَبَا حاتم ويُعْجبه كلامه لرقَّته، ولقَوْله بالسُّنّة ومخالفته الغسّانيّة.
وكانوا يميلون إليه هُوَ وعبد الجبار السُّلميّ، والحسن بْن المُثَنَّى، وأحمد بن أبي عُمَر، وابن أبي عاصم، والْجُذُوعيّ. كلّ هَؤُلَاء صوفيّة المسجد من أَهْل السَّنة والحديث يتحلَّون النُّسك والأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَر. وكان لهم بالبلد قدرٌ وهَيْبة.
وقَالَ السُّلميّ: كان أبو حاتم العطّار أستاذ الْجُنَيْد وأبي سَعِيد الخرّاز.
وكان من جِلّة مشايخهم، مِن أقران أبي تراب النَّخشبيّ. وهو أول من تكلّم بالعراق فِي علوم الإشارات.
وعن محمد بْن وهْب قَالَ: دخلت البصرة أَنَا ويعقوب الزَّيَّات، فأتينا أَبَا حاتم العطّار، فدقَقْنا الباب، فقال: من هَذَا؟ قلت: رَجُل يقول الله.
فخرج ووضع خدّه على الأرض، وقَالَ: بقي مَن يُحْسِن يقول الله!
١٩٠- أبو حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيّ الصوفيّ١.
أحد الكبار، اسمه محمد بْن إِبْرَاهِيم.
تُوُفيّ سنة تسعٍ وستّين. قاله أبو سَعِيد بْن الأعرابيّ.
تحوَّل ترجمته إِلَى هنا من بعد الثمانين.
ومن أخباره: قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الأَعْرَابِيِّ فِي كِتَابِ طبقات النُّسَّاك: قدم أبو حَمْزَةَ من طَرَسُوس إِلَى بغداد، فجلس واجتمع إليه النّاس. وما زال مقبولًا حَسَن الظّاهر والمنزلة إِلَى أن تُوُفيّ. وحضر جنازته أَهْل العلم والنُّسك. وصلّى عليه بعض بنبه، وغسّله جماعة من بني هاشم.
стр. 6335
وقدَّم عليه الْجُنَيْد، يعني فِي الصّلاة، فامتنع، فتقدَّم ولده. وقام المكبرِّون يسمعون النّاس.
وصعد الخطيب المعروف بالكاهليّ على سطح ليبلّغ النّاس.
قال ابن الأعرابيّ: وكنت أَنَا وأبو بَكْر غلام بُلْبل، ومحمد الدِّينَوريّ، بائتين فِي مسجد أبي حَمْزَةَ ليلة موته، فمات فِي السَّحر. وأُخبرتُ أنَه كان يقرأ حزبه من القرآن حَتَّى ختم فِي تلك اللَّيلة. وكان صاحب ليل، مقدَّمًا فِي علم القرآن وحِفْظه. خاصّة قراءة أبي عَمْرو. وقد حملها عَنْهُ جماعة. وأخذ عَنْهُ كتاب اليزيديّ. وأخبرني مَرْدَويْه أبو عَبْد الرَّحْمَن المقرئ أنّه لم يَرَ أحدًا يقدّمه فِي قراءة أبي عَمْرو، والقيام بها على أبي حَمْزَةَ.
وقد قرأ ابنُ مجاهد على مَرْدَويْه.
وكان سبب عِلّته أنّ النّاس كثُروا، فأُتي أبو حَمْزَةَ بكُرسيّ، فجلس عليه، ثُمَّ مرّ فِي كلامه بشيءٍ أعجبه، فردّده وأُغمي عليه حَتَّى سقط عن الكُرسيّ.
وقد كان هَذَا يصيبه كثيرًا، فانصرف من المجلس بين اثنين يوم الجمعة، فتعلّل ودُفِن فِي الجمعة الثانية بعد الصّلاة.
وكان أستاذ البغداديّين، وهو أوّل من تكلّم ببغداد فِي هَذِهِ المذاهب من صفاء الذَّكر وجمع الهمّة والمحبّة والشَّوق والأنس، لم يسبقه بها على رءوس النّاس ببغداد أحد.
وكان قد طاف البلاد، وصحِب النُّسّاك بالبصرة، وغيرهما.
وسافر مع أبي تراب وأشكاله طالبًا الحقائق.
وجالس أَبَا نصر التّمّار، وأحمد بن حنبل، وسَرِيّ السَّقطيّ، وهو مَوْلَى لعيسى بْن أبان القاضي.
وقد سمعت أَبَا حَمْزَةَ غير مرّة يقول: قَالَ لي أَحْمَد بْن حنبل: يا صوفيّ ما نقول في هذه المسالة؟ ١
стр. 6336
١٩١- أبو السّاج.
كان من كبار قُوّاد المعتمد على الله، وإليه تُنْسب الأجناد السّاجيّة ببغداد.
مات بجُنْدَيْسابُور فِي ربيع الأول سنة ستٍّ وستّين ومائتين، وخلف أموالًا عظيمة.
стр. 6337
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبقة الثامنة والعشرون:
أحداث سنة إحدى وسبعين ومائتين:
فيها تُوُفيّ: عَبَّاس الدُّوريّ، وعبد الرَّحْمَن بْن محمد بْن مَنْصُور الحارثيّ، ومحمد بْن حَمَّاد الظهراني، ومحمد بْن سِنَان القزاز، ويوسف بْن سَعِيد بْن مُسْلِم.
تعطيل الجمعة فِي مسجد الرَّسُول:
وفيها دخل محمد، وعليّ ابنا الْحُسَيْن بْن جَعْفَر بْن مُوسَى بْن جَعْفَر الصّادق بْن محمد المدينة، فقتلا فيها، وجَبَيا الأموال، وعطَّلت الجمعة والجماعة فِي مسجد رَسُول اللَّهِ ﷺ شهرًا.
عزْل عَمْرو بْن اللَّيْث:
وفيها عزل المعتمد عَمْرو بْن اللَّيث، وأمر بلعنه على المنابر. وولى خُراسان محمد بْن طاهر.
وكان محمد ببغداد، فاستناب عَنْهُ على نَيْسابور رافع بْن هرثمة.
إقرار نصر بْن أَحْمَد على بخارى وسمرقند:
وأمَّر على بخارى وسمرقند نصر بْن أَحْمَد بْن أسد.
مسير رافع بْن هرثمة إِلَى جرجان:
ثُمَّ جاءت كتب الموفَّق إِلَى رافع بقصد جرجان وآمل، وكانت للحسن بْن زَيْد، فسار إليه رافع سنة أربع وسبعين.
الوقعة بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق وخمارويه:
وفيها كَانَتْ وقعة عظيمة بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق، وبين خمارويه بْن أَحْمَد بْن طولون بأرض فلسطين. كان الموفَّق قد جهَّز ولده فِي جنود العراق، وأعطاه
стр. 6338
الأموال، وولّاه أعمال مصر والشام. فسار إِلَى الشّام، فنزل بفلسطين. وجاء خمارويه، وكان قد قام فِي ولاية أَبِيهِ بعده، فالتقيا بحيث جرت الأرض من الدماء. ثُمَّ انهزم خمارويه إِلَى مصر، ونُهِبَتْ أثقاله. ونزل أبو الْعَبَّاس فِي مضربه.
وكان سعد أعدّ كمينًا لخمارويه، فخرج على أبي الْعَبَّاس وهم عابرون، فانهزم جيشه، وذهب إِلَى طَرَسُوس منهزمًا فِي نفرٍ يسير، وذهبت خزائنه. فانتهب الجميع سعد ومن معه. وهذا من أعجب الأمور، وهو انهزام كل واحدٍ من المقدَّمين، ثمَّ اقتتال عسكرهما بعد رواحهما. ثُمَّ كان النصر للمصريين.
تقييد ابنُ أبي الساج وإطلاقه:
وفيها قدم يوسف بْن أبي الساج مقيَّدًا على جمل. وكان قد وثب على الحاجّ، فقاتلوه وأسروه، ثُمَّ إنّه حَسنت حاله، وبكى على فعله، وشفع فِيهِ مؤنس، فأطلق.
خروج إِسْحَاق الطالبي وإفساده بالمدينة:
وفيها خرج بالمدينة إِسْحَاق بْن محمد الطالبي الجعفري، فقتل أمير المدينة الفضل بْن الْعَبَّاس بْن حسن العباسي، وعاث وأفسد وخرّب المدينة١.
стр. 6339
أحداث سنة اثنتين وسبعين ومائتين:
تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بْن عَبْد الجبار العطاردي وهو ابنُ عاصم الإصبهانيّ، وأبو عُتْبة أَحْمَد بْن الفرج الحمصيّ، وأحمد بْن مهديّ بْن رستم، وسليمان بْن سيف الحّرانيّ، وأبو أحمد محمد بن بد الوهاب الفراء، وأبو جَعْفَر محمد بْن عَبْد الله بْن المنادي، ومحمد بْن عوف الحمصي.
الخلاف بين ابنُ الموفَّق ويازمان الخادم:
وفيها وقع خلاف بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق وبين يازمان الخادم فِي طَرَسُوس، فأخرج أهلها أَبَا الْعَبَّاس عَنْهُمْ. فقدِم بغداد فِي جمادى الآخرة.
стр. 6340
دخول الخوارج المَوْصِل:
وفيها: دخل حمدان بْن حمدون وهارون الشّاريّ الخوارج مدينة المَوْصِل. وصلّى الشاري بالناس فِي الجامع.
القبض على صاعد بْن مخلد وبنيه:
وفيها قبض الموفَّق على صاعد بْن مخلد وعلى بنيه ومواليه، واستكتب عوضه إِسْمَاعِيل بْن بلبل.
حركة الزَّنْج بواسط:
وفيها تحركت الزَّنْج بواسط وصاحوا: أنكلائيّ يا مَنْصُور. وكان أنكلائيّ ابنُ الخبيث، وسليمان بْن جامع، والمهلَّبيّ، والشَّعرانيّ، وغيرهم من قواد الزَّنج محبوسين ببغداد فِي يد فتح السَّعيديّ.
فكتب إليه الموفّق أن يذبح الجماعة ويبعث رءوسهم، ففعل.
وقِيلَ صلبت أبدانهم على الجسر. والله أعلم١.