كله على النصف (١) . قيل له: كيف لم تذهب إلى قول علي؟ قال: لأن هذا -يعني قول زيد- ليس بقياس، قال سعيد بن المسيب: هو السنة (٢) .
وهذا يقتضي أن قول التابعي: من السنة، أنها سنة النبي صلى الله عليه [وسلم] ؛ لأنه قدم قوم زيد على قول علي؛ لأنه وافق قول سعيد: إنما هي السنة، وبين أنه ليس بقياس.
وقد رأيت بعض أصحابنا، ويغلب على ظني أنه أبو حفص البرمكي (٣) ذكره في مسائل البرزاطي (٤) ، لما روى الحديث عن ابن عمر أنه قال:
стр. 1192
مضت السنة أن ما أدركت الصفقة حياً (١) مجموعاً فهو من مال المبتاع (٢) ، فقال بعد هذا: صار الحديث مرفوعاً بقوله: مضت السنة، ويدخل في المسند (٣) .
واختلف أصحاب أبي حنيفة في ذلك: فحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي: أنه لا يضيف ذلك، وحكى عن غيره من أصحابه: أنه يضاف إلى النبي [ ﷺ ] .
واختلف أصحاب الشافعي أيضاً: فذهب الصيرفي (٤) إلى أنه لا يضاف إلى النبي [ ﷺ ] ، وذهب غيره: إلى أنه يضاف إليه.
دليلنا:
أن السنة المطلقة في أحكام الشرع ما سنه رسول الله ﷺ ، فإذا أطلق وجب رجوع ذلك إليه؛ لأنه إذا أريد بها سنة غيره فإنها لا تطلق، بل تضاف إلى صاحبها.
يبين صحة هذا: أن الناس يقولون: عليكم بالقرآن والسنة، فلا يعقلون من ذلك إلا اتباع النبي ﷺ .
стр. 1193
ولأن إطلاق الأمر في الشريعة يرجع إلى صاحب الشريعة، ولهذا كان أنس بن مالك يقول: أُمر بلال (١) أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (٢) ويحدث به هكذا، ولا يقول له أحد: من الآمر به؟ فدل على ما قلناه.
стр. 1194
وكذلك عبد الله بن عمر قال: رخص للمتمتع في صيام أيام التشريق (١) ولا يقول أحد: من رخص للمتمتع في صيامها (٢) ؟
وقد احتج بعضهم في ذلك:
بأن الأمر إنما يحسن لكون المأمور به مصلحة، توجب أن يكون في إضافته إلى من يعلم المصالح أولى من إضافته إلى من لا يعلم، والرسول [ ﷺ ] أعلم بذلك دون غيره.
واحتج المخالف:
بأن الأمر والنهي والسنة لا يختص بالنبي دون غيره، قال تعالى: (أطيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرسُولَ وَأُولي الأمْرِ مِنْكُم) (٣) فأمر باتباع أمر الولاة، كما أمر باتباع أمره وَأمر رسوله صلى الله عليه [وسلم] .
وقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) .
وقال ﷺ : (من [١٥٠/ب] سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سُنةً سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) ، فأثبت لغيره سنة كما أثبت ذلك لنفسه.
وكذلك روي عن علي ﵁ أنه قال: جلد رسول الله ﷺ في
стр. 1195
الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة (١) .
فسمى رأيهم في أيام عمر سنة.
والجواب عن قوله تعالى: (وأولي الأمر منكم) : يحتمل ما أخبروا به عن الله ورسوله [ ﷺ ] .
وكذلك قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) يحتمل ما رووه عن النبي صلى الله عليه [وسلم] ، فكأنه قال: عليكم ما سمعتموه مني، وبما حدثكم به خلفائي عني.
وكذلك قوله: (من سن سنة حسنة) معناه: ما رواه عن النبي [ ﷺ ] .
وقوله: (ومن سن سنة سيئة) فليس شيئاً مما نحن فيه؛ لأن خلافنا في السنة الشرعية، والسيئة ليست بشرعية، فلا يتناولها الإطلاق.
وجواب آخر وهو: أن الخلاف في إطلاق السنة، وها هنا مقيدة منسوبة إلى الخلفاء إلى غير النبي [ ﷺ ] .
وأما قول علي: "وكل سنة"، فهو أنا نحمله على سنة النبي [ ﷺ ] ؛ لأن الزيادة عندنا حد، وقد ثبت الحد بالسنة، وقال علي ابن أبي طالب لقنبر: ما إخال أن أحداً يعلمنا السنة، وأراد منه النبي صلى الله عليه [وسلم] .
стр. 1196
مسألة (١)
إذا قال الصحابي أو التابعي: كانوا يفعلون كذا، حمل ذلك على الجماعة دون الواحد منهم. وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
وذلك نحو قول عائشة ﵂: كانوا لا يقطعون في الشيء، التافه (٢) .
وقول إبراهيم النخعي: كانوا يحذفون التكبير حذفاً. فيكون هذا عن جماعتهم؛ لأن الصحابي والتابعي إذا قال: كانوا يفعلون كذا، فإنما يقول ذلك على وجه الدلالة على صحة ما فعلوا، فإذا كان كذلك، وكانت الجماعة التي فعلها وقولها حجة، هي الأمة وجب أن يكون قول القائل منهم راجعاً إليهم.
فإن قيل: يجوز أن يكون المراد به فعل بعض الصحابة؛ لأن فعل بعضهم يكون حجة.
قيل: الواحد لا يقع عليه اسم الجماعة.
стр. 1197
فإن قيل: فيجب أن لا يسوغ خلاف ذلك؛ لأنه حينئذ يكون خلاف الإجماع، فلما ساغ، دل على أن ذلك لم يقتض الإجماع.
قيل: إنما سوغنا الخلاف فيما هذا سبيله، لأنا نعلم أنهم أجمعوا عليه، وإنما استدللنا عليه بخبر الواحد، وخبر الواحد لا يوجب العلم بما تضمنه.
مسألة
إذا قال الصحابي: [١٥١/أ] قال رسول الله [ ﷺ ] : كذا وكذا، حكم بأنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ، ويصير كما لو قال: سمعت رسول الله [ ﷺ ] ، أو حدثني رسول الله [ ﷺ ] .
وحكي عن أبي بكر ابن الباقلاني قال: لا أحكم بأنه سمع ذلك منه، بل يجوز أن يكون بينهما واسطة.
دليلنا:
أنه لما قال [قال] رسول الله ﷺ كذا وكذا، أضاف القول إليه، وقطع على أنه قال، والظاهر من حال الإنسان أنه لا يقطع على الشيء ويطلقه إلا بعد أن يتحققه ويسمعه شفاهاً من قائله، فوجب حمل الأمر على ذلك، والحكم به.
واحتج المخالف:
بأنه قد يخبره بذلك العدد الكبير: فيقطع عليه، وإن لم يسمعه منه.
والجواب: أنه لو كان كذلك لكان بيّن الواسطه، ولا يطلق إضافة القول إليه، فلما أطلق كان الظاهر سماعه منه.
стр. 1198
مسألة
إذا قال الصحابي: أمر رسول الله [ ﷺ ] ، بكذا، ونهى رسول الله [ ﷺ ] عن كذا، أو قال: فرض رسول الله [ ﷺ ] كذا، أو أباح، أو حرم، فإن الحكم يثبت بذلك ويحكم به بالأمر والنهي.
وقد احتج أحمد ﵀ على فرض زكاة الفطر: بقول ابن عمر: فرض رسول الله (١) [ ﷺ ] .
وحكى عن القاضي أبي الحسن الجزري (٢) أنه قال: مذهب داود: أن لا يثبت بذلك، ولا يحكم به.
стр. 1199
وحكى عن ابن بيان القصار خلاف هذا، وكان على مذهب داود وأنكر ذلك، وقال: يجوز الاحتجاج به.
دليلنا:
أن تصديق الراوي واجب فيما ينقله ويرويه، فإذا قال: زنى ماعز فرجمه رسول الله ﷺ ، وسها رسول الله ﷺ فسجد، وجب تصديقه، ويكون بمنزلة قوله ﷺ زني ماعز فرجمته، وسهوت فسجدت، فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله: أمر رسول الله [ ﷺ ] ، ونهى رسول الله [ ﷺ ] بمنزلة قوله صلى الله عليه [وسلم] : أمرتكم ونهيتكم، وقد كان النبي صلى الله عليه [وسلم] يقول مثل ذلك، فروي عنه صلى الله عليه [وسلم] أنه قال: (آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع) (١) .
стр. 1200
ويدل عليه أن الصحابة اقتصروا على هذا اللفظ، وعولوا عليه، واحتجوا به، ولا يجوز في حقهم أن يعولوا على ما لا تقوم به الحجة. من ذلك قولهم: أمر رسول الله صلى الله عليه [وسلم] برجم ماعز ورجم الغامدية، وأمر بالمضمضة والاستنشاق، وقول ابن عمر: كنا لا نرى بالمخابرة بأساً، حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، فترك القول بالمخابرة بما نقل عنه من قوله: نهى عن المخابرة، فلولا أن الحجة تقوم به لم يرجعوا إليه.
ويدل [١٥١/ب] عليه قول موسى لقومه: (إن اللهَ يأمركم أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (١) وقد أظهر من إعناتهم واستفهامهم وكثرة سؤالهم ما قد اشتهر، ولم يقولوا لموسى: عرفنا ما يأمر الله لنقف على لفظه، فدل على أنه يستغنى بذلك عن ذكره ما بين أمره ولفظه. فإن قيل، ليس قولهم مما يجب الانقياد إليه.
قيل: قد لزم ذلك، ألا ترى أنهم لما سألوا أي بقرة هي أجابهم وإن كان ذبح ما يقع عليه الاسم يجزئ، فلولا أنه يجب الانقياد (٢) ، لم يحسن التوقيف فيه ولا الجواب عنه.
ويدل عليه أنه قد ثبت من مذهب الصحابة: أن ما تنازعوا في مفهومه نقلوا لفظه، ولم يقتصروا على ما أمر النبي صلى الله عليه [وسلم] .
стр. 1201
من ذلك: ابن عمر لما روى أن النبي صلى الله عليه [وسلم] قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا) ، ثم بين اعتقاده: أنه افتراق الأبدان.
وكذلك عمر في قوله: [هاء وهاء] وكذلك قول أبي هريرة في الولوغ.
ويدل عليه: أن المجمعين إذا أجمعوا على شيء من طريق الحجة، نقلوا إجماعهم في الفتيا، ولم ينقلوا الحجة؛ لأنهم قد علموا أن الإجماع تقوم به الحجة، فاستغنوا عن نقل ما به أجمعوا.
ويدل عليه: أن الصحابة إذا قالت: أخبر رسول الله [ ﷺ ] ثبت، ولم نطالبه بما قد علم الخبر، كذلك الأمر؛ لأنهم يعلمون ما به يعلم الخبر، والأمر في اللغة والشرع، وفي الخبر خلاف، كما في لفظ الأمر على قول الواقفة للاحتمال.
ويدل عليه: أن الصحابة من أهل الفصاحة، وقد شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل، فإذا رووا عن النبي [ ﷺ ] أنه أمر ونهى وجب أن يحمل ذلك على حقيقته، ولا يكون....... (١) عرف بذلك منهم.
واحتج المخالف:
بأن الناس اختلفوا في الأمر، فمنهم من قال: هو الإيجاب، ومنهم من قال: الندب والإيجاب جميعاً أمر، ومنهم من قال: الإباحة أيضاً مأمور بها (٢) ، وإذا كان كذلك، وجب نقل لفظ رسول الله ﷺ .
والجواب: أن قوله: أمر رسول الله ﷺ يقتضي إطلاقه أمراً مطلقاً،
стр. 1202
والأمر المطلق من النبي ﷺ يقتضي الوجوب، وإنما يصرف عنه إلى الندب بدليل.
جواب آخر: هو أنه معرفتهم (١) بذلك أكثر من معرفتنا، فإذا سمعوا ما لا تنازع فيه نقلوه، وما كان فيه نزاع بينوه، بدليل ما قدمنا من قول ابن عمر في الافتراق.
مسألة (٢)
إذا روى جماعة من الثقات حديثاً، وانفرد أحدهم بزيادة لا تخالف المزيد عليه.
مثل أن يقولوا: إن النبي صلى الله عليه [وسلم] دخل البيت، وانفرد أحدهم بزيادة، فقال: [١٥٢/أ] دخل البيت وصلى، ثبتت تلك الزيادة بقوله، كالمنفرد بحديث مفرد عنهم.
وهكذا لو أرسلوه كلهم، فرفعه واحد إلى النبي صلى الله عليه [وسلم] يثبت مسنداً بروايته.
وهكذا لو وقفوه كلهم على صحابي، فرفعه واحد منهم إلى النبي [ ﷺ ] ، ثبت هذا المرفوع، ولم يرد.
وقد نصّ أحمد ﵀ على الأخذ بالزائد في مواضع:
فقال أحمد بن القاسم (٣) : سألت أبا عبد الله ﵀ عن
стр. 1203
مسألة في فوات الحج ، فقال: فيها روايتان: إحداهما: فيها (١) زيادة دم، قال أبو عبد الله: والزائد أولى أن يؤخذ به (٢) ، قال: ومذهبنا في الأحاديث: إذا كانت الزيادة في أحدهما، أخذنا بالزيادة.
ونقل الميموني عنه أنه قال: نقل أن النبي صلى الله عليه [وسلم] دخل الكعبة ولم يصل (٣) ، ونقل [أنه] صلى (٤) ، فهذا يشهد أنه صلى. وابن عمر يقول: لم يقْنُت في الفجر (٥) ، وغيره يقول: قنتَ (٦) ،
стр. 1204
فهذه شهادة عليه أنه قنت. وحديث أنس: لم يأنِ لرسول الله صلى الله عليه [وسلم] أن يخضب (١) ، وقوم يقولون: قد خضب (٢) ، فهذه شهادة على الخضاب، فالذي شهد على النبي ﷺ ، فهو أوكد. وبهذا قال جماعة الفقهاء والمتكلمين.
стр. 1205
وذهب جماعة من أصحاب الحديث إلى أن ما انفرد به الواحد منهم كان مردوداً، وهذا أبداً في كتبهم: تفرد به فلان وحده، يعنون الرد بذلك.
وقد روي عن أحمد ﵀ نحو هذا في رواية الأثرم وإبراهيم ابن الحارث والمروذي: إذا تبايعا فخير أحدهما صاحبه بعد البيع، فهل يجب؟ فقال: هكذا في حديث ابن عمر، قيل له: أتذهب إليه؟ قال: لا أنا أذهب إلى الأحاديث الباقية، الخيار لهما ما لم يتفرقا، ليس فيها شيء من هذا.
فقد اطّرح رواية ابن عمر بزيادتها؛ لأن الجماعة ما نقلوها، وإنما تفرد بها ابن عمر.
وقال في رواية أبي طالب: كان الحجاج بن أرطاة من الحفاظ، قيل له: فلم هو عند الناس ليس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ما يكاد له حديث إلا فيه زيادة.
دليلنا:
أن الجماعة إذا نقلت حديثاً، وانفرد واحد منهم بزيادة لا تخالف المزيد عليه، كان كالمنفرد بحديث سواه ولو انفرد بحديث سواه كان مقبولاً فوجب أن تقبل هذه الزيادة.
فإن قيل: فقد رد أحمد ﵀ مثل هذا، فإنه روى أن النبي صلى الله عليه [وسلم] قال: (من اعتق شرْكاً له في عبد، قوم عليه نصيب شريكه، ثم يعتق) (١) ، فانفرد سعيد بن
стр. 1206
أبي عُروبة (١) فروى: (من أعتق شركاً له في عبد، استسعى العبد غير مشقوق عليه) ، فقال أحمد ﵁ في رواية الميموني في حديث أبي هريرة في الاستسعاء (٢) : يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة
стр. 1207
وهشام (١) الدّستوائي (٢) فلم يذكروا، لا أذهب إلى الاستسعاء.
[١٥٢/ب] فقد امتنع من الأخذ بها.
قيل: هذا باب آخر، وهو أن الزيادة تخالف المزيد عليه، فيكون كأنه تفرد بضد ما نقلته الجماعة، فينتقل الكلام إلى جنس آخر، وهو أن تقدم ما كثرت رواته على ما قلت رواته، وكذلك فيما نقل عن النبي ﵇ في زكاة الفطر، نصف صاع من بر (٣) ، ورويَ صاع من
стр. 1208
بر (١) فهذه الزيادة تخالف المزيد عليه، فيقدم أحدهما بكثرة الرواة، فأما في خبرنا فلا يخالف المزيد عليه، فلهذا قبلناه.
فإن قيل: فهذا الواحد قد يسهو، إذ لو كان صحيحاً لسمعوا كما سمع، ونقلوا كما نقل، فلما لم ينقلوا ثبت أنه سهو.
قيل: النبي صلى الله عليه [وسلم] قد يكرر الأصل مراراً فيضبط، ويذكر الزيادة مرة فيضبطها واحد، وقد تنسى الجماعة ويذكره هو وحده وقد تنصرف الجماعة قبل إكماله الحديث. ويثبت هو حتى يكمله فينفرد بالزيادة.
وأيضاً: فان الخبر كالشهادة وكل شهادة خبر، وليس كل خبر شهادة، ثم ثبت أنه لو شهد ألف على إقراره بألف، وشهد شاهدان على إقراره بألفين، ثبتت الزيادة بقولهما، وإن كانا قد انفردا عن الجماعة، كذلك في الخبر مثله.
فإن قيل: يجوز أن يقرّ مرتين.
قيل: ويجوز أن يقوله النبي [ ﷺ ] مرتين.
ولأنه لا خلاف أن القرآن نقل نقلاً متواتراً، وانفرد الشواذ لما خالفوا فيه الجمهور، كقراءة ابن مسعود وأُبي، فنقل كل واحد، ولم ينكر [و] هـ، ولم يقولوا لما انفرد بالزيادة كان كل مردوداً، كذلك الخبر مثله.
стр. 1209
ولأن الواحد إذا انفرد بالزيادة غلب على الظن صدقه، فإنه لا ينقل إلا ما سمعه وعرفه، والجماعة إذا لم ينقلوا جاز أن يحمل ذلك على سهو ونسيان، وذلك يجوز عليهم، ولا يجوز على الواحد الثقة نقل ما لم يسمعه، فوجب أن يقبل قوله فيما تفرد به.
واحتج المخالف:
بأنه إذا نقله الكل وانفرد واحد بالزيادة، كان ما تفرد به سهواً، لأنهم ما حفظوه حين قاله النبي [ ﷺ ] مراراً سمعوه كلهم فلو كان ما تفرد به صحيحاً لقال الزيادة، كما قال المزيد عليه، ولو قال سمعوه كما سمع ونقلوه كما نقل.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه يجوز أن يكون نسواً وسهواً، وذكر هو، وسمعوا بعض الحديث، وسمع هو جميعه.
ويحتمل أن يكون أحدهم أقرب إلى النبي ﷺ ، والآخر أبعد، فسمع لقربه ما خفي على الأبعد.
ولأنه يبطل بالشهادة على الإقرار، إذا انفرد بعضهم بالزيادة.
واحتج: بأن الأصل متحقق والزيادة مشكوك فيها؛ فلا تترك الحقيقة بالمشكوك فيه.
والجواب: أنا لا [١٥٣/أ] نسلم أنها مشكوك فيها؛ لأن غالب الظن فيه الصدق فيما تفرد به للاحتمال الذي ذكرنا.
ولأنه يبطل بالشهادة، ويبطل به إذا انفرد بخبر، عمل عليه [و] لا يقال: كيف نقل هذا؟ وحفاظ الصحابة وعلماؤهم ما نقوله.
واحتج: بأنه إذا خالف الكل هنا انفرد، فقد خالف أهل الصنعة، فكان ما نقله كل مردوداً، كخبر الواحد إذا خالف الإجماع يرد، لأنه خالف أهل الصنعه.
стр. 1210
والجواب: أنه ما خالفهم، لأنه واحد منهم، وإنما خالف بعض أهل الصنعة، وليس هذا كالإجماع، لأنه خالف الكل فلهذا ترك.
ولأن خبر الواحد يسقط بالإجماع، لأنه في ضد ما أجمعوا عليه وهاهنا ما خالف ما نقلوا، بل نقل ما نقلوا، بل لو خالف ما نقلوا رجحنا بكثرة الرواة.
واحتج: بأن الراوي قد يفسر الحديث فيتأوله، فيسمعه بعض الرواة مطلقاً فيرويه عن النبي ﷺ ، وهذا كثير، روي عن ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً) (١) ، وقال أبو هريرة وابن عباس: "والهر" (٢) .
стр. 1211
وروي ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، قال ابن عباس: ولا أحسب غير الطعام الا كالطعام (١) فأدرجه بعض الرواة، فرفعه للنبي ﷺ .
وهكذا قال النبي ﷺ : (إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة) (٢) ، قال الراوي: في كل خمس شاة، فأدرجه بعض الرواة فرفعه إلى النبي ﷺ .
стр. 1212
فإذا كان هذا جارياً معتاداً، وجب التوقف في الزيادة التي انفرد بها لئلا يكون في هذا المعنى.
والجواب: أنه قد يدرج الراوي ما يفسره الصحابي، ولكن الظاهر إذا قال: قال رسول الله [ ﷺ ] أنه كله مضاف إلى الرسول (١) [ ﷺ ] ، مسموع منه، منقول كله عنه، حتى يُبين خلاف هذا، فلا يترك الظاهر من الحال بأمر متوهم مظنون.
واحتج: بأن مقومين لو قوموا المتلف بدرهم، وقوم آخران بدرهمين لكان، الواجب هو الأقل ولم تجب الزيادة، كذلك ها هنا.
والجواب: أن شهادتهما متعارضة في الزيادة؛ لأنهم قد اتففقوا على
стр. 1213
صفه المتلف واختلفوا في قدر القيمة بالسعر القائم في السوق فوجب (١) أن يكون اللذان أثبتا الزيادة واللذان نفيا الزيادة مخطئين.
وقيل فيه: بأن من قوَّمه بدرهم يقول: عرفت صفة المتلف وسعر السوق في وقت الإتلاف، فكانت قيمته درهماً، ومن قوَّمه بدرهمين (٢) يقول: عرفت تلك الصفة بعينها وسعر [١٥٣/ب] السوق، تعارضت شهادتهما في الزيادة، فلم تثبت، وليس كذلك رواية من لم يروا الزيادة؛ لأنه لا ينفيها على ما ذكرت.
مسألة
إذا سمع خبراً، فأراد أن ينقل بعضه ويترك بعضه، نظرتَ، فإن كان بعض متعلقاً ببعض، بحيث إذا ترك البعض أخلّ ببعض حكم المنقول، لم يجز ذلك.
وإن كان لا يتعلق به، بل كان يشتمل علي حكمين، لا يتعلق أحدهما بالآخر، كان له نقل أحد الحكمين وترك الآخر؛ لأنه إذا كان بعضه متعلقاً ببعض كان ترك بكل بعضه تغييراً لخبر الرسول [ ﷺ ] وزوال المقصود، ولا يجوز ذلك، وإذا اشتمل على الحكمين منفردين حصل بمنزلة حديثين منفردين، ومن كان عنده خبران جاز أن يرويَ أحدهما دون الآخر.
وقد نصّ أحمد ﵀ على جواز ذلك، فقال أبو الحارث: كتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله عن تقطيع الأحاديث، إذا أراد الرجل منه كلمة والحديث طويل، فقال: إذا كان يحتاج من الحديث إلى حرف، يريد أن
стр. 1214
يقتصر لطوله، فأرجو أن لا يكون عليه شيء، قال: ورأيت أبا عبد الله قد أخرج أحاديث، أخرج منها حاجته من الحديث وترك الباقي، يخرج من أول الحديث شيئاً، ومن آخره شيئاً، ويدع الباقي.
وذكر الأثرم في كتاب "العلل" قال: ذكر أبو عبد الله حديث طَلْق ابن علي في المسكر الذي ذكر فيه: لا يشربه رجل ابتغاء لذة سكر، ربما يذكر (١) ذكت هذه الكلمة: ابتغاء لذة سكر (٢) ، مخافة أن يتأولوها على غير تأويلها، ونقل هذا.
ونقلت من مسائل إسحاق بن إبراهيم من باب الرأي والعلم، قال: سألتة عن الرجل يسمع الحديث، وهو إسناد واحد، فيقطعه ثلاثة أحاديث قال: قال: لا يلزمه كذب، وينبغي أن يحدث كما سمع فلا يغيره.
قال أبو بكر الخلال: قد حكى اختصار الحديث عن أبي عبد الله جماعةٌ، وبين عنه أبو الحارث، وذكر عنه الفضل بن زياد وأبو أمية الطرسوسي (٣) اختصاراً لا يكون شيء أبين ولا أحسن اختصاراً (٤) من
стр. 1215
حديث الإسراء وحديث النعمان بن بزرج (١) ، وهذان الحديثان كل (٢) واحد منهما في أوراق.
وحكى أبو بكر في الباب حكاية فقال: أخبرنى يزيد بن عبد الله الأصفهاني (٣) قال: سمعت إسماعيل بن محمد الغزال (٤) من حملة العلم قال: سمعت نعيم بن حماد (٥) يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: أنت الذي تميز حديثي؟ فقلت: إن حديثك ربما دخل في أبواب، فسكت عني.
стр. 1216
وذكر أبو بكر الخلال في باب غسل الحائض من كتاب "العلل" عن المروذي، وذكر لأحمد حديث ابن أبي شيبة (١) عن وكيع (٢) ، كأنه اختصره، فقال: ويحك، يحل له أن يختصر؟ قال أبو بكر [١٥٤/أ] الخلال: أبو عبد الله لا يرى بأساً باختصار الحديث وابن أبي شيبة اختصر في غير موضع الاختصار.
واختلف الناس في هذا، فمن قال: لا يجوز نقل الحديث على المعنى وعلى الراوي نقل لفظه بعينه قال ها هنا: لا يجوز أن ينقل بعضه (٣) ويترك بعضه.
واحتج بما تقدم من قوله: (رَحِمَ الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها) .
стр. 1217
ومن قال: يجوز نقل الحديث على المعنى، قال ها هنا: يجوز على الصفة التي ذكرناها، والكلام في هذا الأصل قد تقدم.
وقد أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال بإسناده عن نعيم بن حماد قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: أنت الذي تقطع حديثي؟ قال: قلت يا رسول الله: إنه يبلغنا الحديث عنك فيه ذكر الصلاة وذكر الصيام وذكر الزكاة، فيجعل ذا في ذا وذا في ذا؟ قال: نعم إذن.
فصل (١)
في ترجيحات الألفاظ
إذا تعارض لفظان من الكتاب والسنة، فلم يمكن الجمع بينهما، أو أمكن الجمع بينهما من وجهين مختلفين، وتعارض الجمعان، وجب تقديم أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح التي أذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإنما وجب التقديم بالترجيح؛ لأنه يدل على قوته، ويجب تقديم الأقوى، وإذا ثبت هذا فالترجيح يقع تارةً بما يرجع إلى إسناد الخبر، وتارةً إلى متنه، وتارةً إلى غيرهما.
فأما ما يرجع إلى الإسناد فمن وجوه:
أحدها: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواةً، فيجب تقديمه.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم فيما روي عن علي ﵁ في امرأة المفقود، هي امرأته حتى يعلم أحيّ أم ميت (٢) ؟ فقال:
стр. 1218
أبو عوانة (١) تفرد بهذا، لم يتابع عليه.
وقال أيضاً في رواية الميموني، وقد ذكر له حديث بلال بن الحارث (٢) في فسخ الحج لنا خاصة (٣) ،: لو عرف بلال أن أحد عشر رجلاً من
стр. 1219
أصحاب النبي ﷺ يروون ما يروون (١) [من الفسخ] ، أين يقع بلال بن الحارث؟ (٢) .
وبهذا قال أصحاب [الشافعي] .
واختلف أصحاب أبي حنيفة: فذهب الجرجاني وأبو سفيان السرخسي إلى أنه يرجح بكثرة الرواة.
وحكى أبو سفيان عن الكرخي: أنه لا يرجح بذلك.
دليلنا:
ما روي عن النبي ﷺ أنه لم يرجع إلى قول ذي اليدين حتى أخبره بذلك غيره، فرجع إلى قولهم، وكذلك أبو بكر الصديق لما روي له المغيرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلم] . أطعم الجدة السدس، فطلب
стр. 1220
أبو بكر الزيادة، فشهد له محمد بن مسلمة، فقضى به، فدل على أن للزيادة في العدد قوة في [١٥٤/ب] العمل بالخبر.
ولأن الشيء بين الجماعة الكثيرة أحفظ منه بين الجماعة اليسيرة، ولهذا قال الله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) (١) فإذا كان كذلك كان خبر الجماعة أولى بالحفظ والضبط.
ولأن خبر لأعلم الأتقن أولى بالتقديم عندهم؛ لأن مع الأعلم من الضبط ما ليس مع غيره، كذلك يجب تقديم خبر الجماعة لهذا المعنى.
ولأن الخبر إذا كان أكثر رواة، فهو أقرب إلى الصواب وأبعد من الخطأ، وأشبه بالثواب، فوجب تقديمه والأخذ به.
ولأن كثرة العدد لها تأثير (٢) في إيجاب العلم؛ لأن المخبرين إذا بلغوا عدداً مخصوصاً وقع العلم بمخبرهم، وإذا كانت كثرة العدد طريقاً إلى العلم، وجب أن يكون الخبر الذي حصلت هذه المزية له أقوى من الخبر الذي لم يحصل فيه ذلك.
ولأن كثرة وجوه الشبه لما كانت موجبة لقوة ما يثبت من طريق الشبه وجب أن يكون كثرة رواة الخبر موجباً لقوة ما ثبت بالخبر؛ لأن طريق الحكم بالقياس هو من جهة السنة، كما أن الحكم بالخبر هو من جهة الخبر.
واحتج المخالف:
بأن خبر الواحد وخبر الجماعة التي لا يقع بها العلم سواء؛ لأن طريق كل واحد منهما غلبة الظن.
стр. 1221
والجواب: أن خبر الجماعة أقوى في الظن، فكان تقديم الأقوى أولى، ويبطل بكثرة وجوه الشبه في أحد القياسين.
واحتج: بأن شهادة الشاهدين وشهادة الأربعة فأكثر سواء، ولا فرق بينهما، كذلك خبر الواحد وخبر الجماعة يجب أن يكونا سواء.
والجواب: أن الشهادة مخالفة للخبر؛ لأن شهادة الأعلم والأتقن وشهادة غيرهما سواء، والخبر يرجح بعلم الراوي وإتقانه.
ولأن العدد في الشهادة منصوص عليه، فكان ذلك وما زاد سواء، وليس كذلك الخبر، فإنه منصوص على العدد فيه، فكان الأكثر في العدد أولى؛ لأنه أقوى في الظن.
واحتج: بأن كثرة عدد المجتهدين، لا يوجب قوة اجتهادهم، كذلك كثرة عدد الرواة.
والجواب: أن العلم لا يقع باجتهاد المجتهدين أبداً دائماً، وإنما يقع العلم إذا أجمعوا على الحكم المجتهد فيه بإجماعهم دون اجتهادهم والعلم الواقع بخبر التواتر إنما يقع بخبر العدد المخصوص دون معنى سواه.
الثاني: أن يكون أحد الروايين أتقن وأعلم، فتكون روايته أولى؛ لأنه أولى بالضبط والحفظ من غيره، ومثاله أن مالكاً وسفيان أعلم وأتقن من زائدة (١) وعبد العزيز بن أبي حازم (٢) ، ومثل هذا كثير.
стр. 1222
وقد قال عبد الله بن أحمد [١٥٥/أ] : حدثني صالح بن علي النوفلي (١) قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول (٢) : المثبتون في الحديث أربعة شعبة وسفيان وزائدة وزهير (٣) .
وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: المشهور بالرواية أولى.
الثالث: أن يكون أحد الراويين مباشراً لما رواه؛ لأن المباشر أعرف بالحال، ومثاله ما قلناه في رواية أبي رافع أن النبي ﷺ : (نكح ميمونة وهو
стр. 1223
حلال) (١) أنه أولى من رواية ابن عباس: (أنه نكحها وهو حرام) (٢) ؛ لأن أبا رافع كان السفير بينهما، والقابل لنكاحها لرسول الله ﷺ .
الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة، كميمونة، قدمنا قولها: تزوجني رسول الله [ ﷺ ] ونحن حلالان (٣) ، على [قول] ابن عباس؛ لأنها المعقود عليها، فهي أعرف بوقت عقدها من غيرها لاهتمامها به ومراعاتها لوقته.
ومنع الجرجاني: أن يكون هذا ترجيحاً، وقال: هذا الحكم لا يعود إلى صاحب القصة، وإنما يعود إلى النبي [ ﷺ ] ،
стр. 1224
وقد يكون الغير أقرب إليه، وأعرف بأحواله في نفسه من المرأة.
والصحيح ما ذكرنا؛ لأن صاحب القصة أعرف بذلك من غيره.
الخامس: أن يكون موضعه أقرب من النبي ﷺ . فيكون أسمع لقوله وأعرف به، وقد شبهوا ذلك بحديث ابن عمر: أن النبي ﷺ أفرد الحج (١) ، قدمناه على رواية أنس: أنه قرن (٢) ؛ لأنه روي عن ابن عمر قال: كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه [وسلم] فسالَ عليّ لعابها.
السادس: أن يكون أحدهما من كبار الصحابة، والآخر من صغارهم فإن الكبار كانوا (٣) أقرب إلى رسول الله ﷺ ؛ لقوله ﵇: (لِيليني منكم أولوا الأحلام والنّهَى) (٤) .
стр. 1225
السابع: أن يكون أحدهما سمع بغير حجاب: فيقدم على من سمع دون حجاب؛ لأنه أقرب إلى الضبط، ومثاله: أن حديث عروة بن الزبير والقاسم بن محمد (١) عن عائشة ﵃: أن بريرة أعتقت وكان زوجها عبداً (٢) ، فقدم على حديث الأسود عن عائشة: أن زوجها
стр. 1226
كان حرّاً (١) ؛ لأنهما سمعا منها من غير حجاب؛ لأنها خالة عروة وعمة القاسم.
فإن كان أحدهما سمع بغير كتاب، والآخر يرويه عن كتاب، فهما سواء.
стр. 1227
وقد عارض أحمد ﵀ أخبار الدباغ بحديث ابن عكيم (١) ، وهو عن كتاب؛ لأن ناقل الكتاب جارٍ (٢) مجرى راوي اللفظ؛ لأنه إما أن يقول: قرأه علينا رسول الله [ ﷺ ] ، أو يقول: هذا كتابه: كما يقول: سمعت رسول الله [ ﷺ ] ، وما يتطرق على أحدهما يتطرق على الآخر مثله من التغيير.
وقال الجرجاني: ما [١٥٥/ب] سمعه أولى مما روي عن كتاب؛ لأن التغيير يجوز على الكتاب، ولا يجوز ذلك فيما سمعه.
قيل: لا يجوز مثل هذا عليه؛ لأن الرسول صحابي؛ ولأنه إن جاز التغيير على الكتاب، جاز التغيير فيما يحكيه لفظاً عن النبي ﷺ .
الثامن: أن يكون أحدهما أمسّ سياقاً للحديث، وأشد تقصياً، فيكون أولى؛ لأنه يدل على حفظه وضبطه، ومثاله ما روى جابر أن النبي ﷺ أفرد الحج (٣) ، وقد وصف خروج النبي ﷺ من المدينة مرحلةً مرحلةً ودخوله مكة، ومناسكه على ترتيبه، وانصرافه إلى المدينة.
التاسع: أن يكون أحد الراويين لم يضطرب لفظه، والآخر قد اضطرب لفظه، فيقدم خبر من لم يضطرب لفظه؛ لأنه يدل علي حفظه
стр. 1228
وضبطه، وسوء حفظ صاحبه، ومثاله: ما روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ رفع اليدين في ثلاثة مواضع (١) ، فيقدم على ما روى البَرَاء ابن عازب أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود (٢) ، قال سفيان بن عيينة: كان يزيد بن أبي
стр. 1229
زياد (١) يروي هذا الحديث، ولا يذكر: "ثم لا يعود"، ثم دخلت الكوفة، فرأيت يزيد بن أبي زياد يرويه، وقد زاد فيه: "ثم لا يعود"، وكان قد لقن فتلقن.
العاشر: أن لا تختلف الرواية عن أحدهما، فتقدم روايته على رواية من اختلفت الرواية عنه؛ للمعنى الذي ذكرنا.
стр. 1230
ومنهم من قال: تتعارض الروايتان عنه. ويسقطان، ويعمل برواية من لم تختلف الرواية عنه.
الحادي عشر: أن يكون أحدهما مسنداً والآخر مرسلاً، فالمسند أولى.
قال أبو بكر الأثرم: رأيت أبا عبد الله إذا كان الحديث عن النبي [ ﷺ ] في إسناده شيء يأخذ به، إذا لم يجد خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب (١) ، ومثل حديث إبراهيم الهجري (٢) ، وربما أخذ بالحديث المرسَل، إذا لم يجيء خلافه، وذلك لأن من الناس من قال: إن المرسَل لا يحتج به.
ولأن المسنَد عدالة راويه معلومة من جهة الظاهر، لمعرفتنا به، والمرسَل عدالة الراوي مستدل عليها من جهة أنه لا يروي إلا عن عدل عنده، فكان المعلوم أولى من المستدل عليه.
وقال الجرجاني: المرسل أولى من المسند؛ لأن المرسل شاهد على رسول