← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ولأن خبر الواحد يوجب غلبة الظن، كما أن شهادة الشاهدين توجب غلبة الظن، ثم ثبت أن الحد يجب بشهادتهم، فالخبر كذلك. يبين صحة هذا: أن الحكم بالشهادة ثابت من طريق موجب للعلم وهو الإجماع ونص القرآن وخبر الواحد، كذلك الحكم به ثابت من طريق موجب للعلم، وهو الإجماع والقرآن. واحتج المخالف: بأن الحدود موضوعة في الأصل على أن الشبهة تسقطها، وخبر الواحد لا يوجب العلم، وإنما يوجب غلبة الظن، فيصير ذلك بمنزلة حصول شبهة، فيمتنع من ثبوته. والجواب: أن هذا يوجب أن لا يحكم بالحد بشهادة الشهود؛ لأن العلم لا يحصل مع شهادتهم، وقد أجمعنا على ثبوته بقولهم، فبطل ما ذكروه. مسألة (١) خبر الواحد مقدم على القياس وهذا ظاهر على أصله، فإنه أخذ بحديث الأقرع (٢) : (لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة) (٣) ، وترك القياس فيه.

стр. 1087

وكذلك إيجاب غسل اليدين عند القيام من النوم، وخالف بين نوم اللّيل ونوم النهار. وكذلك القرعة بين العبيد، قدم الخبر على القياس؛ لأن القياس يمنع جمع عتق في ستة إلى اثنين، وغير ذلك. وهو قول أصحاب الشافعي (١) . وقال أصحاب أبي حنيفة: إن خالف الأصول أو معنى الأصول لم يحتج به، ويقبل إذا خالف قياس الأصول (٢) . وحكي عن مالك: أن القياس أولى من خبر الواحد. دليلنا على أنه مقدم على القياس: إجماع الصحابة، روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه

стр. 1088

ترك القياس بخبر حمل بن مالك بن النابغة في غرة الجنين. وكان يفاضل بين ديات [١٣٣/أ] الأصابع، ويقسمها على قدر منافعها، فلما روي له عن النبي ﷺ أنه قال: (في كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل) (١) رجع عنه إلى الخبر، وكان بمحضر من الصحابة ﵃، فلم ينكر ذلك منكر، ولم يخالفه فيه مخالف، فدل على أنه إجماع عنهم. وأيضاً: لو كان القياس والقول الخاص مسموعين من النبي ﷺ ،

стр. 1089

لوجب تقديم القول الخاص. مثاله: أن يسمع من النبي ﷺ يقول: إذا زنت الأمة جلدت خمسين لرقها، وإذا زنى العبد جلد مائة، فيكون نصه على العبد أولى من القياس. وكذلك إذا كان كل واحد منهما مجتهداً فيه، وجب أن يكون الخاص أولى من القياس. وأيضا: فإن القياس يفتقر إلى الاجتهاد في موضعين: أحدهما: في ثبوت العلة في الأصل. والثاني: في الحكم في الفرع؛ لأن من الناس من قال: إذا ثبتت العلة في الأصل لا يجب الحكم بها في الفرع، إلا أن يحصل الأمر بالقياس، والاجتهاد في خبر الواحد في ثبوت صدق الراوي، فإذا ثبت صدقه من طريق يوجب الظن، وجب المصير إليه، ولم يبق موضع آخر يحتاج إلى اجتهاد فيه؛ ولأن طريق ثبوت صدقه في الظاهر أجل من طريق ثبوت العلة؛ لأنه يدل عليه عادته في الزمان الطويل في اتباع الطاعات وتحرز الصدق وتجنب الإثم، فدل هذه العادة على أنه مختار للصدق فيما حدث به، فيكون أولى من طريق العلة. وأيضاً: فإن الخبر أصل بنفسه، وليس بمقيس على غيره، كما أن الأصول المنصوص عليها والمتفق على حكمها، أصول بأنفسها، غير مقيسة على أغيارها، فإذا كان كذلك، كان (١) موجب الأصل المجمع عليه أقوى من موجب القياس، كذلك موجب خبر الواحد، يكون أقوى من موجب القياس. وليس لهم أن يقولوا: إن العلم وقع لنا بموجب تلك الأصول؛ لأنه لا معتبر بوقوع العلم فيما ذكر؛ لأن موجب العقل في باب الإبا حة ونحوها يدفعه القياس وخبر الواحد، وإن كان موجب

стр. 1090

العقل ثابتاً من جهة توجب العلم. وأيضا: فإن الخبر مما يؤدي إلى العلم، إذا أكثر من يخبر به، والقياس لا يؤدي إلى العلم، وإن كثرت وجوه الشبه فيه، فكان ما يؤدي إلى العلم أقوى مما لا يؤدي إلى ذلك. واحتج المخالف: بأن القياس يتعلق [١٣٣/ب] بفعله، وهو استدلاله على صحة العلة في الأصل، وصدق الراوي في خبره مغيب عنه، غير متعلق بفعله وثقته، فما هو متعلق بفعله أكثر تنبيهاً مما هو متعلق بغيره، فوجب أن يكون أولى. والجواب: أن هذا يبطل بعلم الحاكم، فإنه أكثر تنبيهاً من قول الشهود. وعندنا وعند مالك: لا يحكم بعلمه، ويحكم بشهادة الشهود، على أنهما سواء؛ لأنه يستدل على صدق الراوي بما يعلمه من أفعاله الدالة على صدقه، كما أن القياس يستدل [به] على أن صاحب الشريعة حكم في الأصل لمعنى من المعاني، وقصده يكون ثبوت قصد صاحب الشريعة بالنظر في الأمارات الدالة عليه، كثبوت صدق الراوي، ولا فرق بينهما. واحتج: بأن خبر الواحد يجوز فيه مما يمنع العمل به أربعة أوجه، وهي: كونه منسوخاً، وكونه كذباً، وكون المخبر به فاسقاً، وكونه خطأً، والقياس لا يجوز فيه ما يمنع العمل به، إلا وجه واحد، وهو كونه خطأً. والجواب: أن ما يوجب فساد الشيء، لا يعتبر فيه بالقلة والكثرة، ألا ترى أن كون الراوي مغفلاً، لما كان مانعاً من قبول خبره، لم يختلف فيه وجود الفسق مع الغفلة وعدم الفسق معها، وإن كان أحد الوجهين أقوى في باب الفسق من الآخر، فإذا كان [كذلك] لم يجز أن يرجح القياس على

стр. 1091

الخبر لوجود كثرة وجوه الخطأ في الخبر، وقلتها في القياس، وليس هذا بمنزلة ما اعتبرناه من كثرة وجوه الشبه في القياس، أنها توجب ترجيحه على ما قلتّ وجوه الشبه فيه لأن ما يوجب صحة الشيء وثباته، فإنه يقوى بكثرة وجوه الإثبات، ألا ترى أن كثرة الرواة يقوى بها الخبر، ويحصل له بها المزية على ما قلَّت رواته، لما كانا موجبين للثبات والصحة، وإن لم يرجع أحد الخبرين على الآخر في باب الفساد، لكثرة وجوه الفساد. وجواب آخر وهو: أنه لو كان على الاعتبار بما ذكره، لوجب أن يكون خبر الواحد أولى من القياس المستنبط من الخبر؛ لأنه قد اجتمع فيه خمسة أوجه من جواز ما يمنع العمل به، أربعة منها ما ذكره المخالف في الخبر، والوجه الخامس ما ذكره في القياس، فقد بَانَ بهذا: أن ما اعتبره يؤدي إلى كون الخبر أولى من القياس على القضية التي صار إليها. واحتج: بأن القياس لا يصح فيه معنى الحقيقة والمجاز والاحتمال، ويصح ذلك في الخبر. والجواب: أن هذا كله موجود في نص القرآن والسنة المقطوع [١٣٤/أ] بها. واحتج: بأنه يجوز أن يقع الإجماع على موجب القياس، ولا يمنع أن يجمعوا على العمل بخبر الواحد؛ لأن إجماعهم على العمل بموجب الخبر يخرجه عن كونه خبر واحد، ويجعله في حيز التواتر عندكم، لأنهم لا يجمعون إلا على ما قامت به الحجة في الأصل، وعلموا مخبره، وإن ضعف نقله. والجواب: أن الإجماع إنما يحصل على الحكم الثابت بالقياس، ولا يحصل الإجماع على القياس نفسه، فكيف يكون ذلك موجباً له، إن صح القياس على خبر الواحد؟

стр. 1092

فصل وأما أصحاب أبي حنيفة فإن قالوا: يرد خبر الواحد إذا خالف الأصول التي هي نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع، فنحن نوافق على ذلك، إلا أنهم يقولون هذا في المصراة والتفليس والقرعة، وليس فيها شيء من ذلك. فإن قالوا: يرد إذا خالف قياس الأصول ومعناها. وقولهم بمنزلة قول أصحاب مالك. وقد بينا فساد ذلك. على أن هذا ليس بمذهب أبي حنيفة (١) ؛ لأنه قال: إذا أكل ناسياً لم يفطر، وكان القياس أن يفطر، ولكن ترك القياس بخبر أبي هريرة عن النبي ﷺ : (الله أطعمك وسقاك) (٢) . وأوجب الوضوء من نبيذ التمر بخبر عبد الله بن مسعود (٣) ، وخالف

стр. 1093

معنى الأصول. وكذلك انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة (١) .

стр. 1094

وكذلك القسامة حكموا فيها بخلاف القياس بما ذكروه (١) من الأثر. وعلى أن الخبر الوارد في بعض الأصول، لا يكون إلا مخالفاً للأصول. ولأن خبر الواحد أصل كغيره من الأصول، فلئن جاز أن تترك الأصول، جاز أن تترك الأصول له، لمساواتها. فإن قالوا: ما خالف الأصول: أن يكون نفس ما ورد به الخبر موجوداً في الأصول، ومعناه فيه، ولا حكم له، مثل: ترك استعمال القرعة في الحرية في حر وعبد، في أن تنقل الحرية من أحدهما إلى الآخر، لمعنى أن الحرية لا يلحقها الفسخ. وما خالف قياس الأصول: أن يكون ما ورد به الأثر غير موجود مثله في الأصول، ومن جنسه، ولا حكم له، مثل: نبيذ التمر المطبوخ، الذي ورد الخبر فيه، أو القهقهة في الصلاة، على ما ورد فيه الأثر، غير موجب للوضوء. وإنما يقيس مخالفنا على نبيذ الزبيب، أو يقيس القهقهة على غيرها من المعاني، التي لا تؤثر في الطهارة خارج الصلاة، فيرد به الأمر، فيكون الخبر مقدما عليه.

стр. 1095

والوجواب: أنه لا فرق بينهما، وذلك أن خبر القرعة، وخبر [١٣٤/ب] المصراة وخبر المفلس، خالف قياس الأصول على ما قالوه، كما خالف خبر النبيذ والقهقهة لقياس الأصول. فأما أن يكون أحدهما مخالفا للأصول فلا؛ لأن الأصول هي: الكتاب والسنة والاجماع، وليس واحد منهما يعارض أحد هذه الأخبار، فلا فرق بينهما. وقد نص أحمد ﵀ على أن الحديث إذا عارض الأصول سقط. فقال في رواية يوسف بن موسى (١) في الخبر الواحد: "نستعمله إذا صح الخبر، ولم يخالفه غيره". فقد نص على استعماله بشرط أن لا يخالفه غيره، فدل على أنه إذا خالفه غيره لم يستعمل، وليس هاهنا ما يطرح له الخبر سوى الأصول الثلاثة، فأما القياس فهو مقدم عليه. وكذلك قال في رواية أبي الحارث: إذا جاء الحديث الصحيح الإسناد، يقال: هو سنة، إذا لم يكن له شيء يدفعه أو يخالفه. وكذلك قال في رواية عبد الله: يقال له: سنة، إذا لم يكن له مضاد يخالفه، ولم يكن شيء يدفعه.

стр. 1096

مسألة (١) خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري وقد رأيت في كتاب معاني الحديث جمع أبي بكر الأثرم بخط أبي حفص العُكْبَري (٢) رواية أبي حفص عمر بن بدر (٣) قال: الأقراء الذي يذهب إليه أحمد بن حنبل ﵀: أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة، فقد برىء منها وبرئت منه. وقال: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد صحيح، فيه حكم أو فرض، عملت بالحكم والفرض، وأَدَنْتُ الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي ﷺ قال ذلك. فقد صرح القول بأنه لا يقطع به. ورأيت في كتاب "الرسالة" (٤) لأحمد ﵀ رواية أبي العباس

стр. 1097

حمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي (١) عنه بخط أحمد بن سعيد الشيحي (٢) وسماعه فقال: "ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة (٣) أتاها، إلا أن يكون ذلك في حديث، كما جاء على ما [روي] ، (٤) ، نصدقه (٥) ، ونعلم (٦) أنه كما جاء ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء، على ما روي، ولاننص الشهادة". وقوله: "ولا ننص الشهادة"، معناه عندي: -والله أعلم- لا يقطع على ذلك. وقد نقل أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: ها هنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملاً، ولا يوجب علماً فعابه، وقال: ما أدري ما هذا؟!. وظاهر هذا أنه سوّى فيه العلم والعمل.

стр. 1098

وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية: نؤمن بها، ونعلم أنها حق. فقطع على العلم بها. وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من [١٣٥/أ] ، أصحابنا، وقالوا: خبر الواحد إن كان شرعاً أوجب العلم. وهذا عندي: محمول على وجه صحيح من كلام أحمد ﵀، وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال، لا من جهة الضرورة. والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه: أحدها: أن تتلقاه الأمة بالقبول، فدل ذلك على أنه حق؛ لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ، ولأن قبول الأمة يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته؛ لأن عادة خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به، لا (١) تجتمع الأمة على قبوله، وإنما يقبله قوم ويرده قوم، كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" (٢) .

стр. 1099

والثاني: أن يخبر الواحد، ويدعي على النبي ﷺ أنه سمعه منه، فلا ينكره، فيدل على أنه حق، فيصدق؛ لأن النبي ﷺ لا يقر على الكذب. الثالث: أن يخبر النبي [ ﷺ ] ، وهو واحد، فيقطع بصدقه؛ لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته صلى الله عليه [وسلم] . الرابع: أن يخبر الواحد، ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه منه، فلا ينكر منهم أحد، فيدل على أنه صدق؛ لأنه لو كان كذباً، لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه؛ لأن الله تعالى خالف بين الطباع وبَايَن بين الهمم. والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب؛ لأنه واقع عن نظر واستدلال. وقال إبراهيم النظام (١) : خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضروري إذا قارنه أمارة (٢) . دليلنا: أن خبر الواحد لو كان موجباً للعلم؛ لأوجبه على أي صفة وجد، من المسلم والكافر، والعدل والفاسق، والحر والعبد، والصغير والكبير، كما أن خبر المتواتر لما أوجب العلم، لم يختلف باختلاف صفات المخبرين، بل استوى في ذلك الكفار والمسلمون، والصغار والكبار، والعدول والفساق، فلما ثبت أن خبر الكافر والفاسق والصغير غير موجب

стр. 1100

للعلم، دل أن هذا من النوع الذي لا يوجب العلم. ولأنه لو كان موجباً للعلم لكان الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم وقع العلم بما يخبرون به، واستغنوا عن إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، ولكان لا يحتاج في الشهادات إلى عدد، بل كان الشاهد الواحد إذا أخبر الحاكم بشيء، وقع للحاكم علم ذلك ومعرفته، ولكان المدعي على غيره عند الحاكم حقاً أن يصدقه؛ لأن العلم يقع بقوله، وفي كون الأمر بخلاف ذلك دليل (١) على أن خبر الواحد لا يوجب العلم. فإن قيل: إنما لم يوجب العلم ها هنا [١٣٥/ب] ؛ لأنه ليس من الشرعيات وإنما نقول: إنه يوجب العلم فيما كان شرعاً لنا. قيل: فالشهادة شرع، لأن على الشاهد أن يشهد بما عنده، قال الله تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشهَادَةَ) (٢) ، وعلى المشهود عنده: العمل بذلك، ومع هذا شهادة الشاهدين لا توجب العلم. وأيضاً: لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لوجب أن لا يشكك نفسه عنده، كما لا يشككها عند خبر التواتر، فلما ثبت أنه يشكك نفسه عنده، ويجوز عليه الصدق والكذب، ثبت أنه لا يوجب العلم. ولأنه لو كان يوجب العلم لوجب أن لا ينكر عليه قريش حين أخبرهم: أن الله تعالى قد أسرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة، وأنه عرج به إلى السماء؛ لأن العلم قد وقع لهم بما أخبرهم به، فلما أنكروا عليه، وردوا قوله، حتى أتى أبو بكر فأخبروه بما يقول، فقال لهم: إن كان قد قال هذا، فقد صدق. ثبت: أن خبر الواحد لا يوجب العلم. والمعتزلة: تنكر حديث المعراج، وتقول: إنه منام، ولو كان على ما

стр. 1101

قالوه، لما أنكروا عليه أنه رأى في المنام هذا، ولأن (١) كل أحد يرى في منامه أعظم من هذا، فلما أنكروا عليه، ثبت: أنه إنما قال لهم ذلك في اليقظة. وأيضاً: فإن الواحد يجوز أن يكذب لغرض له أو شهوة، أو يخطىء. فيخبر به، وهذا التجوز يمنع وقوع العلم بصدقه؛ لأنه لا يجتمع التجويز لكذبه [لغرض] ، أو شهوة، والقطع على صدقه. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بهِ عِلْمٌ) (٢) ، دل على أنه لا يقفو ما ليس بعلم، فلما ثبت أنه يقفو خبر الواحد، ثبت أنه متعلق بما هو علم. وهكذا قال: (إلا منْ شَهِدَ بالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣) ومعلوم أن الله تعالى تعبدنا بنقل خبر الواحد، وتعبدنا بالعمل به إذا ورد، فلما لزم نقله، ولزم العمل به، ثبت: أنه أوجب العلم. والجواب عن الآية أن التعلق بها من دليل الخطاب، وهذا لا يوجب العلم، على أنا نحملها على العلم الظاهر، أو على مسائل الأصول بدليل ما ذكرنا. وأما قولهم: لما أوجب على السامع نقله، وعلى المنقول إليه العمل به، ثبت أنه يوجب العلم، فهو باطل بالشهادة، فإنها على هذا الوصف، ومع هذا فلا توجب العلم. واحتج: بأن الشريعة محفوظة بقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا

стр. 1102

الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) ، وهذا يمنع من دخول الكذب والسهو فيها. والجواب: أن هذا إشارة إلى القرآن، وذلك مقطوع على صحته. فأما غيره من الأخبار الشرعية فلا، يدل على ذلك قول النبي ﷺ : (من كذب عليّ متعمداً، فليتبوأ مقعده [١٣٦/أ] من النار) (٢) ، فلولا خوفه من دخول الكذب، لم يتوعد عليه. واحتج: بما روي عن علي أنه قال: "ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته، إلا أبا بكر، وصدق أبو بكر" (٣) . فقد قَطعَ على صدقه وهو واحد. والجواب: أن الخبر حجة على هذا القائل؛ لأن عنده أن أبا بكر

стр. 1103

وسائر الصحابة سواء في قبول قولهم، وقد أخبر أنه كان يستحلفه، فلو كان العلم يقع به لقول الواحد، لم يستحلفه. وأما قوله: "وصدق أبو بكر"، فإنما فرق بينه وبين غيره؛ لأن جنبته أقوى؛ لأن صدقه منصوص عليه، فإنه سمي صديقاً. واحتج النظام: بأنه قد يخبر الرجل بموت أمه وأبيه أو بعض أهله فيقع العلم بصدقه. وقد تخبر القابلة بولادة امرأته، فيقع له العلم بصدقها. وقد يخبر الإنسان بموت زيد، وهناك أسباب تقتضي مثل ذلك، مثل رؤية المغتسل والجنازة على باب الدار، فيقع العام بذلك، كما يقع بخبر الجماعة الكثيرة (١) . والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لأنه قد يخبر الواحد بذلك على سبيل اللّعب والمجون والمبايعة على عوض، وقد وجد ذلك بالبصرة وبخوارزم (٢) مع بعض الحكام، وفعله رجل باليمن، لدفع أذية السلطان. وكذلك الولادة مثل ذلك؛ لأن المرأة قد تستعير الولد وتلتقطه وتدعيه، رغبةً في الزوج وفي ماله، يبين صحة هذا: أنه لو شككنا فيه مشكك، وقفنا في ذلك. واحتج: بأنه لو لم يقع العلم بخبر الواحد، لم يقع العلم به وإن انظم إليه غيره من الجماعة الكثيرة؛ لأن ما يجوز على الأول من الغلط والكذب

стр. 1104

والسهو، يجوز على الثاني والثالث والرابع، ولما حصل العلم بانضمام الجماعة، وجب أن يحصل العلم به. والجواب: أن الخبر إذا تكرر قويَ في قلوبنا وغلب في ظنوننا صدق المخبرين به، فحينئذ وقع العلم به، وهذا معدوم في الخبر الواحد. وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن لا يوجبه حال الانفراد، ويوجبه حال الاجتماع، كالشهادة، ولا يقبل شهادة كل واحد من الشاهدين حال الانفراد، ويقبل حال الاجتماع، وكذلك الشاهد واليمين. مسألة الخبر المرسل حجة ويجب العمل به (١) وصورته: أن يترك الراوي رجلاً في الوسط، مثل أن يروي التابعي عن النبي ﷺ ، أو يروى تابعي التابعي عن صحابي عن النبي ﷺ . وهكذا إذا ذَكَر المروى [عنه] ، ولكنه ذِكْر لا يعرف به، [١٣٦/ب] وهو أن يقول: أخبرني الثقة عن فلان، أو أخبرني رجل من بني فلان عن فلان، في إحدى الروايتين. نص عليه ﵀ في رواية الأثرم قال: إذا قال الرجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ولم يسمه، فالحديث صحيح. قيل له: فإن قال يرفع الحديث فهو عن النبي [ ﷺ ] ، قال: فأي شيء؟!. ونقل الميموني أيضاً: كان يعجب أبو عبد الله ﵁ ممن يكتب

стр. 1105

الإسناد ويَدع المنقطع، وقال: ربما كان المنقطع أقوى إسناداً، قد يكون الإسناد متصلاً، وهو ضعيف، فيكون المنقطع أقوى إسناداً منه، وهو يوقفه، وقد كتبه على أنه متصل. وقال في رواية الفضل بن زياد: مرسلات سعيد في المسيّب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم (١) لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح (٢) ؛ فإنهما يأخذان عن كلٍ.

стр. 1106

وقال في رواية عبد الله: آخذ بحديث ابن جريج عن ابن أبي مُلَيْكة (١) وعمرو بن دينار (٢) عن النبي [ ﷺ ] في العبد الآبق إذا جيء به دينار (٣) .

стр. 1107

وبهذا قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة (١) ، ومالك (٢) والمعتزلة (٣) . وفيه رواية أخرى: ليس بحجة إلا مرسل الصحابة. أومأ إليه في رواية إسحاق بن إبراهيم، وقد سئل عن حديث عن النبي [ ﷺ ] مرسل برجال ثَبَت، أحبُّ، إليك، أو حديث عن الصحابة متصل برجال ثَبَت؟ فقال: عن الصحابة أعجب إليّ. وهذا يدل من قوله على أنه ليس بحجة، إذ لو كان حجة، لم يقدم عليه قول الصحابي؛ لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي. وقال مهنا: سألت أحمد ﵀ عن حديث ثوبان (٤) : (أطيعوا قريشاً ما استقاموا لكم) (٥) ، قال: ليس بصحيح، سالم بن أبي الجعد (٦) لم يلقَ ثوبان.

стр. 1108

فقد حكم ببطلان الحديث، لأجل أنه مرسل. وبهذا قال الشافعي. وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: (وَليُنْذرُوا قَوْمَهمْ إذَا رَجَعُوا إليْهِمْ) (١) ، ولم يفرق بين من أنذر بمرسل أو بمسند. ولأن من عادة التابعين إرسال الأخبار، من ذلك ما روي عن الأعمش (٢) أنه قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني فأسند، فقال: إذا قلت لك: حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: قال عبد الله، فقد حدثني جماعة عنه. وروي ذلك عن الحسن وسعيد بن المسيب والشعبي (٣) ، وإذا كان

стр. 1109

معروفاً من عاداتهم، فلو كان عندهم أنها غير مقبولة، كانوا قد ضيعوا سنن رسول الله ﷺ بهذا الفعل، وهذا لا يجوز. ولأن المرسِل للخبر مثبت لعدالة راويه من وجهين: أحدهها: أنه لا يجوز [١٣٧/أ] أن يحدثه، ويكتم اسمه، ثم يحدث به غيره، فيلزمه قبوله. والثاني: أنه لو أرسل عن غير ثقة، كان قد قطع على رسول الله [ ﷺ ] ، بقول من هو كذاب عنده، وهذا فعل ممنوع منه وإذا كان ذلك تعديلاً له، لم يعتبر جواز أن يجرحه غيره لو ظهر اسمه، يدلل عليه: أن من زكاه الحاكم، فله أن يقضي بشهادته، ولا يراعي جواز جرحه أن لو نادى في البلد باسمه، أو كاتب به إلى البلدان التي تقرب منه، فَبانَ أن تعديله، موجب قبول خبره، ولهذا جعل أحمد ﵀ رواية العدل عن غيره تعديلاً للغير، فقال في كتاب العلل للأثر [م] : إذا روى عبد الرحمن (١) عن رجل، فروايته عنه حجة.

стр. 1110

وقال أيضاً في رواية أبي زرعة الدمشقي (١) : مالك بن أنس إذا روي، يعني عن رجل لا يعرف، فهو حجة. فإن قيل: هذا لا يدل على عدالته، كما لم يدل شاهدي الفرع على [عدالة] شاهدي الأصل. قيل: الفرق بين الشهادة والخبر باقٍ (٢) . فإن قيل: يحتمل أن يعرف جرحه غيره، فوجب تسميته؛ ليقف عليه. قيل: فيجب أن يلزم الحاكم تسمية الشاهدين الذين حكم بهما، لهذا المعنى، ولأن حاكماً لو حكم بشهادة شاهدين لم يسمهما، لم يجز لأحد أن يعترض على حكمه؛ لأجل تركه تسمية الشهود، وكان أمرهم محمولاً على الجواز والعدالة في الشهادة، فلأن يكون كذلك فيما طريقه الاخبار أولى؛ لأن الأمر فيها أوسع. ولأن مرسل الصحابي مقبول، وكل معنى منع من قبول مرسل التابعين

стр. 1111

فهو مأخوذ في مرسل الصحابة، وقد ثبت أن الصحابي أو التابعي لو قال: أخبرني بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال كذا، فهو بمنزلة المسند، وكذلك إذا قال التابعي: قال رسول الله [ ﷺ ] يجب أن يكون مثله. وقد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب رسول الله [ ﷺ ] فالحديث صحيح؟ قال: نعم. فإن قيل: الصحابي معلوم عدالته، بأن الله تعالى عدله وزكاه وأخبر عن إيمانه، ورضي عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه. قيل: قد شهد النبي [ ﷺ ] للتابعين، كما شهد للصحابة فقال: (خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١) ، وليس من شرط قبول الخبر أن يكون ممن يقطع على عدالته، وإنما تعتبر عدالته في الظاهر، وهذا المعنى موجود في التابعين ومن بعدهم، فيجب أن يتساووا في النقل. وأيضاً: فإن الشافعي قد قال: إن كان الظاهر من حال المرسِل الثقة من التابعين، أن ما يرسله مسنداً عند غيره، قُبِل منه. وهذا لا معنى له [١٣٧/ب] لأن القبول منه: إن كان لأجل إسناد

стр. 1112

غيره فالمرجع إلى المسند، وما سماه مرسلاً، فليس بمرسل في الحقيقة. وإن كان يقول: إن إسناد غيره يوجب قبول مرسَله، مع جواز أن يكون مرسلاً، فهو قول بعيد، إذا كان يمنع قبولَ المراسيل، ويلزمه أن لا يعتبر ظاهر أمره مع الجواز، كما لا يعتبر ظاهر تعديله مع جواز أن يكون غير عدل. وقال أيضاً: المرسَل مقبول، فيمن وجد أكثر مراسيله أصول في الأسانيد. وهذا أيضاً ليس بشيء؛ لأن وجود ذلك في أكثر مراسيله، لا يمنع أن يكون قد أرسل، فالواجب: أن يعتبر ذلك في كل خبر بعينه. وقال أيضاً: المراسيل تقبل، إذا عمل بها بعض الصحابة. وهذ ليس بشيء؛ لجواز أن يكون القائل قد سمعه بنفسه، أو يكون من مذهبه قبول المراسيل. وقال أيضاً: المرسل يعمل به إذا أفتى به عوام العلماء. وهذا أيضاً ليس بشيء؛ لأنه أراد جميع الأمة، وأن إجماعها على قبول المرسل، لا ركون مع اختلافهم في حكمه، وإنما الواجب: أن يكون بعضهم قبله؛ لصحة المراسيل عنده، والباقون، لأنه مسند عندهم، فيخرج أن يكون مرسلاً في الحقيقة. فإن أرادوا (١) به أكثر العلماء، فإن خلاف الواحد معتدّ به، فلم يجز أن يستدل به على صحة قبول الخبر. ولأنه قد قال في مراسيل ابن المسيب: إنها مقبولة، لأنه وجد مراسيله مسانيد، وهذا صحيح فيما قد وقف على أنه مسند، فأما ما لم يوقف على

стр. 1113

حاله، فلا يجوز أن يحكم به؛ لأنه وجد إسناداً لغيره، وكان التجويز فيه موجوداً، ولا يجوز أن يقال: إنه خص مرسل ابن المسيب؛ لأنه لا يرسل إلا عن ثقة؛ لأن هذا الاعتقاد في حسن الظن بابن المسيب معتبر في غيره. فإن قيل: ما ذكرتموه، إنما أراد به الشافعي قوته في الترجيح، لا إثبات الحكم به. قيل: الترجيح لا يجوز بما لا يثبت به حكم، فإن كان يريد إثبات الحكم بالمرسل الذي قاربه قياس أو قول صحابي، فالحكم عنده للقياس لا للاستدلال. واحتج المخالف: بأن هذا خبر عمن شرطت عدالته في في قبوله، والعدالة مجهولة، فلم يجز قبوله والعلم به، قياساً على شاهدي [الفرع] إذا لم يسميا شاهدي الأصل. والجواب: أنا لا نسلم أن العدالة مجهولة؛ لما بينا: أن رواية العدل عنه تدل (١) على عدالته. ثم الفرق بين الخبر والشهادة من وجوه: أحدها: أن الشهادة على الشهادة تفتقر إلى الاسترعاء، وهو أن يقول شاهد (٢) الأصل لشاهدي الفرع: اشهدا على شهادتي [١٣٨/أ] فلما افتقرت إلى الاسترعاء، افتقرت إلى تسمية الأصل، وليس كذلك الإخبار؛ لأنه لا يفتقر إلى استرعاء، بل إذا سمع منه حديثاً، جاز نقلة والعمل عليه، وإن لم يقل: اسمع مني.

стр. 1114

ولأن المشهود على شهادته يكون كالمحكوم عليه، ألا ترى أن من الفقهاء من يوجب عليه الضمان، ولما لم يجب الحكم على من ليس بمعين، لم يجز قبول شهادة شهود الفرع، حتى يذكروا أسماء شهود الأصل، ولما كان هذا المعنى معدوماً في الخبر، وأنه لا تعلق للخبر الثاني بالأول، لم يجز أن يحمل الخبر على الشهادة. ولأن الشهادة أكدت باعتبار العدد والحرية والذكورية، وأن يكون ذاكراً لما شهد به، فجاز أن تعتبر تسمية شهود الأصل؛ لتأكيد الأمر فيها، والخبر بخلاف ذلك. ولأنه لو قال نفسان من التابعين: أشهدنا اثنان من الصحابة على شهادتهما، لم يجز حتى يعيناهما، وفي الخبر يجوز عند الجميع، فدل على الفرق بينهما. فإن قيل: أليس مع افتراقهما من هذه الوجوه قد تساويا في اعتبار العدالة في كل واحد منهما؟ قيل: فالعدالة موجودة مع الإرسال من الوجه الذي بينّا، وهو أن إرسال التابعي له، تزكيه له. وعلى أن تساويهما في العدالة لم يمنع افراقهما من الوجوه التي ذكرناها، فدل على أن الشهادة آكد. وإنما كان حكم الشهادة آكد من الخبر من الوجوه التي ذكرناها: أن الشهادة حكم على الغير، فالتهمة تلحق، والخبر يشترك فيه المخبِر والمُخْبَر، فالتهمه لا تلحق. واحتج: بأن الجهل بعين الراوي أكثر من الجهل بصفته؛ لأن من جهلت عينه، جهلت عينه وصفته، ثم ثبت: أنه لو كان معروف العين مجهول الصفة، مثل أن يقول: أخبرني فلان، ولا أعرف أثقة هو أم غير ثقة؟ لم يقبل خبره، فبأن لا يقبل خبره، إذا لم يذكره أصلاً أولى.

стр. 1115

والجواب: أنا لا نسلم أن صفته مجهولة؛ لأن رواية العدل عن رجل تعديل له؛ لما بينا، وهو أنه لا يجوز في حقه أن يروى عن فاسق. وقد قيل: إنه إذا كان فلان معروفا بالإسلام، فإنه يقبل خبره؛ لأن ظاهر أمره العدالة وترك مواقعة المحظور، وجواز أن كون فَعَل ما يوجب جرحاً في شهادته غير معلوم، فلم يكن في معرفة عدالته أكثر من عدم العلم بجرحه. فإن قيل: تقبل شهادته، وإن لم يبحث عن عدالته للمعنى الذي ذكرت. قيل: تقبل شهادته في إحدى الروايتين، فعلى هذا لا فرق، ولا نقبلها في الأخرى احتياطاً للشهادة، كما احتطنا لها من الوجوه التي ذكرنا. واحتج: [١٣٨/ب] بأن الخبر ضربان: آحاد وتواتر، ثم ثبت أن الراوي لو روى حديثاً، وذكر أنه من أخبار التواتر، لم يقبل قوله: إنه متواتر، حتى يعرف أنه متواتر، كذلك إذا قال: أخبرني الثقة أن لا يقبل خبره، حتى تعلم ثقته؛ لجواز أن لا يكون ثقة عند المخبر. والجواب: أن الخبر المتواتر ما استوى طرفاه ووسطه في عدد يقع العلم بخبرهم، وتسكن النفس إليهم في العادة، وهذا لا يؤخذ بقول الواحد: هذا متواتر، وليس كذلك أخبار الآحاد، فإن طريقها يقبل العدل عن العدل، وهذا موجود ها هنا. فصل (١) إذا ثبت أن المرسل حجة، فلا فرق بين مرسل عصرنا ومن تقدم. هذا ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني؛ لأنه قال: ربّما كان

стр. 1116

المنقطع أقوى إسناداً من المتصل، ولم يفرق (١) . وحكي عن عيسى بن أبان أنه قال: ومن أرسل من أهل عصرنا حديثاً، فإن كان من الأئمة الذين حمل عنهم أهل العلم، فإن مرسَله مقبول، كما يقبل مسنَده، ومن حمل الناس عنه المسنَد دون المرسَل، فإن مرسَله موقوف (٢) . وقال أبو سفيان: مذهب أصحابنا: مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين مقبولة. وحكي عن الكرخي: أنه لم يفرق بين أهل سائر الأعصار (٣) . وهو اختيار الجرجاني.

стр. 1117

دليلنا: أن المرسِل إذا كان ثقة، فظاهره أن الذي أرسل عنه عدل، وهذا المعنى موجود في أهل الأعصار. ولأن الناقل إذا ثبتت عدالته، فهو كالعدل من العصر الأول في قبول خبره، فيجب أن يكون فيما يرسله كذلك. ولأنه لا معنى لاعتبار حمل الناس عنه؛ لأن توقفهم في النقل عنه إن كان بمعنى يعود إلى عدالته، فإن مرسَله ومسنَده واحد، وإن كان بمعنى ركود إلى إرسال الخبر، فإن وقوف من لا يرى نقل المراسيل فيه، لا يوجب التوقف فيمن يرى ذلك، كالشافعي. واحتج المخالف: بأن النبي ﷺ أثنى على القرون الثلاثة، فحالتهم أوكد ممن بعدهم (١) ، فقد قال: (إن الكذب يفشو فيهم) (٢) ، فوجب التوقف في مرسله، إلا أن ينضم إليه نقل أهل العصر له. والجواب: أن ثناءه على التابعين وتابعيهم، لم يوجب لهم القطع،

стр. 1118

ولم ينفِ عنهم في تجويز الفسق، بخلاف الصحابة، ومع هذا فقد جاز قبولُ إرسالهم بَعد التهم في الظاهر، كذلك من بعدهم؛ لأن الخبر إنما يعتبر فيه العدالة في الظاهر. [١٣٩/أ] فصل فيه كلام الإمام أحمد ﵀ في ترجيح المراسيل بعضها على بعض. نقلته من كتاب "العلل" للخلال من الجزء الحادي والسبعين منه، فقال في رواية أبي الحارث: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا يرى أصح من مرسلاته، فأما الحسن وعطاء، فليس بذلك، هو أضعف المرسلات (١) ، كأنهما كانا يأخذان من كلٍ. وقال في رواية الفضل بن زياد [أما] مرسلات عطاء، ففيها شيء (٢) . وأما ابن سيرين فما أحسن كل مخرجه أيضاً. ومرسلات سعيد بن المسيب أصح. المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها. وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، كأنهما كانا يأخذان من كل. وقال في رواية مهنا وقد سأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك أم مرسلات عطاء؟ قال: مرسلات سعيد بن جبير أقرب، وهي أحب إلىّ من مرسلات عطاء. وسأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك أم مرسلات مجاهد (٣) ؟

стр. 1119

فقال: مرسلات سعيد. وسأله عن مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات عطاء؟ فقال: مرسلات مجاهد، لأن عطاء روى عمن هو دونه، ومجاهد لم يرو عمن هو دونه. وقال في رواية أبي الحارث: مرسلات عطاء فيها شيء. وقال في رواية مهنا وقد سأله عن مرسلات طاوس أحب إليك أو مرسلات أبي إسحاق (١) ؟ قال: مرسلات طاوس. وسأله عن مرسلات إسماعيل بن أبي خالد (٢) أحب إليك أم مرسلات

стр. 1120

عمرو بن دينار؟ فقال: إسماعيل بن أبي خالد لا يبالي (١) عمن حدث، عن أشعث بن سوار (٢) وعن مجاهد، وعمرو، بن دينار لا يروي إلا عن ثقة، مرسلات عمرو أحب إليّ. وسأله أيما أحب إليك، إبراهيم عن علي، أو مجاهد عن علي؟ قال: إبراهيم عن علي؛ لأن هذا كان مقيماً، وكان مجاهد إنما تقع إليهم الأخبار إلى الكوفة. وقال في رواية أبي الحارث وقد سأله عن مرسلات النخعي، قال: ما أصلحها ليس بها بأس، أصلح من مرسلات الحسن. وسأله مهنا: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ قال: كان الأعمش لا يبالي عمن حدث. قيل له: فإن له رجلاً ضعيفا (٣) غير إسماعيل بن مسلم (٤) ويزيد الرَّقاشي (٥) ؟ قال: نعم، كان يحدث عن عتاب بن إبراهيم.

стр. 1121

وسأله أيضاً عن مرسلات الأعمش، وسليمان النخعي (١) ، ويحيى ابن أبي كثير (٢) ؟ قال: مرسلات يحيى بن أبي كثير أحب إليّ. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله عن مراسيل يحيى بن أبي كثير؟ فقال: لا تعجبني؛ لأنه يروي عن رجال صغار ضعاف. وقال في رواية أبي طالب [١٣٩/ب] ، وقد سأله عن رجل ما قال الحسن: قال رسول الله [ ﷺ ] ، وجدناه من حديث أبي هريرة وعائشة ُوسَمُرة (٣) ، قال. صدق.

стр. 1122

وقال في رواية مُهَنَّا، وقد سأله: هل شيء يجيء عن الحسن؟ قال: قال رسول الله ﷺ ؟ قال: هو صحيح، ما نكاد نجدها إلا صحيحة. وقال في رواية أبي الحارث: مرسلات ابن سيرين صحاح حسنة المخرج. وقال في رواية مُهَنَّا. وقد سأله عن مرسلات سفيان (١) ، فقال: كان سفيان لا يبالي عمن روي. وسأله عن مرسلات مالك بن أنس، قال: هي أحب إليّ. فصل ولا يقبل الخبر حتى في تجتمع في ناقله شرائط خمس: أحدها: أن يكون عاقلاً، ليعرف ما ينقل، ويميّز خبر الرسول [ ﷺ ] وخبر غيره.

стр. 1123

والثاني: أن يكون عدلاً في الظاهر؛ لقوله تعالى: (إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بنبَإ فَتَبَينوا أن تُصيبوا قَوْماً بجهَالَة) (١) الآية، إذا لم يكن عدلاً، لا يؤمن أن يكذب فيما ينقل؛ لأن من ارتكب الفاحشة ارتكب أن يكذب فيما ينقله. وقَد قال أحمد ﵀ في رواية أحمد بن الحسين (٢) : لا يكتب الحديث عمن يسكر. وقال في رواية إبراهيم وسندي (٣) ، واللفظ لسندي، في الرجل يعرف بالكذب في الشيء، يحدث به القوم، فليس نعرف منه الكذب في الرواية: كيف يؤمن هذا على الرواية، أن يكذب فيها، إذا عرف منه الكذب في شيء؟!. وإذا ثبت: أن العدالة شرط، فإن كل من أتي بكبيرة، فهو فاسق، حتى يتوب. وكل من أتي بصغيرة، ليس بفاسق، ومن تتابعت منه الصغائر، وكثرت، رد خبره وشهادته. وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي الصقر (٤) في الصلاة خلف آكل الربا: إن كان أكثر طعامه الربا، لم تصل خلفه. فاعتبر الكثرة في ذلك؛

стр. 1124

لأنا لو لم نقبل إلا من محّض الطاعة، لم يقبل أحد؛ لأن أحداً لا يمحض الطاعات، حتى لا يشق بها المعصية. يدل عليه قوله تعالى: (وعَصَى آدَمُ رَبهُ فَغَوَى) (١) ، وأراد بالغي: وضع الشيء في غير موضعه. قال تعالى -في قصة داود-: (أنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفر رَبهُ وَخَر رَاكِعاً وَأَنَابَ) (٢) ، فأخطأ، وتاب الله عليه. وقال النبي ﷺ : (ما من أحد إلا عصى أو هَم بمعصيه إلا يحيى بن زكريا) (٣) ، فثبت: أن الأنبياء لم يسلموا من الخطأ والمعاصي، ولو قبلنا كل عاص، لم نرد أحداً، وقد أمرنا برد الفاسق، وإنفاذ العدل، فلم يكن بد من تفصيل بينهما، فكان الفصل بينهما ما ذكرنا. فأما من ثبت كذبه، فإنه يرد خبره وشهادته، وإن لم يتكرر ذلك منه.

стр. 1125

وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية علي بن سعيد (١) في الرجل يكذب كذبةً واحدةً: لا يكون في موضع العدالة، الكذب شديد. وكذلك نقل ابن منصور: أنه قال لأبي عبد الله [١٤٠/أ] : متى يترك حديثه؟ قال: إذا كان الغالب عليه الخطأ، قال له: الكذب من قليل وكثير؟ قال: نعم. ونقل أحمد بن أبي عبيدة (٢) عنه في الرجل يكذب، فقال: إن كثر كذبه، لم تصل خلفه. وظاهر هذا: أنه لا يخرج من العدالة بكذبة واحدة. وهذا على ظاهره فيما سئل عنه من صحة إمامته [أما] في الخبر والشهادة فلا؛ لأن الحاجة في الخبر إلى صدق المخبِر ومن ظهر منه ذلك أولى بالردّ ممن جعلت (٣) أمارة رده المعاصي، التى يسمى بها فاسقاً. ويدل عليه ما روى إبراهيم الحربي في كتاب النهي عن الكذب بإسناده عن موسى الجندي قال: رد النبي [ ﷺ ] شهادة رجل في كذبة كذبها. وبإسناده عن يحيى بن سالم (٤) قال: اطلع رسول الله [ ﷺ ] ، من وافد
следующие страницы →