← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

كان، ولكن يحتاج إلى زيادة ليقع موقعه، فكأن المائة قد وقعت موقعها، ولكن تحتاج إلي زيادة. وقولهم: كان جميع الحكم، فصار بعضه، يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر بالصوم، فإن الصلاة كانت جميع الشرع، ثم صارت بعضه، ولا يكون ذلك نسخاً. ثم يبطل هذا بالنقصان فإنه إذا سقط من المائة خمسون، لم يكن نسخاً للباقي، وقد صارت كل الحد بعد أن كانت بعضه. واحتج: بأن النقصان نسخ، فوجب أن تكون الزيادة نسخ. والجواب: أن النقصان يسقط حكماً ثابتاً فأوجب دخوله في اللفظ في وقت مستقبل، وليس كذلك الزيادة؛ لأنها لا تسقط حكماً، وهذا كما نقول: إنه إذا نسخ صوماً أو صلاةً، كان نسخاً، وإن زاد صوماً بعد الصلاة، لم يكن نسخاً فدل على الفرق بين النقصان وبين الزيادة. واحتج: بأنه لا يصح أن يجمع بين الزيادة وبين حكم النص في خطاب واحد، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول الله تعالى: إذا غسلتم فى هذه الأعضاء أجزأتكم الصلاة وإن لم تنووا، ثم يقول مع ذلك: إن لم تنووا الطهارة لم تجزئكم صلاتكم، وكذلك [١١٩/ب] لا يقول: قد أوجبت عليكم إذا حكمتم أن تحكموا بشهادة رجل واحد وامرأتين دون غيرهم، ثم يقول مع ذلك: واخترت لكم الحكم في الشاهد واليمين. وكذلك لا يصح أن يقول: إن جلد مائة جميع حد الزاني، ثم يقول مع ذلك: هو بعض حده، فإذا استحال جمعها (١) في خطاب واحد، وجب أن يكون ورود الزيادة بعد استقرار حكم النص موجباً لنسخه. والجواب: أن هذا يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر بالصوم، فإنه لا يصح أن يجمع بين الصوم وبين الصلاة في خطاب واحد، فلا

стр. 1017

يصح ان يقول: إذا صليتم برأت ذمتكم من كل عبادة، وإن لم تصوموا، ثم يقول مع ذلك: إن لم تصوموا لم تبرأ ذمتكم، ومع هذا فإيجاب الصيام بعد الصلاة لا يكون نسخاً للصلاة، كذلك ها هنا. واحتج من قال بأنها إذا غيرت كانت نسخاً: بأن الركعتين قبل الزيادة عليهما (١) كانتا تجزئان عن الفريضة ويصحان بانفرادهما، فلما ضم إليهما (٢) ركعتين آخرتين صارتا غير مجزئتين ولا يصحان (٣) بانفرادهما، فكان ذلك نسخاً لهما. والجواب: أن الركعتين صحيحتان واقعتان عن الفرض، لكن ضم إليهما شيء آخر، فهو بمنزلة إشتراط ستر العورة فيها واستقبال القبلة ونحو ذلك من الشرائط. ثم هذا باطل بالزيادة على الحد، فإنه كان قبل الزيادة محرماً، وتحصل به الكفارة، وبعد الزيادة لا تجزىء، ولا يكون ذلك نسخاً عند هذا القائل، وكذلك مبيحة للنكاح، فإذا زيد فيها، لم تكن مبيحة للنكاح من غير الزيادة، ولا يكون نسخاً، كذلك ها هنا. واحتج: بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخاً لدليل الخطاب، فيجب (٤) أن يكون نسخاً للمزيد عليه، وبيانه: إذا أمر الله تعالى بأن يجلد الزاني مائة واستقر ذلك، ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة، كان ذلك نسخاً لدليل الخطاب، لأن قوله: اجلدوا مائة، دليله: لا يجلد أكثر منها.

стр. 1018

وهذا كما قال الصحابة والتابعون: إن قول النبي ﷺ : (الماء من الماء) منسوخ، وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه، دون حكم النطق؛ لأن حكم النطق ثابت لم يتغير. والجواب: أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه، فهو (١) بعد الزيادة، كهو (٢) قبلها، وليس كذلك دليل الخطاب، فإنه قد زال، لأن تقديره: لا تزيدوا على المائة، وقد أوجب الزيادة عليها، فصار المنع من الزيادة منسوخاً. وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ، وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم، قال: لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر الواحد. والصحيح: أنه نسخ؛ لأن [١٢٠/أ] العموم إذا استقر بتأخير بيان التخصيص كان ما يراد من التخصيص بعده نسخاً، كذلك دليل الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخاً. فصل (٣) إذا نص على حكم في عين من الأعيان بمعنى، وقيس عليه كل موضع وجد فيه ذلك المعنى، ثم نسخ الله تعالى حكم تلك العين صار حكم الفروع منسوخاً.

стр. 1019

وقال أصحاب أبي حنيفة: يبقى الحكم في جميع الفروع (١) ، وذكروا ذلك في مسألتين: إحداهما وضوء النبي ﷺ بالنبيذ الذي كان مع عبد الله بن مسعود (٢) . فقيل لهم: إنه كان نيئاً، ولا يجوز عندكم أن يتوضأ بالنبيذ النيء. فقالوا: إذا ثبت بالنص جواز الوضوء بالنيء، لأنه ثمرة طيبة وماء طهور، وجب جوازه بالمطبوخ، لأن هذا المعنى موجود فيه، وقد نسخ حكم النيء وبقي حكم المطبوخ. والمسألة الثانية: النية لصوم رمضان بالنهار، فرووا عن النبي ﷺ أنه بعث إلى أهل العوالي (٣) يوم عاشوراء (٤) أن من لم يأكل

стр. 1020

فليصم (١) فأجاز صوم يوم عاشوراء بالنية من النهار، وكانت العلة فيه: أنه صوم مستحق في زمان بعينه، وهذا المعنى موجود في صوم رمضان وغيره، ثم نسخ صوم عاشوراء، وبقي حكمه في غيره. دليلنا: أن ما ثبت تابعاً لغيره وجب أن يزول بزوال الموجب والمقتضى إذا

стр. 1021

زال، كالحكم المتعلق بالعلة إذا زالت العلة زال الحكم المتعلق بها. واحتج المخالف: بأنه لو نسخ ذلك لكان نسخاً بالقياس على موضع النص، وهذا لا يجوز بالإجماع. والجواب: أنه ليس بنسخ بالقياس، وإنما زال الموجب فزال ما تعلق به، كما زالت العلة فزال الحكم المتعلق بها، وإنما النسخ بالقياس: أن ينسخ حكم الفرع بعد استقراره بالقياس على أصل شرع بعد استقراره، وهذا لا يجوز بالإجماع، فأما إزالته بنسخ أصله، فليس ينسخ بالقياس. فصل (١) إذا كان الناسخ مع جبريل ﵇، ولم يَصِل إلى النبي ﷺ ، فإنه ليس بنسخ. وإن وصل إلى النبي ﷺ ، فهل يكون نسخاً؟ ظاهر قول أصحابنا: أنه ليس بنسخ إلا عند من بلغه ذلك وعلمه؛ لأنه أخذ بقصة (٢) قباء، واحتج بها على إثبات خبر الواحد في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد. واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: مثل هذا، ومنهم من

стр. 1022

قال: يكون نسخاً، ولا يعتبر علمهم به (١) . دليلنا: أن أهل قباء صلوا ركعة إلى بيت المقدس، ثم استداروا في الصلاة، ولو كان النسخ ثبت [١٢٠/ب] في حقهم لأمروا بالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء، دل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم. ولأن الخطاب لا يتوجه إلى من لا علم له به، كما لا يخاطب النائم والمجنون لعدم علمهما وتمييزهما. ولأنه لا خلاف أنه مأمور بالأمر الأول، ومتى تركه مع جهله بالناسخ كان عاصياً، فدل على أن الخطاب باق عليه. واحتج المخالف: بأنه لا يمتنع أن يسقط حكم الخطاب بما لم يعلمه، ألا ترى أنه إذا وكل في بيع سلعة، ثم عزل الوكيل، ولم يَعْلم بعزله انعزل، وإن باع السلعة بطل بيعه، كذلك ها هنا. والجواب: أن في تلك المسألة روايتين: إحداهما: لا ينعزل، ويحكم بصحة بيعه، وكذلك لو مات الموكل، فباع، يصح بيعه، فعلى هذا لا فرق بينهما (٢) . وعلى هذا قال أصحابنا: إذا حلف على زوجته فقال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فأذن لها، وهي لا تعلم، وخرجت وقع الطلاق،

стр. 1023

ولم يكن لذلك الإذن حكم. وفيه رواية أخرى: ينعزل الوكيل وإن لم يعلم (١) . فعلى هذا الفرق بينهما: أن أوامر الله تعالى ونواهيه مقرنة بالثواب والعقاب، فاعتبر فيها علم المأمور [به] والمنهي عنه فيها، وليس كذلك الإذن في التصرف والرجوع فيه، فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. فصل (٢) في الخبر هل يصح نسخه أم لا؟ ينظر فيه: فإن كان لا يصح أن يقع إلا على الوجه المخبر به، فلا يصح نسخه، كالخبر عن الله تعالى بأنه واحد ذو صفات، والخبر بموسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين، والخبر بخروج الدجال في آخر الزمان ونحو هذا، فهذا لا يصح نسخه؛ لأن نسخه والرجوع عنه يفضي إلى الكذب، وهذا لا يجوز على الله تعالى، فلم يجز ذلك. وإن كان مما يصح أن يتغير، ويقع على غير الوجه المخبر عنه، فإنه يصح نسخه كالخبر عن زيد بأنه مؤمن أو كافر، أو عبد أو فاسق، فهذا يجوز نسخه، فإذا أخبر عن زيد بأنه مؤمن، جاز أن يقول بعد ذلك: هو كافر. وكذلك يجوز أن يقول: الصلاة على المكلف في المستقبل،

стр. 1024

ثم يقول بعد مدة: ليس على المكلف فعل الصلاة؛ لأن نسخ ذلك لا يفضي إلى الكذب في الخبر؛ لأنه يجوز أن تتغير صفته من حال إلى حال، كما يجوز أن يتغير حكم المكلف عن العبادة من زمان إلى زمان. فصل (١) في الإجماع لا يصح نسخه؛ لأنه (٢) حجة: انعقدت بعد انقطاع علم الوحي؛ لأنه ينعقد بعد وفاة النبي ﷺ ، وقد انقطع الوحي بعد وفاته. وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضاً؛ لأن الناسخ هو الوحي، والوحي قد انقطع، فلا نسخ بغيره. فإن قيل: أليس اذا وجدتم خبر الواحد تركتموه بالإجماع؟ قيل: يترك بالإجماع، [١٢١/أ] ولا ينسخه به، بل يستدل بالإجماع على نسخه؛ لأنه لو كان الخبر صحيحاً لم يخرج عن الأمة؛ لأن الأمة ضبطوا الأخبار، فإذا رأينا خبراً يخالف ما اجماعهم عليه، استدللنا بإجماعهم على نسخه. فإن قيل: أليس إذا كانت الصحابة على قولين، ساغ الأخذ، بكل واحد منهما، فإذا أجمع التابعون على أحد القولين بدل القول الآخر، فقد نسختم بالإجماع. قيل: لا يزول القول الآخر بإجماع التابعين، لأن التابعين لو أدركوا

стр. 1025

كلهم عصر الصحابة، وكانوا مع أحد القولين لم يزل الأخذ، فبأن لا يزول بإجماعهم بعد انقراض الصحابة أولى. وإن قلنا: يزول أحد القولين، لم يكن نسخاً بالإجماع، لكنا نقول: إنما ساغ العمل بكل واحد منهما بشرط أن لا يكون مانع منه، فإذا وجد ما يمنع منه، لم يسغ العمل به، كما نقول: يجوز الاجتهاد والعمل به ما لم يعلم النص، فإذا علم زال الاجتهاد لوجود النص، لا أنه نسخ الاجتهاد، كذلك ها هنا. فصل (١) فأما القياس فلا ينسخ؛ لأنه يستنبط من أصل، فلا يصح نسخه مع بقاء الأصل المستنبط منه، والأصل باق، فكان القياس باقياً ببقائه. وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضاً؛ لأنه إنما يصح ما لم يعارضه أصل، فإن عارضه أصل سقط في نفسه. فبطل أن ينسخ الأصل به مثل أن يقول: علة الربا في البر: مكيل جنس، فإن وجد خبر عن النبي ﷺ في جواز التفاضل في الأرز، سقط القياس. ولأن القياس دليل محتمل، وليس بالقوى الذي يقع به النسخ. فصل (٢) وأما دليل الخطاب وما في معناه من التنبيه، نحو قوله: (فلا تقل

стр. 1026

لهمَا أفّ) (١) ، فإنه ينسخ وينسخ به. وهو قول المتكلمين. خلافاً لأصحاب الشافعي، فيما حكاه الإسفراييني (٢) : أنه لا ينسخ ولا ينسخ به (٣) . دليلنا: أن المنع من الضرر ثبت نطقاً لا قياساً، فصح نسخه، والدليل على ثبوته نطقاً: أنهم قالوا: هذا مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه. ولأن ما ثبت باللفظ ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، ألا ترى أنه لو قال: اقتلوا أهل الذمة؛ لأنهم كفار، جاز قتل عبدة الأوثان بهذا اللفظ، وإن لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة، لكن من طريق العلة والتنبيه، كذلك ها هنا. ولأن القياس: ما يختص بفهم أهل النقل والاستدلال، وما دل عليه فحوى الخطاب، فإنه يستوي فيه العالم والعامي.

стр. 1027

فإن قيل: ما ثبت نطقاً؛ لأنا لا ننطق بالمنع من الضرب، ولا سمع منه صيغة الضرب، وإنما عرف ذلك من معنى النطق، ومعنى النطق هو نفس القياس. قيل: قد بينا أنه ثبت بالنطق من الوجه الذي بينا، وهو أنه يضاف [١٢١/ب] إلى اللفظ. ولأن الصيغة غير معتبرة من الوجه الذي بينا. وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في باب القياس، وذكرنا أن الحكم الثابت من طريق التنبيه، لا يسمى قياساً، وإنما هو مفهوم الخطاب وفحواه. فصل (١) مما يعلم به النسخ ويعلم بثلاثة أشياء: أحدها: النطق كقوله تعالى: (اْلآنَ خَففَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أن فِيكُمْ ضَعْفاً) (٢) فنسخ عنهم أن يصابر كل واحد عشرة إلى أن يصابر اثنين نطقا. وهكذا قال تعالى: (عَلِمَ اللَهُ انتَكُم كُنْتمْ تَخْتَانُونَ أئفُسَكمْ فَتَابَ علَيْكمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَاْلآنَ بَاشِرُوهُن

стр. 1028

وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَينَ لَكمّ الخيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخيطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (١) ، فكان الأكل والشرب محرماً عليهم بغير القرآن، فنسخ عنهم (٢) بالقرآن. وهكذا قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها) و (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا) فنسخ ذلك نطقاً. وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية الحسن بن علي بن الحسن الإسكافي (٣) ، وقد سئل هل في الحديث ناسخ ومنسوخ؟ فقال: نعم، مثل لحوم الأضاحي وما أشبهه. الثاني: أن يرد خبران متعارضان، ويعلم أن أحدهما يغير الآخر، مثل أن يقول: لا تزوروا القبور، ثم ثبت أنه قال بعد ذلك: زوروها، فيعلم بأن المتأخر عن الأول ناسخ للأول. وكقوله ﷺ : (كنت رخصت لكم في جلود الميته، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (٤) ؛ لأن النسخ باللفظ لا يعلم بأنه بعد الأول.

стр. 1029

وهذا قد نزل متأخرأ في التلاوة متقدماً في التنزيل، كقوله: (لا يَحِلُّ لَكَ النَسَاءُ مِن بَعْدُ) (١) ، هذا منسوخ بقوله تعالى: (يَا أَيها النبي إنا أحْلَلْنَا لَكَ أَزْواجَكَ) (٢) الآية، والناسخ متقدم في التلاوة ومتأخر في التنزيل. وهكذا كانت العدة حولاً، فنسخت بأربعة أشهر وعشر، وكان الناسخ متقدماً في التلاوة، والمنسوخ متأخراً، وهو قوله: (وَالّذِين يُتَوَفّونَ مِنْكم وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبصنَ بِأَنْفُسِهِن أَربَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (٣) ، نسخ بها قوله تعالى: (وَصِية لأزْوَاجِهِم متَاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاج) (٤) وهذا متأخر في التلاوة. وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية عبد الله: تستعمل الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر، فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به. والثالث: أن يرى خبر الواحد يخالف الإجماع، فيستدل بالإجماع على نسخه، لا أن الإجماع نسخه. وإذاك ثبت أن العلم بالمتأخر يقع به النسخ، فالمتأخر يعلم بأحد أسباب ثلاثة: أحدها: النطق، كقوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها) ، (كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا) ، هذا عرف المتأخر منه لفظاً.

стр. 1030

الثاني: أن يخبر الصحابي أن هذه الآية نزلت بعد آية، فيصير إليه [١٢٢/أ] ، وينسخ بخبره. الثالث: أن ينقل الراوي خبراً، ثم ينقل غيره ضده، فيعلم أن الأول مات قبل إسلام الراوي الثاني، فإن نقل الثاني يعلم أنه متأخر عن الأول، وذلك في مس الذكر، روى طَلْق بن علي (١) عن النبي ﷺ : (لا وضوء من مسه) (٢) ، وروى أبو هريرة ﵁: (وجوب الوضوء

стр. 1031

من مسه) (١) ، وكان خبر أبي هريرة متأخراً؛ لأن أبا هريرة أسلم

стр. 1032

بعد وفاة طَلْق بن علي، وقبل وفاة النبي ﷺ بأربع سنين (١) .

стр. 1033

فصل (١) والنسخ إنما يقع مع التعارض، هو: أن يعارض الناسخ المنسوخ، فأما إذا ورد شرعان لا يتعارضان، فلا ينسخ أحدهما الآخر. وقول من يقول: إن صوم رمضان نسخ صوم عاشوراء، لا يصح؛ لأن فرض رمضان لا ينافي صوم عاشوراء، وإنما وافق نسخ عاشوراء فرض رمضان، فقال الناس: نسخ به، وليس كذلك، بل ينسخ مع فرضه لا به. فصل (٢) إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة، فإنا لا نصير إلى قوله حتى يخبر بماذا نسخت. أومأ إليه في رواية صالح فقال: هذا ما خرجه أبي في الحبس فقال في أوله: بعث نبيه، وأنزل عليه كتابه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من باطنه وظاهره، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه. وهذا يدل على أنه مخصوص بذلك. ثم ذكر بعد ذلك بأوراق قوله تعالى: (وَالَذِينَ يُتَوَفوْنَ مِنْكُمْ

стр. 1034

ويذَرُونَ أزوَاجاً وَصيَة لأِزْوَاجِهِم متاعاً إلى الْحوْل غَيْرَ إخْرَاج) (١) ، فمن دل على أنها منسوخة غيرهم. وإنما أراد بذلك الصحابة، وظاهر هذا أنه يصار إلي قوله. وذكر بعد ذلك بأوراق قوله تعالى: (وَعَلىَ الذِين يطُيقونَهُ فِدية) (٢) قال ابن عباس: الفديةُ ولا قضاء عليه (٣) . وقال علقمة (٤) وعبيدة (٥) : نسختها الآية التي بعدها (فَمنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَهْرَ فليصمْهُ) (٦) . وظاهر هذا أنه صار إلى قول التابعين، ثم قال: لا يصير إلى قوله. وهو قول أصحاب أبي حنيفة والشافعي، لئلا تناول نسخَها بما لا

стр. 1035

يجوز نسخُها به كأخبار التواتر. وقد بينا أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز، ولأن أكثر أحواله أن ينقل خبراً من جهته، فلا ينسخ به القرآن. فأما خبر الواحد إذا أخبر به صحابي، وزعم أنه منسوخ، فإن على قول من يجوز للراوي نقل معنى الأخبار، يجب أن يثبت به النسخ؛ لأن ظاهر كلامه أنه معنى كلام رسول الله ﷺ في النسخ؛ لامتناع أن يحمل قوله على غير جهته. وأما على قول من يعتبر اللفظ، فلا ينسخ به؛ لجواز أن يكون ما سمعه ظن أنه ناسخ، ولو أظهره لم يكن ناسخاً عندنا. ويفارق هذا إذا روى الصحابي خبراً وفسره، قبلنا تفسيره، لأنا إنما نقبل تفسيره في الخبر المحتمل، على ما تقدم، بيانه، فجعلنا تفسيره، لمشاهدة التنزيل وحضور التأويل [١٢٢/ب] [و] ها هنا اللفظ المنسوخ غير محتمل. فصل (١) نسخ بعض العبادة لا يوجب نسخ الباقي وحكي عن بعض الشافعية أن المنقوص إذا لم يكن ثابتاً على الوجه الذي كان ثابتاً عليه في الابتداء، فإن نقصانه يوجب نسخ جميعه، كنسخ التوجه نسخ (٢) لجميع الصلاة (٣) .

стр. 1036

دليلنا: أن الله تعالى لما نسخ التوجه إلى بيت المقدس، لم يوجب ذلك نسخ أوصاف الصلاة، فوجب أن يكون على ما كان عليه، وجرى مجرى نسخ منها، كالطهارة والستارة. ولأن النسخ جارٍ مجرى التخصيص في باب كون كل واحد منهما رافعاً لبعض ما تناوله اللفظ، وكان تخصيص بعض ما تضمنه العموم لا يوجب سقوط جميعه، كذلك نسخ بعضه لا يوجب نسخ جميعه. فصل يجوز النسخ بأفعال النبي ﷺ وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في التخصيص للعموم بأفعاله. خلافاً لأبي الحسن التميمي من أصحابنا قال: لا يجوز، بناه على أن أفعاله لا تدل على الوجوب. وذكر هذا في أوراق وقعت إلي فيها النسخ بأفعاله، والتخصيص بأفعاله، وأجاز التخصيص بأفعاله. والدلالة عليه: أن النبي ﷺ وأمته في أحكام الشرع سواء، إلا ما دل عليه دليل التخصيص. ن

стр. 1037

باب الأخبار (١) حقيقة الخبر: ما دخله الصدق أو الكذب، كقوله: رأيت زيداً، وضربت عمراً، يحتمل أن يكون صادقاً، ويحتمل أن يكون كاذباً. وقد يدخل في معنى الخبر ما ليس بخبر، كالإيماء والإشارة، مثل أن يقال ": أَمَر بك العسكر"؟، فيومىء برأسه، أو يشير بيده "لا"، أو"نعم"، فيحتمل الصدق أو الكذب، وليس بخبر؛ لأن حقيقة الخبر ما كان لفظاً أو نطقاً. وليس يعرف كون الخبر صدقاً أو كذباً من نفس الأخبار، وإنما يعلم بدليل غيره أنه صدق أو كذب، لا نفس الأخبار، فلهذا المعنى جاء الطلب والاستخبار والتمني خارجاً من هذا الحد لكونهما مما لا يصح فيهما الصدق أو الكذب. ولا يجوز أن يقال: حد الخبر: ما صح أن يدخله الصدق فقط؛ لأن

стр. 1038

الإخبار عن الحال خبر، وإن لم يجرِ فيه الصدق. ولا يحد بأنه: ما صح فيه الكذب فقط؛ لأن الخبر عن الواجب خبر، وان لم يدخله الكذب. ولا يجمع أيضاً بين الأمرين لامتناع جوازهما في أخبار الله تعالى وأخبار رسوله، وإن كان [١٢٣/أ] خبر صدق لا يجوز أن يكون إلا على صفة واحدة. ومن الناس من قال: هذا الحد على ما كانت تعرفة العرب من الأخبار، ولا يدخل في ذلك أخبار الله تعالى وأخبار رسوله صلى الله عليه [وسلم] . مسألة (١) للخبر صيغة تدل بمجردها على كونه خبراً كالأمر، ولا يفتقر إلى قرينة يكون بها خبراً، وهو قول القائل: قام زيد، وزيد قام، وضرب زيد، وزيد ضارب. وقالت المعتزلة: لا صيغة له، وإنما يدل اللفظ عليه بقرينة، وهو قصد المخبر إلى الإخبار، كقولهم في الأمر (٢) . وقالت الأشعرية: الخبر نوع من الكلام، وهو معنى قائم في النفس يعبر عنه بعبارة تدل تلك العبارة على الخبر لا بنفسها، كما قالوا في الأمر والنهي، والكلام في هذه كالكلام في تلك المسألة (٣) .

стр. 1039

دليلنا: ما ذكرنا، وهو أن ما احتمل الصدق والكذب خبر، وما لم يحتمل فليس بخبر، فدل على أن الخبر إنما كان خبراً لما وضع له من كونه محتملاً للأمرين، كما قلنا في الأمر، لما كان استدعاء الفعل ممن هو دونه، دل على أن الأمر إنما يكون أمراً لكونه استدعاء. مسألة (١) العلم يقع من جهة الأخبار المتواترة، مع اختلاف في صفة التواتر كما يقع من جهة المشاهدات. وهذا ظاهر على أصلنا؛ لأنه أثبت العلم بأخبار الصفات. وهو قول كافة أهل العلم. وحكي عن بعض الأوائل -وقيل هم السمنية (٢) ، وقيل: هم البراهمة (٣) - أنه لا يقع العلم بشيء من الأخبار، وإنما يقع العلم بالمحسوسات والمشاهدات.

стр. 1040

دليلنا: أنا نجد نفوسنا عالمة بالبلدان النائية "كمكة" و"البصرة" و"الصين" وغير ذلك من البلاد والسير الماضية كأيام بني أمية وبني العباس، كما نجدها عالمة بالمشاهدات والمحسوسات. ومنكر هذا كمنكر علم المشاهدات من السوفسطائية (١) ، ولا طريق له غير الخبر. فإن قيل: لو كان العلم بالخبر جارياً مجرى العلم بالمشاهدات، لم يحتج في ذلك إلى تكرار الخبر وتواتره، كما لا يحتاج إلى تكرار المشاهدات والمحسوسات، ولما احتيج في ذلك إلى التواتر، دل على أن العلم لا يقع به. قيل: إنما اختلفا من هذا الوجه؛ لأن العلم بالمشاهدات من كمال العقل، إذ لا يصح أن يكون كامل العقل يشاهد (٢) الشيء ولا بعلمه، وليس كذلك العلم بالأخبار؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في العلم به عند

стр. 1041

التواتر [١٢٣/ب] فكان وقوع العلم به تابعاً للعادة. يبين صحة هذا أن الله تعالى قد أجرى العادة ممن يدرس الشيء ليحفظه إذا كرر الدرس، وكذلك أجرى العادة في السكر عند تكرار الشرب. واحتج المخالف: بأنه لو كان خبر التواتر يوجب العلم ويقطع العذر لوجب أن لا تنكر نبوة محمد ﷺ ، لأنكم تعلمونه بنقل تواتر، فلما لم تثبتوا نبوته قطعاً بطل أن يكون التواتر موجباً للعلم. والجواب: أنه إنما لم تثبت نبوته قطعاً؛ لأنها لم تثبت ضرورة، وإنما عرفت بالاستدلال القوي، وهو الآيات والمعجزات على يده، ونقل إلينا ذلك نقلاً، فلذلك (١) لم تثبت ضرورة، لا لمعنى يعود إلى الأخبار. وجواب آخر أجود من هذا وهو: أن ردهم للخبر لا يدل على أن العلم لم يقع به، بدليل أنهم شاهدوا معجزاته وعاينوها وردوها، ومعلوم أن العلم يقع بالمشاهدات، ومع هذا فقد ردوها، وكذلك الخبر عنه. واحتج: بأن اليهود تخبر بأن موسى ﵇ قال: شريعته مؤبدة، وهم عدد كثير وجم غفير، ولا يقع العلم بخبرهم، والنصارى تخبر بقتل المسيح ﵇ وصلبه، ولا يقع العلم بخبرهم. والجواب: أن النصارى عدد يسير أخبروا بمشاهدة قتله، وكانوا قد شبه لهم. ويجب أن يكون أولهم وآخرهم ووسطهم سواء في النقل، والعدد الكثير إذا رووا عن عدد قليل، فإن العلم لا يقع بصحة المخبر عنه. وأما خبر اليهود فكذلك أيضأ؛ لأن "بُخْتنصّر" (٢) قتلهم، فلم

стр. 1042

يكن خبرهم عمن يثبت بنقله التواتر. [و] قد قيل: إن "ابن الرواندي" (١) لقنهم ذلك بأصبهان، ولا يعرف ذلك إلا من جهته. والدليل عليه: أنهم لم يقولوا هذا لعيسى ولا لمحمد ﵉، فلو كان صحيحاً لوجب من طريق العادة أن يكون ذلك أولى ما يقولونه لهما، ويقصدون بذلك تكذيبهما. وجواب آخر وهو: أن اليهود لم تكن مجمعة على هذا الخبر، بدلالة أن جماعة منهم آمنوا بالنبي ﷺ ، وكذلك النصارى. ولأن النصارى كانوا يختلفون -وإلى وقتنا هذا- في قتل المسيح، واليهود اختلفوا في آية الرجم. واحتج: بأنه إذا جاز عليهم الصدق مع كثرتهم، جاز عليهم الكذب أيضاً، وما الفرق بينهما؟ والجواب: أن الصدق له سبب يدعو إلى الإخبار به، وهو علم كل واحد منهم بما شاهده (٢) وأدركه، وليس للكذب سبب، وإنما يكذب الكاذب لغرض يخصه [١٢٤/أ] ، وأغراض العدد الكثير لا تتفق، وخواطرهم لا تتسق إلا بجامع يجمعها وحامل يحملها على ذلك من رغبة أو رهبة، ولهذا

стр. 1043

إذا دخل غريب "بغداد"، واستدل على "جامع المنصور"، ولم يجز أن يقع من العدد الكثير أن يدلوه على "بِيعة"، ويجوز أن يتفق هذا من عدد يسير، ويجوز أن يتفق العدد الكثير على أن يدلوه على المسئول عنه، وَيصدقوا فيه، فدل على الفرق بينهما. واحتج: بأنه لا يخلو إما أن يقع العلم بخبر الأول أو الأخير، ولا يجوز وقوعه بالأول ولا بالأخير؛ لأنه آحاد، فدل على أنه لا يصح أن يقع العلم بالخبر بوجه. والجواب: أن العلم يقع بخبر جميعهم؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بحصول العلم عند اجتماعهم، ولهذا إذا شككنا فيه مشكك لم نشك، وفي خبر الواحد نشك فقط، فسقط ما قالوه. مسألة (١) والعلم الواقع بالأخبار المتواترة ليس من شرطه أن يجمع الناس كلهم على التصديق به وهذا ظاهر على أصلنا؛ لأن أحمد ﵀ أثبت أخبار الصفات، وهي موجبة للعلم مع اختلاف الناس في قبولها. خلافاً لليهود في قولهم: من شرط وقوع العلم به أن لا يكون في الناس من يكذبه (٢) .

стр. 1044

دليلنا: أنه لو كان من شرط (١) العلم به اجتماع الناس على تصديقه، لم يجز وقوع العلم بخبر على وجه من الوجوه، إذ يستحيل من الواحد أن يلْق جميع الناس ويسير إليهم أو يسيروا إليه (٢) ، ولما أجمعنا على صحة العلم بخبر التواتر، دل على فساد قولهم. فإن قيل: لا يعتبر العلم بتصديق جميع الناس، وإنما يعتبر أن لا يعلم فيهم من يكذب المخبرين. قيل: إذا جاز أن يعلم صحة المخبر عنه مع تجويز أن يكون في الناس من يكذبه، لم يكن من شرط (٣) وقوع العلم بصحته اجتماع الكافة على التصديق. فإن قيل: إذا لم أعلم أن فيهم مكذباً علمت أنه لا مكذب فيهم، إذ لو كان فيهم ذلك لكذب المخبرين، وكان تكذيبه حينئذ ينقل إلينا؛ لأن العادة جارية بأن مثل هذا لا يترك نقله. قيل: إذا كانت العادة جارية أن مثل هذا لا يترك نقله، فالعادة أيضاً جارية أن الجماعة الكثيرة التي لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب، إذا أخبرت بشيء وقع العلم بخبرهم، ولا فرق بين من منع ذلك وبين من منع ترك نقل تكذيب من يُكذب المخبرين. وأيضاً: فإنا نجد أنفسنا ساكنة إلى العلم ببعض البلدان [١٢٤/ب] التي أخبرنا بها، وإن كنا نعلم أن في الناس من لم يسمع بذلك ولم يخطر على باله،

стр. 1045

فضلاً عن أن يصدق به، فلو كان تصديق جميع الناس شرطاً في وقوع العلم بخبر المخبر، لم يصح وقوع العلم لنا بما ذكرنا وفي علمنا بوجود ذلك دليل على فساد ما ذهبوا إليه. واحتج المخالف: بأن المسلمين كلهم كالنفس الواحدة، ولا يجوز وقوع العلم بنقلهم معجزات النبي ﷺ ، لأنها تكون شاهدة لنفسها. والجواب: أن هذا المعنى قائم في اليهود؛ لأنهم كالنفس الواحدة، فيلزمهم أن لا يثبتوا معجزات موسى ﵇ بنقلهم لها. فإن قيل: إنما صح وقوع العلم بمعجزات موسى ﵇، لأن المسلمين والنصارى قد شهدوا بصحتها. وأما اليهود فلم يشهدوا بصحة معجزات محمد ﷺ ، فلهذا لم يجز وقوع العلم بنقلها. قيل (١) : المسلمون والنصارى عند اليهود كفار، فكيف تصح شهادتهم؟! بل وجود شهادتهم عند اليهود كعدمها. مسألة (٢) العلم الواقع بالأخبار المتواترة معلوم من جهة الضرورة لا من جهة الاكتساب والاستدلال وهو قول أكثر أهل العلم. وحكي عن البلخي وغيره من المعتزلة: أن العلم يقع به اكتساباً، ولا يقع اضطراراً.

стр. 1046

دليلنا: أنه لو لم يكن معلوماً ضرورة لأدى إلى الشك في النبوات، وهذا لا يجوز. ولا يلزم على هذا معرفة الله تعالى أنها استدلال. ولا يفضي ذلك إلى الشك؛ لأنه لا طريق إلى معرفة القديم من طريق الإحاطة والإدراك، وليس كذلك المحدثات، لان الإحاطة والإدراك يصدق (١) عليها. ويبين هذا أن ما جعل طريقاً إلى معرفة الضرورات يتطرق على المحدثات، وهو الحواس الخمس، ولا يتطرق ذلك على القديم. ولأن هذا النوع من العلم علم بمحدث لا يمكن دفعه عن النفس ولا الشك منه ولا الارتياب، فثبت أنه معلوم ضرورة كالمشاهدات، ولو كان مكتسباً لدخل فيه الشك إذا شكك فيه والريبة. وإنما شرطنا في الدليل: علم بمحدَث، لئلا يدخل عليه معرفة الله تعالى، لأنها معلومة على وجه لا يمكن الارتياب والشك فيه، وهي من جهة الكسب؛ لأن ذلك علم بقديم لا بمحدث. ودليل آخر وهو: أنه لو كان معلوماً من جهة الاستدلال [١٢٥/أ] والكسب لم يقع إلا لمن هو من أهل التأويل والنظر، فلما وقع ذلك لمن ليس من أهل التأويل والنظر كالصبيان وغيرهم، ثبت أنه معلوم من جهة الضرورة.

стр. 1047

واحتج المخالف: بأنه لما حسنت المطالبة بالدلالة على أن خبر التواتر يوجب العلم. وحسنت إقامة الدلالة عليه علمنا أن العلم الواقع عنده اكتساب، وليس هو بضرورة. والجواب: أن هذا باطل بالعلم بالمشاهدات، فإن السوفسطائية تطالبنا بالدليل على صحة ذلك؛ لأن ذلك عندهم ظن وحسبان، ومع هذا فقد أجمعنا نحن ومخالفينا على حصول العلم الضروري في ذلك مع حسن الدليل عليه، كذلك فيما حصل من جهة الخبر المتواتر. واحتج: بأنه لا يقع العلم بخبرهم إلا على صفات تصحبهم يستدل بها على صدقهم، فدل على أنه من جهة الاستدلال، يدل على ذلك أن العلم بحدث الأجسام، لما وقع لأجل الصفات التي عليها الأجسام من اجتماع وافتراق وحركة وسكون كان العلم بها مكتسباً. والجواب: أن العلم بصدقهم لا يفتقر إلى اعتبار صفاتهم ولا يستدل بذلك على صدقهم، بل نعلم صدقهم، ولهذا يخالف حدوث الأجسام، فإن العلم لا يقع به إلا بعد النظر والاستدلال باختلاف صفات معانيها. واحتج: بأن العلم الواقع بأخبار الله وأخبار رسوله استدلالا غير ضرورة، كذلك خبر غيرهما. والجواب: أنا عرفنا الله بأنه واحد صادق بالاستدلال، وإذا ورد الخبر من عنده قطعنا على صدقه استدلالا، وكذلك أخبار رسوله ﵇، لأن ثبوت نبوته من حيث الاستدلال وجبت بظهور المعجزات.

стр. 1048

مسألة (١) خبر التواتر لا يولد العلم فينا، وإنما العلم الواقع عنده من فعل الله تعالى، يفعله عند الإخبار بالعادة التي أجراها بذلك، وهو قادر على أن يفعل فينا ذلك مع عدم الإخبار، وهو بمنزلة إجرائه تعالى العادة بخلق الولد عند الوطء، وإن كان قادراً على خلقه مع عدم الوطء، هذا بناءً على إبطال القول بالتولد. ومن الناس من يقول: إن العلم بذلك يولد فينا عند خبر المخبرين. دليلنا: أن هذا العلم لو كان متولداً من (٢) الخبر، لوجب أن يكون المخبر الأخير هو الذي ولد خبره فينا العلم؛ لأن العلم حصل عند خبره، ولو كان كذلك لوجب أن يكون خبره يوقع لنا العلم به ابتداءً؛ لأنه هو الموجب للعلم، فوجب أن يكون موجباً [١٢٥/ب] لذلك في جميع الأحوال كما أن خبر الجماعة الذي يحصل بهم التواتر، لما أوجب العلم كان موجباً لذلك على كل حال، وفي علمنا بأن خبر الأخير لو وقع ابتداء لم يوجب العلم، علمنا أنه لا يولد العلم على وجه من الوجوه. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الخبر الأخير مولداً للعلم فينا على شرط تقدم الأخبار الأخر له، كما أن الاعتماد يولد اصطكاكاً في المحلين على شرط وجود الصلابة فيهما. والنظر مولد للعلم على شرط أن يكون الناظر عالماً بالدليل. وإذا كان كذلك لم يكن في امتناع وقوع العلم بالخبر الأخير لو انفرد ما يمنع أن يكون مولداً لعلم، إذا تقدمته أخبار أخر.

стр. 1049

قيل: الشيء إنما جعل شرطاً في غيره، إذا كان متعلقاً به أو محدداً لصفة فيه، ألا ترى أن صلابة المحلين لما كانت شرطاً في كون الاعتماد مولداً للاصطكاك، كانت موجبه لتجدد صفة بمحل الاعتماد، وكذلك كون الناظر عالماً بالدليل، لما كان شرطاً في كون نظره مولداً للعلم، كان موجباً لتجدد صفة له، وإذا كان كذلك لم يكن لكل واحد من الأخبار تعلق بالآخر، ولم يتجدد صفة للخبر الأخير بتقدم الأخبار الأخر له، لم يجز أن يكون تقديم غيره من الأخبار شرطاً في توليده العلم. ولأن الخبر من صفات الحي كالعلم والإرادة والإدراك، ثم ثبت أن تلك الصفات لاتولد شيئاً؛ لأن العلم لا يولد المعلوم، والإرادة لا تولد المراد، والإدراك لا يولد المدرك، بل المعلوم والمراد والمدرك خلق الله تعالى، كذلك الخبر يجب أن لا يولد شيئاً. ولأن الأكل والشرب والعلاج وجبر الكسر يطلب به حصول غيره، وهو الشبع والري وزوال المرض، ومع ذلك فهو غير مولد، كذلك الخبر. واحتج المخالف: بأن العلم بخبر التواتر، لو كان تابعاً للعادة لأجل فعل الله تعالى، لوجب أن تختلف العادة في ذلك، فيقع العلم بخبر الجماعة التي يصح بهم التواتر، ولا يقع بخبر جماعة مثلها، كما أن خلق الولد عند الوطء لما كان من فعل الله تعالى لما أجرى به العادة، جاز أن تختلف فيه العادة، فيخلق الولد عند وطء واحد، ولا يخلق عند وطء آخر، وفي بطلان اختلاف العادات في وقوع العلم بالأخبار دليل على أن العلم فيها ليس من فعل الله تعالى، وإنما هو توليد. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون العلم بالشيء واقعا من فعل الله تعالى، وإن لم تختلف العادة فيه، ألا ترى أنا نعلم أن وجود هذه الأجسام

стр. 1050

التي نشاهدها ضرورة، لأن العلم [١٢٦/أ] بوجودها من كمال العقل، ويكون هذا العلم من فعل الله تعالى فينا، وإن لم تختلف العادة فيه، كذلك لا ننكر أن يكون وقوع العلم بمخبر الخبر المتواتر يجري على طريقة واحدة ويكون مع ذلك من فعل الله تعالى. واحتج: بأنه لما كان العلم يحصل بوجود الخبر علمنا أنه مولد له. والجواب: أن الشبع والري يحصلان (١) بالأكل والشرب، وليس هما مولدين لهما (٢) . مسألة (٣) لا يجوز على الجماعة العظيمة كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته. وزعمت الإمامية (٤) أن ذلك قد يجوز على الجماعة لداع يدعو إليه، وعلى هذا بنوا كلامهم في ترك نقل النص [في علي ﵁] (٥) .

стр. 1051

والدليل على فساد هذا القول: أن كتمان ما يحتاج إلى نقله يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلما لم يجز على الجماعة التي يصح بهم التواتر أن يخبروا عن (١) الشيء بخلاف ما هو مع علمهم بحاله، كذلك لايجوز أن يجتمعوا على كتمان ما يحتاج إلى معرفته. يبين صحة هذا أن رجلاً لو دخل بغداد يسأل كل من يلقاه عن جامع المنصور، لم يجز أن يكتموه كلهم ذلك، كما لا يجوز أن يخبروا عنه بالكذب، وكذلك لو حدث في الجامع يوم الجمعة وقت الخطبة حادثة عظيمة هائلة، لم يجز أن يترك جميع من حضرها نقلها، كما لا يجوز أن يخبر جميعهم عنها بالكذب مع علمهم بأنه كذب. فإن قيل: أليس قد تركت الصحابة نقل شرائع الأنبياء المتقدمين، وإن لم يجز أن يتواطؤوا (٢) على الكذب، فما أنكرتم مثله ها هنا. قيل: إنما تركت نقل ما ذكرت لبعد عهده، ولفقد ما يدعو الى نقله، فأما ما قرب عهده، ووجد الداعي الى نقله، فغير جائز أن يجتمعوا على ترك نقله. يبين صحة هذا: أن شريعة موسى ﵇ لما لم تكن متباعدة العهد، وكان هناك ما يدعو إلى نقلها -وهو بقاء تمسك قوم بها- نقلت. وكذلك شريعة عيسى ﵇، ولم تنقل شريعة غيرهما من الأنبياء مثل هود ويونس وأمثالم ﵈؛ لما لم يبقَ من يتدين بها، وكانت منسوخة. فإن قيل: النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، ونقلوا إحياءه

стр. 1052

الموتى وإبراءه الأكمه والأبرص مع الحاجة إلى معرفة ذلك وإن كان عهده غير متباعد، فبان بهذا: أن قرب العهد وبعده لا تأثير له في باب النقل. قيل: إنما لم ينقلوا كلام المسيح في المهد؛ لأنه قد كان ذلك قبل ظهور أمره، وكان إحياؤه [١٢٦/ب] الموتى وإبراؤه (١) الأكمه والأبرص بعد ظهوره، فلهذا نقلوا ذلك. وقد يقوى نقل الشيء لأجل ظهوره، ويترك لأجل خفائه، ألا ترى أن اليهود قد نقلت ما كان ظاهراً من معجزات نبينا ﷺ ، مثل إتيانه بالقرآن وتحدي العرب به، ولم ينقلوا ما لم يكن في ظهور ذلك من معجزاته؟ وكذلك قد اختلف نقل سنن رسول الله ﷺ في باب الظهور والخفاء، فلم يجرِ جميعها على طريقة واحدة، ألا ترى أن كثيراً من السنن تذهب على العالم، وإن لم يذهب عليهم ما ظهر منها واشتهر؟ فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون الصحابة تركت نقل ما يحتاج إليه لداع دعاهم إلى ذلك من تقية أو خوف فتنة أو نحو ذلك. قيل: كل من يجوز عليه ترك نقل ما يحتاج إليه لما ذكرت، فإنه يجوز عليه الإخبار عن الشيء بالكذب لأجل هذه العلة بعينها، فلما لم يجز هذا على الصحابة ﵃، كذلك لا يجوز عليهم ترك نقل ما يحتاج إلى نقله. فإن قيل: أليس قد تركوا نقل المسح إلا وقت وقوع الخلاف فيه، وتركوا نقل القِران والإفرَاد حتى اختلفوا فيه، وكذلك الرجم، ونظائر ذلك كثير؟.

стр. 1053

قيل: أما المسح، فإنهم لم يتركوا نقله، بل نقلوه نقلاً مستقصاً، إلا أن من لم ينقله، لم ينقله؛ لأنه جعل القرآن أولى منه، وهكذا القول في الرجم. فأما القِران والإفراد: فإنه قد كان علمهم المناسك (١) ، فلم يحتاجوا إلى نقله، وإنما اختلفوا في نقله؛ لأن من شاهده وقت التلبية يلبي بالعمرة مع الحج نقل القِران، ومن شاهده يلي بالحج من غير ذكر العمرة نقل الإفراد، على حسب ما بينا في المناسك من مسائل الخلاف (٢) ، فقد صح بذلك فساد ما تعلقوا به في ذلك. مسألة (٣) ولا يعتبر في التواتر عدد محصور، وإنما يعتبر ما يقع به العلم على حسب ما جرت به العادة أن النفس تسكن إليه، لا يتأتى منهم التواطؤ على

стр. 1054

الكذب، إما لكثرتهم أو لدينهم وصلاحهم؛ لأنه لا دليل على عددهم من طريق العقل ولا من طريق الشرع، ولكنا نعلم أنه يجب أن يكونوا أكثر من أربعة؛ لأن خبر الأربعة لو جاز أن يكون موجباً للعلم لوجب أن يكون خبر كل أربعة كل موجباً ولو كان هكذا لوجب إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، أن يعلم الحاكم صدقهم ضرورة، ويكون ما ورد به الشرع من السؤال عن عدالتهم باطلاً، وإذا كان ذلك صحيحاً دل على أن خبر الأربعة لا يوجب العلم بصدق مُخبرِهم. فإن قيل: لا يمتنع [١٢٧/أ] أن الله تعالى لم يفعل ذلك عند شهادة الشهود لضرر من المصلحة، وفعل ذلك عند الخبر الذي ليس بشهادة. قيل: لا فرق بين الخبر الواقع على وجه الشهادة، وبين الواقع على غيرها، بدليل: أن الجماعة التي يقع لنا العلم بخبرهم، لا فرق بين أن يشهدوا عند الحاكم بحق، وبين أن يكون خبرهم بغير شهادة في وقوع العلم بخبرهم، كذلك فيمن دونهم. وقد حكي عن قوم: أن العلم يقع بخبر اثنين. وعن آخرين: يقع بخبر أربعة. وعن آخرين: يقع بخمسة فصاعداً (١) . وعن آخرين: يقع باثني عشر؛ اعتباراً بعدد النقباء.

стр. 1055

وعن آخرين: يقع بسبعين؛ اعتباراً بعدد أصحاب موسى ﵇. وعن آخرين: يقع بثلاثمائة وكسر، اعتباراً بعدد أصحاب النبي ﷺ يوم بدر. وهذا غير صحيح، لأن الاعتبار بمن يقع العلم بخبرهم، وليس يختص ذلك بعدد دون عدد؛ لأن العدد الكثير قد يتواطئوا على الكذب، ولا يقع العلم بخبرهم، بل يقع بخبر أقل منهم، إذا لم يتواطئوا على ذلك، فلم يجز أن يشترط في ذلك عدد محصور. والمواضع التي ذكروها إنما اتفق حصول ذلك العدد، لا أنه اشترط العلم بخبرهم. مسألة (١) يجوز ورود التعبد بأخبار الآحاد من طريق العقل ومن الناس من يمنع منه. دليلنا: أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لنا في العمل بما يخبرنا به الواحد، وإن جاز أن يكون غير صادق، ألا ترى أن من خَوّفنا سلوك طريق نربد سلوكه، فإن الواجب علينا: أن نقبل منه، وأن نتوقف فيما أردنا من سلوك ذلك الطريق، وإن جاز أن يكون كاذباً في خبره، وإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يتعبدنا الله تعالى بقبول خبر الواحد في باب الديانات.
следующие страницы →