وقال عبد الله: سمعت أبي وذكر يعني عمر بن علي بن مقدم (١) فأثنى عليه خيراً، وقال: كان يدلّس.
وذهب قوم من أصحاب الحديث: إلى أنه لا يقبل خبره؛ لأنه يروي عمن لم يسمع، فهو كما لو قال: قال الزهري، وما سمع منه.
وهذا غلط؛ لأنه ما كذب فيما نقل، بل كان ما قاله صدقاً في الباطن، إلا أنه أوهم [في خبره و] (٢) من أوهم في خبره لم يرد خبره، كمن قيل له: حججت؟ فقال: لا مرة ولا مرتين، يوهم أنه حج أكثر، وحقيقته أنه ما حج أصلاً، فلا يكون كذباً.
ويفارق هذا إذا حدث عمن لم يسمع منه، فقال: حدثني؛ لأنه كذب فيما قال، ومن كذب في الحديث سقط حديثه، فلهذا لم يسمع [١٤٣/ب] حديثه.
وقال محمد بن مخلد: حدثنا حمدان بن علي الورّاق (٣) قال: سمعت
стр. 1157
أحمد بن حنبل ﵀ يقول: كان حجاج بن أرطاة (١) يقول لهم: لا تقولوا من حدثك؟ ولكن من أخبرك؟ قولوا: من ذكره يا أبا (٢) أرطاة.
فصل
فإن روي العدل عن العدل خبراً، ثم نسي (٣) المروي عنه الخبر، فأنكره، لم يجب اطراح الخبر، ووجب العمل به في إحدى الروايتين.
وهو قول أصحاب الشافعي (٤) .
стр. 1158
وفيه رواية أخرى: يرد الخبر، ولا يجوز العمل به.
وقد نَصّ أحمد ﵀ على الروايتين في إنكار الزهري روايته حديث عائشة في الولي (١) ، فقال في رواية الأثرم، فيما ذكره في كتاب "العلل": قلت لأبي عبد الله: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: إن حدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل، فيسأل عنه فينكره ولا يعرفة؟ فقال: لا، ما يضعف عندي بهذا، فقلت: مثل حديث الولي، ومثل حديث اليمين مع الشاهد، فقال: قد كان مَعْمَر يروي عن ابنه عن نفسه عن عبد الله بن عمر.
وكذلك نقل الميموني عنه لما ذكر له حديث الزهري وما قاله، فقال: كان ابن عيينة يحدث بأشياء (٢) ، ثم قال: ليس من حديثي ولا أعرفه، وقد (٣) يحدث الرجل ثم ينسى.
وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه قال: يجوز أن يكون الزهري حدث به ثم نسيه، فقد نص على قبوله (٤) .
ونقل عنه خلاف هذا، فقال أبو الجود (٥) : قلت لأبي عبد الله: أيما امرأة زُوجت بغير ولي؟ فقال: لا أحسبه صحيحاً؛ لأن إسماعيل قال:
стр. 1159
[قال] (١) ابن جريج: لقيت الزهري وسألته [عنه] (٢) ؟ فقال: لا أعرفه.
وكذلك نقل حرب عنه: أنه سئل عن حديث الولي، فقال: لا يصح؛ لأن الزهري سئل عنه فأنكره.
فالدلالة على وجوب العمل به:
أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣) روي عن سهيل بن أبي صالح (٤) عن أبيه (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أنه قضى باليمين مع الشاهد) (٦) ، ثم
стр. 1160
نسيه سهيل، فكان يقول: حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ويروي هكذا، ولا ينكره أحد من التابعين، ولا يخالفه مخالف منهم، فدل على جوازه.
ولأن المروي عنه غير عالم ببطلان روايتة، والراوي عنده ثقة، فوجب تصديقه والعمل بخبره، كما يجب على سائر الناس، إذا لم ينس المروي عنه، فيكون المروي عنه في هذه الحالة بمنزلة سائر الناس.
ولأن النسيان الطاريء عليه لم يقدح في عدالته حال روايته، ولا أثر فيها، فلم يوجب رد خبره، وإن خرج عن كونه ذاكراً له، كما لو طرأ عليه جنون أو مرض.
واحتج المخالف:
بأنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين، فقال شاهدا الأصل: لا نذكر ولا نحفظه، لم يجز للحاكم أن [١٤٤/أ] يحكم بشهادتهما. وكذلك الخبر.
وكذلك الحاكم إذا ادعى رجل أنه قضي له بحق على فلان، ولم يذكر القاضي، فأحضر المدعي بينه على حكمه، لم يرجع إليها، كذلك ها هنا.
والجواب: أنا لا نسلم هذا في القاضي، بل نقول: يرجع.
وأما شهود الفرع، فإنما لم تسمع شهادتهم؛ لما ذكرنا من أن الشهادة أغلظ حكماً، وأضيق طريقاً من الخبر، وقد بينته فيما مضى.
واحتج: بما روي أن عماراً (١) قال لعمر بن الخطاب في باب جواز
стр. 1161
التيمم للجنب: أما تذكر أنا كنا في الإبل، فأجْنَبْت، فَتمَعّكْت بالتراب، ثم سألت النبي ﷺ فقال: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك) (١) فلم يقبل عمر من عمار، مع كونه عدلاً ثقة.
والجواب: أن عمر قبل قول الهرمزان أنه أمنه، لما شهد له بذلك أنس وغيره (٢) .
نقل من كتاب "الإيمان" تصنيف الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قال عبد الله: سمع أبي يقول: سمعت حماداً (٣) يقول: عمير بن
стр. 1162
يزيد (١) ليس فيه عن أبيه، فقلت: إنك حدثتتي عن أبيه عن جده، فقال: أحسب أنه عن أبيه، وهذا يدل على أنه رجع إلى رواية أبيه عنه.
وجملة ما ذكرناه مما رد به الخبر، فهو لأجل المخبِر، وهو أن ينقله ثقة عن ثقة، فإنه يرد بأحد خمسه أشياء:
أحدها: أن يخالف موجبات العقول، كقوله: إن الله خلق نفسه.
الثاني: أن يخالف نص كتاب الله أو سنة متواترة، فإنه يرد؛ لأنه دليل مقطوع به، فلا يعارضه ما هو غير مقطوع به.
الثالث: أن يكون بخلاف الإجماع؛ لأن الإجماع دليل مقطوع [به] ؛ ولأنه إذا خالف الإجماع كان دليلاً على نسخه؛ لأنه لو كان ثابتاً لما خرج عن الأمة.
الرابع: أن يروي ما يجب على الكافة علمه، مثل أن يروي أن النبي ﷺ عهد إلى أبي بكر أو إلى عثمان أو إلى علي، فإذا انفرد الواحد بنقل مثل هذا كان مردوداً.
стр. 1163
فإن قيل: أليس ما يعمّ به البلوى يفتقر إليه كل أحد، ومع هذا يثبت بخبر الواحد؟
قيل: كل أحد مفتقر إلى العمل به، لا إلى علمه، فلهذا ثبت بخبر الواحد، وليس كذلك ثبوت الخلافة والعهد إلى واحد؛ لأن على كل واحد أن يعرفه ويعلمه نطقاً، فلهذا لم يثبت بخبر الواحد.
الخامس: أن ينفرد بما جرت العادة في نقلة بالتواتر، مثل أن ينفرد بنقل أن الخطيب سقط يوم الجمعة من المنبر، فالعادة جرت بأن الواحد لا ينفرد بنقله، فإذا انفرد هو به عَلِمْناه بخلاف العادة، فرددناه.
وهذا في العلل التي رد لها خبر الواحد.
فأما الأسباب الموهمة التي لا يرد لأجلها خبر الواحد:
منها: أن تلحقه غفلة في وقت، فإن خبره لا يرد؛ لأن [١٤٤/ب] أحداً لا ينفك عن أن تلحقه غفلة (١) في وقت، بل إن روى خبراً في حال غفلته، لم يثبت خبره.
وقد قال عبد الله: قلت لأبي: إن بشر بن عمر (٢) زعم أنه سأل مالكاً عن صالح مولى التّوْأَمة (٣) ، فقال: ليس بثقة. قال أبي: مالك أدرك
стр. 1164
صالحاً وقد اختلط، وهو كبير، ما أعلم به بأساً، من سمع منه قديماً، قد روى عنه أكابر أهل المدينة، نقلت ذلك من كتاب أبي بشر محمد بن أحمد الدُّولابي (١) .
ومنها: أن يضطرب بعض حديثه، فلا يرد خبره؛ لأن كل أحد لا يقدر علي ضبط ما سمعه كله، بل يكون ببعضه أضبط من بعض.
ومنها: أن ينفرد (٢) بنقل حديث واحد، لا يروي غيره، فلا يرد حديثه، لجواز، أن ينفرد به عن كل واحد، كأنه حدثت له حادثة، فسأل رسول الله ﷺ فأجابه عنها.
ومنها: أن لا تعرف له مجالسه مع النبي ﷺ ، فلا يرد خبره؛ لأنه قد يجالسه، فلا، يعرف ذلك منه، وقد يأخذ الحديث عنه من غير مجالسة.
ومنها: أن يروي حديثاً، وفعل رسول الله صلى الله عليه [وسلم] يخالفه، مثل قوله ﷺ : (لاَ يَنْكح المحرم ولا يُنْكح) (٣) ثم يروي عنه ابن عباس: أنه
стр. 1165
نكح ميمونة، وهو محرم (١) ؛ فلا يرد به خبره، لأن النبي [ ﷺ ] ، قد يفعل ما هو خاص له دون أمته، فلا يستدل به على رد خبره.
ومنها: أن يروي حديثاً يخالفه فيه أكثر الصحابة، فلا يرد لذلك، لجواز أن يخفي عليهم ما عرفه، فيكون الحق معه دونهم.
ومنها: أن يكون معروفاً باللقب، وقد اختلف اسمه، كالحذا (٢)
стр. 1166
ونحو ذلك، فلا يرد خبره؛ لأنه متفق عليه، وإنما وقع الاختلاف فيما لا يكون به كل مجهولاً.
ومنها: أن ينسى بعض حديثه، فذُكِّر فعاد إليه، فلا يرد حديثه لذلك؛ لأن الإنسان قد ينسى الشيء، ثم إذا ذُكر تذكر، بلى إن روى حديثاً، لا أصل له، وقال: نقلته على بصيرة مني بذلك، فهو مردود الحديث لأنه قد أخبر عن نفسه بالكذب على رسول الله [ ﷺ ] .
فإن روى حديثاً، لا أصل له، وقال: سهوت فيه، أو أخطأت، قبل خبره؛ لأنه قد يجوز عليه السهو والغلط.
وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية حرب: في الرجل إذا سها في الإسناد، فأخطأ فيه، ولا يتعمد ذلك: أرجو أن لا يكون به بأس.
مسألة (١)
[رواية الحديث بالمعنى]
والمستحب رواية الحديث بألفاظه، فإن نقله على المعنى، وأبدل اللفظ بغيره بما يقوم مقامه، من غير شبهة ولا لبس على سامعه، جاز، إذا كان عارفاً بالمعنى، كالحسن ونحوه، مثل أن يقول بدل قول النبي ﷺ : (صبوا
стр. 1167
عليه ذنوباً من ماء) (١) : أريقوا عليه ذنوباً (٢) من ماء.
وقد نصّ أحمد ﵀ على هذا في رواية حرب والميموني والفضل ابن زياد [١٤٥/أ] وأبي الحارث ومُهَنّا، كل عنه: تجوز الرواية على المعنى وقال: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى.
وحكي عن ابن سيرين وجماعة من السلف: أنه يجب نقل اللفظ على صورته، وحكاه أبو سفيان عن أبي بكر الرازي.
دليلنا:
ما حدثنا أبو محمد الخلال (٣) بإسناده عن ابن مسعود قال: سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك تحدثناً حديثاً، لا نقدر أن نسوقه، كما نسمعه، فقال: (إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث) (٤) ، وهذا نص.
стр. 1168
ورأيت بخط عتيق: أنبأنا مسند (١) عن مكحول (٢) قال: دخلنا على واثلة بن الأسقع (٣) فقلنا: حدثنا حديثاً ليس فيه تقديم وتأخير، فغضب، وقال: لا بأس إذا قدمت أو أخرت، إذا أصبت المعنى (٤) .
ولأن المقصود من السنة حكمها دون له لفظها، فإذا أتى بمعناها جاز الإخلال باللفظ، فلو سمع إقرار رجل بالفارسية جاز له أن ينقل إقراره إلى الحاكم بالعرب، وكذلك المترجم بالمعنى.
стр. 1169
فإن قيل: إنما جاز ذلك؛ لأن الحاكم يمكنه أن يتثبت ذلك، ويتعرف ما نقله إليه الشاهد والمترجم [و] لا يمكن ذلك في خبر النبي ﷺ .
قيل: فيجب أن يخبر الرواة على المعنى في خبرهم (١) للنبي [ ﷺ ] ؛ لأنه يتوصل إلى معرفة ذلك، وعندك لا يجوز.
وأيضاً: لما كان نقل الحديث من غير النبي [ ﷺ ] بلفظ آخر، كذلك في الرواية عن النبي [ ﷺ ] ، ألا ترى أنهما اتفقا في منع الروية على وجه لا يأمن المخبر أن يكون كاذباً فيه؟
فإن قيل: الكذب على النبي [ ﷺ ] يعظم ما لا يعظم على غيره.
قيل: إن اختلفا من هذا الوجه، فلم يختلفا في قبح الكذب عليهما، واختلافهما في عظم المأثم لا يوجب اختلافهما في الجواز، كما أن المعصية الصغيرة والكبيرة لا يختلفان في المنع، وإن اختلفا فيما يستحق عليهما من العقاب.
واحتج المخالف:
بما روي عن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، وأدّاها كما سمعها) (٢) .
стр. 1170
والجواب: أن المقصود به الاستحباب.
واحتج: بأنه لما كان لفظ القرآن والأذان في التشهد شرطاً، كذلك لفظ الحديث.
والجواب: أن القرآن لفظه مقصود لما فيه من الإعجاز، ولما يستحق في قراءته من الثواب، فكذلك لم يجز الإخلال به، وكذلك الأذان، القصدُ منه الإعلام. [و] إذا أخلّ بلفظه، لم يحصل المقصود وإن قاسوا عليه، إذا لم يكن الراوي ضابطاً، فالمعنى فيه أنه ربما غير الحكم. [١٤٥/ب] .
فصل (١)
نقلت من خط أبي حفص البرمكي (٢) تعليقاً مما كان على مسائل صالح
стр. 1171
سمعت عمر المغازلي (١) يقول: قال أحمد بن حنبل: قال رسول الله [ ﷺ ] . وقال النبي [ ﷺ ] واحد، فألزمه بعض أصحابنا حديث البَرَاء ابن عازب (٢) : (ورسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت) (٣) قال: هذا لا يلزم؛ لأنه كان نبياً ثم أرسل، فقال: "ونبيك الذي أرسلت"، ولم يقل: "وبرسولك الذي أرسلت"، لأنه لا تكون رسالة بعد رسالة، وإنما أراد رسالة بعد نبوة، فقد [أجاز] (٤) عمر بن
стр. 1172
بدر (١) : أن التابعي إذا سمع رجلاً، من أصحاب النبي صلى الله عليه [وسلم] يقول: قال رسول الله [ ﷺ ] وروي عنه قال: قال النبي [ ﷺ ] ، أو سمعه يقول: قال النبي [ ﷺ ] ، فقال: قال رسول الله [ ﷺ ] ، أن ذلك جائز؛ لأن القصد من الرواية أن يعلم أن هذا الخبر مرفوع عن النبي [ ﷺ ] ، وهذا المعنى يحصل بكل واحد من اللفظين، والرسول والنبي في هذا المعنى واحد.
ويبين صحة جواز رواية الخبر على المعنى، وهذا موجود ها هنا، وقد أجاب (٢) عمر بن بدر عن الحديث المروي عن النبي [ ﷺ ] ، (آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت) وأنه لا يجعل مكان نبيك رسولك؛ لأن المعنى يختلف، وذلك أن الرسالة تطرأ على النبوة، ولا تطرأ رسالة على رسالة، فلهذا لم يجعل موضع النبي: الرسول.
مسألة (٣)
إذا وجد سماعه في كتاب، ولم يذكر أنه سمعه، جاز روايته.
أومأ إليه الإمام أحمد ﵀ في مواضع:
فقال في روارية مُهَنّا: إذا كان يحفظ الشيء، وفي الكتاب شيء فالكتاب أحب إليّ.
فقد اعتبر ما في الكتاب، وإن كان حفظ غيره.
وكذلك في رواية الحسين بن حسان في الرجل يكون له السماع مع الرجل، فلا بأس أن يأخذه بعد سنين، إذا عرف الخط.
وكذلك نقل الحسين بن محمد بن الحارث عنه: إذا عرف خطه فلا
стр. 1173
يشهد عليه إلا ما يحفظه، إلا أن يكون منسوخاً عنده في حرزه، فكأنه إذا كان عنده مكتوباً في حرزه، شهد به وإن لم يحفظه، ثم قال: كتاب العلم أيسر (١) ، يعني يشهد عليه، قيل له (٢) : إذا أعار (٣) كتاب العلم، فقال: [لا] بدّ من أن يفعل ذلك، إذا أعاره من يثق به، قيل له: فإن لم يثق به: كل ذاك أرجو أن لا يحدث فيه، فإن الزيادة في الحديث ليس تكاد تخفي، وكأنه رأى ذلك أوسع من الشهادة.
وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد (٤) .
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يرويه، إذا لم يذكر سماعه.
دليلنا:
[١٤٦/أ] : أن الأخبار مبني أمرها على حسن الظن والمسامحة ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أنه لا يشترط فيها العدالة في الباطن ويقبل فيها قول العبيد والنساء وحديث العنعنة، والظاهر من حال السماع الموجود الصحة، فجاز العمل عليه.
стр. 1174
وأيضاً: رجوع الصحابة إلى كتب النبي ﷺ والعمل عليها من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب.
واحتج المخالف:
بأنه، لما لم يجز أن يؤديَ الشهادة معتمداً على خطه من غير ذكره، كذلك الحديث، والمعنى فيه: أن الشاهد يحتاج إلى ذكر المشهود به، كما أن المخبر يحتاج إلى ذكر المخبر به.
والجواب: أن الشهادة مبنى أمرها على التأكيد والتغليظ، فكذلك إذا وجد خطه، ولم يذكر، لم يشهد به. على أن الحسين بن محمد بن الحارث نقل عنه: أنه أجاز الشهادة، إذا عرف الخط، ولم يخرج عن يده، ولكن المذهب المشهور عنه: أنه لا يجوز، لما بينّا.
واحتج: بأن الإخبار بما لا نأمن المخبر. أن يكون كاذباً فيه، يجري مجرى الإخبار بالكذب في القبح، فإذا لم يذكر أنه سمعه يحدث به، لم نأمن أن يكون كاذباً، وجب أن لا يجوز أن يحدث به، كما لا يجوز له ذلك لو علم أنه كاذب فيه.
والجواب: أن هذا يوجب أن لا يجوز خبر الضرير فيما سمع؛ لأنه لا يأمن أن يكون كاذباً فيه؛ لأن الصوت قد يشبه الصوت، فيخبر عن رجل لم يسمع منه، وأنه شبه له صوته، وكذلك السماع من وراء حجاب، وقد أجازوا رواية الضرير، كذلك ها هنا، وقد نص أحمد ﵀ على جواز رواية الضرير، وحكيناه فيما تقدم.
فإن قيل: هناك يمكنه أن يشترط ما يأمنان الكذب فيه، بأن يخبرا عن ظنهما، فلا يقطعان على ما يحدثان به عن فلان.
قيل: فاشترط مثل هذا في مسألتنا.
стр. 1175
فصل
في كيفية رواية الحديث بعد سماعه
إذا قرأ المحدث عليه، قال: سمعته، وحدثني، وأخبرني، وقرأ عليّ؛ لأنه قد أخبره وحدثه وسمع منه وقرأ عليه، ولا فرق بين أن يقول له بعد ذلك: إروه عني، أو لا يقول.
وكذلك إن أملى عليه المحدث، فالحكم فيه على ما مضى، ويزيد أملى عليّ.
وقد نصّ على هذا ﵀ فيما رأيته في آخر جزء فيه السنة لحرب، فقال: حدثه عبد الله بن أحمد بن معدان قال: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، فقيل له: يا أبا عبد الله إن عبد الرزاق كان لا يقول: حدثنا، فقال [١٤٦/ب] أحمد: حدثنا وأخبرنا عندنا واحد، إن كان سماعاً من الشيخ.
وإن قرأ هو على المحدث فلم يسمع، أو قرأ عليه فأقرَّ به، قال: قُرِئ على فلان أو قَرأتُ علي فلان، ولا يجوز أن يقول: سمعتُ فلاناً، ولا أملى عليّ.
وهل يجوز أن يقول: حدثني وأخبرني أو لا؟ فيه روايتان:
إحدهما: لا يجوز، نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم قال: سألته، وأنا أقرأ عليه شيئاً من الأحاديث أقول: حدثني أحمد؟ فقال: إن قال، فما أرى به بأساً: ولكن يقول: قرأت عليه، أحب إليّ، أريد به الصدق. فقد نصّ على جوازه، واختار أن يحكي الحال كما جرت.
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي.
стр. 1176
وفيه رواية أخرى: لا يجوز أن يقول: أخبرني ولا حدثني، ولكن يقول قُرِئ عليه، أو قَرأتُ عليه، نصّ عليه ﵀ في رواية حنبل: وقيل له: سأل عوف الحسن فقال له: أقرأ عليك فأقول: حدثنا الحسن؟ قال: نعم، قال حنبل: سألت أحمد عن ذلك، فقال: لا، ولكن يقول: قَرأتُ. وبهذا قال بعضهم.
ولا فرق بين أن يقول: هو كما قرأته عليك؟ فيقر به، وبين أن يقول: أرويه عنك؟ فيقول: أروه عني وأنه على الخلاف الذي حكينا.
وذكر أبو إسحاق (١) في تعاليقه في كتاب "العلل": سمعت أبا محمد عبد الخالق بن الحسن بن محمد بن نصر السقطي (٢) يقول: سألت ابن منيع (٣) فيما يقرأه على الناس، ويقرأ عليه، فقال لى: سألت أحمد ابن حنبل عما سألتني عنه، فقال لي: إذا قرأ عليك، فقل: حدثنا، وإذا قرئ عليه [فقل] : حدثنا، فلان قراءةً عليه.
وظاهر هذا يقتضي جواز القول فيما قُرِئ عليه، لكن بشرط أن يقرر قراءةً عليه.
стр. 1177
وذكر أبو عبد الله محمد بن مخلد بن حفص العطار في جزء صنفه في الإجازة والمناولة والقراءة فقال: حدثنا سليمان بن الأشعث أبو داود قال: سمعت أحمد -يعني ابن محمد حنبل- يقول: أرجو أن يكون العرض لا بأس به، يعني قراءة الحديث على المحدث، قيل لأحمد: فكيف يعجبك أن يقول؟ قال: يعجبني أن يقول كما يفعل: إن قَرأَ يقول: قرأتُ (١) .
قال: وسمعت أبا داود وسليمان بن الأشعث يقول: قلت لأحمد يعني ابن حنبل: كأن "أخبرنا" أسهل من "حدثنا"؟ قال: نعم، "حدثنا" شديد (٢) .
فإذا قلت: أيجوز أن يقول: أنبأنا وحدثنا؟ فتوجيهه أن إقراره بما قرىء عليه جواب عن الاستفهام، والجواب في الاستفهام "بنعم"، يقوم مقام خبره به، ألا ترى أن الحاكم إذا سأل المدعى عليه عن دعوي المدعي: هل عليك الحق الذي ادعاه عليك؟ فقال المدعى عليه: نعم، جاز للقاضي أن [١٤٧/أ] يقول: أقرَّ فلان عندي بكذا، فيكون قوله: "نعم" مقام إقراره بالحق الذي ادعى عليه.
وكذلك إن قرأ الشاهد الكتاب على المشهود عليه، ثم قال له: أشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فقال المشهود عليه: نعم، جاز للشاهد أن يقول: أشهدني فلان على نفسه بكذا، فإذا كان كذلك، وثبت أن يكون قول المقروء عليه الحديث: نعم، بمنزلة إخباره (٣) بما قرىء عليه وحدث به.
стр. 1178
ورأيت بخط أبي حفص البرمكي تعليقاً على ظهر جزء، فيه "الرد على من انتحل غير مذهب أصحاب الحديث"، قال عبد العزيز: فقال: قراءتك على العالم، وقراءة العالم عليك سواء.
واحتج من قال لا يجوز ذلك:
بأن قول حدثني وأخبرني، ينبغي أن يكون المقروء عليه قد فعل الحديث والإخبار، وإذا لم يوجد منه ذلك، لم يجز للقارئ أن يقول: حدثني وأخبرني.
والجواب: أنا قد بينا أن قوله: "نعم" بمنزلة فعله الإخبار والحديث في الأصول.
واحتج: بأن جوابه في الاستئذان لأن يحدث عنه بنعم، أمر له بالحديث عنه، والأمر لا يكون خبراً عن المأمور به.
والجواب: أنه لا فرق عند هذا القائل بين أن يكون جوابه في الرواية عنه، وبين أن يكون جواباً في الاستفهام عن صحة ما قرىء عليه.
وقد بينا أن الجواب في الاستفهام بنعم، يقوم مقام الخبر به، إذا ثبت في أحد الموضعين أنه خبر وليس بأمر، ثبت في الموضع الآخر، لأن أحداً ما فرق بينهما.
فإن قرأ عليه وهو ساكت لم يقرّ به، فالظاهر أنه إقرار؛ لأن سكوته مع سماع القراءة رضى منه بما قرأه وأمضاه، فجاز أن يقول: أخبرني وحدثني، كما لو أقر به، والأحوط أن يقول له: هو كما قرأته عليك، أو قرئ عليك؟ فإذا قال: نعم، حَدّث به عنه.
فإن قال المحدث: أخبرنا فلان فهل يجوز للمستمع أن يروي عنه فيقول: قال حدثنا فلان، فيجعل مكان أخبرنا حدثنا، ومكان حدثنا أخبرنا؟ فيه روايتان:
стр. 1179
إحداهما: لا يجوز؛ لأنه يحكي عنه خلاف اللفظ الذي سمعه منه.
وقد نصّ على هذا في رواية حنبل فقال: إذا قال الشيخ: حدثنا قلت حدثنا، تتبع لفظ الشيخ، إنما هو خبر، ولا تقول لأخبرنا: حدثنا، ولا لحدثنا: أخبرنا، على لفظ الشيخ.
وفيه رواية أخرى: يجوز؛ لأن المعنى فيهما واحد؛ لأن المحدث له هو مخبر له في التحقيق، وكذلك المخبر هو محدث في الحقيقة.
وقد نصّ على هذا فيما حدثنا به أبو محمد الحسن بن محمد (١) قال: سمعت محمد بن رزق قال: سمعت جعفر بن هارون النحوي يقول: سمعت عبد الله بن أحمد الكسائي قال: سمعت أحمد بن [١٤٧/ب] عبد الجبار (٢) يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: حدثنا وأخبرنا واحد.
وهو اختيار أبي بكر الخلال؛ لأنه لما ذكر رواية حدثنا في المنع، قال: قد سهل أبو عبد الله في هذا المعنى على جواز رواية الحديث علي المعني.
فإن قال له: قد أجزت لك أن تروي هذا الحديث عني، أو ما صح عندك من حديثي، جاز أن يقول: أجاز لي فلان، وأَخبرني فلان إجازة فيما صح عنده من سماعه، ولا يقول: حدثني ولا أخبرني مطلقاً؛ لأنه لم يخبره؛ وإنما أجازه إجازة.
وكذلك إذا ناوله كتاباً فيه حديث، وقال له: قد أجزت لك أن
стр. 1180
تؤدي عني ما فيه من الحديث، جاز أن يقول: ناولني فلان، أو أخبرني فلان مناولةً.
وكذلك إذا كتب إليه بحديث جاز أن يقول: كتب إلي فلان، أو أخبرني فلان مكاتبةً.
وقد نصّ أحمد ﵀ على هذا فقال في رواية المروذي: إذا أعطيتك كتابي، وقلت لك: اروه عني، وهو من حديثى، فلا تبال سمعته أو لم تسمعه.
وقال أبو بكر الخلال (١) : أخبرني أبو المثنى العنبري أن أبا داود حدثهم: أن أبا عبد الله قال: لم أسمع من أبي توبة (٢) شيئاً (٣) ، [وإنما] كتب إليّ بأحاديث.
стр. 1181
قال أبو بكر الخلال: وكان محمد بن عوف الحمصي (١) يحدثنا كثيراً، فيكثر فيما نسمع منه من المسند خاصةً، فيقول: أخبرني أبو ثور (٢) في كتابه إليّ.
وقال عبد الله: رأيت عبد الرحمن المتطبب (٣) جاء الى أبي، فقال: يا أبا عبد الله أخبرني هاذين الكتابين، فقال له: ضعهما، فأخذهما أبي، فعارض بهما حرفاً حرفاً، فلما جاء دفعهما اليه، وقال: قد أجزت لك هذه بهذا.
وبهذا قال أصحاب الشافعي.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف -فيما حكاه أبو سفيان عنهما-: لا
стр. 1182
تجوز الرواية بالإجازة والمناولة والمكاتبة، سواء قال حدثني به إجازةً أو مناولةً أو مكاتبةً، أو لم يقل ذلك.
وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي أنه قال: إن قال الراوي لرجل: قد أجزت لك أن تروي عني جميع ما في هذا الكتاب، فاروه عني، فإن كانا عَلِمَا ما فيه جاز له أن يروي عنه، فيقول: حدثني فلان، وأخبرني فلان، كما أن رجلاً لو كتب صكّاً، والشهود يرونه، ثم قال لهم: اشهدوا علىّ بجميع ما في هذا الكتاب، جاز لهم إقامة الشهادة عليه بما فيه.
وأما إذا لم يعلم الراوي ولا السامع ما فيه، فإن الذي يجب على مذهبنا: لا يجوز له أن يقول: أخبرني فلان، كما قالوا في الصك، إذا أشهدهم وهم لا يعلمون ما فيه لم تصح الشهادة، وكذلك إذا قال له: قد أجزت لك ما يصح عندك من صك فيه إقراري، فاشهد به علىّ، لم يصح.
قال: وإن علم المكتوب إليه أن هذا كتاب فلان إليه، جاز له أن يقول: أخبرني [١٤٨/أ] فلان، يعني الكاتب، ولا يقول حدثنا.
دليلنا على جواز الرواية في الإجازة والمناولة والمكاتبة على الوجه الذي ذكرنا:
أنه ليس فيه أكثر من أنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، وهذا لا يمنع الرواية عنه، كما لو قرئ عليه الحديث فأقر به، فإنه لم يوجد منه فعل الحديث، ومع هذا فإنه تصح الرواية عنه، كذلك ها هنا.
فإن قيل: هناك وجد منه ما هو في حكم الحديث، وهو إقراره به.
قيل: إقراره به ليس من فعل الحديث من جهته، وإنما هو إقراره بأنه سماعه، وهذا المعنى موجود ها هنا.
ولأن أمر الأخبار مبنى، على حسن الظن والظاهر، ولهذا قبل فيها
стр. 1183
العبيد والنساء وقول الواحد، والظاهر من حال الخط أنه صحيح لا يشتبه [فيه] ، فجازت الرواية به.
واحتج المخالف:
بأنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، ولا ما هو في حكم الحديث؛ لأنه لم يحدث به، ولا قرئ عليه، فلم يجز أن يقول: حدثني ولا أخبرني.
والجواب: أنه يبطل به، إذا قرئ عليه، فأقرَّ به.
واحتج: بأن الشهادة على الشهادة لا تقبل في مثل هذا؛ لأنه لو كتب شاهدان إلى شاهدين: اشهدا على شهادتنا لم يجز، كذلك الأخبار.
والجواب: أن الأخبار (١) أمرها مبني على حسن الظن.
فإن كانت الإجازة مطلقة لجميع من أراد، جاز.
وقد رأيت ذلك بخط أبي حفص البرمكي، أو بخط والده أحمد بن إبراهيم البرمكي (٢) في حاشيه الورقة الأولى من جزء خرجه أبو بكر عبد العزيز ترجمه: "الرد على من انتحل [غير] (٣) مذهب أصحاب الحديث"، فقال: سمعت هارون بن موسى (٤) وأجازه الشيخ معي جميع
стр. 1184
ما خرج عنه لجميع من أراده، وذلك أن الراوية بالإجازة إنما تصح لما صح عنده من حديثه، وهذا المعنى موجود في المطلقة والمقيدة.
فإن روى حديثاً عن غيره فقال: حدثني فلان عن فلان، حمل على أنه سمع ذلك منه من غير واسطة، ويكون خبراً متصلاً.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي الحارث وعبد الله: ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ فهو [ثابت] (١) ، وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه، وداود عن أشعث عن علقمة عن عبد الله، ثابت.
وبهذا قال أصحاب الشافعي.
ومن الناس من قال: حديث العنعنة غير صحيح؛ لأن قول عبد الرزاق عن مَعْمَر، يحتمل: أن يكون غير مَعْمَر، وهو عنه على ما روى، ولكن لا لأنه سمعه منه.
وهذا غلط؛ لأن الظاهر من حال الراوي إذا قال: حدثني فلان عن فلان، أن كل واحد منهم سمع ذلك من [١٤٨/ب] الذي روى عنه من غير واسطة، فإنه لو كان واسطة لذكره وما أدرجه، فحمل الأمر على ذلك، ووجب العمل بالخبر.
مسألة
إذا روى صحابي عن صحابي خبراً عن النبي ﷺ ، لزمه العمل به،
стр. 1185
فإن لقي المروي له النبي ﷺ بعد ذلك، لم يلزمه أن يسأله عن الخبر، بل يقتصر على السماع الأول.
وقال بعض الناس: يلزمه أن يسأله عن ذلك.
وهذا غلط؛ لأن النبي ﷺ كان يبعث العمال والسعاة والمعلمين والحكام إلى البلاد، وكان الناس يرجعون إلى قولهم ويتعلمون منهم، ويقدمون على النبي ﷺ ولا يسألونه عن شيء من ذلك، بل يقتصرون على ما عرفوه من جهة رسله، فثبت: أنه لا يجب الرجوع إليه ومساءلته.
واحتج المخالف:
بأن لهم طريقا إلى معرفة الحكم من جهة الرسول قطعاً، ومعرفته من جهة الصحابي غير مقطوع عليه، فلم يجز ترك القطع والاقتصار على غلبة الظن.
والجواب: أنه ليس يمنع مثل هذا في أحكام الشرع، ألا ترى أن الإنسان يجوز له ترك التوضؤ بالماء من وسط النهر، ويتوضأ من ماء في إناء على طرف النهر.
فصل
فيمن يقع عليه اسم الصحابي
ظاهر كلام أحمد ﵀: أن اسم الصحابي مطلق على من رأى النبي ﵇، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه الحديث؛ لأنه قال في رواية عبدوس بن مالك العطار (١) : أفضل الناس
стр. 1186
بعد أهل بدر القرن الذي بعث (١) فيهم، كل من صحبه سنةً أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، فقد أطلق اسم الصحبة على من رآه، وإن لم يختص به.
وحكى أبو سفيان عن بعض شيوخه: أن اسم الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي صلى الله عليه [وسلم] واختص به اختصاص الصاحب بالمصحوب سواء روى الحديث أو لم يروه، وأخذ العلم أو لم يأخذه، فاعتبر تطاول الصحبة في العادة.
وذكر أبو سفيان عن أبي سفيان عمرو بن بحر: أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي ﷺ واختلاطه به، وأخذ العلم، وهذا القائل اعتبر طول الصحبة ونقل العلم.
وحكى الإسفراييني: أن الصحبة في العرف: عبارة عمن صحب غيره، فطالت صحبته له ومجالسته معه.
دليلنا:
أن الصحبة في اللغة: من صحب غيره قليلاً أو كثيراً، ألا ترى أنه يقال: صحبت فلاناً، وصحبته ساعة؟
ولأن ذلك الاسم مشتق من الصحبه (٢) ، وذلك يقع على القليل والكثير، [١٤٩/أ] كالضارب مشتق من الضرب، والمتكلم مشتق من الكلام، وذلك يقع على القليل والكثير، كذلك ها هنا.
стр. 1187
ولأنه ليس يحتاج في إطلاق هذا الاسم إلى من قد روى الحديث عنه صلى الله عليه [وسلم] وأخفى العلم عنه؛ لأن جماعة من الصحابة قد امتنعوا من رواية الحديث، ولم يكن ذلك مانعاً من إجراء هذا الاسم عليهم.
يبين صحة هذا: أن دواعيهم كانت مختلفة، وكان بعضهم لا يرى الرواية، وكانوا يؤثرون الاشتغال بالجهاد على الرواية.
قال السائب بن يزيد: صحبت سعد بن أبي وقاص زماناً، فما سمعت منه حديثاً، إلا أني سمعته ذات يوم يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي) .
وكذلك أخذ العلم منه لا يكون شرطاً في استحقاق هذه التسمية؛ لأن من اختص بغيره فإنه يطلق عليه أنه صاحب فلان، وان لم يأخذ منه العلم.
واحتج المخالف:
بأن عادة الأمة جارية بإطلاق هذا الاسم على من اختص بالنبي [ ﷺ ] ، والمنع من إطلاقه على من لم يختص به، وإن كان قد رآه وسمع منه، كمن ورد عليه من الوفود والرسل (١) ومن يجري مجراهم، وإذا كان كذلك وجب أن يكون هذا الاسم جارياً على من اختص به الاختصاص الذي ذكرناه.
ويبين صحة هذا: أن العالم إذا كان له أصحاب يصحبونه ويلازمونه كانوا هم أصحابه، وإن كان في البلد من يلقاه ويستفتيه، فلا يكون من أصحابه، كذلك النبي صلى الله عليه [وسلم] أصحابه من صحبه دون من لقيه مرة.
والجواب: أن من يرد عليه من الوفود والرسل إن كانوا مؤمنين به
стр. 1188
انطلق عليهم الاسم، وإن كانوا كفاراً لم ينطلق عليهم الاسم؛ لأنهم غير تابعين له.
وأما من صحب غيره من العلماء على وجه التبع له في العلم ينطلق عليه الاسم وإن قل، ويقال: فلان صاحب فلان، وكذلك من صحب فلاناً يوماً على وجه الخدمة، يقال: هذا صاحب فلان، وأما من مشى معه في الطريق إذا استفتاه، فلا ينطلق عليه الاسم؛ لأنه لم يحصل تابعاً له في صحبته.
ومن كان في وقت النبي صلى الله عليه [وسلم] كان تابعاً له، فأما من يجوز الإخبار عنه بأنه صحابي، فهو من يخبر عنه الصحابي.
وحكى أبو سفيان عن بعض شيوخه: أنه لا يجوز الإخبار عنه بأنه صحابي إلا بعد أن يقع لنا العلم بذلك، إما اضطراراً أو اكتساباً.
دليلنا:
أنه لو أخبر عن نفسه بأنه صحابي، قبل منه باتفاق منا ومن هذا القائل، فإذا أخبر عن غيره، يجب أن يقبل منه.
يبين صحة الجمع بينهما: أن [١٤٩/ب] فسقه لما كان مانعاً من قبول خبره بذلك عن نفسه، كان فسق غيره مانعاً من قبول خبره.
ولأنه لما وجب العمل بخبر الواحد، كذلك جاز الحكم بخبر الواحد في إثبات الصحبة.
وذهب المخالف إلى أنه لا يجوز لنا أن نخبر فلاناً من أن يكون الخبر عنه كذباً، كما لا يجوز لنا أن نخبر بالكذب، فإذا كان كذلك وكنا لا نأمن في الإخبار عن زيد بأنه صحابي، أن يكون حديثاً كذباً، وجب أن لا يجوز لنا الإخبار بذلك عنه.
والجواب: أن هذا موجود في الرواية عن النبي ﷺ بخبر الواحد، فإنا نجوز أن يكون كاذباً فيه، ومع هذا يجب العمل بخبره، كذلك ها هنا،
стр. 1189
ويلزم عليه أيضاً إخباره عن نفسه، فإن أخبرنا عن نفسه بأنه صحابي، جاز قبول خبره، كما يقبل خبر غيره.
وحكي عن بعض الناس: أنه لا يقبل خبره، وإنما يعمل على خبر غيره.
دليلنا:
أنه لما قبل خبر غيره عنه بأنه صحابي، كذلك يجوز قبول خبره عن نفسه بذلك.
يبين صحة هذا وتساويهما: أن العدالة معتبرة فيما يخبر غيره عنه، وفيما يخبر هو عن نفسه.
فإن قيل: لا يمتنع أن يقبل قول غيره له، ولا يقبل قوله لنفسه، كما تقبل شهادة غيره له، ولا يقبل إقراره لنفسه؛ لأنه يجر إلى نفسه منفعة، وهذا موجود ها هنا.
قيل: هذا لا يمنع خبره لنفسه، ألا ترى أن من روى خبراً عن النبي ﷺ قبل منه وإن كان نفعه يعود بالمخبر؟ كذلك قوله: أنا صحابي لا يمنع، وإن عاد نفعه إليه ويفارق هذا الشهادة والدعوى؛ لأن حصول النفع يمنع قبول ذلك.
وأيضاً: فإن العقل لا يمنع من قبول خبره بذلك، والسمع لم يرد بالمنع، فجاز قبوله.
مسألة (١)
إذا قال الصحابي: من السنة كذا، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: من السنة أن لا يقتل حر بعبد (٢) . اقتضى سنة النبي ﷺ .
стр. 1190
وكذلك إذا قال التابعي: من السنة كذا، كان بمنزلة المرسل، فيكون حجة على الصحيح من الروايتين، كما قال سعيد بن المسيب: من السنة إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته أن يفرق بينهما (١) .
وكذلك إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فإنه يرجع إلى أمر النبي ﷺ ونهيه.
وكذلك إذا قال: رخص لنا في كذا.
وقد نقل أبو النضر العجلي عن أحمد ﵀: في جراحات النساء مثل جراحات الرجال. حتى تبلغ الثلث، فإذا زاد فهو على النصف من جراحات الرجل، قال: هو قول [١٥٠/أ] زيد بن ثابت (٢) ، وقول علي
стр. 1191
كله على النصف (١) . قيل له: كيف لم تذهب إلى قول علي؟ قال: لأن هذا -يعني قول زيد- ليس بقياس، قال سعيد بن المسيب: هو السنة (٢) .
وهذا يقتضي أن قول التابعي: من السنة، أنها سنة النبي صلى الله عليه [وسلم] ؛ لأنه قدم قوم زيد على قول علي؛ لأنه وافق قول سعيد: إنما هي السنة، وبين أنه ليس بقياس.
وقد رأيت بعض أصحابنا، ويغلب على ظني أنه أبو حفص البرمكي (٣) ذكره في مسائل البرزاطي (٤) ، لما روى الحديث عن ابن عمر أنه قال:
стр. 1192
مضت السنة أن ما أدركت الصفقة حياً (١) مجموعاً فهو من مال المبتاع (٢) ، فقال بعد هذا: صار الحديث مرفوعاً بقوله: مضت السنة، ويدخل في المسند (٣) .
واختلف أصحاب أبي حنيفة في ذلك: فحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي: أنه لا يضيف ذلك، وحكى عن غيره من أصحابه: أنه يضاف إلى النبي [ ﷺ ] .
واختلف أصحاب الشافعي أيضاً: فذهب الصيرفي (٤) إلى أنه لا يضاف إلى النبي [ ﷺ ] ، وذهب غيره: إلى أنه يضاف إليه.
دليلنا:
أن السنة المطلقة في أحكام الشرع ما سنه رسول الله ﷺ ، فإذا أطلق وجب رجوع ذلك إليه؛ لأنه إذا أريد بها سنة غيره فإنها لا تطلق، بل تضاف إلى صاحبها.
يبين صحة هذا: أن الناس يقولون: عليكم بالقرآن والسنة، فلا يعقلون من ذلك إلا اتباع النبي ﷺ .
стр. 1193
ولأن إطلاق الأمر في الشريعة يرجع إلى صاحب الشريعة، ولهذا كان أنس بن مالك يقول: أُمر بلال (١) أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (٢) ويحدث به هكذا، ولا يقول له أحد: من الآمر به؟ فدل على ما قلناه.
стр. 1194
وكذلك عبد الله بن عمر قال: رخص للمتمتع في صيام أيام التشريق (١) ولا يقول أحد: من رخص للمتمتع في صيامها (٢) ؟
وقد احتج بعضهم في ذلك:
بأن الأمر إنما يحسن لكون المأمور به مصلحة، توجب أن يكون في إضافته إلى من يعلم المصالح أولى من إضافته إلى من لا يعلم، والرسول [ ﷺ ] أعلم بذلك دون غيره.
واحتج المخالف:
بأن الأمر والنهي والسنة لا يختص بالنبي دون غيره، قال تعالى: (أطيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرسُولَ وَأُولي الأمْرِ مِنْكُم) (٣) فأمر باتباع أمر الولاة، كما أمر باتباع أمره وَأمر رسوله صلى الله عليه [وسلم] .
وقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) .
وقال ﷺ : (من [١٥٠/ب] سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سُنةً سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) ، فأثبت لغيره سنة كما أثبت ذلك لنفسه.
وكذلك روي عن علي ﵁ أنه قال: جلد رسول الله ﷺ في
стр. 1195
الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة (١) .
فسمى رأيهم في أيام عمر سنة.
والجواب عن قوله تعالى: (وأولي الأمر منكم) : يحتمل ما أخبروا به عن الله ورسوله [ ﷺ ] .
وكذلك قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) يحتمل ما رووه عن النبي صلى الله عليه [وسلم] ، فكأنه قال: عليكم ما سمعتموه مني، وبما حدثكم به خلفائي عني.
وكذلك قوله: (من سن سنة حسنة) معناه: ما رواه عن النبي [ ﷺ ] .
وقوله: (ومن سن سنة سيئة) فليس شيئاً مما نحن فيه؛ لأن خلافنا في السنة الشرعية، والسيئة ليست بشرعية، فلا يتناولها الإطلاق.
وجواب آخر وهو: أن الخلاف في إطلاق السنة، وها هنا مقيدة منسوبة إلى الخلفاء إلى غير النبي [ ﷺ ] .
وأما قول علي: "وكل سنة"، فهو أنا نحمله على سنة النبي [ ﷺ ] ؛ لأن الزيادة عندنا حد، وقد ثبت الحد بالسنة، وقال علي ابن أبي طالب لقنبر: ما إخال أن أحداً يعلمنا السنة، وأراد منه النبي صلى الله عليه [وسلم] .