← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الدليل دلالة على طريق المجاز؛ لأنهم يسمون الفاعل باسم المصدر كقولهم: رجل صائم وصَوْم، وزائر وزَوْر، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ ١، وأراد به غائرًا٢. وأما الدال فقد قيل: هو الدليل، إلا أن فيه ضربًا من المبالغة كقولهم: عالم وعليم، وقادر وقدير، وسامع وسميع. ومنهم من قال: هو الناصب للدليل، وهو الله تعالى الذي نصب أدلة العقل والشرع، وكل من نصب لغيره دليلا على شيء، فهو دال بما نصبه من الدليل. وأما الحجة والبراهين فذلك اسم للدليل، ولا فرق بين الدليل من الحجة والبرهان. وقيل: ذلك اسم لما دل على صحة الدعوى، ولهذا سمي بينة المدعي حجته وبرهانه، وليس كل دليل حجة.

стр. 142

وسمعت أخي أبا حازم١ ﵀ يقول: سمعت أبا نصر أحمد بن علي بن عبدوس المعدل بالأهواز٢ قال: سمعت سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني٣ يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل٤ يقول:

стр. 143

سمعت أبي يقول: قواعد الإسلام أربع: دال ودليل ومبين ومستدل. فالدال: الله تعالى، والدليل: القرآن، والمبين: الرسول ﷺ قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١. والمستدل: أولو الألباب وأولو العلم الذين يجمع المسلمون على هدايتهم، ولا يقبل الاستدلال إلا ممن كانت هذه صفته٢.

стр. 144

فصل: [في تعريف الأمارة وأقسامها] : وأما الأمارة فهي: الدليل المظنون، كخبر الواحد والقياس، وليس بدليل مقطوع عليه. وهذه عبارة وضعها أهل النظر للفرق بين ما يفضي إلى العلم وبين ما يؤدي إلى غلبة الظن. والأمارات على ضربين: أحدهما: ما له أصل يرجع إليه في الشريعة مثل: القياس ووجوه الاستدلال التي نذكرها في الفقه. والثاني: ما لا أصل له في الشريعة وهذا على وجوه. منها: ما أمرنا فيه بالرجوع إلى العادة الجارية١ مثل تقويم

стр. 145

المستهلكات يعتبر به أمثاله مما تجري فيه المبتاعات، وكأروش الجنايات التي ليس فيها أَرَش مقدر، يرجع في تقويمه إلى أقرب الشجاج إليه، فصار ما يقرب إليه ويعتبر به كأصول الشريعة الموضوعة في الشرع، وهذا أظهر في الشجاج؛ لأن ما يعتبر به من الشجاج المقدورة أصول [٩/ أ] في الشريعة، مثل أصول الحوادث. وكذلك الاجتهاد في القبلة والاستدلال مما أجرى الله تعالى به العادة كهب الرياح ومطالع النجوم. ومن ذلك الفرق بين القليل والكثير مما قامت عليه الدلالة، من ذلك: أن الجمعة لا تجب على من هو خارج المصر على بعد، وتجب على من هو قريب منه، فجعلنا الحد الفاصل سماع النداء. وكذلك الفاصل بين العمل القليل والكثير مما يفسد الصلاة من المشيء وغيره، وما يرفع هيئة الصلاة. وكذلك الحد الفاصل بين يسير النوم وكثيره ما يلقى معه عن الجهة التي هو عليها١.

стр. 146

فصل: [تعريف النص] : فقيل فيه: ما رفع في بيانه إلى أقصى غايته و [منه] سميت منصة العروس؛ لأن العروس ترتفع عليها على سائر النساء، وتنكشف لهن بذلك. قال امرؤ القيس١: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل٢ ومعناه: إذا كشفته. وروي عن النبي ﷺ لما دفع من عرفات، كان يمشي عنقًا، فإذا وجد فجوة نصَّ٣، يعني: رفع في السير.

стр. 147

وقيل: كل لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وقيل: ما استوى ظاهره وباطنه. وقيل: ما عري لفظه عن الشركة، وخلص معناه من الشبهة. وقيل: ما تأويله يزيله. وهذا فاسد؛ لأن التأويل لا يستعمل إلا في الاحتمال. والصحيح أن يقال: النص ما كان صريحًا في حكم من الأحكام، وإن كان اللفظ محتملا في غيره. وليس من شرطه أن لا يحتمل إلا معنىً واحدًا؛ لأن هذا يعز وجوده، إلا أن يكون نحو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ١، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ٢، وإنما حده ما ذكرنا.

стр. 148

ومثل هذا في الشرع أكثر من أن يحصى، فلهذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ١ إنه نص في قدر المدة، وإن كان محتملا في غيره, وقوله ﵇: "في أربع وعشرين من الإبل فما دون الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض" ٢، وهذا نص في قدر النصب وأسنان الفرض. ونهيه عن المزابنة، إلا أنه رَخَّصَ في بيع العَرَايَا٣، في أن العرية بيع وليست بهبة، كما قال أصحاب أبي حنيفة.

стр. 149

في تعريف العام والظاهر مدخل ... فصل: [في تعريف العام والظاهر] : ١ والعموم: ما عم شيئين فصاعدًا ٢. والظاهر: ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر. والفرق بين العموم والظاهر: أن العموم ليس بعض ما تناوله اللفظ

стр. 150

بأظهر من بعض وتناوله للجميع تناول واحد، فيجب حمله على عمومه، إلا أن يخصه دليل أقوى منه. و [أما] الظاهر فإنه يحتمل معنيين، إلا أن أحدهما أظهر وأحق باللفظ من الآخر، فيجب حمله على أظهرهما، ولا يجوز صرفه عنه إلا بما هو أقوى منه. وكل عموم ظاهر، وليس كل ظاهر عمومًا؛ لأن العموم يحتمل البعض، إلا أن الكل أظهر. فالعموم مثل قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، [٩/ ب] ومثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ٢ فكانا عامين في جميع ما تناولاه. ومثل ذلك أكثر من أن يحصر. والظاهر: مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ٣، فإنه يحتمل الندب، إلا أن ظاهره الوجوب؛ لأنه أمر وظاهر الأمر الوجوب، فسمي ظاهرًا لذلك٤. وكذلك كل لفظ محتمل لمعنيين أحدهما أظهر من الآخر من طريق اللغة، أو من طريق الاستدلال. من ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال للمرتهن: "ذهب حقك" ٥ فيحتمل أن يكون المراد به الدين، ويحتمل

стр. 151

حقه من الوثيقة، إلا أن الظاهر حقه من الوثيقة؛ لأنه لم يسأل عن مقدار قيمة الرهن، ومن يسقط الدين فإنما يسقطه بقدر قيمة الرهن، فدل على أن مراده به حقه من الوثيقة. وكذلك قول علي بن أبي طالب ﵁: "هما علي يا رسول الله، وأنا لهما ضامن"١؛ فيحتمل أن يكون إخبارًا عن ضمان سابق، ويحتمل أن يكون ابتداء ضمان، ولكن الظاهر منه ابتداء ضمان؛ لأن حمله على الإخبار يؤدي إلى خطأ النبي ﷺ فإنه ترك الصلاة على من كان قد خلف ضامنًا، والضامن بمنزلة الوفاء.

стр. 152

المجمل: ١ وأما المجمل٢ فهو ما لا ينبئ عن المراد بنفسه، ويحتاج إلى قرينة تفسره.

стр. 153

أولا يعرف معناه من لفظه، وهو أصح، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١ فإنه مجمل في جنس الحق وفي قدره، ويحتاج إلى دليل يفسره ويبين معناه. فأما قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الْصَّلاَةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢ فإن ذلك مجمل٣؛ لأن الصلاة في اللغة: دعاء، فكا [ن] كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ٤. وفي الشريعة هي: التكبير والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد والسلام، ولا يقع على شيء من ذلك اسم الصلاة. فإذا كان اللفظ لا يدل على المراد به ولا ينبئ عنه وجب أن يكون مجملا. وكذلك الزكاة في اللغة: النَّمَاء والزيادة، من قولهم: زكا الزرع إذا زاد ونما. والمراد في الشريعة بالزكاة غير ذلك، واللفظ لا يدل عليه ولا ينبئ عنه. وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ ذكره في كتاب طاعة الرسول ﷺ

стр. 154

﴿أَقِيمُوا الْصَّلاَةَ﴾ ١، ورسول الله ﷺ الدال على إقامتها: إن الفجر ركعتان يجهر فيهما بالقراءة، والظهر أربع، والعصر أربع، لا يجهر فيهما، والمغرب ثلاث يجهر بالقراءة فيها. وقوله: ﴿وَآَتُوا الْزَّكَاةَ﴾ ٢ هل فسر ذلك إلا رسول الله ﷺ ثم أصحابه من بعده؟ ومن أصحاب الشافعي من قال: ليست بمجمل وإن الصلاة في اللغة: دعاء، فكل دعاء يجوز، إلا أن يخصه الدليل. وكذلك يجب إخراج الزيادة من الزكاة، إلا ما خصه الدليل. وأما قوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى الْنَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٣، فهو مجمل أيضًا، ولا يدل على أن الحج الشرعي كما ذكرنا في الصلاة والزكاة. وقد أومأ إليه أحمد ﵀ أيضًا في كتاب "طاعة الرسول" فقال: قوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى الْنَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاَ﴾ [١٠/ أ] فقالوا: السبيلُ الزادُ والراحلة٤، وحج رسول الله ﷺ ووقَّت المواقيت للإحرام. فيما تقول للمدعي للظاهر من أين تأخذ هذا؟!

стр. 155

ومن أصحاب الشافعي من قال: الحج هو التردد في القصد، فهو على عمومه إلا ما خصه الدليل. وأما قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ١، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ أُمْهَاتُكُمْ﴾ ٢ فهذا أيضًا من المجمل٣؛ لأن تحريم الأعيان لا يصح، وإنما يحرم أفعالنا في العين، وليس لأفعالنا ذكر في اللفظ، والمذكور فيه متروك بالإجماع، فوجب التوقف فيه، وطلب دليل يدل على المراد. وقد أومأ إليه أحمد ﵀ أيضًا في كتاب "طاعة الرسول" فقال: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ٤، وقال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ٥، فلما نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير"٦، دلت أحكام رسول الله ﷺ على أن الآية ليست على

стр. 156

......................................................................

стр. 157

ظاهرها، وأنه هو المعبر عما في كتاب الله تعالى، ومن لزم ظاهر الآية لزمه أن يبيح لحم الكلاب والهرر والفيل والفأر والقرد وغير ذلك مما نهى عنه١. وقال تعالى في سورة النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ أُمْهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢ كما يقول في البنت من الرضاعة، وبنت الأخ والعمة والخالة من الرضاعة، ولم يذكروا، أليس يرجع إلى قول النبي ﷺ ؟! وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ

стр. 158

ذَلِكُمْ﴾ أليس الظاهر يدل على أن ما وراء ما حرم مباح؟ فكيف يقول في تزويج المرأة على عمتها أو خالتها؟ أليس يرجع في هذا إلى قول النبي ﷺ ؟! ١. ومن أصحاب الشافعي من قال: المراد به أفعالنا في الأمهات والميتة، والعرب تحذف بعض الكلام إذا كان فيما أبقت دليل على ما ألقت. وأما قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ ٢ فهذا أيضًا من المجمل٣؛ لأن الله تعالى حكى عنهم -وهم أهل اللسان- أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ، وإذا كان

стр. 159

كذلك افتقر إلى قرينة تفسره، وتميز بينه وبين الربا. ومن أصحاب الشافعي من قال: البيع هو الإيجاب والقبول عندهم، فهو على عمومه إلا ما خصه الدليل. وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١، فليس من المجمل٢، وإنما هو من العموم، ويجوز الاحتجاج به. وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في كتاب "طاعة الرسول" فقال: قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم سارق، وإن قل، فقد وجب عليه القطع، أيستعمل

стр. 160

الظاهر، أو يستعمل ما سنَّ رسول الله ﷺ : القطع في ربع دينار١. وفي المجمل دل على [١٠/ ب] أنه ليس على ظاهرها وأنها على بعض السراق.

стр. 161

وحكي عن عيسى بن أبان١ أنها من المجمل٢، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة٣؛ لأن المراد به سارق مخصوص لقدر مخصوص من حرز مخصوص واللفظ لا يدل عليه. وهذا غير صحيح؛ لأن السارق معلوم في اللغة، وهو من أخذ الشيء مستترًا مستخفيًا به، فيجب حمله على عمومه إلا ما خصه الدليل، كقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤.

стр. 162

[تعريف المفسر] : فأما المفسر: فما ينبئ عن المراد بنفسه، أو يعرف معناه من لفظه ولا يفتقر إلى قرينة تفسره، وهذه صفة النص، وقد ذكرناه ١.

стр. 163

وحد ذلك: ما بقي حكمه، أو تأبد حكمه. وقد يعبر به عن المفسر، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١، وأراد بالمحكمات المفسرة المستغنية في معرفة معانيها عما يفسرها. وحد ذلك ما ذكرته، وهو ما ينبئ عن المراد بنفسه، أو يعقل معناه من لفظه.

стр. 164

[تعريف المتشابه] : وأما المتشابه فهو: المشتبه المحتمل الذي يحتاج في معرفة معناه إلى تأمل وتفكر وتدبر وقرائن تُبَيِّنُه وتزيل إشكاله. ونعيد ذكره في موضع آخر ونحكي الخلاف فيه١.

стр. 165

[تعريف مفهوم الخطاب] : ١ وأما مفهوم الخطاب فهو التنبيه بالمنطوق به على حكم المسكوت عنه، مثل حذف المضاف كقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ٢، ومعناه:

стр. 166

أفعال الحج في أشهر١. وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ٢، فتقديره: في إحرام الحج٣. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ ٤، ومعناه: فحلق ففدية٥، وكقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٦، فنبه بذلك على تحريم الضرب والشتم؛ لأنه إنما منع من التأفيف لما فيه من الأذى، وذلك في الضرب أعظم، وجب أن يكون بالمنع أولى، ويسمى هذا القسم: فحوى الخطاب. وقال بعض أهل اللغة: اشتق ذلك من تسميتهم الأبزار فحافحًا، ويقال: "فح قدرك يا هذا"، فسمي فحوى؛ لأنه يظهر معنى اللفظ كما تظهر الأبزار طعم الطبيخ ورائحته. ويسمى أيضًا لحن القول؛ لأن لحن القول ما فهم منه بضرب من الفطنة. يقال: لحنت فلانًا إذا كلمته بكلام يعلمه ولا يعلمه غيره. ورجلان تلاحنا، إذا فعلا مثل ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ٧.وقال الشاعر:

стр. 167

منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيَا ... نًا وخيرُ الحديثِ ما كان لحنًا١ وقيل: لحن القول ما دل عليه، وحذف استغناء عنه بدليل الكلام عليه نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ ٢. فدل على أنه ضرب، فانفجرت. ونحو قوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ٣، ولم يذكر أنهما ذهبا، اكتفاء بما حكاه من جواب فرعون لهما حتى٤ قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٥. [١١/ أ] وأشباه ذلك.

стр. 168

[تعريف دليل الخطاب] : وأما دليله فهو دليل الخطاب، وذلك إذا علق بصفة فيدل على أن الحكم فيما عدا الصفة بخلافه.

стр. 169

وكذلك إذا علق بعدد، وهذا فصل فيه خلاف، وكلام كثير، يأتي الكلام عليه في موضع آخر١.

стр. 170

في تعريف التخصيص مدخل ... فصل: [في تعريف التخصيص] : وأما التخصيص فهو تمييز بعض الجملة بحكم١. وقيل: إخراج بعض ما تناوله العموم٢. وقيل: بيان المراد باللفظ العام. وهذا حد تخصيص العموم، وليس بحد تخصيص مطلق؛ لأنه لا فرق بين أن يكون داخلا في حكم عموم مخالف له وبين أن يكون داخلا فيه؛ لأنا نقول خص الأحرار بأحكام، وخص الرجال بأحكام وخص رسول الله ﷺ بأحكام وخُصَّ ذو القربى بأحكام، وخص الوالد بالرجوع في الهبة، وخص المستطيع بإيجاب الحج، وخص العلماء بكذا، وخص بلد كذا بكذا، وخص السلطان فلانًا بإلاكرام والعطاء.

стр. 171

[تعريف النسخ] : ١ وأما النسخ فحده: بيان انقضاء مدة العبادة التي ظاهرها الإطلاق.

стр. 172

وإن شئت قلت: بيان ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان. وقد قيل: التخصيص تقليل، والنسخ تبديل. وهذا غير صحيح؛ لأن الردة تبديل، وتغيير العهد والوصية تبديل وليس بنسخ، قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ ٢. وفيما ذكرنا من الحد احتراز من الحكم المعلق على زمان مخصوص، وأن انقضاءه ليس بنسخ له؛ لأن الحكم لم يكن مطلقًا، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٣، وليس انقضاء الليل نسخًا للحكم المأذون فيه، ولا انقضاء النهار نسخًا للصوم المأمور به فيه. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ ٤ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ

стр. 173

سَبِيلاً﴾ ١ ليس بمطلق، وقد قلتم إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢ قيل: هذه الغاية مشروطة في كل حكم مطلق؛ لأن غاية كل حكم إلى موت المكلف أو إلى النسخ.

стр. 174

تعريف الأمر مدخل ... فصل: [تعريف الأمر] : ١ الأمر اقتضاء الفعل أو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه. وإنما قلنا: "بالقول"؛ لأن الرموز والإشارات ليست بأمر حقيقة، وإنما سمي أمرًا على طريق المجاز. وقولنا: "ممن هو دونه"؛ لأن قول العبد لربه: اغفر لي، وتجاوز عني، وكفر سيئاتي، فإنه٢ ليس بأمر، وإنما هو سؤال [١١/ ب] وطلب. وكذلك قول المملوك لمالكه: أطعمني، واكسني، سؤال وطلب، وليس بأمر؛ولهذا لايجوز أن يقال: إن المالك مأمور، وإنه مطيع بفعله. فإن قيل: قد يأمر بالكلام وتبليغ الرسالة، وهذا أمر، وليس بأمر بالفعل. قيل: الكلام فعل، وتسميته قولا وكلامًا ونطقًا، لا يمنع من أن يكون فعلا؛ لأن الكتابة والإشارة والأكل والشرب والقيام والقعود فعل، وإن اختص كل واحد منهما باسم، فإذا كان كذلك، كان الحد حاصرًا لجنس الأمر.

стр. 175

وحكي عن أبي بكر بن فورك أنه قال: الأمر ما يكون المأمور بامتثاله مطيعًا. والأول أصح؛ لأن عبارة الحد يجب أن تكون أظهر من عبارة المحدود؛ لتنفيذ بيانه وتفسيره، فأما إذا كانتا في الإجمال سواء، لم تصح عبارة الحد.

стр. 176

[المندوب مأمور به] : ١ وإذا ثبت هذا فإن مذهب أحمد ﵀ أن المندوب إليه مأمور به. وقد نص على ذلك في رواية ابن إبراهيم٢ فقال: "آمين" أمر من النبي ﷺ -٣. وعلى هذا لا يحتاج إلى الزيادة فيما ذكرنا من حد الأمر. ومنهم من قال: المندوب ليس بمأمور به. فعلى هذا يجب أن يقال في حد الأمر: اقتضاء الفعل، أو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على وجه لا يتضمن التخيير بين فعله وتركه وهذا فصل يأتي الكلام فيه٤.

стр. 177

[تعريف النهي] : ١ والنهي: اقتضاء أو استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه. وقيل: المنع من طريق القول. وإنما قيل: من طريق القول؛ لأن من قيَّد عبده، أو أغلق عليه بابه، فقد منعه، وليس ذلك بنهي.

стр. 178

تعريف الواجب مدخل ... فصل: [تعريف الواجب] : والواجب: ما في فعله ثواب، وفي تركه عقاب. ولا يحتاج إلى ذكر الثواب؛ لأن الندب فيه ثواب. وإنما يبين الواجب عن المستحب والمباح، بما في تركه عقاب. وقيل الواجب: ما لا يجوز تركه من غير عزم على فعله، وهذا حده الذي يميزه عما ليس بواجب؛ لأن المستحب يجوز تركه من غير عزم على فعله، وكذلك المباح. وأما ما كان واجبًا فإنه لا يجوز تركه إذا كان وقته مضيقًا، وإن كان وقته موسعًا لم يجز تركه إلا بشرط العزم على فعله في آخر الوقت. وقيل الواجب: ما لا يجوز تركه إلى غير بدل، فإن كل واجب لا يجوز تركه إلى غير بدل، وتأخيره عن أول الوقت إلى آخره فإنما يجوز بشرط العزم على فعله في الثاني، والعزم بدل من تقديمه في أول الوقت. وحكي عن أبي بكر بن فورك أنه قال: الواجب ما لا بدَّ من فعله. وقال كثير من الفقهاء: ما لا يجوز إخراجه عن وقته من غير عذر، أو ما يعصى بإخراجه عن وقته من غير عذر.

стр. 179

وفيه احتراز من ترك المسافر صوم رمضان، فإنه يتركه لعذر. فإن قيل: هذا ليس بخاص لجنس الواجب، وإنما هو تحديد للمؤقت منه. قيل: كل واجب مؤقت؛ لأنه لا يخلو: إما [١٢/ أ] أن يكون مؤقتًا بوقت معلوم الطرفين مثل الصلاة والصيام، أو يكون على الفور، مثل الزكاة والحج والعمرة، فيكون وقته زمان الإمكان. والوجوب في اللغة، عبارة عن السقوط، من قولهم: وجبت الشمس، ووجب القمر، ووجب الحائط إذا سقط. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ١ أي سقطت. فسمى ما لا بد من فعله واجبًا؛ لأن تكليفه سقط عليه سقوطًا لا ينفك منه إلا بفعله٢.

стр. 180

[تعريف الفرض] : ١ وأما الفرض: فهو عبارة عن أشياء: فهو في عبارة اللفظ: ما كان في أعلى منازل الوجوب، مثل ما ثبت بنص القرآن وخبر التواتر، والإجماع.
следующие страницы →