← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عليه، وهذا صحيح بإجماع أهل العلم، وذلك مثل أن يسأل حنبلي عن الوتر فيقول: ليس بواجب١؛ لأن الأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل الشرعي على وجوبه. والثاني: استصحاب حكم الإجماع، فهو أن تجمع الأمة على حكم ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، هل يجب استصحاب حال الإجماع بعد الاختلاف حتى ينقل عنه الدليل أم لا؟ على خلاف بينهم، يأتي الكلام فيه٢ إن شاء الله تعالى٣.

стр. 72

باب ذكر حدود مدخل ... باب ذكر حدود ١: تحديد٢ أصول الفقه من ألفاظها.

стр. 73

فصل: [في تعريف الحد] : معنى الحد هو: الجامع لجنس ما فرقه التفصيل، المانع من دخول ما ليس من جملته فيه١. ولذلك سمي البواب حدادًا؛ لأنه يمنع من ليس من أهل الدار من الدخول إليها.

стр. 74

وسموا الحديد بهذا الاسم؛ لأنه يمنع من وصول السلاح إلى المتحصن به. وسميت حدود الدار والأرض؛ لأنها تمنع أن يدخل في البيع ما ليس [٣/ أ] من البيع، وكذا يخرج منه ما ليس هو من المبيع، وسميت العقوبة حدًّا؛ لما فيها من المنع من مواقعة الفواحش. ومنه إحداد المرأة في عدتها؛ [لأنها تمتنع به] ١ من الطِّيب والزنية. والزيادة في الحد نقصان في المحدود؛ لأن الحد [متى جمع ذواتًا كانت] ٢ متفرقة حال التفصيل، فمتى ضم إليه [قدر] ٣ زائد على المذكور خرج بعض الذوات من جملة الكلام، فيكون الحد للبعض٤، بعد أن كان للجميع. وقال أبو بكر الباقلاني٥: الزيادة فيه على ضربين:

стр. 75

منها ما هو نقصان منه، ومنها ما هو ليس بنقصان. فأما التي هي نقصان نحو قولك: حد الواجب أنه في فعله ثواب، وفي تركه عقاب، فهذا يوجب خروج كل ما ليس بصيام عن كونه واجبًا، فعادت بالنقصان. وأما ليس بنقصان نحو قولك: حد الواجب: أنه فرض في فعله ثواب، وفي تركه عقاب، فكل فرض واجب. وأما النقصان من الحد فإنه أبدًا زيادة فيه، نحو قولك: حد الواجب ما كان في فعله ثواب، ولا يقرن به في تركه عقاب، فيدخل النفل في جملة الواجب؛ لأنه مما عليه ثواب.

стр. 76

فصل: [في تعريف العلم] : وحدُّ العلم: معرفة المعلوم على ما هو به١.

стр. 77

وقيل: تبين المعلوم على ما هو به١. وقيل: إثبات المعلوم على ما هو به. وقيل: إدراك المعلوم على ما هو به٢؛ لأن جميعه محيط بجميع جملة المحدود، فلا يدخل ما ليس منه، ولا يخرج ما هو منه. والحد الأول أصح٣؛ لأن من حده: "بالتبين"٤، يبطل بعلم الله تعالى؛ لأنه لا يوصف بأنه مبين؛ لأن ذلك يستعمل في العلم الذي يحصل عقيب الشك ولا يجوز ذلك عليه، ومع هذا فهو عالم. ومن يحده "بالإثبات" لا يصح؛ لأن الإثبات هو الإيجاد٥، ولهذا يقال: أثبت السهم في القرطاس. ومن حده "بالإدراك"، لا يصح؛ لأنه يستعمل في أشياء مختلفة على طريق الحقيقة بالإدراكات الخمسة: الرؤية والسمع والشم والذوق والبلوغ، فثبت أنه يستعمل في غير العلم. ولو قيل: "معرفة المعلوم"، ولم يقل "على ما هو به" كفى، ويكون ذلك تأكيدًا؛ لأن العلم لا يصح أن يتعلق بالمعلوم ويكون معرفة إلا على ما هو به، ولو تعلق به على ما ليس به لكان جهلا، وخرج عن كونه

стр. 78

علمًا، فلهذا صح أن نقتصر على قوله: "معرفة المعلوم". وإنما عدلنا عن القول بأنه: معرفة الشيء، إلى القول بأنه معرفة المعلوم؛ لأن: القول معلوم، أعم من: القول شيء؛ لأن الشيء لا يكون إلا موجودًا، والمعلوم يكون معدومًا وموجودًا، وقد ثبت أن المعدوم ليس بشيء فإذا قيل: حده أنه: معرفة الشيء، خرج العلم بالمعدوم الذي ليس بشيء عن أن يكون علمًا وانتقض الحد؛ لأنه علم بما ليس بشيء، فوجبت الرغبة لما ذكرنا عن ذكر "الشيء" إلى ذكر "المعلوم". والدلالة على أن حده ما ذكرنا أن كل من عرف العلم فقد علم أنه معرفة، وأنه هو الذي لأجله كان العالم عالِمًا، وكل من عرف المعرفة التي صار العالم عالِمًا بها فقد عرف العلم علمًا، فكان حدًّا صحيحًا [٣/ ب] كما أن حد المحدث لما كان هو الموجود عن عدم، كان كل من عرفه موجودًا عن عدم، فقد علم أنه محدث. وقالت المعتزلة١ [حَدُّ] ٢ العلم: "اعتقاد الشيء على ما هو به فقط".

стр. 79

وقال بعضهم: اعتقاد الشيء على ما هو به على غير [وجه] ١ الظن والتقليد. وقال آخرون منهم: حَدُّه اعتقاد الشيء على ما هو به، إذا وقع عن ضرورة أو دليل. وقال آخرون منهم: اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إلى معتقده. وكل هذه الحدود باطلة؛ لأن من قال: اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، يوجب أن يكون المخمن والظّان -إذا اعتقد الشيء على ما هو به- عالِمًا باعتقاد ذلك الشيء، وهذا باطل؛ للاتفاق على أن العالم٢ لا يجوز كونه على غير ما علمه، والظان بكون الشيء يجد من نفسه تجويز كونه على خلاف من ظنه وتوهمه؛ ولأنه يبطل قوله وقول من قال: إذا وقع عن ضرورة أو دليل، وقول من قال: "مع سكون النفس" بعلم الله تعالى؛ لأنه عالم وليس بمعتقد، ولا علمه عن ضرورة ولا عن سكون النفس. وعلى أن النفس عندهم هي الجملة المحسوسة، وسكون الجملة هو سكون مكان، وذلك يقتضي أن الإنسان إذا كان ساكن الجملة كان عالِمًا، وإذا لم يكن متحركًا فلا يكون عالِمًا، وذلك باطل. وعلى أن السكون يستعمل في زوال الغم وحصول الأنس، وهذا يقتضي أن يكون الإنسان إذا زال غمه وأنس فهو عالم، وذلك باطل.

стр. 80

فصل: [في أقسام العلم] : ١ والعلم على ضربين: قديم ومحدث. فأما القديم: فهو علم الله تعالى، وهو علم واحد يتعلق بجميع المعلومات على ما هي به، لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه التغيير والبطلان، ولا يوصف بأنه ضروري، ولا بأنه مكتسب، ولا استدلالي؛ لئلا يوهم كونه محتاجًا إلى العلم لما يعلمه لدفع ضرر عنه، أو أنه ملجأ ومكره على العلم بما هو عالم به، ومحال ذلك في صفته. وأما المحدث٢ فعلى ضربين: ضروري، ومكتسب. فأما الضروري فحده: كل علم محدث لا يجوز ورود الشك عليه ويلزم نفس المخلوق٣. أو ما لا يمكنه معه الخروج عنه، والانفصال منه، وإنما قلنا: ما لزم نفس المخلوق، ولم نقل: ما لزم نفس العالم؛ لكي يخرج علم القديم سبحانه عن كونه اضطرارًا؛ لأن عمله سبحانه بكل معلوم لازم لذاته على الوجه الذي يلزم ذواتنا علوم الضرورات، وليس لأحد أن يقول: إنه مضطر إلى العلم بمعلوماته.

стр. 81

وإنما سمي ضرورة؛ لأنه مما تمس الحاجة إليه، أو مما يقع الإكراه عليه والإلجاء إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ١، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ ٢. وقالوا في المكره على الطلاق والعتاق: إنه مضطر إليه ومحمول عليه ومكره عليه. وعلم الضرورة على ضربين٣: أحدهما لا يتعلق بسبب سابق، والثاني يتعلق بسبب سابق. فأما ما لا يتعلق بسبب سابق، فمثل علم الإنسان بأحوال [٤/ أ] نفسه، من قيامه وقعوده، وحركاته وسكناته، وما يعرض في نفسه من خير وشرور، وميل ونفور، ولذة وألم، وصحة وسقم، ومثل ذلك علمه باستحالة اجتماع الضدين، والجسم في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين، فهذا كله علم مبتدأ في نفسه لا يتعلق بسبب. وأما ما يتعلق بسبب سابق فعلى ضربين: محسوس، وغير محسوس، فأما المحسوس: فهو العلم الواقع عن الحواس الخمس وهي: البصر

стр. 82

والسمع والذوق والشم واللمس، وذلك أن العلم يحصل عن الإدارك بهذه الحواس. وأما غير المحسوس فهو: العلم الواقع عن الخبر المتواتر، مثل العلم بالبلدان النائية والسير الماضية، فإذا سمع الخبر المتواتر حصل العلم بمخبره. وأما المكتسب: فحده كل علم يجوز ورود الشك عليه. وقد قيل: ما وقع عن نظر واستدلال. ومعنى الكسب: ما وجد بالموصوف به وله عليه قدرة محدثة. ومعنى النظر والاستدلال: ما يحصل العلم به عن ابتداء نظر وتفكر. وعلم الكسب على ضربين: عقلي وشرعي: فأما العقلي: فهو ما لا يفتقر إلى شرع، مثل العلم بحدوث العالم، وإثبات محدثه وصفاته، وصدق من ظهرت المعجزة على يده، وما أشبه ذلك مما لو نظر العاقل فيه وتدبره؛ لحصل له العلم من غير شرع. وأما الشرعي: فهو العلم الواقع عن الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والقياس على أحد هذه الأصول الثلاثة.

стр. 83

فصل: [في تعريف الجهل والشك والظن] : ١ وحَدُّ الجهل: تبين المعلوم على خلاف ما هو به، ضد العلم٢.

стр. 84

والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. والظن١: تجويز أمرين أحدهما أقوى من الآخر. وغلبة الظن: قوة الظن، فإن الظن يتزايد، ويكون بعض الظن أقوى من بعض. والشك: ليس بطريق للحكم في الشرع، ولا يلزم على هذا الصيام يوم الشك؛ لأنه ليس الموجب لصيامه الشك، وإما الموجب قيام الدليل، ألا ترى أنه يوجد الشك ولا يجب الصيام، وهو ما إذا كانت السماء مصحية، لعدم قيام الدليل. والظن: طريق للحكم، إذا كان عن أمارة مقتضية للظن، ولهذا يجب العمل بخبر الواحد، إذا كان ثقة، ويجب العمل بشهادة الشاهدين وخبر المقومين، إذا كانا عَدْلَينِ، ويجب العمل بالقياس، وإن كانت علة الأصل مظنونة، ويجب استصحاب حكم الحال السابق في حال الشك، مثل الشك في الحدث بعد الطهارة، والطلاق بعد النكاح، والشك في العتاق بعد الملك؛ لأن الظاهر بقاؤه وعدم حدوث المشكوك فيه.

стр. 85

فصل: [في تعريف العقل] : ٢ والعقل ضرب من العلوم الضرورية، وهو مثل العلم باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، ونقصان الواحد عن الاثنين، والعلم

стр. 86

بموجب العادات، فإذا أخبره مخبر بأن الفرات تجري دارهم راضية، لا يجوز صدقه. ومن أخبر بنبات شجرة بين يديه، وحمل [٤/ ب] ثمرة وإدراكها من ساعته، لا ينتظر ذلك ليأكل منها، وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح يقتله، لا يهرب فزعًا من ذلك، فإذا حصل له العلم بذلك، كان عاقلا ولزمه التكليف. وقال أبو الحسن التميمي عبد العزيز بن الحارث١ من أصحابنا في "كتاب العقل": العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر، وإنما هو نور، فهو كالعلم"٢. وقال أبو محمد البربهاري٣: وليس العقل باكتساب، وإنما هو

стр. 87

فضل من الله١. ذكره في "شرح السنة" في جزء وقع إليّ وقال بعضهم: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات. وقال أبو بكر بن فورك٢: هو العلم الذي يتمنع به من فعل القبيح. وقال بعضهم: ما حسن معه التكليف. ومعنى ذلك كله متقارب، ولكن ما ذكرناه أولى٣؛ لأنه مفسر، وهو قول الجمهور من المتكلمين. وقال أحمد فيما رواه أبو الحسن التميمي في "كتاب العقل" عن محمد بن أحمد بن مخزوم٤ عن إبراهيم الحربي٥ عن أحمد أنه قال: العقل

стр. 88

غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف"١. ومعنى قوله: غريزة، أنه خلق الله تعالى ابتداءً، وليس باكتساب للعبد. خلافًا لما حكي عن بعض الفلاسفة: أنه اكتساب. وقال قوم: هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض. وقال قوم: هو مادة وطبيعة. وقال آخرون: هو جوهر بسيط. وهذا فاسد؛ لأن الدليل دلَّ على أن الجواهر كلها من جنس واحد، خلافًا للمُلْحِدَةِ في قولهم: هي مختلفة؛ لأن معنى المثلين: ما سد أحدهما

стр. 89

مسد صاحبه، وناب منابه، والجواهر على هذا؛ لأن كل واحد منهما متحرك وساكن وعالم، فلو كان العقل جوهرًا لكان من جنس العاقل، ولاستغنى العاقل بوجود نفسه في كونه عاقلًا عن وجود مثله، وما هو من جنسه، وقد ثبت أنه ليس بعاقل بنفسه، فمحال أن يكون عاقلا بجوهر من جنسه؛ ولأنه لو كان جوهرًا لصحَّ قيامه بذاته ووجوده، لا بعاقل ولصح أن يعقل ويكلف؛ لأن ذلك مما يجوز على الجواهر وفي امتناع ذلك دليل، على أنه ليس بجوهر، فثبت أنه عرض، ومحال أن يكون عرضا غير سائر العلوم؛ لأنه لو كان كذلك لصح وجود العقل مع عدم سائر العلوم، حتى يكون الكامل العقل غير عالم بنفسه ولا بالمدركات ولا بشيء من الضرورات؛ إذ لا دليل يوجب تضمن أحدهما للآخر. وذلك نهاية الإحالة. ومحال أن يكون اكتسابًا؛ لأنه يؤدي إلى أن الصبي وممن عدمت منه الحواس الخمس ليسوا بعقلاء؛ لأنهم لا نظر لهم ولا استدلال يكتسبون به العقل، وفي الإجماع على حصول العقل منهم دليل على فساد هذا. ولا يجوز أن يكون العقل هو الحياة؛ لأن العقل يبطل ويزول [٥/ أ] ولا يخرج الحي عن كونه حيًّا، وقد يكون الحي حيًّا وإن لم يكن عالِمًا بشيء أصلا. ولا يجوز أن يكون هو جميع العلوم الضرورية١، ولا العلوم التي تقع عقيب الإدراكات الخمسة؛ لأن هذا يؤدي إلى أن الخرس والطرش٢ والأكمه ليسوا بعقلاء؛ لأنهم لا يعلمون المشاهدات والمسموعات والمدركات

стр. 90

التي تعلم باضطرار ولا باستدلال١. ولا يجوز أيضًا أن يكون العلم بِحُسْنِ حَسَنٍ وقُبْحِ قبيح، ووجوب واجب وتحريم محرم من جملة العلوم التي هي عقل؛ لأن هذه الأحكام كلها معلومة من جهة السمع دون قضية العقل، فوجب أن يكون بعض العلوم الضرورية، وهو ما ذكرنا في أول الفصل وما كان في معناه من أن الموجود لا يخلو من أن يكون لوجوده أول، وأن الموجود لا يكون معدومًا موجودًا في حالة واحدة، وأن المتحرك عن المكان لا يجوز أن يكون ساكنًا فيه في حالة واحدة، وأن الذات الواحدة لا تكون حية ميتة، ونحو ذلك من الأوصاف المتضادة٢.

стр. 91

فصل: [في محل العقل] : ١ ومحل العقل القلب، ذكره أبو الحسن التميمي في "كتاب العقل"، فقال: الذي نقول به: إن العقل في القلب يعلو نوره إلى الدماغ، فيفيض [منه٢] إلى الحواس ما جرى في العقل. ومن الناس من قال: هو في الدماغ. وقد نص أحمد ﵀ على مثل هذا القول فيما ذكره أبو حفص بن شاهين٣ في الجزء الثاني من أخبار أحمد بإسناده عن فضل بن زياد٤ وقد سأله رجل عن العقل أين منتهاه من البدن؟ وقال٥ سمعت أحمد بن

стр. 92

حنبل يقول: العقل في الرأس، أما سمعت إلى قولهم: وافر الدماغ والعقل. واحتج هذا القائل: بأن الرأس إذا ضرب زال العقل؛ ولأن الناس يقولون: "فلان خفيف الرأس، وخفيف الدماغ"، ويريدون به العقل. وهذا غير صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ١ وأراد به العقل، فدل على أن القلب محله؛ لأن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورًا له، أو كان بسبب منه. واحتج أبو الحسن التميمي بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٣. واحتج أيضًا بما روي عن النبي ﷺ في حديث المدائني٤، أن النبي ﷺ قال: "والكبد رحمة، والقلب ملك، والقلب مسكن العقل"٥.

стр. 93

وروي أن عمر بن الخطاب١ ﵁ كان إذا دخل عليه ابن عباس٢ قال: "جاءكم الفتى الكهول له لسان قئول وقلب عقول"٣. فنسب العقل إلى القلب.

стр. 94

وروى عياض بن خليفة١ عن علي كرم الله وجهه٢ أنه سمعه يوم صفين٣ يقول: "إن العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في

стр. 95

الطِّحال، وأن النفس في الرئة"١. وعن أبي هريرة٢ [٥/ ب] وكعب٣ أنهما قالا: العقل في القلب وأيضًا فإن العقل ضرب من العلوم الضرورية، ومحل العلم القلب. وما ذكروه من زوال العقل بضرب الرأس، فلا يدل على أنه محله،

стр. 96

كما أن عصر الخصية يزيل العقل والحياة، ولا يدل على أنها محلها. وقول الناس: إنه خفيف الرأس، وخفيف الدماغ، فهو أن يبس الدماغ يؤثر في العقل، وإن كان في غير محله، كما يؤثر في البصر، وإن كان في غير محله.

стр. 97

فصل: [في ذكر الخلاف في تفاوت العقول] : ١ وذكر أصحابنا أنه يصح أن يكون عقل أكمل من عقل وأرجح. فقال أبو محمد البربهاري في "شرح السنة": العقل مولود أعطي كل إنسان من العقل ما أراده الله تعالى، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السموات، ويطالب كل إنسان على قدر ما أعطاه الله تعالى من العقل. وذكره أبو الحسن التميمي في كتاب "العقل" خلافًا للمتكلمين من المعتزلة والأشعرية٢ في قولهم: لا يصح أن يكون عقل أكمل من عقل وأرجح. والدلالة على صحة ذلك: ما روى أبو الحسن في كتاب "العقل" بإسناده عن طاوس٣، قال: قال رسول الله ﷺ حين قضى بين

стр. 98

المهاجرين والأنصار: "تبارك الذي قسم العقل بين عباده واستأثر، إن الرجلين تستوي أعمالهما وبرهما وصلاتهما وصومهما، ويفترقان في العقل حتى يكون بينهما كالذرة في جنب أحد"١. وروى أبو الحسن بإسناده عن أنس٢ قال: جاء ابن سلام٣ إلى

стр. 99

النبي ﷺ فذكر الخبر إلى أن [قال] : قال النبي ﷺ : "قال الله تعالى: إني خلقت العقل أصنافًا شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي من ذلك حبة واحدة، وبعضهم الحبتين، والثلاث، والأربع، وبعضهم من أعطي فرقًا١، وبعضهم أعطي وسقًا٢، وبعضهم وسقين، وبعضهم أكثر من ذلك ما شاء الله من التضعيف"٣. وروى٤ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا معشر الأنبياء أمرنا أن

стр. 100

نكلم١ الناس على قدر عقولهم"٢. وروى يزيد عن أبي زياد٣ عن ابن عباس قال: "العقل عشرة أجزاء، تسعة في الأنبياء وواحد في سائر الناس"٤.

стр. 101

وهذه الأخبار كلها تدل على التفاضل في العقول١. ولأنه إجماع الناس؛ فإنه مستفيض فيهم القول بأن أحد العاقلين أكمل عقلا وأوفر وأرجح من الآخر. قال بعضهم:

стр. 102

يزين الفتى في الناس كثرة عقله ... وإن لم يكن في أهله بحسيب١ فإن قيل: إنما يقال ذلك على معنى أنه أكثر استعمالا لعقله وتيقظًا وتحذرًا. قلنا: إنما كان أكثر استعمالا؛ لوفور عقله على غيره، ولقلة عقل غيره، أنه لم يكثر استعماله لعقله. ويدل على ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما وجد من ناقصات العقول والأديان أغلب للرجال ٢ ذوي [٦/ أ] الرأي ٣ على أمورهم من النساء، قالوا: يا رسول الله، ما نقصان عقلها ودينها؟ قال: أما نقصان عقلها فجعل الله تعالى شهادة امرأتين برجل، وأما نقصان دينها فإنها تمكث الثلاث والأربع لا تصلي لله تعالى فيها سجدة ٤ ". وهذا يدل على

стр. 103

نقصان عقل النساء عن عقول الرجال مع وصفهن بالعقل. واحتج من منع ذلك: بأن العقل من العلوم الضرورية، وتلك لا تختلف في حق عاقل. والجواب: أن تلك العلوم لم يختلف ما يدرك به من النظر والشم والذوق، فلهذا لم تختلف هي في أنفسها، وليس كذلك العقل؛ لأنه يختلف ما يدرك به وهو التمييز والفكر، فيقل في حق بعضهم ويكثر؛ فلهذا اختلف. واحتج بأنه لو كان أحدهما أكمل من الآخر لم يحصل لغير الكامل الغرض، وهو تأمل الأشياء ومعرفتها؛ لأجل النقصان الذي منه. والجواب: أنه إنما لا يحصل له الغرض الكامل؛ لأنا نجد أن من لم يكمل عقله لا تكمل أحواله، ولا يبلغ جميع أغراضه، ومن الكامل عقله بلغ أكثر أغراضه وأكمل أكثر أحواله.

стр. 104

فصل: [في تعريف البيان] : ١ وحد البيان٢: إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلا مما يلتبس به

стр. 105

ويشتبه من أجله. كما يقال: "بانَ الأمرُ إذا ظهرَ". وأصله في اللغة من القطع والفصل، يقال١: "بان منه إذا انقطع" قال النبي ﷺ : "ما بان من البهيمة وهي حية، فهو مَيتةٌ" ٢. "وبان: إذا فارق" قال جرير٣:

стр. 106

بان الخليط ولو طوعت ما بانا ... وقطعوا من حبال الوصل أقرانا١ وبانت المرأة من زوجها بينونة، إذا فارقت زوجها وانقطع النكاح بينهما، فسمي إظهار المعنى وإيضاحه بيانًا؛ لانفصاله مما يلتبس به من المعاني فيشكل من أجله. وقد ذكر الشافعي٢ البيان ووصفه٣ فقال: "البيان اسم جامع

стр. 107

لمعانٍ١ مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المتشعبة أن تكون بيانًا٢ لمن خوطب ممن نزل القرآن بلسانه٣، وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض". ثم جعله على خمسة أوجه٤. واعترض عليه أبو بكر بن داود٥، وقال: البيان أبين من التفسير الذي فسره. واعترض غيره عليه أيضًا وقال: لم يصف البيان؛ لأنه ذكر جملة مجهولة، فكان بمنزلة من قال: البيان اسم يشتمل على أشياء، ثم لم يبين تلك الأشياء ما هي. واعتذر أصحابه له، وقالوا: لم يقصد به حد البيان وتفسير معناه، وإنما قصد به: أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان، فهي

стр. 108

متفقة في أن اسم البيان يقع عليها، ومختلفة في مراتبها، فبعضها أجلى وأبين من بعض؛ لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه من صفة ما [٦/ب] يحتاج إلى تفكر وتدبر، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحرًا" ١ فأخبر أن بعض البيان أبلغ من بعض. ولأن الله تعالى ورسوله ﷺ خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه. وجميع ذلك بيان، وإن اختلفت مراتبها فيه.

стр. 109

وقال أبو بكر الصيرفي: البيان٢: "إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى [حيّز] ٣ التجلي". وهو اختيار أبي بكر٤ من أصحابنا فيما وجدته بخطه في مجموع فيه مسائل. وفي هذه العبارة خلل؛ لأن هذا الوصف إنما يوجد في بعض أقسام البيان، وهو بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه. فأما الخطاب المبتدأ من الله تعالى ومن الرسول ﷺ ومن سائر

стр. 110

المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بَيِّن المراد، فهو بيان صحيح، وإن لم يشتمل عليه هذا الوصف، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٢، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٣ قد حصل به البيان، وإن لم يكن قبل ظهور ذلك إشكال أخرجه إلى التجلي، بل قد علمنا: أن الغسل لم يكن واجبًا، فبين وجوبه بالآية. وقال قوم من المتكلمين: البيان، هو الدلالة؛ لأن البيان يقع بها، وهو ظاهر كلام أبي الحسن التميمي؛ فإنه قال في جزء وقع إليَّ من كلامه: باب في البيان، ثم قال: البيان عن٤ الشيء يجري مجرى الدلالة٥، وهذا أيضًا فيه خلل؛ لأن من الدلائل ما لا يقع به البيان، كالمجمل ونحوه. وقال قوم منهم: البيان هو العلم الذي يتبين [به] ٦ المعلوم٧.
следующие страницы →