والدليل على فساد هذا القول:
أن كتمان ما يحتاج إلى نقله يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلما لم يجز على الجماعة التي يصح بهم التواتر أن يخبروا عن (١) الشيء بخلاف ما هو مع علمهم بحاله، كذلك لايجوز أن يجتمعوا على كتمان ما يحتاج إلى معرفته.
يبين صحة هذا أن رجلاً لو دخل بغداد يسأل كل من يلقاه عن جامع المنصور، لم يجز أن يكتموه كلهم ذلك، كما لا يجوز أن يخبروا عنه بالكذب، وكذلك لو حدث في الجامع يوم الجمعة وقت الخطبة حادثة عظيمة هائلة، لم يجز أن يترك جميع من حضرها نقلها، كما لا يجوز أن يخبر جميعهم عنها بالكذب مع علمهم بأنه كذب.
فإن قيل: أليس قد تركت الصحابة نقل شرائع الأنبياء المتقدمين، وإن لم يجز أن يتواطؤوا (٢) على الكذب، فما أنكرتم مثله ها هنا.
قيل: إنما تركت نقل ما ذكرت لبعد عهده، ولفقد ما يدعو الى نقله، فأما ما قرب عهده، ووجد الداعي الى نقله، فغير جائز أن يجتمعوا على ترك نقله.
يبين صحة هذا: أن شريعة موسى ﵇ لما لم تكن متباعدة العهد، وكان هناك ما يدعو إلى نقلها -وهو بقاء تمسك قوم بها- نقلت. وكذلك شريعة عيسى ﵇، ولم تنقل شريعة غيرهما من الأنبياء مثل هود ويونس وأمثالم ﵈؛ لما لم يبقَ من يتدين بها، وكانت منسوخة.
فإن قيل: النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، ونقلوا إحياءه
стр. 1052
الموتى وإبراءه الأكمه والأبرص مع الحاجة إلى معرفة ذلك وإن كان عهده غير متباعد، فبان بهذا: أن قرب العهد وبعده لا تأثير له في باب النقل.
قيل: إنما لم ينقلوا كلام المسيح في المهد؛ لأنه قد كان ذلك قبل ظهور أمره، وكان إحياؤه [١٢٦/ب] الموتى وإبراؤه (١) الأكمه والأبرص بعد ظهوره، فلهذا نقلوا ذلك.
وقد يقوى نقل الشيء لأجل ظهوره، ويترك لأجل خفائه، ألا ترى أن اليهود قد نقلت ما كان ظاهراً من معجزات نبينا ﷺ ، مثل إتيانه بالقرآن وتحدي العرب به، ولم ينقلوا ما لم يكن في ظهور ذلك من معجزاته؟
وكذلك قد اختلف نقل سنن رسول الله ﷺ في باب الظهور والخفاء، فلم يجرِ جميعها على طريقة واحدة، ألا ترى أن كثيراً من السنن تذهب على العالم، وإن لم يذهب عليهم ما ظهر منها واشتهر؟
فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون الصحابة تركت نقل ما يحتاج إليه لداع دعاهم إلى ذلك من تقية أو خوف فتنة أو نحو ذلك.
قيل: كل من يجوز عليه ترك نقل ما يحتاج إليه لما ذكرت، فإنه يجوز عليه الإخبار عن الشيء بالكذب لأجل هذه العلة بعينها، فلما لم يجز هذا على الصحابة ﵃، كذلك لا يجوز عليهم ترك نقل ما يحتاج إلى نقله.
فإن قيل: أليس قد تركوا نقل المسح إلا وقت وقوع الخلاف فيه، وتركوا نقل القِران والإفرَاد حتى اختلفوا فيه، وكذلك الرجم، ونظائر ذلك كثير؟.
стр. 1053
قيل: أما المسح، فإنهم لم يتركوا نقله، بل نقلوه نقلاً مستقصاً، إلا أن من لم ينقله، لم ينقله؛ لأنه جعل القرآن أولى منه، وهكذا القول في الرجم.
فأما القِران والإفراد: فإنه قد كان علمهم المناسك (١) ، فلم يحتاجوا إلى نقله، وإنما اختلفوا في نقله؛ لأن من شاهده وقت التلبية يلبي بالعمرة مع الحج نقل القِران، ومن شاهده يلي بالحج من غير ذكر العمرة نقل الإفراد، على حسب ما بينا في المناسك من مسائل الخلاف (٢) ، فقد صح بذلك فساد ما تعلقوا به في ذلك.
مسألة (٣)
ولا يعتبر في التواتر عدد محصور، وإنما يعتبر ما يقع به العلم على حسب ما جرت به العادة أن النفس تسكن إليه، لا يتأتى منهم التواطؤ على
стр. 1054
الكذب، إما لكثرتهم أو لدينهم وصلاحهم؛ لأنه لا دليل على عددهم من طريق العقل ولا من طريق الشرع، ولكنا نعلم أنه يجب أن يكونوا أكثر من أربعة؛ لأن خبر الأربعة لو جاز أن يكون موجباً للعلم لوجب أن يكون خبر كل أربعة كل موجباً ولو كان هكذا لوجب إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، أن يعلم الحاكم صدقهم ضرورة، ويكون ما ورد به الشرع من السؤال عن عدالتهم باطلاً، وإذا كان ذلك صحيحاً دل على أن خبر الأربعة لا يوجب العلم بصدق مُخبرِهم.
فإن قيل: لا يمتنع [١٢٧/أ] أن الله تعالى لم يفعل ذلك عند شهادة الشهود لضرر من المصلحة، وفعل ذلك عند الخبر الذي ليس بشهادة.
قيل: لا فرق بين الخبر الواقع على وجه الشهادة، وبين الواقع على غيرها، بدليل: أن الجماعة التي يقع لنا العلم بخبرهم، لا فرق بين أن يشهدوا عند الحاكم بحق، وبين أن يكون خبرهم بغير شهادة في وقوع العلم بخبرهم، كذلك فيمن دونهم.
وقد حكي عن قوم: أن العلم يقع بخبر اثنين.
وعن آخرين: يقع بخبر أربعة.
وعن آخرين: يقع بخمسة فصاعداً (١) .
وعن آخرين: يقع باثني عشر؛ اعتباراً بعدد النقباء.
стр. 1055
وعن آخرين: يقع بسبعين؛ اعتباراً بعدد أصحاب موسى ﵇.
وعن آخرين: يقع بثلاثمائة وكسر، اعتباراً بعدد أصحاب النبي ﷺ يوم بدر.
وهذا غير صحيح، لأن الاعتبار بمن يقع العلم بخبرهم، وليس يختص ذلك بعدد دون عدد؛ لأن العدد الكثير قد يتواطئوا على الكذب، ولا يقع العلم بخبرهم، بل يقع بخبر أقل منهم، إذا لم يتواطئوا على ذلك، فلم يجز أن يشترط في ذلك عدد محصور.
والمواضع التي ذكروها إنما اتفق حصول ذلك العدد، لا أنه اشترط العلم بخبرهم.
مسألة (١)
يجوز ورود التعبد بأخبار الآحاد من طريق العقل ومن الناس من يمنع منه.
دليلنا:
أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لنا في العمل بما يخبرنا به الواحد، وإن جاز أن يكون غير صادق، ألا ترى أن من خَوّفنا سلوك طريق نربد سلوكه، فإن الواجب علينا: أن نقبل منه، وأن نتوقف فيما أردنا من سلوك ذلك الطريق، وإن جاز أن يكون كاذباً في خبره، وإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يتعبدنا الله تعالى بقبول خبر الواحد في باب الديانات.
стр. 1056
فإن قيل: فيلزمكم على هذا: أن تجيزوا ورود التعبد بالعمل لما يخبر به الواحد، وإن كان فاسقاً، كما يجب علينا قبول خبر الفاسق إذا خَوفنا من سلوك بعض الطرق.
قيل: العقل لا يمنع من ذلك، وإنما نرجع في المنع منه إلى السمع.
وأيضاً: فإن الله تعالى قد تعبد الحاكم بقبول قول الشهود للعمل به، وإن جاز أن يكونوا غير صادقين.
وكذلك تعبد الله المستفتى بالعمل على قول المفتي، مع جواز كونه كاذباً فيما يفتي به، كذلك لا يمتنع أيضاً: أن يتعبد الله تعالى بالعمل بما يخبر به الواحد مع جواز كونه غير صادق.
فإن قيل: فيلزمكم أن تجيزوا ورود التعبد بصدق النبي، وإن لم يكن معه ما يدل على صدقه من الإعلام بالمعجزة، وأن تجيزوا [١٢٧/ب] العمل بخبر الواحد في إثبات القرآن وأصول الدين.
قيل: أما العمل بخبر النبي، فإنما لم يجب ما لم يكن معه ما يدل على صدقه؛ لأن العمل بخبر الواحد، إنما يجب علينا إذا ورد السمع بذلك، فما لم تقم الحجة بأصل الشريعة فإنا لا نعلم أنا قد تعبدنا بالعمل بخبر الواحد في الشرعيات، فإذا كان كذلك، كانت الحجة إنما تقوم بأصل الشريعة، إذا أقام الله تعالى الإعلام بالمعجزة على من تعبدنا على لسانه، ليدلنا بذلك على صدقه، ويؤمننا من غلطه فيما هو الحجة فيه، لم يجز لنا القبول منه، ما لم يعلم صدقه، وليست هذه حال خبر الواحد؛ لأن تجويزنا لكذبه لا يمنع من أن يلزمنا العمل به من جهة النبي، بأن يوجب علينا العمل بما يخبرنا الواحد.
وأما خبر الواحد في إثبات القرآن، فإنه لا يمتنع أن يتعبد بقبول خبره فيه، فيدل على ما تضمنه من الحلال والحرام، ولا يقطع على أنه من القرآن، وإنما منع الشرع منه.
стр. 1057
مسألة (١)
يجب العمل بخبر الواحد، إذا كان على الصفة التي يجوز معها قبول خبره.
نص عليه ﵀ في مواضع:
فقال في رواية أبي الحارث: إذا كان الخبر عن رسول الله ﷺ صحيحاً ونقله الثقات، فهو سنة، ويجب العمل به على من عقله وبلغه، ولا يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياس.
وقال أيضاً ﵀ في رواية أبي الحارث في موضع آخر: إذا جاء خبر الواحد، وكان إسناده صحيحاً وجب العمل به، ثم قال: أليس قصة القبلة حين حولت، أتاهم الخبر وهم يصلون، فتحولوا نحو الكعبة.
وخبر الخمر أهراقوها، ولم ينتظروا غيره؟
وقال أيضاً ﵀ في رواية الفضل بن زياد: خبر الواحد صحيح، إذا كان إسناده صحيحاً، وذكر قصة القبلة حين حولت، وقصة الخمر لما حرمت.
وقال أيضاً ﵀ في رواية إبراهيم بن الحارث: إن قوماً دفعوا خبر الواحد: بأن النبي ﷺ لم يقبل قول ذي اليدين (٢) حتى سأل غيره (٣) .
стр. 1058
وليس هذا حجة، ذو اليدين جاء إلى يقين النبي ﷺ يزيله، فلم يقبل منه، وهذا جاءه خبر لم يكن عنده خلافه. فلم يقبله.
وقال أيضاً ﵀ في رواية الميموني: من الناس من يحتج في رد خبر الواحد: بأن النبي ﷺ يقنع بقول ذي اليدين، وليس هذا شبيه ذاك، ذو اليدين أخبر بخلاف يقينه (١) ، ونحن ليس عندنا علم نرده، وإنما هو علم يأتينا به.
ونحو هذا قال في رواية أحمد بن الحسين (٢) الترمذي (٣) .
стр. 1059
وبهذا قال [١٢٨/أ] جمهور الفقهاء والمتكلمين.
وقال قوم من أهل البدعة: لا يجوز العمل به، ولا يجوز ورود التعبد به.
وقال القاشاني (١) وأبو بكر بن داود: لا يجوز العمل به من طريق الشرع، وكان يجوز ورود التعبد به.
وقال الجبائي: لا يقبل في الشرعيات أقل من اثنين.
دليلنا:
قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَة منْهُمْ طَائفَة ليَتَفقهُوا فِي الدين وَليُنذرُوا قَومَهُمْ إذَاً رَجعوا إلَيْهَمْ لًعَلهُمْ يَحْذرُونَ) (٢) .َ
وقوله: (فَلَوْلاَ) معناه: فهلا نفروا.
وقوله: (فِرْقَة) معناه جماعة، أقلها ثلاثة.
وقيل: قد يقع هذا الاسم على واحد بدليل قوله تعالى: (وَإنْ طَائِفَتَان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اْقتَتَلُوا فَأصْلحُوا بَينَهُمَا ... ) (٣) ، إلى قوله. (بَيْنَ أخَوَيكُم) ، وقوله. (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٤) ، قيل أقلها واحد.
стр. 1060
وقال محمد بن كعب (١) في قوله: (إن نعْفُ عَنْ طَائفَة منكُمْ) (٢) ، كان هذا رجلاً واحداً (٣) .
وقوله: (مِنْهُم) يعني من المسلمين.
وقوله: (طَائِفَة) معناه: جماعة، أقلها واحد.
وإذا ثبت هذا فمن الآية دليلان:
أحدهما: قوله: (لِيُنْذرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِم) فلولا أن الإنذار قد يقع بالآحاد ما حثّ عليه ولا أمر به.
والثاني: قوله: (لَعَلّهُمْ يَحْذرُونَ) فلولا أن خبر الواحد يوجب العمل لما وقع به الحذر.
فإن قيل: الآية تقتضي وجوب الإنذار، وليس فيها وجوب الرجوع إلى قول المنذر، بل يجوز أن يرجع المنذر إلى أمر آخر، وليس من حيث وجب الإنذار وجب الرجوع إليه، فإنه يجب على الإمام أن يخبر غيره بمعرفة الله تعالى ووحدانيته، ولا يجب على المخبر الرجوع إلى قوله، بل يرجع إلى دليل آخر. ولهذا نظائر.
стр. 1061
قيل: في الإية تحذير من المخالفة بقوله: (لعَلّهمْ يحْذرُونَ) والتحذير لا يكون إلا في الأمر الواجب. وعلى أن الظاهر يقتضي وجوب الرجوع إلى قول المنذر حيث أمر هو بالإنذار، وإلا بطل فائدة الأمر بذلك، وإنما لم يلزم الرجوع إلى ما ذكروه من الأخبار عن معرفة الله سبحانه وما أشبه ذلك، لقيام (١) دليل عليه، وهو: أنه يجب العلم بتلك الأشياء ومعرفتها قطعاً.
فإن قيل: المراد بالآية: أنهم يرجعون إلى قومهم فيفتونهم ويؤخذ بقولهم في الفتيا.
قيل: الآية عامة في الأمرين معاً. وعلى أن الإنذار في الظاهر إنما يعتبر به عن الإخبار عن الشيء دون الفتيا.
فإن قيل: الحذر هو: أن ينظر ويعمل بما دل عليه الدليل.
قيل: الطائفة إذا قالت: قال رسول الله ﷺ : من لم يفعل كذا أحرق [١٢٨/ب] بالنار، أو من فعل كذا أحرق بالنار، كان الحذر منه بالقبول والعمل بما أخبره، ومن لم يقبله ولم يعمل بذلك، لم يكن حاذراً ما أنذر به.
ويدل عليه قوله تعالى: (إنْ جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنبأِ فَتبينوا أَن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالةِ) (٢) فدل على أن العدل إذا جاء بنبأ، لا نتبين ولا نتثبت فيه، من طريق دليل الخطاب، فلو كانا سواءً لم يكن لتخصيصه بالفاسق بالتثبت معنى.
ويدل عليه: أن النبي ﷺ كان يبعث لتبليغ شرعه وأحكامه إلى النواحي والقبائل والبلاد آحاداً، فبعث أبا بكر أميراً على الحاج، وبعث
стр. 1062
عمر ساعياً على الصدقة، وبعث عليا قاضياً إلى اليمن، وبعث. معاذاً جابياً للصدقات إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد (١) إلى مكة والياً، وبعث مصعب بن عمير (٢) إلى المدينة، وأمر منادياً بتحريم الخمر، وتحريم صيام أيام منى، وغير ذلك مما يكثر نقله، فلولا أن خبر الواحد يوجب العمل ما بعث إليهم ما لا يجب العمل عليهم بقوله.
وكذلك أيضاً بعث الكتب، فكتب إلى كسرى كتاباً، وكتب إلى قيصر كتاباً، وبعث به مع واحد، فدل على ما قلناه.
فإن قيل: هذه أخبار آحاد، فلا يحتج بها في إثبات خبر الواحد.
قيل: وإن كانت آحاداً في اللفظ فهي متواترة في المعنى بمجموعها؛ لأن الأمة تلقتها بالقبول، وتطابقت على العمل بها.
فإن قيل: فما ينكر أن يكون قد تقدم علمهم بالأحكام، كما قلتم: إنه يقدم علمهم بوجوب العمل بأخبار الآحاد.
стр. 1063
قيل: الأحكام لم يوجد فيها الخبر المتواتر، ولو وجد ذلك لعلمناه، كما علمنا سائر ما تواتر به الخبر.
وأما وجوب العمل بها: فقد كان يتواتر به الخبر، وعلم (١) المسلمون والكفار ذلك من فعله وقوله، كما علمناه.
فإن قيل: أليس قد كان يبعث الدعا [ة] إلى الإيمان بالله وبالرسول وهذا لم يكن معلوماً من جهة الداعي. فما ينكر ذلك للأحكام.
قيل: وجوب ذلك عندنا بالشرع دون العقل، ولا فرق بينهما، وعند المخالف: وجوبه من طريق العقل، فبعث من ينبههم على ما في عقولهم، وليس كذلك سائر الأحكام؛ فإنه لا طريق لهم إليها إلا من جهة خبر من بعثه إليهم.
وأيضاً: فإن الصحابة أجمعت على العمل بخبر الواحد، لأنا نعلم أن بعضهم كان يقبل من بعض، ولا يطالبه بالتواتر والاستفاضة، وهذا معلوم من أحوالهم ضرورة.
فروي أن أبا بكر الصديق ﵁ عمل بخبر المغيرة (٢) ومحمد
стр. 1064
ابن مَسْلَمة (١) في ميراث الجدة (٢) .
وعمل عمر ﵁ بخبر عبد الرحمن بن عوف (٣) [١٢٩/أ] في أخذ الجزية من المجوس.
وعمل بخبر حَمل في مالك بن النابغة في غرة عبد أو أمة في الجنين، وقال: كدنا أن نقضي فيه برأينا.
وعمل بخبر الضحاك بن سفيان في توريث النبي ﷺ امرأة أشْيَم الضبابى من دية زوجها.
وقال عبد الله بن عمر: كنا نخابر أربعين سنة، فلا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج، فتركناها لقول رافع.
стр. 1065
وعمل عثمان ﵁ بخبر فريعة بنت مالك (١) في سكنى المتوفى عنها [زوجها] (٢) .
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما حدثني أحد بحديث إلا
стр. 1066
استحلفته إلا أبا بكر، وصدق أبو بكر (١) .
ورجع ابن عباس عن قوله: إنما (٢) الربا في النسيئة (٣) ، بخبر أبي سعيد الخدري (٤) .
стр. 1067
وعملوا بخبر عائشة في التقاء الختانين.
وعمل زيد بن ثابت برواية امرأة من الأنصار: أن الحائض تنفر بلا وداع (١) .
ورجيع أهل قباء إلى خبر الواحد في تحويل القبلة.
وكذلك رجع جماعة في إراقة الخمر إلى خبر الواحد.
ومثل هذا كثير، يطول شرحه، فدل على إجماعهم.
فإن قيل: طريق ذلك كله من طريق الآحاد، فلا يجوز إثبات خبر الواحد بمثله.
стр. 1068
قيل: هذا متواتر من طريق المعنى، وقد بيناه.
وعلى أنه مع كثرته، لا يجوز أن يكون جميعه باطلاً، كما لا يجوز أن يقال: جميع ما روي عن النبي ﷺ يجوز أن يكون خطأ، وكما لا يجوز أن يقال: إن الجماعة الكثيرة من المسلمين لا يجوز أن يكون جميعهم كَذَبَة في خبرهم، مع اعتقادهم الإسلام.
فإن قيل: يجوز أن يكون حكموا بهذه الأخبار مع سبب قارنها أوجب العلم بصدقها.
قيل: لم يرد غير الأخبار ورجوعهم إليها، فدل على أنه كان سببها.
ولأنه لا يجوز أن ينقل الخبر ويترك السبب الذي لأجله حكموا به.
وعلى أن ابن عمر قال: فتركناها لقول رافع.
وقال عمر: لو لم نسمع هذا؛ لقضينا برأينا. فدل على أن القضاء بالخبر حصل.
فإن قيل: فقد روي عنهم: أنهم ردوا خبر الواحد ولم يقبلوه حتى انضاف إلى المخبر غيره.
فروي عن أبي بكر في قصة الجدة: فيكم من سمع من رسول الله [ ﷺ ] شيئأ، فأخبره المغيرة بن شعبة: (أن رسول الله ﷺ أطعمها السدس) (١) فقال أبو بكر: من يشهد معك؟ فقال: محمد بن مسلمة: أنا، فلما كملا شاهدين عمل بقولهما.
стр. 1069
وعن عمر أن أبا موسى (١) استأذن عليه ثلاثاً، فلم يؤذن له، فانصرف، فراسله عمر فقال: لم انصرفت؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثاً، فلم يؤذن له، فلينصرف) (٢) ، فقال: من يشهد لك؟ فمضى أبو موسى [١٢٨/ب] إلى الأنصار، فقالوا: نبعث معك بأصغرنا أبي سعيد الخدري فمضى، فسمع عمر منهما.
стр. 1070
وعن علي أنه كان ما يسمع الخبر حتى يستحلف عليه (١) .
فثبت: أنهم ما قبلوا خبر الواحد بانفراده.
قيل: يحتمل أن يكونوا فعلوا ذلك احتياطاً، ولهذا روي عن عمر أنه لما فعل ذلك قال: خفت أن يجترأ على رسول الله [ ﷺ ] فكأنه احتاط، فأما أن يكون فعله على الوجوب فلا.
وكذلك ما كان عَلِيّ يفعله من اليمين، كان على طريق الاحتياط، ولهذا قبل قول أبي بكر بغير يمين. ولأن من لا يقبل خبر الواحد، لا يقبله مع اليمين أيضاً.
وأيضاً: فقد ثبت الرجوع إلى قول المفتي وشهادة الشهود، وإن لم يكن ذلك أمراً مقطوعاً عليه، وإنما يحكم به من جهة غلبة الظن والاستدلال، كذلك الرجوع إلى قول المخبر، فإنه في معنى ذلك، بل الرجوع إلى المخبر أولى، فإن المفتي يخبر عن اجتهاد، والمخبر يخبر عن مشاهدة وسماع، فحاله أقوى من حال المفتي، فكان بالقبول أولى.
ولأنه لو لم يقبل إلا المتواتر أفضى إلى بطلان العمارات وخراب الدنيا، لتشاغلهم بالنقل عنها، وإذا قلنا: يتشاغلون بالعمارات، حفظوا الدنيا، وضيعوا الشريعة، فلا بد من ترك أحدهما، فحفظنا المعاش بتشاغلهم بها، وحفظنا السنة بقبول خبر الواحد، فكان حفظهما معاً أولى من تعطيل أحدهما.
وهذا كالشهادات لا بد للناس منها، فلو لم يقبل في الشهادات غير المتواتر أفضي إلى تشاغل الناس بحفظ ذلك وخراب الدنيا، وإذا قبلنا شهادة
стр. 1071
الآحاد حفظنا الحقوق والدنيا معاً، فكان حفظهما أولى من تضييع أحدهما، كذلك الأخبار.
فإن قيل: قولكم: لا بد من قبول خبر الواحد، غير مُسَلم، فإن منه ألف بدٍ، وذلك أن العمل في أحكامنا على ما ثبت قطعاً، وهو القرآن وخبر المتواتر، وما لم نجده فيهما بنيناه على الأصل في العقل.
قيل: فعلكم هذا ترك للشريعة.
وعلى أن في الأحكام ما لا يعرف بالعقل ولا بالعمل على ما كان في الأصل، كالدية على العاقلة، ونحو هذا، فبطل أن لا يعمل على خبر الواحد.
ولأن خبر الواحد لو كان مما لا يوجب العمل، لوجب أن ينكر على من يحفظه ويكتبه ويدونه؛ لأنه لا فائدة فيه، كمن كتب ما لا يفهم، ويحفظ ما لا ينفع، فإن كل واحد ينكر عليه ويسفهه، فلما [لم] نجد أحداً من سلف هذه الأمة وغيرهم أنكر هذا، ثبت أنهم إنما أقروا عليه لهذه الفائدة التي ذكرنا.
فإن قيل: فالناس ينقلون اللغة ويكتبونها، ولا يستفاد منها حكم.
[١٣٠/أ] قيل: لا ينقل إلا لفائدة، وهو يتأدب بها ويعرف، وكذلك الخبر لا فائدة في نقله غير العمل بموجبه والمصير إلى حكمه.
ويختص من اعتبر رواية اثنين بأنه خبر عن حكم شرعي، فوجب أن لا يعتبر في العدد قياساً على الفتيا، وما لا يشثرط في قبول قول المفتي لا يشترط في قبول [قول] النبي، أصله: الذكورية والحرية والنسب.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (١) ، وقوله
стр. 1072
تعالى: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (١) .
والجواب: أن وجوب العمل به معلوم؛ لأن الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد موجب للعلم قاطع للعذر، كما يقول المخالف في حكم الحاكم بالشاهدين، وغير ذلك مما ذكرته من (٢) نظائره.
وجواب آخر وهو: أن هذا ينقلب عليهم في إبطالهم القول بخبر الواحد، فإنهم حكموا بذلك، وهو غير معلوم عندهم.
واحتج: بقوله تعالى: (إنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي منَ الْحَقِّ شَيْئاً) (٣) .
والجواب: أن المراد به الظن الذي لا دليل على العمل به (٤) ، مع أنه ينقلب عليهم في ترك القول بخبر الواحد.
واحتج: بأن النبي ﷺ لم يقبل خبر ذي اليدين حتى انضاف إليه غيره.
والجواب: أن من لم يقبل خبر الواحد لم يقبل خبر الاثنين أيضاً، فلا حجة له في ذلك.
على أنا نقول بظاهر الخبر، ولا يقبل في مثل ذلك أقل من اثنين؛ لأن قول المأمومين، الواحد منهم ليس بأقوى من ظنه، فلم ينصرف عن ظنه بقوله.
стр. 1073
فأما إن سبّح به اثنان، كان قولهما أولى من ظنه، وليس كذلك أخبار الديانات؛ لأنه ليس عنده ما يخالف خبره، فلهذا وجب قبوله.
واحتج: بأن النبي ﷺ لم يقتصر في الإشهاد على عقوده على (١) اثنين، فدل على أن الواحد غير مقبول.
والجواب: أنه لم يشهد على عقوده النساء والعبيد، ولم يدل ذلك على امتناع قبول خبرهم.
واحتج: بأنه لا يقبل قول من ادعى أنه نبي إلا بحجة توجب العلم.
والجواب: أنه إنما لم يقبل قوله؛ لأنه لا دليل معه على وجوب قبول قوله والعمل به، وليس كذلك خبر الواحد في الأحكام، فإن عليه دليلاً يوجب قبول قوله والعمل به.
واحتج: بأنه لا يقبل في أصول الديانات، كذلك في فروعها.
والجواب: أن هذا يبطل بشهادة الشاهدين، وبقول المفتي يقبل في فروع الدين، وإن لم يقبل في أصوله.
[١٣٠/ب] وعلى أنه يعمل بخبر الواحد في كل حكم لا دليل عليه يوجب العلم ويقطع العذر.
وأما الحكم الذي عليه دليل موجب للعلم، فلا يعمل فيه بخبر الواحد لأنه إذا أمكن الوصول إليه من طريق العلم، لم يجز من طريق الظن، وليس كذلك في هذه الأحكام الشرعية، فإنه لا طريق إليها من جهة العلم، ففرض علينا الحكم بخبر العدل الذي ظاهره الصدق، كما يقول المخالف في الحكم بالشهاة والفتيا، ولأن ذلك يتضمن نقل ملة إلى أمة (٢) ، فاحتاج إلى معرفة ذلك قطعاً.
стр. 1074
واحتج: بأن طريق العمل به هو الشرع، وقد طلبنا الشرع، فلم نجد.
والجواب: أنه يجوز عليك الخطأ في طلبه والعدول عن طريقه.
واحتج: بأن الأصول قد تهذبت وتجهزت، فلا يترك اليقين بالشك.
والجواب: أنه باطل بالشهادات، فإن الأصل: أن الحق في الذمة، وإذا شهد اثنان على أصل القضاء والإبراء، تركنا اليقين لغالب الظن.
وباطل بالفتيا؛ فإن الإنسان على يقين من عقد النكاح، وفي شك من وقوع الفرقة، ومع هذا ترك اليقين بقول المفتي.
واحتج: بأنه لما لم يجز تقليد العالِم للعالِم؛ لأنه لا يقطع بصحته، كذلك لا يجب الرجوع إلى خبر الواحد.
والجواب: أنه إنما لم يقلده؛ لأن معه آلة يتوصل بها إلى الحكم، فلم يرجع إليه فيه، وليس كذلك الخبر؛ لأن المخبر ليس معه من آلة الحكم ما مع المخبر، فلهذا قبل قوله فيه [ولا يمنع] (١) هذا أن يقلد العامي العالِم، فإنه جائز؛ لأنه ليس معه آلة يقع له العلم بها.
واحتج: بأن في إيجاب العمل به ما يفضي إلى ترك العمل به؛ لأن الأخبار في الشريعة كثيرة، لا تحصى، ولا يأتي عليها حصر، وفيها الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، فإذا أوجبنا عليه العمل بخبر الواحد، لزمه أن يستوفي كل ما ورد منها؛ لأنه قد يكون فيما لم يبلغه ناسخ ما بلغه.
ولأن العمل به يفضي إلى التوقف في عمومات القرآن؛ لأنا نخص عموم القرآن به، ونرد (٢) به الظاهر عن ظاهره، فإذا لزم هذا، لزم
стр. 1075
البحث عن الأخبار؛ لئلا يكون هناك ما يخص به هذا العموم، والإحاطة به.
والجواب: أن المفتي لا يصح منه الفتيا، حتى يكون من أهل الاجتهاد، بأن يعرف جمل الشريعة: الكتاب والسنة، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والمجمل والمفسر، كل هذا يعلمه، ويبني بعض الكلام على بعض، ولكن فيما انتهى إليه وعرفه، [١٣١/أ] فأما فيما لم يتصل به، ولا يعرفه، فلا يلزمه التوقف فيما بلغه، لجواز أن يكون هناك مالم يبلغه، ألا ترى أن الحاكم إذا شهد عنده بالقتل اثنان، قضى بشهادتهما، وهو يجوز أن يكونا فاسقين، وأن يكون القول ساقطاً عن المشهود عليه، كذلك ها هنا.
واحتج من قال: لا يقبل الخبر، حتى ينقله اثنان:
بأنه لما لم تقبل الشهادة إلا من اثنين، كذلاث الخبر، يجب أن يكون مثله.
والجواب: أن الشهادة قد تقبل من واحد في رؤية الهلال، وفي شهادة القابلة.
وعلى أن هذا موجب أن لا يقبل الخبر فيما يوجب الحد إلا من أربعة، كما لا يقبل في الزنا أقل من أربعة.
وعلى أن الشهادة مؤكدة بما لم يؤكد به الخبر، وهو أنها لا تسمع حتى يبحث عن حال الشهود، ويقبل الخبر ممن ظاهره العدالة، من غير بحث عنه.
ويقبل خبر العنعنة، وهو قول الراوي عن فلان كذلك إلى النبي ﷺ ، وشهادة العنعنة لا تقبل حتى ينقل اللفظ، فيقول: أشهدني فلان على شهادته بكذا، واللفظ يعتبر في الشهادة دون الخبر.
стр. 1076
وتقبل فيه النساء، ولا تقبل في كثير من الشهادات، فكانت الشهادات أقوى، فاعتبر فيها العدد، ولم يعتبر في الخبر، وإنما كان كذلك؛ لأن حكم الخبر يستوي فيه المخبِر والمخبَر، والشهادة لا يستوي فيها الشاهد والمشهود له، فلهذا قبلنا الواحد في هلال رمضان؛ لأنه يستوي فيه الشاهد والمشهود له، فبان الفرق بينهما.
مسألة (١)
ما يعم فرضه يقبل فيه خبر الواحد
كما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (٢) .
стр. 1077
وكما روي في رفع اليدين في الركوع (١) ، وما يضارع ذلك من الأخبار.
стр. 1078
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل فيه خبر الواحد (١) .
دليلنا:
أن الصحابة اختلفوا في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال وهذا مما يعم فرضه، فأرسلوا إلى عائشة يسألونها، فقالت: (إذ التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا) ، فصاروا إلى ما روت.
وكذلك ميراث الجدة، مما يعم فرضه، أثبتوه بخبر الواحد؛ لأن الجدة جاءت أبا بكر، فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئاً. فروى له المغيرة: (أن النبي ﷺ أطعمها السدس) وتابعه محمد بن مسلمة، فعمل
стр. 1079
به أبو بكر. وغير ذلك.
ولأن خبر الواحد مما قد دل دليل قاطع على ثبوته والعمل به، [١٣١/ب] يجري مجرى الآية المقطوع على وجوب الرجوع إليها.
ولأن خبر الواحد أصل القياس، فإنه منه يستنبط ويتفرع، فإذا جاز إثبات هذه الأحكام بالقياس مع ضعفه، كان جواز ذلك بخبر الواحد أولى.
ولأنه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع، مما لا طريق فيه للعلم، ولا يعارضه مثله، فوجب العمل به قياساً على ما لا يعم فرضه.
واحتج المخالف:
بأن ما يعم فرضه سائر المكلفين، لا بدّ من توقيف من النبي [ ﷺ ] للكافة على حكمه؛ لأنه غير جائز ترك تعريف ما لا يعرف إلا من جهته، ومتى وقف الكافة عليه، فإن نقله يكون عاماً مستفيضاً، فإذا رواه الآحاد علمنا أنه غير صحيح في الأصل أو منسوخ.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن ما يعم فرضه، ليس من شرطه توقيف من النبي [ ﷺ ] لهم، بل يجوز أن يتعبد في ذلك بالظن، ورجوع العامة إلى اجتهاد أهل العلم [فيـ] لقى حكمه إلقاء خاصاً، فلا يظهره، ويكون من بلغه خبره يلزمه حكمه، ومن لم يبلغه خبره مأموراً بالاجتهاد، وطلب ذلك الحكم من جهة الخبر.
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا ذلك، فإن النقل لا يجب أن يكون على حسب البيان؛ فإن الصحابة كانت دواعيهم مختلفة، وكان بعضهم لا يرى الرواية، وكان يؤثر الاشتغال بالجهاد على الرواية.
стр. 1080
وقال السائب بن يزيد (١) : صحبت سعد بن أبي وقاص زماناً، فما سمعت منه حديثاً، إلا أني سمعته ذات يوم يقول: قال رسول الله ﷺ :
(لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي) (٢) .
стр. 1081
ويبين صحة هذا: أنه بين الحجة، بياناً عاماً، ونقل من جهة الآحاد، واختلف الناقلون له فيه.
وكذلك رجم ماعز، وأشياء كثيرة من هذا الجنس.
واحتج: بأن عموم فرضه للكافة، يقتضي ظهور فعله فيهم، وما يظهر فعله في الكافة، لا يقبل فيه خبر الأفراد، ألا ترى أنه لا يقبل خبر الأفراد في حدوث فتنة عظيمة في الجامع يوم الجمعة وقت صعود الخطيب المنبر؟ لأن ما هذا حاله يشترك فيه الجماعات، ولهذا لم يقبل النبي ﷺ خبر ذي اليدين، حين أخبره بالسهو في صلاته، حتى أخبره معه جماعة؛ لأنه أخبر بأمر ظهر للجماعة، فلم يقبل فيه خبره.
والجواب: [١٣٢/أ] أنا قد، بينّا: أن عموم فرضه لا يقتضي ظهور فعله فيهم.
وقولهم: إن ما يظهر فعله لا يقبل فيه الأفراد، كالفتنة في يوم الجمعة، لا يشبه (١) أخبار الديانات؛ لأن العادة في مثل ذلك: أنه إذا جرى مثل ذلك، سارع الناس الى روايته، والهمم والطباع مجبولة على ذلك فإذا انفرد به الواحد لم يقبل (٢) ، وليس كذلك أخبار الديانات؛ لأنه ليس العادة أن يتطابق الكل على نقله، بل قد بينّا: أن أحوال الصحابة في ذلك مختلفة، فمنهم من كان لا يتشاغل بذلك.
واحتج: بأنكم قلتم: إن قول الرافضة (٣) -: إن علي بن أبي طالب
стр. 1082
رضي الله عنه منصوص على إمامته بعد رسول الله ﷺ باطل؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب أن ينقل نقلاً مستفيضاً، كذلك ها هنا.
والجواب: أنا أنكرناه؛ لأن عندهم أنه من فرض كل واحد أن يعلمه ومثله لا ينقل خاصاً، وليس كذلك ما يعم فرضه، فإنا كلفنا الحكم فيه بالظن، فافترقا.
واحتج: بأن قبول خبر الواحد في مثل هذا الحكم يفضي إلى التوقف في أحكام الكتاب، لجواز أن يكون نسخت، ولم ينقل نسخها.
والجواب: أن النسخ لا يجري هذا المجرى؛ لأنه رفع حكم وإسقاط، فإذا كان ذلك الحكم ثابتاً من جهة الاستفاضة، فلا يجوز أن ينقل إسقاطه (١) من جهة الآحاد، وهذا إثبات حكم مبتدأ، فيجوز ذلك بالأمر المقطوع عليه والمظنون.
واحتج: بأنه، لما لم يجز إثبات القرآن بخبر الواحد، لأنه ما يعم فرضه، كذلك في هذا الحكم.
والجواب: أن القرآن قد أخذ علينا معرفته قطعاً ويقيناً، فلا يجوز
стр. 1083
إثباته بخبر الواحد المظنون، وهذا الحكم طريقه غلبة الظن، فجاز إثباته بأمر مظنون، وقد أثبتنا قرآناً من جهة الحكم بخبر واحد، نحو قراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وغير ذلك.
مسألة (١)
ما تعم البلوى به يقبل فيه خبر الواحد
مثل ما روي من الوضوء في مس الذكر (٢) ومس المرأة (٣) ، وما يجري هذا المجرى.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل فيه خبر الواحد (٤) .
دليلنا:
ما نقدم في المسألة التي قبلها.
ولأن شروط البيوع والأنكحة وما يعرض في الصلاة والوضوء من الخارج من غير السبيلين، والمشي مع الجنازة، وبيع رباع مكة وإجارتها، ووجوب الوتر ونحوه، أثبته المخالف بخبر الواحد، وهو مما يعم به البلوى.
стр. 1084
[٣٢/ب] وذهب المخالف إلى ما حكيناه عنه في ال مسألة التي قبلها، وقد أجبنا عنه.
مسألة (١)
يقبل خبر الواحد في إثبات الحدود.
وقد أثبت أحمد ﵀ اجتماع الجلد والرجم على الزاني المحصن بخبر عبادة (٢) . وأثبت النفي والجلد على الزاني البكر بخبر العسيف (٣) ، وغير ذلك.
стр. 1085
وهو قول أصحاب الشافعي (١) .
واختلف أصحاب أبي حنيفة:
فحكى أبو سفيان عن أبي يوسف (٢) : أنه يقبل. وهو اختيار أبي بكر الرازي.
وحكى عن الكرخي: أنه لا يقبل فيه، ولا فيما يسقط بالشبهة (٣) .
دليلنا:
أنه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع مما لا طريق فيه للعلم، ولا يعارضه مثله، فوجب العمل به، قياساً على غير الحدود.
стр. 1086
ولأن خبر الواحد يوجب غلبة الظن، كما أن شهادة الشاهدين توجب غلبة الظن، ثم ثبت أن الحد يجب بشهادتهم، فالخبر كذلك.
يبين صحة هذا: أن الحكم بالشهادة ثابت من طريق موجب للعلم وهو الإجماع ونص القرآن وخبر الواحد، كذلك الحكم به ثابت من طريق موجب للعلم، وهو الإجماع والقرآن.
واحتج المخالف:
بأن الحدود موضوعة في الأصل على أن الشبهة تسقطها، وخبر الواحد لا يوجب العلم، وإنما يوجب غلبة الظن، فيصير ذلك بمنزلة حصول شبهة، فيمتنع من ثبوته.
والجواب: أن هذا يوجب أن لا يحكم بالحد بشهادة الشهود؛ لأن العلم لا يحصل مع شهادتهم، وقد أجمعنا على ثبوته بقولهم، فبطل ما ذكروه.
مسألة (١)
خبر الواحد مقدم على القياس
وهذا ظاهر على أصله، فإنه أخذ بحديث الأقرع (٢) : (لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة) (٣) ، وترك القياس فيه.
стр. 1087
وكذلك إيجاب غسل اليدين عند القيام من النوم، وخالف بين نوم اللّيل ونوم النهار.
وكذلك القرعة بين العبيد، قدم الخبر على القياس؛ لأن القياس يمنع جمع عتق في ستة إلى اثنين، وغير ذلك.
وهو قول أصحاب الشافعي (١) .
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن خالف الأصول أو معنى الأصول لم يحتج به، ويقبل إذا خالف قياس الأصول (٢) .
وحكي عن مالك: أن القياس أولى من خبر الواحد.
دليلنا على أنه مقدم على القياس:
إجماع الصحابة، روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه
стр. 1088
ترك القياس بخبر حمل بن مالك بن النابغة في غرة الجنين.
وكان يفاضل بين ديات [١٣٣/أ] الأصابع، ويقسمها على قدر منافعها، فلما روي له عن النبي ﷺ أنه قال: (في كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل) (١) رجع عنه إلى الخبر، وكان بمحضر من الصحابة ﵃، فلم ينكر ذلك منكر، ولم يخالفه فيه مخالف، فدل على أنه إجماع عنهم.
وأيضاً: لو كان القياس والقول الخاص مسموعين من النبي ﷺ ،
стр. 1089
لوجب تقديم القول الخاص.
مثاله: أن يسمع من النبي ﷺ يقول: إذا زنت الأمة جلدت خمسين لرقها، وإذا زنى العبد جلد مائة، فيكون نصه على العبد أولى من القياس.
وكذلك إذا كان كل واحد منهما مجتهداً فيه، وجب أن يكون الخاص أولى من القياس.
وأيضا: فإن القياس يفتقر إلى الاجتهاد في موضعين: أحدهما: في ثبوت العلة في الأصل. والثاني: في الحكم في الفرع؛ لأن من الناس من قال: إذا ثبتت العلة في الأصل لا يجب الحكم بها في الفرع، إلا أن يحصل الأمر بالقياس، والاجتهاد في خبر الواحد في ثبوت صدق الراوي، فإذا ثبت صدقه من طريق يوجب الظن، وجب المصير إليه، ولم يبق موضع آخر يحتاج إلى اجتهاد فيه؛ ولأن طريق ثبوت صدقه في الظاهر أجل من طريق ثبوت العلة؛ لأنه يدل عليه عادته في الزمان الطويل في اتباع الطاعات وتحرز الصدق وتجنب الإثم، فدل هذه العادة على أنه مختار للصدق فيما حدث به، فيكون أولى من طريق العلة.
وأيضاً: فإن الخبر أصل بنفسه، وليس بمقيس على غيره، كما أن الأصول المنصوص عليها والمتفق على حكمها، أصول بأنفسها، غير مقيسة على أغيارها، فإذا كان كذلك، كان (١) موجب الأصل المجمع عليه أقوى من موجب القياس، كذلك موجب خبر الواحد، يكون أقوى من موجب القياس. وليس لهم أن يقولوا: إن العلم وقع لنا بموجب تلك الأصول؛ لأنه لا معتبر بوقوع العلم فيما ذكر؛ لأن موجب العقل في باب الإبا حة ونحوها يدفعه القياس وخبر الواحد، وإن كان موجب
стр. 1090
العقل ثابتاً من جهة توجب العلم.
وأيضا: فإن الخبر مما يؤدي إلى العلم، إذا أكثر من يخبر به، والقياس لا يؤدي إلى العلم، وإن كثرت وجوه الشبه فيه، فكان ما يؤدي إلى العلم أقوى مما لا يؤدي إلى ذلك.
واحتج المخالف:
بأن القياس يتعلق [١٣٣/ب] بفعله، وهو استدلاله على صحة العلة في الأصل، وصدق الراوي في خبره مغيب عنه، غير متعلق بفعله وثقته، فما هو متعلق بفعله أكثر تنبيهاً مما هو متعلق بغيره، فوجب أن يكون أولى.
والجواب: أن هذا يبطل بعلم الحاكم، فإنه أكثر تنبيهاً من قول الشهود. وعندنا وعند مالك: لا يحكم بعلمه، ويحكم بشهادة الشهود، على أنهما سواء؛ لأنه يستدل على صدق الراوي بما يعلمه من أفعاله الدالة على صدقه، كما أن القياس يستدل [به] على أن صاحب الشريعة حكم في الأصل لمعنى من المعاني، وقصده يكون ثبوت قصد صاحب الشريعة بالنظر في الأمارات الدالة عليه، كثبوت صدق الراوي، ولا فرق بينهما.
واحتج: بأن خبر الواحد يجوز فيه مما يمنع العمل به أربعة أوجه، وهي: كونه منسوخاً، وكونه كذباً، وكون المخبر به فاسقاً، وكونه خطأً، والقياس لا يجوز فيه ما يمنع العمل به، إلا وجه واحد، وهو كونه خطأً.
والجواب: أن ما يوجب فساد الشيء، لا يعتبر فيه بالقلة والكثرة، ألا ترى أن كون الراوي مغفلاً، لما كان مانعاً من قبول خبره، لم يختلف فيه وجود الفسق مع الغفلة وعدم الفسق معها، وإن كان أحد الوجهين أقوى في باب الفسق من الآخر، فإذا كان [كذلك] لم يجز أن يرجح القياس على