← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فكانت العشر (١) منسوخة الحكم والرسم. وقد ينسخ إلى بدل وغير بدل: فما نسخ إلى غير بدل: العدة حولاً إلى أربعة أشهر وعشر، وما زاد على أربعة أشهر لغير بدل. وما ينسخ إلى بدل فعلى أربعة أضرب: نسخ واجب إلى واجب، وواجب إلى مباح، وواجب إلي ندب، ومحظور إلى مباح. فأما واجب إلى واجب، فعلى ضربين: واجب مضيق إلى مثله، كنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة (٢) . وواجب مخير إلى مضيق، كالصيام، كان المطيق القادر عليه في صدر (٣) الإسلام مخيراً بين الصيام والفدية، فنسخ إلى مضيق وحتم (٤) ،

стр. 982

قال الله تعالى: (وَعَلى الّذينَ يطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَام مَسَاكِين) (١) ، ثم قال: (فَمنْ شَهِدَ مَنْكُمُ الشَّهْرَ فَليَصُمْهُ) (٢) . وأمّا واجب إلى مباح، فالصدقة عند مناجاة الرسول، كانت واجبة بقوله تعالى: (إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدموا بيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدقة) (٣) ، فنسخ ذلك الوجوب إلى جواز تركها وجواز فعلها بقوله [تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدَمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكمْ فَأَقيموا الصَلاَةَ وَآتُوا الزكاةَ ٠٠٠) ] (٤) وأما واجب إلى ندب [فـ] كالمصابرة في صدر الإسلام، على كل واحد أن يصابر عشرة، فنسخ إلى اثنين، وندب إلى ما زاد بقوله تعالى:

стр. 983

(إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عشْرونَ صَابِرُونَ يَغْلبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يكنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبوا أَلْفاً مِنَ الَّذينَ كًفَرُوا) (١) فنسخ الله هذا رحمة منه لعباده ورخصة بقوله: (الآنَ خَففَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أن فِيكُمْ ضَعْفاً فَإنْ يَكنْ منكمْ مائةٌ صابِرَةٌ يَغْلبوا مِائَتيْنِ وَإنْ يَكُنْ منْكُمْ أَلْفٌ يَغْلبُوا أَلْفَيْنِ بإذْن الله) (٢) فنسخ إلى مصابرة كل واحد اثنين، وندب إلى مصابرة أكثر. وأما نسخ حظر إلى أمر (٣) إباحة، كقوله: (عَلِمَ اللهُ أنّكُمْ كنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عليْكمْ وَعفَا عنكمْ فَالآْنَ بَاشَرُوهُن وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لكُمْ وَكُلُوا وَاشْربُوا حَتّى يَتَبَيّن لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الْخَيْط الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (٤) فكان الأكل والشرب والمباشرة [١١٣/أ] محظورَة، ثم نسخت. وقال ﷺ : (كنتم قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا إلا خيراً) ، فأباحه بعد الحظر. مسألة (٥) يجوز نسخ الشيء بمثله، وأخف منه وأثقل. وهو قول الجماعة. واختلف أهل الظاهر فيما حكاه الحرزي في مسائله:

стр. 984

فذهب جماعة منهم إلي هذا. ومنع منه آخرون، وقالوا: لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل، وهو قول أبي [بكر بن] (١) داود. دليلنا: أن الله تعالى أوجب الصوم في أول الإسلام على التخيير. ثم نسخ ذلك وحتمه: والانحتام أغلظ من التخيير. وهكذا كان حد الزاني في أول الإسلام الحبس (٢) بقوله تعالى: (وَالَلاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائِكُم فَاسْتَشْهِدُوا عَليْهِن أَرْبعة مِنْكمْ فَإنْ شَهِدُوا فأَمْسكوهُن فِي الْبُيوتِ حَتّى يَثوَفاهن الْمَوْتُ أَوْ يجْعلَ الله لهن سَبِيلاً) (٣) ثم نسخ ذلك، وجعل حد البكر الجلد والتغريب، والثيب الجلد والرجم. وهذا نسخ شيء إلي ما هو أغلظ منه وأشد، فثبت جواز ذلك. ولأن حقيقة النسخ: الرفع والإزالة، وإثبات الحكم الثاني طريقه ابتداء شرع، لا أنه من مقتضى الحكم الأول وموجبه، ألا ترى أن الله تعالى لو رفع حكماً ولم يثبت مكانه شيئاً آخر كان ذلك نسخاً، فلم يمتنع أن يزيل حكماً ويثبت مكانه أغلظ منه وأشد؟

стр. 985

ولأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في الأغلظ، وفيما مضى من الأخف. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (ما ننْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نَنْسأها نَأت بِخيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) ومعلوم أنه لم يرد بقوله: خيراً منها فضيلة الناسخ على المنسوخ؛ لأن القرآن كله متساوي الفضيلة، فعلم أنه إنما أراد بالخير الأخف. والجواب: أن الشيء إنما يوصف بأنه خير من غيره؛ لأن النفع الذي فيه يكون موفياً على النفع الذي في غيره. ألا ترى أنك تقول: فعْلُ الفرض خير لك من فعل النافلة، تريد (٢) أنه أنفع له (٣) ، ومعلوم أن النفع في الفعل، إنما يكثر بكثرة المشقة فيه، أو بكثرة انتفاع غير الفاعل به، بدلالة أن القتال في سبيل الله أكثر نفعاً في باب الثواب من الصوم؛ لأن المشقة فيه أكثر من المشقة في الصوم، وإن دعوة نبينا إلى دين الله تعالى كانت أعظم ثواباً من دعوة غيره من الأنبياء ﵈. لأنه قد انتفع بها أكثر مما انتفع بدعوة غيره، [١١٣/ب] إذ كان من أجابه إليها أكثر ممن أجاب إلى دعوة غيره من النبيين، وإن كان فيهم من لحقه من المشقة أكثر مما لحق نبينا ﵇، فإذا كان فعل الأشق أنفع من فعل الأخف في باب الثواب وجب أن يكون أنفع منه، فيصح النسخ به. واحتج بأن النسخ في اللّغة هو الإزالة، وإسقاط العبادة، فمقتضاه التخفيف دون التثقيل.

стр. 986

والجواب: أن الإزالة والإسقاط موجود ها هنا، لأنه رفع ما كان عليه من الحكم السابق. وقولهم: إن كل مقتضاه التخفيف ليس كذلك؛ لأن الحكم الثانى ابتداء شرع، لا أنه من كل مقتضى الحكم الأول وموجبه. واحتج بأن الله تعالى نسخ الشيء رحمه للمكلف وطلباً لنفعه، فيجب أن لا ينسخ إلا بما هو أخف منه؛ لأن ذلك أولى بالرحمة. والجواب: أن من رحمة الله تعالى له أن يكلفه أنفع الأشياء له، وأدعاها إلى عظيم ثوابه، وقد يكون ذلك فيما يشق عليه، كما يكون فيما هو أخف منه، بل قد يكون الأشق أنفع وأجزل لثوابه. وجواب آخر وهو: أن هذا يوجب أن لا يبتدىء أحداً بتكليف ما يشق عليه، لأن ذلك أخف وأسهل وأدعي إلى الرحمة، ويلزمه أن يكون الله تعالى إذا أسقط عبادة، أسقطها لا إلى بدل أصلاً؛ لأن ذلك أخف. مسألة (١) لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعاً، ولم يوجد ذلك. نص عليه ﵀ في روية الفضل بن زياد وأبي الحارث وقد سئل: هل تنسخ السنة القرآن، فقال: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، والسنة

стр. 987

تفسر القرآن (١) . وبهذا قال الشافعي (٢) . وقال أبو حنيفة: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة (٣) . وحكي ذلك عن مالك (٤) والمتكلمين من المعتزلة (٥) واختلف أهل الظاهر في ذلك (٦) . دليلنا: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِن آية أو ننسها نأت بخير منها أَوْ مِثْلِها) (٧) ، وقرىء: (نَنسَأهَا) (٨) ، والمراد به من

стр. 988

التأخير، ومنه: بيع النسيئة، وهو البيع إلى أجل، فكأنه قال: أو نَنْسَأه فلا ننسخه إلى مدة، فأخبر الله تعالى أن كل ما ينسخ من القرآن، فإنما ينسخ بخير منه أو بمثله، والسنة ليست بخير من القرآن ولا بمثل له، فلا يجوز أن يقع نسخ القرآن بالسنة، لأن خبر الله تعالى لا يقع بخلاف مخبره، يبين صحة هذا قوله: (نَأت بِخيْرِ منْهَا) ، وهذا إنما يتناول القرآن [١١٤/أ] الذي يأتي من عند الله دون السنة التي يأتي بها الرسول ﷺ . ويبين صحة ذلك قوله: (إنَّ الله علىَ كل شَيْء قَديِرٌ) ، فاقتضى ذلك: أن ما يأتي به مما يختص بالقدرة عليه، وهو القرآن دون السنة التي يتعلق بها قدرة غيره. فإن قيل: الآية تقتضي أنه إذا نسخ آية يأتي (١) بخير منها أو مثلها، وليس فيه أن ما يأتي به يكون هو الناسخ، بل يجوز أن يكون الناسخ غيره. قيل: قوله تعالى: (نَأت بخَيْرِ منْهَا) يقتضي أن يكون ما يأتي بدلاً (٢) عما نسخه، وإنما يكون بدلاً عنه إذا كان ناسخاً، فأما إذا كانت آية مبتدأة فلا يكون بدلاً عنها. يبين صحة هذا أن قوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةِ) شرط، وقوله: (نَأتِ بِخَيْرٍ منْهَا) جزاء، لأن "ما" يجازى بها، كما يجازى "بمن"، ولهذا جزم قوله: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا) ، وقال تعالى في سورة فاطر: (مَا يَفْتَح اللهُ للِنّاس مِن رَحْمَة فَلاَ مُمْسِك لَهَا وَمَا يُمسك فلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) (٣) ،

стр. 989

وإذا كان كذلك وجب أن يكون الجزاء متعلقاً بالشرط، ولهذا نقول: إذا قال: "ما تصنع أصنع، وما أخذه أعطه مثله"، إن الثاني موجب بالأول ومفعول لأجله، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يأتي به ناسخاً. فإن قيل: فلا خلاف أنه يجوز نسخه بغير قرآن، بأن ينسيه الله تعالى من حفظه ورفعه عن أوهامهم. قيل: ما ينسيه ويرفعه يجرى مجري القرآن، لأنه من جهة الله تعالى. فإن قيل: قوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا) في النفع، وقد يكون ما ثبت بالسنة أنفع لنا في باب المصلحة مما ثبت بالآية المنسوخة. يبين صحة هذا أن التلاوة لا يكون بعضها خيراً من بعض، وإنما يكون ذلك في النفع، فيكون بعض الأحكام أسهل. قيل: الآية تقتضي أن تكون خيراً منها في النفع من القرآن، كما إذا قال القائل: "ما آخذ منك ثوباً إلا أعطك (١) خيراً منه أو مثله، وما آخذ منك درهماً إلا أدفع إليك مثله أو خيراً منه"، يقتضي ثوباً مثل ثوبه أو خيراً منه، ودرهماً مثل درهمه أو خيراً منه. وجواب آخر وهو: أن قوله: (نأتِ بخير منها أو مثلها) يقتضي [الخيرية أو المثلية] من كل وجه، والقرآن المنسوخ فيه معجز، فيجب أن يكون الناسخ معجزاً، والسنة ليس فيها معجز، والقرآن في امتثال حكمه ثواب، وفي تلاوته ثواب، وكل واحد منهما عبادة، والسنة: الثواب في جهة واحدة منها، وهو امتثال حكمها، فأما درسها وتلاوتها، فليس بعبادة ولا ثواب، وإذا كان كذلك، لم تكن السنة مثلاً للقرآن، والآية تقتضي أن النسخ بالمثل أو بخير منه.

стр. 990

فأما قولهم: إن التلاوة لا يكون بعضها خيراً من بعض، فلا يصح؛ لأنه قد يكون [١١٤/ب] بعضها خيراً من بعض، على معنى أنها أكثر ثواباً، مثل سورة "طه" و"يس"، وما أشبه ذلك. وقد يكون في بعضها من الإعجاز في اللفظ والنظم أكثر مما في البعض وقد كانت العرب تعجب من بعض، ولا تعجب من بعض. وعلى أنا لو سلمنا أنه لا يجوز في التلاوة تفاضل، فإننا نحمل قوله: (نأت بخيرٍ منْها) على الحكم، وقوله: (أَوْ مِثْلِها) على التلاوة ولا شك أن المماثلة متأتية في التلاوة، ولا يتأتى أن يقال ذلك في السنة، فإنها ليست مثل القرآن. ويدل عليه ما روى الدارقطني (١) في سننه في جملة النوادر قال: حدثنا محمد بن مخلد (٢) ، حدثنا محمد بن داود القنطري أبو جعفر الكبير (٣) .

стр. 991

حدثنا جبرون بن واقد (١) ببيت المقدس، حدثنا سفيان بن عيينة (٢) عن أبي الزبير (٣) عن جابر بن عبد الله (٤) قال: قال رسول الله ﷺ (كلامي لا

стр. 992

بنسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضاً) (١) وهذا نص. فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد. قيل: قد سبق الجواب عن مثل هذا في غير موضع. ولا يصح حمله على أخبار الآحاد، لأن تعليل النبي ﷺ يسقطه، وهو قوله: (كلام الله ينسخ بعضه بعضاً) . وأيضا: فإنه لا يجوز نسخ الأخبار المتواترة بأخبار الآحاد، لضعف الآحاد وقوة التواتر، كذلك لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة، لأن السنة أضعف من الكتاب من وجهين: أحدهما: أن الكتاب فيه إعجاز، والسنة لا إعجاز فيها. والكتاب في قراءته ثواب، وليس في قراءة السنة ثواب، فلم يصح نسخ القوي بالضعيف، كما لم يجز نسخ الأخبار المتواترة بالآحاد والقياس. فإن قيل: هذه القوة في اللفظ، فأما الحكم فهما متساويان فيه. قيل: الخلاف في نسخ اللفظ ونسخ الحكم واحد، فإنه (٢) عند المخالف يجوز أن ترد السنة بنسخ تلاوة القرآن، فيقول النبي ﷺ : لا لا تقرأوا هذه الآية. فتصير تلاوتها منسوخة بالسنة.

стр. 993

وعلى أن الحكم إذا نسخ صار اللفظ منسوخاً، وإن كان يتلى، فإنه يقال: هذه آية منسوخة متى كان الحكم مرتفعاً. ولأنه متى نسخ الحكم تعطل اللفظ وخرج عن كونه مفيداً، فكما لا يجوز نسخ اللفظ بالأمر الضعيف، لا يجوز نسخ حكمه أيضاً، ألا ترى أنه لما لم يجز نسخ لفظ الكتاب بأخبار الآحاد، لم يجز نسخ حكمه. فإن قيل: لو كان الاعتبار بما ذكره، لوجب أن يجيزوا نسخ ما لا إعجاز فيه، وهي الآية الواحدة. قيل: في الآية الواحدة إعجاز، ولو لم يكن فيها إعجاز، فهي من جنس المعجز، وفيها إعجاز وثواب، وليست السنة من جنس المعجز، ولا في تلاوتها ثواب. فإن قيل: درس السنة وتعليم العلم [١١٥/أ] عبادة، وفيه ثواب. قيل: يريد بذلك بعد تعلمها وحفظها، فإن تلاوتها لا ثواب فيها، وهذا لا خلاف فيه. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذكْرَ لِتُبَينَ للِنّاسِ مَا نُزلَ إلَيْهِم) (١) والنسخ ضرب من البيان، كالتفسير والتخصيص. والجواب: أنه قد قيل: إن التبيين ها هنا هو التبليغ عن الله تعالى. وقد قيل: النسخ ليس بيان للمنسوخ، وإنما هو إزالة وإسقاط حكمه. وعلى أن هذا محمول على التخصيص بدليل ما ذكرنا. واحتج بأنه دليل مقطوع عليه، فجاز النسخ به كالآية.

стр. 994

والجواب: أنه يبطل بالإجماع، فإنه بهذه الصفة، ولا يجوز النسخ به. وعلى أنه لا يمتنع أن يتفق دليلان في هذه الصفة، ويختلفا في النسخ، كما أن القياس وخبر الواحد يتفقان في أن طريق كل واحد منهما غلبة الظن، ويجوز النسخ بخبر الواحد، ولا يجوز بالقياس، وكذلك الإجماع والسنة يتفقان في العلم بكل واحد منهما، ولا يجوز النسخ بالإجماع، ويجوز بالسنة. فإن قيل: إذا أجمع أهل عصر على خلاف حكم القرآن، حكمنا بأنه منسوخ. قيل: الإجماع لا يكون ناسخاً؛ لأن الناسخ هو الوحي، والإجماع لا يصح إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، والوحي قد انقطع بعده، ومتى وجدنا خبر الإجماع على خلافه، تركناه بالإجماع، ولا نقول: نسخ بالإجماع بل يستدل بالإجماع على نسخه؛ لأنه لو كان الخبر ثابتاً لما خرج عن الأمة؛ لأن الأمة ضبطوا الأخبار. فإن قيل: المجمعون لا يقولون: إنا ننسخه، وإذا لم يوجد ذلك منهم، لم يتصور النسخ من جهتهم. قيل: نقول في السنة كذلك، لأن النسخ لا يوجد من جهة النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى أخبر أن نسخ القرآن لا يكون من جهة النبي ﷺ . وجواب آخر وهو أن السنة المتواترة، وإن ساوت الكتاب فيما ذكروه، من القطع، فهي مخالفة له في الإعجاز، وفي حصول الثواب في قراءتها، فلم يصح وقوع نسخه بها، وإن ساوته في العلم والعمل، كما لا يجوز نسخه بالإجماع، وإن ساواه في العمل والعلم. واحتج: بأن النسخ كالتخصيص؛ لأن النسخ لا يقتضي تخصيص

стр. 995

الأعيان، والتخصيص لا يقتضي تخصيص الزمان، ثم ثبت أن تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، كذلك النسخ. والجواب: أنه يبطل بخبر الواحد وبالقياس، فإن التخصيص بهما [جائز] ، ولا يجوز النسخ بهما، وعلى أن النسخ مفارق للتخصيص؛ لأن النسخ يزيل حكم اللفظ كله، والتخصيص يبقي بعضه، ولا يسقط [١١٥/ب] جملته، فافترقا. واحتج: بأن النسخ إنما يقع في الحكم، والسنة في إثبات الحكم بمنزلة الكتاب، فصح نسخ حكمه بها. والجواب: أنا قد بيّنا أنه لا فرق عند المخالف بين نسخ الحكم وبين نسخ التلاوة. وعلى أنهما وإن تساويا في إثبات الحكم، فهما مختلفان فيما ثبت به الحكم، فحكم الكتاب ثبت بلفظ معجز، وحكم السنه ثبت بلفظ غير معجز، فلم يجز نسخ ما ثبت بأمر قوي بما ثبت بأمر ضعيف، وإن تساوى الحكمان، ألا ترى أنه لا يجوز نسخ حكم خبر الواحد بالقياس؛ لقوة الخبر الواحد وضعف القياس، وإن كان حكمهما متساوياً، بأن طريقهما معاً غلبة الظن. واحتج: أنه إنما جاز النسخ إلى غير بدل؛ لأننا نجوز أن يكون قد نسخ بما هو مثله أو أقوى منه، وليس يوجب ذلك جواز النسخ إلى بدل هو أضعف منه، ألا ترى أنه يجوز النسخ إلى غير بدل، ولا يجوز النسخ إلى بدل هو خبر واحد أو قياس. واحتج: بأن ذلك قد ورد في الشرع، وذلك أن الله تعالى أوجب الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ ذلك بقول النبي ﷺ : (لا وصية لوارث) ، وكذلك نسخ حد الزنا من الحبس والأذى بقوله ﵇:

стр. 996

(خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (١) . ونسخ قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ (٢) عند الْمَسْجِدِ الْحرَامِ) (٣) بقوله لما قيل له: إن

стр. 997

ابن خطَل (١) متعلق بأستار الكعبة-: (اقتلوه) (٢) . والجواب: أن الوصية منسوخة بآية المواريث، فلهذا قال ﵇: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) . وأما حد الزنى فمنسوخ بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا

стр. 998

كل وَاحِدٍ منهَما مائة جَلْدَة) (١) . وأما في الثيب المحصن، فإنه منسوخ بآية الرجم التي نسخ رَسمها. وقيل: إن آية الحبس لم تنسخ؛ لأن النسخ: أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه، ثم يرد ما يرفع بعضه، والآية لم ترد بالحبس على التأبيد، وإنما وردت إلى غاية، وهو أن يجعل الله تعالى لهن سبيلاً، فأثبت الغاية، فوجب الحد بعد الغاية بالخبر. وقيل: إن آية الحبس (٢) وآية الأذى في الأبكار، والمراد بالأولى النساء، والثانية الرجال، ونسختهما جميعاً آية الحد، فثبت ابتداء بالسنة (٣) . وأما قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوهمْ عنْدَ الْمَسْجِدِ الْحرَام) (٤) منسوخ (٥) بقوله تعالى: (اقْتلوا الْمُشْركينَ حيْثُ وَجدْتُمُوهمْ) (٦) .

стр. 999

مسألة (١) فأما نسخ القرآن بالسنة من جهة العقل، فلا يمتنع جوازه. واختلف أصحاب الشافعي: [١١٦/أ] فمنهم من أجاز ذلك عقلاً. ومنهم من منعه، وقال: لا يجوز عقلاً ولا شرعاً. فالوجه في جوازه عقلاً: أن النسخ تعريف بقضاء مدة العبادة وإعلام سقوط مثل ما كان واجباً بالمنسوخ، وارتفاعه فيما يستقبل من الزمان، والمعرفة بذلك تقع بالسنة كما تقع بالقرآن. والوجه لمن منع من ذلك: أنه يؤدي إلى الارتياب بالنبي ﷺ يدل عليه قوله تعالى: (وَإذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ) (٢) فلما كان نسَخَ القرآن بالسنة يزيد في ارتيابهم بالنبي ﷺ لم يجز نسخه: بل ينسخ بقرآن مثله؛ ليكون أقطع لشكوكهم، وأشد إبطالاً لدعاويهم. والجواب: أن المشركين كانوا ينسبون النبي ﷺ إلى الافتراء إذا بدلت آية بآية مكانها، وهكذا حكى الله عنهم، فلو كان فعلهم ذلك مانعاً من جواز نسخ القرآن بالسنة، لمنع أيضاً من جواز نسخ القرآن بالقرآن.

стр. 1000

مسألة (١) يجوز نسخ السنة بالقرآن أومأ إليه أحمد ﵀ فقال عبد الله: سألت أبي عن رجل أخذ منه الكفار عهد الله وميثاقه أن يرجع إليهم، قال فيه: خلاف، قلت لأبي: حديث أبي جندل، قال: ذلك صالح على أن يردوا من جاءهم مسلماً (٢) ، فرد النبي ﷺ الرجال، ومنع النساء ونزل فيهم: (فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) (٣) . وظاهر هذا أنه أثبت نسخ السنة (٤) بقرآن. وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (٥) . وللشافعي قولان: أحدهما مثل هذا، والثاني: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن (٦) .

стр. 1001

دليلنا: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا علَيْكَ (١) الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكلِّ شَيْء) (٢) والنسخ تبيان مدة الحكم، فوجب (٣) أن يجوز بالكتاب. ولأن الكتاب أقوى من السنة، فإن السنة فيها ما يوجب العلم والعمل، وفيها ما يوجب العمل دون العلم، والكتاب كله يوجب العلم. ولأن في الكتاب إعجازاً، وليس في السنة إعجاز، فإذا جاز نسخ السنة بمثلها، فبأن يجوز نسخها بما هو أقوى منها أولى. ألا ترى أنه لما جاز نسخ خبر الواحد بخبر الواحد، كان جواز نسخه بالمتواتر أولى. ولأن القرآن ثابت بوحي من عند الله تعالى، كما أن السنة التي بوحي ثابتة من قبله، فإذا كان كذلك، وجاز نسخ السنة بسنة مثلها، وجب أن يجوز بالقرآن. وأيضاً: فإنه قد وجد نسخ السنة بالقرآن في مواضع: من ذلك: أن النبي ﷺ [١١٦/ب] صالح من شاء عام الحديبية، على أن يرد إليهم من جاءه كل منهم من المسلمين، وجاءه أبو بصير (٤) وأبو

стр. 1002

جندل، فردهما (١) ، ثم جاءت امرأة مهاجرة، فمنع الله تعالى من ردها، ونسخ ذلك بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ) إلى قوله: (فَلاَ تَرْجعُوهُنَّ إلى الْكُفارِ) (٢) ، وهذا نسخ سنة بقرآن (٣) . وكذلك أخر النبي ﷺ الصلاة يوم الخندق الظهر والعصر والمغرب حتى بعد المغرب بهوي (٤) من الليل، فصلاها (٥) ، ثم نسخ تأخيرها بالقرآن، وهو قوله: (فَإنْ خِفْتمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (٦) ، وقوله: (فَإذَا كُنتَ فيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ) (٧) .

стр. 1003

ومن ذلك نسخ القبلة، وذلك أن النبي ﷺ لما قدم المدينة صلى ستة عشر شهراً إلى بيت المقدس، ثم نسخ الله ذلك بقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (١) ، ومعلوم أن صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس لم يكن ثابتاً بقرآن، وقد نسخ بالقرآن. ومن ذلك ما روي أن النبي ﷺ صلى على عبد الله بن أُبي بن سلول (٢) المنافق (٣) ، ثم أنزل الله تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلىَ أحَدٍ منْهُم مَاتَ

стр. 1004

أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (١) . ونظائر ذلك كثير. واحتج المخالف: بقوله: (وَأنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ (٢) لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم) (٣) فجعل السنة بياناً للقرآن. فلا يجوز أن يكون القرآن بياناً للسنة. والجواب: أن المراد به التبليغ، يبين صحة ذلك: أنه يجوز تخصيص السنة بالقرآن، وكذلك يجوز تفسير مجمل السنة به. واحتج: بأنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وجب أن لا يجوز نسخ السنة بالقرآن. والجواب: أن القرآن أعلى من السنة، فلم يجز نسخ الأعلى بالأدنى، وجاز نسخ الأدنى بالأعلى، ألا ترى أن ما ثبت بخبر الواحد يجوز نسخه بما ثبت بالتواتر، وما ثبت بالتواتر لا يجوز نسخه بخبر الواحد. واحتج: بأن القرآن أصل والسنة فرع له؛ لأنها بكتاب الله قبلت، وإذا كانت فرعاً، فلو قلنا: القرآن يبين معناها، لجعلناها أصلاً، والقرآن فرعاً.

стр. 1005

والجواب: أن هذا باطل بالتخصيص، فإن القرآن يخص عموم السنة، ومع هذا فلا يقضي إلى ما قالوا. واحتج: بأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة؛ لأفضى (١) إلى الاختلاط وهو أن بيانه ببيان الله تعالى، وهذا لا سبيل إليه. والجواب: أنه لا يختلط؛ لأن بيان رسول الله ﷺ تخصيص الأعيان، والنسخ: رفع الخطاب في المستقبل، فلا يختلط أحدهما بصاحبه. واحتج: بأن الشيء إنما ينسخ [١١٧/أ] بجنسه، ألا ترى أن القرآن ينسخ بالقرآن والسنة بالسنة، والقرآن لا ينسخ بالسنة. والجواب: أن الشيء ينسخ بجنسه، أو بما هو أقوى منه، والقرآن أقوى من السنة، فوجب أن ينسخ به. مسألة (٢) يجوز نسخ الحكم قبل فعله وبعد دخول وقته. وهذا لا خلاف فيه. واختلفوا في نسخه قبل وقت فعله: فقال شيخنا أبو عبد الله (٣) : يجوز أيضاً. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀؛ لأنه قال في رواية صالح

стр. 1006

وأبي الحارث في قوله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) (١) أن ذلك لجواز النسخ وأن الله تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب. وظاهر هذا جواز النسخ في عموم الأحوال. وبهذا قال أكثر أصحاب الشافعي (٢) ، وهو قول الأشعرية. وقال أبو الحسن التميمي من أصحابنا: لا يجوز (٣) . وهو قول أصحاب أبي حنيفة (٤) ، وأكثر المعتزلة (٥) . وبعض الشافعية (٦) . فالدلالة على جوازه: قوله تعالى في قصة إبراهيم: (يَا بُنَيّ إنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أذْبَحُكَ فَانْظُر مَاذَا تَرَى قَالَ يا أَبَت افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (٧) ، وَقوله: (إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) قال القتبي (٨) في "غريب القرآن" (٩) :

стр. 1007

معناه: إني سأذبحك. فكأنه أمر بذبحه في المنام، وكانت رؤيا الأنبياء ﵈ وحياً، يجب العمل به، ولهذا قال: (افعل ما تؤمر) ثم نسخه: (بذبح عظيم) ، وهذا نص يدل على جواز نسخ الحكم قبل وقته. فإن قيل: إبراهيم كان مأموراً بمقدمات الذبح، من الإضجاع وأخذ المُديَة ونحو ذلك. دون الذبح نفسه، وإنما سمي ذلك ذبحاً؛ لأن مقدمة الشيء قد تسمى باسم ذلك الشيء، ألا ترى أنهم يسمون النائحة باكية؛ لأنها تفعل مقدمات البكاء والأسباب التي يبكي عندها. وكذلك يسمى المريض المخوف عليه ميتاً؛ لحصول مقدمات الموت. قالوا: ويبين هذا قوله تعالى: (قَدْ صَدّقْتَ الرؤيَا) (١) ، ولو كان الواجب عليه الذبح بعينه، لم يكن قد صدق رؤياه وهو لم يذبحه، فعلم بذلك أنه كان مأموراً بمقدمات الذبح. قيل: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أنه قال: (إنِّي أَرَىَ فِي الْمَنَامِ) والذَّبح: اسم للشق والفتح، ولا يعبر به عن مقدماته، لا حقيقة ولا مجازاً. ومنه قول الشاعر: كأن بين فَكِّها والفَكِّ ... فَأرةُ مِسْك ذُبِحَت في سَكِّ (٢) يعني به: الفتح والشق.

стр. 1008

الثاني: قوله: (سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ، وليس في مقدمة الذبح ما يحتاج إلى الصبر. الثالث: أنه قال: (إنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاَءُ الْمُبِينُ) (١) ، ولا يجوز أن يفخم هذه التفخيم، والمأمور به مقدمة الذبح. الرابع: قوله: (وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (٢) ، ولا يكون [١١٧/ب] الفداء مع الامتثال للأمر. وأما قوله: (قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيَا) فقد قيل معناه: التصديق بالقلب؛ لأن حقيقة التصديق بالقلب فكأنه قال: لما صدقت وآمنت واعتقدت وجوبه وعزمت على فعله جزيناك كما نجزي المحسنين، فنسخنا عنك فعل الذبح بذبح كبش. وقيل فيه جواب آخر: أن النسخ إذا ورد قبل وقت الفعل، تبيَّنا أن المراد به إيجاب مقدمات الفعل، وكل النسخ هكذا؛ لأن النسخ تخصيص الزمان، وبيان لما لم يرد باللفظ، كالتخصيص في الأعيان، ولا نقول: إن الله تعالى نسخ ما أمر به وأوجب علينا فعله؛ لأن ذلك يؤدي إلى البداء على الله تعالى. وقيل فيه جواب آخر وهو: أنه يحتمل أن يكون الأمر بالذبح أراد به ما لم أنسخه عنك، ومعناه: افعل في وقت كذا، ما لم أنسخه عنك، فإذا نسخه قبل وقته تبيَّنا أن الذبح لم يكن مأموراً به، وإنما أمره أن يعتقد وجوبه، ويعزم على فعله بهذا الشرط. والجواب الصحيح عندي هو الأول؛ لأن الثاني والثالث تسليم لما قاله

стр. 1009

المخالف؛ لأن عنده: أن المأمور به أمارات الذبح. وعنده أيضاً: أنه يصح تعليق الأمر بشرط التمكن. فإن قيل: إنما تعبده الله تعالى بذبح لا تبطل الحياة عنده، فكان كلما، قطع جزءاً من موضع الذبح ألحمه الله تعالى وأعاده إلى حاله، فكان الفداء واقعاً من الذبح الذي تبطل الحياة عنده. قيل: القرآن يقتضي أن يكون الذى فعله تلَّه للجبين، ثم جاءه النداء والفداء، فلم يجز أن يقال: إنه ذبحه. ولأن لو كان ذبحه لذكره، وكان ذكره أولى من ذكر تلَّه للجبين. ولأنه ذلك معجزة عظيمة، وآية كبيرة، فلو كان كما قال، لوجب أن يكون قد ذكرها وتواتر النقل بها. ولأنه لو كان فعل الذبح لم يكن الذبح فداءً، وإنما يكون الذبح فداءً، إذا لم يكن فعل الذبح. فإن قيل: فقد روي أن الله تعالى ضرب على مذبحه صفيحة من نحاس، فكان إيراهيم كلما وضع المُدْية على الموضع انقلبت ولم يقع بها قطع (١) . قيل: هذا لا يصح على أصل المخالف لوجهين: أحدهما: أنه لا يصح تكليف ما لا يطاق. وهذا تكليف ما لا يطاق. والثاني: لا يكون الأمر أمراً إلا بإرادة الآمر، وإذا حال بينه وبين الفعل لم يُردْه. وأيضاً: فإن نسخ الفعل بعد التمكين من اعتقاد وجوبه يجوز، أصله الفعلُ الثاني والثالث.

стр. 1010

يبين صحة هذا أن الأمر يوجب على المكلف أن يعتقد وجوب فعل تلك العبادة عند دخول وقتها والعزم على فعلها، ويصير بذلك مطيعاً، فإذا نسخت (١) عنه قبل دخول الوقت، فقد نسخت بعدما صار مطيعاً [١١٨/أ] ومثاباً شيء تضمنه حكم الأمر، فجاز ذلك، كما لو أمر بفعل عبادات ففعل بعضها، جاز نسخ الثاني، ولا فصل بين الأمرين. والمعتمد على الآية. واحتج المخالف: بأن الأمر بالعبادة يقتضي الأمر بالحسن، والنهي يقتضي القبح، فلو كان الأمر بالفعل قد دل على حسنه كان النهي عنه قبل مجيء وقته نهياً عن حسن، والنهي عن الحسن قبيح، كما أن الأمر بالقبيح قبيح، وهذا لا يجوز في صفات الله تعالى. والجواب: أن الأمر يقتضي الحسن ما دام الأمر باقياً، فأما بعد زواله، فإنه يقتضي قبحه (٢) ، والأمر على هذا الوجه ورد، وهو أن الفعل يكون حسناً مع بقائه، ما لم يرد النسخ به، فإذا ورد خرج الفعل عن كونه حسناً، وليس يمتنع أن يكون الشيء الواحد حسناً إذا فعل على وجه، وغير حسن إذا فعل على وجه آخر كالصلاة إذا فعلت لله تعالى كانت حسنة، [و] إذا فعلت للشيطان كانت قبيحة، وفعلها في الحالين على صورة واحدة. وقيل في جواب هذا: إن الأمر تعلق بمقدمات الفعل الذي تناوله ظاهر الأمر، كما نقول: إن الله تعالى لما نسخ التوجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ولم يرد فيما زاد عليها، وإن كان ظاهر الأمر التأبيد، ولا يقال: إنه أراد أن يكون التوجه واجباً عليهم أبداً، ثم نسخه؛ لأنه يكون بداءً على الله تعالى.

стр. 1011

واحتج: بأن النهي عن الفعل المأمور به قبل مجيء وقته، يدل على البداء؛ لأن حال المأمور به لو كانت عنده على ما كانت عليه وقت الأمر لما كان (١) يجوز أن ينهي عنه على الوجه الذي أمر به؛ لأن ذلك يكون عبثاً، فمتى نهي عنه علمنا أن حال المأمور به يعرف عنده، إما بأن ظهر له ما لم يكن عالماً به في حال الأمر، أو خفي عنه ما كان عالماً به وقت الأمر. والجواب: أنه لا يقتضي البَدَاء؛ لأن البداء أن يظهر للإنسان ما لم يكن عالماً به، والله تعالى حين أمر بهذه العبادة كان عالماً بأن المصلحة في بقاء فرضها إلى وقت النسخ، فلا يكون قد ظهر له ما لم يكن يعلمه، حتى يكون بداء. وقيل فيه: لا يفضي إلى البداء؛ لأنه كان مأموراً بمقدمات الذبح، وقد وجدت منه، أو كان مأمورا بشرط. واحتج بأن النسخ بمنزلة التخصيص، فلما استحال أن يقول: "صلوا إذا زالت الشمس، لا تصلوا إذا زالت الشمس"، لم يصح أن يأمر بالصلاة ثم ينهي عنها قبل مجيء وقتها. والجواب: أنه إنما لم يصح ذلك؛ لأنه لا يفيد شيئاً، فيكون عبثاً ولعباً، وليس كذلك إذا كانا في زمانين مختلفين؛ لأنه يتمكن من فعل مقدماته: اعتقاد وجوب المأمور به، والعزم على فعله بشرط، فيكون ذلك طاعة ينال بها الثواب، وإذا كان [١١٨/ب] مفيداً جاز ورود الشرع به.

стр. 1012

مسألة (١) الزيادة في النص ليس بنسخ. وهو قول أصحاب الشافعي (٢) . وقال أصحاب أبي حنيفة: هو نسخ (٣) . ويفيد هذا: جواز الزيادة في النص بالقياس، وبخبر الواحد (٤) ، مثل: إيجاب النية في الوضوء بالخبر (٥) والقياس، وإن كان ذلك زيادة على قوله تعالى: (اغْسلُوا وُجُوهكُمْ) (٦) . وكذلك: إيجاب النفي في حد الزنا (٧) ، وإن كان زيادة على قوله (فَاجْلِدُوا كُل وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدةٍ) (٨) .

стр. 1013

وكذلك: إيجاب شرط الإيمان في كفارة الظهار بالقياس علي كفارة القتل، وإن كان فيه زيادة على قوله: (فَتَحْرِيرُ رقَبَةٍ) (١) . وكذلك: الحكم بشاهد ويمين جائز بالخبر (٢) ، وإن كان فيه زيادة على قوله تعالى: (فَإنْ لَمْ يَكُونَا رجُلَيْنِ فرَجُل وامْرَأتَانِ) (٣) . ونحو هذا، كله يجوز عندنا، وعندهم لا يجوز. وقال أصحاب الأشعري: إن كانت الزيادة تُغير حكم المزيد عليه، مثل: أن يأمر بركعتين، ويجعلها أربعاً، كان نسخاً. وإن كانت لا تغير حكمه، مثل: أن يزيد عشر جلدات على المائة، لم يكن نسخاً.

стр. 1014

دليلنا: أن النسخ بيان مدة ما لم يرد مما وجب دخوله في إطلاق اللفظ، ويكون الرافع متأخراً عن وقت الفعل المأمور به، وهذان الشرطان مفقودان هاهنا؛ لأن القياس الذي يدل على الزيادة يقترن بالمزيد عليه، غير متأخر عنه، فلم يكن نسخاً. ولأن النسخ هو: رفع الحكم وإزالته، والزيادة لا توجب رفع المزيد عليه، ألا ترى أنه إذا كان في الكيس مائة درهم، فزدت فوقها درهماً، أن ذلك لا يوجب رفع شيء مما كان في الكيس، فلا يوجب ضم الزيادة إليه مع بقائه. وكذلك إذا فرض الله تعالى على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، ثم فرض صوم شهر رمضان، فلا يكون فرض الصوم نسخاً للصلوات، كذلك هاهنا. والذي يبين صحة هذا وأن النسخ هو الرفع والإزالة: قولهم: "نَسخت الشمسُ الظل، إذا أزالته"، و"نسخ الريحُ الأثرَ، إذا ذهب به وأزاله". فإن قيل: وقد لا يكون عبارة عن الإزالة ألا ترى أنك تقول: نسخت الكتاب، وإن لم يزل، ما كان فيه من الكتابة؟ قيل: هذا مجاز واتساع، والحقيقة ما ذكرنا. والذي يبين صحة هذا أن النسخ عندنا هو الإزالة، وعند مخالفينا هو تغيير الحكم، ونسخ الكتاب لا يوجد فيه شيء من ذلك، فعلم أنه مجاز. ويدل علي جواز الزيادة بالقياس وبخبر الواحد، فنقول [١١٩/أ] كل جاز تخصيص الحكم به جاز الزيادة فيه، أصله القرآن والخبر المتواتر.

стр. 1015

وأيضاً: فإن التخصيص نقصان مما وجب دخوله في اللفظ، وليس في الزيادة نقصان، فإذا جاز التخصيص، فلأن تجوز الزيادة أولى. واحتج المخالف: بأن النسخ هو: أن لا يلزم في المستقبل مثل ما كان لازماً فيما مضى وهذا المعنى موجود في الزيادة في النص؛ لأن إيجاب النية في الطهارة، وشرط الإيمان في كفارة الظهار يمنع أن يلزم في المستقبل مثل ما كان لازما فيما مضى، وكذلك إيجاب التغريب مع الجلد، فوجب أن يكون نسخاً. والجواب: أنا لا نسلم أن هذا هو النسخ، وإنما هو ما ذكرنا من الرفع والإزالة، أو بيان ما لم يُرَد مما وجب دخوله، وهذا معدوم ها هنا. وعلى أنه يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر بالصوم، فإن الصلاة كانت جميع الشرع، ثم صارت بعضه، فلم يلزم في المستقبل مثل ما كان لازماً فيما مضى، ومع هذا فلم يكن نسخاً، وهما سواء؛ لأنه كان لازماً فيما مضى عبادة واحدة، فزيد عليها أخرى، وكذلك كان لازما جلد مائة، فزيد عليه التغريب. واحتج: بأن الزيادة تغير حكماً ثابتاً في المزيد عليه، فوجب أن يكون نسخاً، كما إذا نسخ الحكم الثابت، مثل القبلة، والتقديم (١) ، وحد الزنا، والوصية. ووجه التغيير: أنه قبل الزيادة كان جميع الحكم، فصار بالزيادة بعض الحكم. والجواب: أنا لا نسلم أنها غيرته؛ لأن حكم المزيد ثابت، كما

стр. 1016

كان، ولكن يحتاج إلى زيادة ليقع موقعه، فكأن المائة قد وقعت موقعها، ولكن تحتاج إلي زيادة. وقولهم: كان جميع الحكم، فصار بعضه، يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر بالصوم، فإن الصلاة كانت جميع الشرع، ثم صارت بعضه، ولا يكون ذلك نسخاً. ثم يبطل هذا بالنقصان فإنه إذا سقط من المائة خمسون، لم يكن نسخاً للباقي، وقد صارت كل الحد بعد أن كانت بعضه. واحتج: بأن النقصان نسخ، فوجب أن تكون الزيادة نسخ. والجواب: أن النقصان يسقط حكماً ثابتاً فأوجب دخوله في اللفظ في وقت مستقبل، وليس كذلك الزيادة؛ لأنها لا تسقط حكماً، وهذا كما نقول: إنه إذا نسخ صوماً أو صلاةً، كان نسخاً، وإن زاد صوماً بعد الصلاة، لم يكن نسخاً فدل على الفرق بين النقصان وبين الزيادة. واحتج: بأنه لا يصح أن يجمع بين الزيادة وبين حكم النص في خطاب واحد، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول الله تعالى: إذا غسلتم فى هذه الأعضاء أجزأتكم الصلاة وإن لم تنووا، ثم يقول مع ذلك: إن لم تنووا الطهارة لم تجزئكم صلاتكم، وكذلك [١١٩/ب] لا يقول: قد أوجبت عليكم إذا حكمتم أن تحكموا بشهادة رجل واحد وامرأتين دون غيرهم، ثم يقول مع ذلك: واخترت لكم الحكم في الشاهد واليمين. وكذلك لا يصح أن يقول: إن جلد مائة جميع حد الزاني، ثم يقول مع ذلك: هو بعض حده، فإذا استحال جمعها (١) في خطاب واحد، وجب أن يكون ورود الزيادة بعد استقرار حكم النص موجباً لنسخه. والجواب: أن هذا يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر بالصوم، فإنه لا يصح أن يجمع بين الصوم وبين الصلاة في خطاب واحد، فلا

стр. 1017

يصح ان يقول: إذا صليتم برأت ذمتكم من كل عبادة، وإن لم تصوموا، ثم يقول مع ذلك: إن لم تصوموا لم تبرأ ذمتكم، ومع هذا فإيجاب الصيام بعد الصلاة لا يكون نسخاً للصلاة، كذلك ها هنا. واحتج من قال بأنها إذا غيرت كانت نسخاً: بأن الركعتين قبل الزيادة عليهما (١) كانتا تجزئان عن الفريضة ويصحان بانفرادهما، فلما ضم إليهما (٢) ركعتين آخرتين صارتا غير مجزئتين ولا يصحان (٣) بانفرادهما، فكان ذلك نسخاً لهما. والجواب: أن الركعتين صحيحتان واقعتان عن الفرض، لكن ضم إليهما شيء آخر، فهو بمنزلة إشتراط ستر العورة فيها واستقبال القبلة ونحو ذلك من الشرائط. ثم هذا باطل بالزيادة على الحد، فإنه كان قبل الزيادة محرماً، وتحصل به الكفارة، وبعد الزيادة لا تجزىء، ولا يكون ذلك نسخاً عند هذا القائل، وكذلك مبيحة للنكاح، فإذا زيد فيها، لم تكن مبيحة للنكاح من غير الزيادة، ولا يكون نسخاً، كذلك ها هنا. واحتج: بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخاً لدليل الخطاب، فيجب (٤) أن يكون نسخاً للمزيد عليه، وبيانه: إذا أمر الله تعالى بأن يجلد الزاني مائة واستقر ذلك، ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة، كان ذلك نسخاً لدليل الخطاب، لأن قوله: اجلدوا مائة، دليله: لا يجلد أكثر منها.

стр. 1018

وهذا كما قال الصحابة والتابعون: إن قول النبي ﷺ : (الماء من الماء) منسوخ، وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه، دون حكم النطق؛ لأن حكم النطق ثابت لم يتغير. والجواب: أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه، فهو (١) بعد الزيادة، كهو (٢) قبلها، وليس كذلك دليل الخطاب، فإنه قد زال، لأن تقديره: لا تزيدوا على المائة، وقد أوجب الزيادة عليها، فصار المنع من الزيادة منسوخاً. وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ، وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم، قال: لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر الواحد. والصحيح: أنه نسخ؛ لأن [١٢٠/أ] العموم إذا استقر بتأخير بيان التخصيص كان ما يراد من التخصيص بعده نسخاً، كذلك دليل الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخاً. فصل (٣) إذا نص على حكم في عين من الأعيان بمعنى، وقيس عليه كل موضع وجد فيه ذلك المعنى، ثم نسخ الله تعالى حكم تلك العين صار حكم الفروع منسوخاً.

стр. 1019

وقال أصحاب أبي حنيفة: يبقى الحكم في جميع الفروع (١) ، وذكروا ذلك في مسألتين: إحداهما وضوء النبي ﷺ بالنبيذ الذي كان مع عبد الله بن مسعود (٢) . فقيل لهم: إنه كان نيئاً، ولا يجوز عندكم أن يتوضأ بالنبيذ النيء. فقالوا: إذا ثبت بالنص جواز الوضوء بالنيء، لأنه ثمرة طيبة وماء طهور، وجب جوازه بالمطبوخ، لأن هذا المعنى موجود فيه، وقد نسخ حكم النيء وبقي حكم المطبوخ. والمسألة الثانية: النية لصوم رمضان بالنهار، فرووا عن النبي ﷺ أنه بعث إلى أهل العوالي (٣) يوم عاشوراء (٤) أن من لم يأكل

стр. 1020

فليصم (١) فأجاز صوم يوم عاشوراء بالنية من النهار، وكانت العلة فيه: أنه صوم مستحق في زمان بعينه، وهذا المعنى موجود في صوم رمضان وغيره، ثم نسخ صوم عاشوراء، وبقي حكمه في غيره. دليلنا: أن ما ثبت تابعاً لغيره وجب أن يزول بزوال الموجب والمقتضى إذا
следующие страницы →