بان الخليط ولو طوعت ما بانا ... وقطعوا من حبال الوصل أقرانا١
وبانت المرأة من زوجها بينونة، إذا فارقت زوجها وانقطع النكاح بينهما، فسمي إظهار المعنى وإيضاحه بيانًا؛ لانفصاله مما يلتبس به من المعاني فيشكل من أجله.
وقد ذكر الشافعي٢ البيان ووصفه٣ فقال: "البيان اسم جامع
стр. 107
لمعانٍ١ مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المتشعبة أن تكون بيانًا٢ لمن خوطب ممن نزل القرآن بلسانه٣، وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض". ثم جعله على خمسة أوجه٤.
واعترض عليه أبو بكر بن داود٥، وقال: البيان أبين من التفسير الذي فسره.
واعترض غيره عليه أيضًا وقال: لم يصف البيان؛ لأنه ذكر جملة مجهولة، فكان بمنزلة من قال: البيان اسم يشتمل على أشياء، ثم لم يبين تلك الأشياء ما هي.
واعتذر أصحابه له، وقالوا: لم يقصد به حد البيان وتفسير معناه، وإنما قصد به: أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان، فهي
стр. 108
متفقة في أن اسم البيان يقع عليها، ومختلفة في مراتبها، فبعضها أجلى وأبين من بعض؛ لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه من صفة ما [٦/ب] يحتاج إلى تفكر وتدبر، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحرًا" ١ فأخبر أن بعض البيان أبلغ من بعض. ولأن الله تعالى ورسوله ﷺ خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه. وجميع ذلك بيان، وإن اختلفت مراتبها فيه.
стр. 109
وقال أبو بكر الصيرفي: البيان٢: "إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى [حيّز] ٣ التجلي". وهو اختيار أبي بكر٤ من أصحابنا فيما وجدته بخطه في مجموع فيه مسائل.
وفي هذه العبارة خلل؛ لأن هذا الوصف إنما يوجد في بعض أقسام البيان، وهو بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه.
فأما الخطاب المبتدأ من الله تعالى ومن الرسول ﷺ ومن سائر
стр. 110
المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بَيِّن المراد، فهو بيان صحيح، وإن لم يشتمل عليه هذا الوصف، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٢، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٣ قد حصل به البيان، وإن لم يكن قبل ظهور ذلك إشكال أخرجه إلى التجلي، بل قد علمنا: أن الغسل لم يكن واجبًا، فبين وجوبه بالآية.
وقال قوم من المتكلمين: البيان، هو الدلالة؛ لأن البيان يقع بها، وهو ظاهر كلام أبي الحسن التميمي؛ فإنه قال في جزء وقع إليَّ من كلامه: باب في البيان، ثم قال: البيان عن٤ الشيء يجري مجرى الدلالة٥، وهذا أيضًا فيه خلل؛ لأن من الدلائل ما لا يقع به البيان، كالمجمل ونحوه.
وقال قوم منهم: البيان هو العلم الذي يتبين [به] ٦ المعلوم٧.
стр. 111
وإليه ذهب أبو بكر الدقاق١.
والذي ذكرناه أولى؛ لأن أصله في اللغة كذلك.
стр. 112
فصل: [في وجوه البيان] : ١
وأما وجوه البيان. فهو في الشرع على وجوه:
منها: الأحكام المبتدأة.
ومنها: تخصيص العموم الذي يمكن استعماله على ظاهر ما ينتظمه الاسم، فيبين أن المراد البعض.
ومنها: صرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز، وصرف الأمر إلى الندب والإباحة، وصرف الخبر إلى الأمر.
ومنها: بيان الجملة التي لا تستغني عن البيان في إفادة الحكم. وهذا البيان ليس بتخصيص؛ لكنه تفسير مراد بالجملة، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٢. فبين النبي ﷺ أن المراد: العشر ونصف
стр. 113
العشر١.
ومنها: النسخ، وهو رفع الحكم بعد أن كان في توهمنا وتقديرنا بقاؤه.
стр. 114
فصل: [فيما يحتاج إلى البيان]
وأما ما يحتاج إلى البيان فكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه، نحو قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١، وقوله: ﴿وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ٢، وقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٣، ونحو قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا
بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ ١.
وأما ما يمكن استمعاله على ظاهره وحقيقته، فلا يحتاج إلى البيان، إلا أن يريد به المخاطب بعض ما انتظمه، أو كان مراده غير حقيقته، فيحتاج إلى بيان المراد به، نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢، و ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٣ و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ، فهذه الألفاظ معانيها معقولة ظاهرة، فهي غير مفتقرة إلى البيان.
стр. 117
[٧/أ] فصل: [فيما يقع به البيان] :
وأما ما يقع به البيان فهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والبيان يقع من الله تعالى بالقول وبالكتاب، فالقول نحو: سائر الفروض المعقول معانيها من ظاهر الخطاب. ويقع بالكتاب أيضًا؛ لأن القرآن كلام الله تعالى. وكتابه في اللوح
стр. 118
المحفوظ وفي غيره، فيقع منه البيان بهذين الوجهين، فيكون منه تخصيص العموم، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١، خص منه المحرمات بالآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٢، ونحو بيان الجملة كقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ٣، ثم بينه بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٤.
ويكون منه أيضًا: بيان مدة الفرض، وهو نسخ [نحو] قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ٥، ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٦، ونحو قوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ٧، ثم نسخ منه ما عدا أربعة الأشهر والعشر، بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٨.
وكان حد الزانيين الحبس والأذى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ٩، إلى آخره، ثم قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١٠، فنسخ به الحبس
стр. 119
والأذى المذكورين في الآية الأخرى من غير المحصن.
ويكون البيان من الرسول بالقول. نحو سائر السنن المبتدأة، ونحو تخصيصه لعموم القرآن، عن بيع ما ليس عنده١، وبيع ما لم يقبض٢.
стр. 120
وأحلَّت لنا ميتتان١.
стр. 121
ويكون البيان بالكتابة أيضًا: كنحو كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم١ في الصدقات والديات وسائر الأحكام٢، وكتابه الذي كتبه لأبي بكر
стр. 122
الصديق١ في الصدقات٢. وقال عبد الله بن عَكيم٣: ورد علينا
стр. 123
كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ١. وقال الضحاك بن سفيان الكلاب٢: كتب إلي رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أشيم الضبي من دية زوجها٣، فثبت أن الكتابة
стр. 124
يقع بها البيان كوقوعه بالقول.
ويكون من النبي ﷺ بيان المجمل في الكتاب بهذين الوجهين، نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ١ وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ
стр. 125
يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٢.
ويكون منه البيان بالفعل، نحو فعله لأعداد الركعات في الصلوات المفروضات وأوصافها، وقع به البيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٣. ونحو فعله في المناسك بيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٤.
وقد أكد ذلك بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٥ وقوله: "خذوا
стр. 126
عني مناسككم"١. وليس كل فعله في الصلاة أو الصدقة بيانًا للجملة التي في الكتاب؛ لأنه لو صلى لنفسه، لم يدل ذلك على أنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢، ولو تصدق بصدقة لم يدل على أنها مرادة بقوله:
стр. 127
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١. وإنما وجه [٧/ ب] البيان: ما يجمع الناس على أنه من المكتوبات؛ لأنه٢ ما يفعله في نفسه [و] لم يثبت٣ أنه فعله فرضًا، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعلها بيانًا.
ويكون منه أيضًا بيان مدة الفرض المنصوص عليه في الكتاب، كقوله ﵊: "لا وصية لوارث" ٤ قد قيل: إنه نسخ به الوصية
стр. 128
للوالدين والأقربين١. وقوله في الرجم٢ نسخ به الحبس والأذى عن
стр. 129
المحصن١.
[و] في السنة: نحو قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها٢".
стр. 130
"وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا وادخروا" ١.
стр. 131
ويكون عنه البيان بالإشارة أيضًا كقوله: "الشهر هكذا وهكذا [وهكذا] ١ وأشار بأصابعه العشر" ٢ فأفاد أنه ثلاثون يومًا ثم قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس الإبهام في الثالثة" ٣ فأفاد أنه تسعة وعشرون يومًا.
стр. 132
وقال تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ١، ثم قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ٢ يعني: أشار إليهم، فقامت إشارته مقام القول في بلوغ المراد.
وحكى الله تعالى عن مريم ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ٣ فبينت لهم مرادها بالإشارة.
ويكون منه البيان أيضًا بالدلالة والتنبيه على الحكم من غير نص، نحو قوله لفاطمة بنت أبي حبيش٤ في دم الاستحاضة: "إنها دم عرق، وليس بالحيضة" ٥. فدلَّ على وجوب اعتبار خروج دم العرق في نقض الطهارة.
стр. 133
وقوله حين سئل عن سمن ماتت فيه فأرة فقال: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فأريقوه" ١، فدل بتفريقه بين المائع
стр. 134
والجامد: على أن سائر المائعات تنجس بمجاورة أجزاء النجاسة إياها. وغير ذلك من الوجوه المستنبطة.
وقد يقع من النبي ﷺ بيان الحكم بالإقرار على فعل شاهده من فاعل يفعله على وجه من الوجوه، فترك النكير عليه، فيكون ذلك بيانًا في جواز فعل ذلك الشيء على الوجه الذي أقره عليه، أو وجوبه إن كان شاهده يفعله على وجهه [و] لم ينكره، وذلك نحو علمنا أن عقود الشرك والمضاربات والقروض، وما جرى مجرى ذلك، قد كانت في زمن النبي ﷺ وبحضرته مع علمه بوقوع ذلك منهم واستفاضتها فيما بينهم، ولم ينكرها على فاعلها، فدل على إباحة ذلك من إقراره؛ لأنه لا يجوز على النبي ﷺ أن يرى منكرًا فلا ينكره؛ إذ كان ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله الحظ الأوفر في ذلك.
وليس لأحد أن يقول: إن ترك النكير لا يدل على الإباحة، لأنه ترك النكير اكتفاء بما تقدم من النهي عنه من جهة النص أو الدلالة، كما أقر اليهود والنصارى على الكفر، ولم يدل ذلك على جوازه عنده، وذلك أن قتاله لهم حتى يعطوا الجزية أشد نكيرًا، فجعل أخذ الجزية عقوبة لهم على إقرارهم على الكفر.
стр. 135
ولأنه لا يجوز أن يقول أحد: إنه كان في حق النبي ﷺ جائز أن يرى رجلًا يزني أو يقتل النفس، فلا ينكر عليه اكتفاءً بنهي الله تعالى [٨/ أ] عن ذلك؛ ولأن ترك ذلك يؤدي إلى إسقاط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال ﷺ : "من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١.
وقد يقع بيان المجمل بالإجماع، نحو إجماعهم على أن دية الخطأ على العاقلة، والذي في كتاب الله: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٢، ولم يذكر وجوبها على العاقلة٣.
стр. 136
وكإجماعهم على أن للجدة مع الولد الذكر السدس إذا لم يكن أب، وأن للجدتين إذا اجتمعتا السدس، وهو ما وقع به بيان قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ١، كما بين تعالى بعضه بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢ الآية. وكما بينت السنة بعضه فأعطى النبي ﷺ للجدة السدس٣.
وقد٤ يكون بيان الإجماع لحكم مبتدأ، كما يكون بيان حكم الكتاب والسنة، نحو إجماع السلف على أن حد الخمر ثمانون على ما بيناه في
стр. 137
غير هذا الكتاب، وإجماعهم على تأجيل امرأة العنين.
وقد يكون بيان خصوص العموم بالإجماع، نحو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ١، وأجمعت على أن العبد يجلد خمسين.
والإجماع وإن لم يخل من أن يكون عن توقيف أو رأي، فإنه أصل برأسه يجب اعتباره فيما يقع البيان به.
وقد يتعلق بهذا التفصيل: الكلام في جواز تأخير البيان، وذكر الاختلاف فيه، ويأتي الكلام في ذلك٢.
وذكر أبو بكر في مجموع فيه مسائل بخطه: البيان على خمسة أوجه:
الأول: هو المؤكد، وهو أعلى ما يفهم به الخطاب وأشده وضوحًا.
والثاني: القائم بنفسه، وإن كان التأكيد لم يقع به.
الثالث: الخطاب الذي يحتاج أن يقرر بدليل معه.
الرابع: هو ما انفرد النبي بإيجاب حكمه، أو يزيد بقوله دون أن يكون له أصل في الكتاب.
الخامس: من علم الاستخراج من النصوص٣.
стр. 138
فصل: [في تعريف الدليل] : ١
الدليل هو: المرشد إلى المطلوب٢.
وقيل: هو الموصل إلى المقصود.
ولا فرق بين أن يكون قديمًا أو محدثًا؛ لأن القرآن كلام الله تعالى، وليس بمخلوق، وهو دليل على الأحكام، وقول رسول الله ﷺ دليل على الأحكام، وهو مخلوق محدث.
ولا فرق بين أن يكون موجودًا أو معدومًا؛ لأن عدم الشرع يدل على براءة الذمة وانتفاء الوجوب، كما يدل وجود الشرع.
ولا فرق بين أن يكون معلومًا وبين أن يكون مظنونًا.
وحُكي عن بعض المتكلمين: أن الدليل اسم لما كان موجبًا للعلم، فأما ما كان موجبًا للظن فهو أمارة.
وهذا غير صحيح٢؛ لأن ذلك اسم لغوي، وأهل اللغة لا يفرقون بينهما.
стр. 139
وأيضًا: فإنه مرشد إلى المطلوب، فوجب أن يكون دليلا كالموجب للعلم.
وأيضًا: فإن اعتقاد موجبهما والعمل بهما واجب، فلا فرق بينهما.
ولا فرق بين ما دل بنفسه مثل دلالة [٨/ ب] الفعل على الفاعل، والإحكام والإتقان على قصده إليه وعلمه به، وبين ما دل بالمواضعة مثل: الفعل والقول الدَّالَّين على ما وضعا له من المعاني.
والرجل الدال على الطريق يسمى دليلا، وهو مجاز؛ لأن شخصه ليس بدليل، وإنما الدليل قوله أو فعله.
والاستدلال: طلب الدليل.
والمستدل هو: الطالب للدليل. فإذا طالب السائل المسئول بالدليل فهو مستدل؛ لأن السائل يطلبه من المسئول، والمسئول يطلبه من الأصول.
والمستدل عليه هو: الحكم.
والمستدل له يحتمل الحكم، ويحتمل الخصم المطالب بالدليل.
стр. 140
فصل: [تعريف في الدلالة] :
وأما الدلالة١: فهي مصدر قولهم: دلَّ يدلُّ دلالة، ويسمى
стр. 141
الدليل دلالة على طريق المجاز؛ لأنهم يسمون الفاعل باسم المصدر كقولهم: رجل صائم وصَوْم، وزائر وزَوْر، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ ١، وأراد به غائرًا٢.
وأما الدال فقد قيل: هو الدليل، إلا أن فيه ضربًا من المبالغة كقولهم: عالم وعليم، وقادر وقدير، وسامع وسميع.
ومنهم من قال: هو الناصب للدليل، وهو الله تعالى الذي نصب أدلة العقل والشرع، وكل من نصب لغيره دليلا على شيء، فهو دال بما نصبه من الدليل.
وأما الحجة والبراهين فذلك اسم للدليل، ولا فرق بين الدليل من الحجة والبرهان.
وقيل: ذلك اسم لما دل على صحة الدعوى، ولهذا سمي بينة المدعي حجته وبرهانه، وليس كل دليل حجة.
стр. 142
وسمعت أخي أبا حازم١ ﵀ يقول: سمعت أبا نصر أحمد بن علي بن عبدوس المعدل بالأهواز٢ قال: سمعت سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني٣ يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل٤ يقول:
стр. 143
سمعت أبي يقول: قواعد الإسلام أربع: دال ودليل ومبين ومستدل. فالدال: الله تعالى، والدليل: القرآن، والمبين: الرسول ﷺ قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١. والمستدل: أولو الألباب وأولو العلم الذين يجمع المسلمون على هدايتهم، ولا يقبل الاستدلال إلا ممن كانت هذه صفته٢.
стр. 144
فصل: [في تعريف الأمارة وأقسامها] :
وأما الأمارة فهي: الدليل المظنون، كخبر الواحد والقياس، وليس بدليل مقطوع عليه. وهذه عبارة وضعها أهل النظر للفرق بين ما يفضي إلى العلم وبين ما يؤدي إلى غلبة الظن.
والأمارات على ضربين:
أحدهما: ما له أصل يرجع إليه في الشريعة مثل: القياس ووجوه الاستدلال التي نذكرها في الفقه.
والثاني: ما لا أصل له في الشريعة وهذا على وجوه.
منها: ما أمرنا فيه بالرجوع إلى العادة الجارية١ مثل تقويم
стр. 145
المستهلكات يعتبر به أمثاله مما تجري فيه المبتاعات، وكأروش الجنايات التي ليس فيها أَرَش مقدر، يرجع في تقويمه إلى أقرب الشجاج إليه، فصار ما يقرب إليه ويعتبر به كأصول الشريعة الموضوعة في الشرع، وهذا أظهر في الشجاج؛ لأن ما يعتبر به من الشجاج المقدورة أصول [٩/ أ] في الشريعة، مثل أصول الحوادث.
وكذلك الاجتهاد في القبلة والاستدلال مما أجرى الله تعالى به العادة كهب الرياح ومطالع النجوم.
ومن ذلك الفرق بين القليل والكثير مما قامت عليه الدلالة، من ذلك: أن الجمعة لا تجب على من هو خارج المصر على بعد، وتجب على من هو قريب منه، فجعلنا الحد الفاصل سماع النداء.
وكذلك الفاصل بين العمل القليل والكثير مما يفسد الصلاة من المشيء وغيره، وما يرفع هيئة الصلاة.
وكذلك الحد الفاصل بين يسير النوم وكثيره ما يلقى معه عن الجهة التي هو عليها١.