← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

كان حرّاً (١) ؛ لأنهما سمعا منها من غير حجاب؛ لأنها خالة عروة وعمة القاسم. فإن كان أحدهما سمع بغير كتاب، والآخر يرويه عن كتاب، فهما سواء.

стр. 1227

وقد عارض أحمد ﵀ أخبار الدباغ بحديث ابن عكيم (١) ، وهو عن كتاب؛ لأن ناقل الكتاب جارٍ (٢) مجرى راوي اللفظ؛ لأنه إما أن يقول: قرأه علينا رسول الله [ ﷺ ] ، أو يقول: هذا كتابه: كما يقول: سمعت رسول الله [ ﷺ ] ، وما يتطرق على أحدهما يتطرق على الآخر مثله من التغيير. وقال الجرجاني: ما [١٥٥/ب] سمعه أولى مما روي عن كتاب؛ لأن التغيير يجوز على الكتاب، ولا يجوز ذلك فيما سمعه. قيل: لا يجوز مثل هذا عليه؛ لأن الرسول صحابي؛ ولأنه إن جاز التغيير على الكتاب، جاز التغيير فيما يحكيه لفظاً عن النبي ﷺ . الثامن: أن يكون أحدهما أمسّ سياقاً للحديث، وأشد تقصياً، فيكون أولى؛ لأنه يدل على حفظه وضبطه، ومثاله ما روى جابر أن النبي ﷺ أفرد الحج (٣) ، وقد وصف خروج النبي ﷺ من المدينة مرحلةً مرحلةً ودخوله مكة، ومناسكه على ترتيبه، وانصرافه إلى المدينة. التاسع: أن يكون أحد الراويين لم يضطرب لفظه، والآخر قد اضطرب لفظه، فيقدم خبر من لم يضطرب لفظه؛ لأنه يدل علي حفظه

стр. 1228

وضبطه، وسوء حفظ صاحبه، ومثاله: ما روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ رفع اليدين في ثلاثة مواضع (١) ، فيقدم على ما روى البَرَاء ابن عازب أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود (٢) ، قال سفيان بن عيينة: كان يزيد بن أبي

стр. 1229

زياد (١) يروي هذا الحديث، ولا يذكر: "ثم لا يعود"، ثم دخلت الكوفة، فرأيت يزيد بن أبي زياد يرويه، وقد زاد فيه: "ثم لا يعود"، وكان قد لقن فتلقن. العاشر: أن لا تختلف الرواية عن أحدهما، فتقدم روايته على رواية من اختلفت الرواية عنه؛ للمعنى الذي ذكرنا.

стр. 1230

ومنهم من قال: تتعارض الروايتان عنه. ويسقطان، ويعمل برواية من لم تختلف الرواية عنه. الحادي عشر: أن يكون أحدهما مسنداً والآخر مرسلاً، فالمسند أولى. قال أبو بكر الأثرم: رأيت أبا عبد الله إذا كان الحديث عن النبي [ ﷺ ] في إسناده شيء يأخذ به، إذا لم يجد خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب (١) ، ومثل حديث إبراهيم الهجري (٢) ، وربما أخذ بالحديث المرسَل، إذا لم يجيء خلافه، وذلك لأن من الناس من قال: إن المرسَل لا يحتج به. ولأن المسنَد عدالة راويه معلومة من جهة الظاهر، لمعرفتنا به، والمرسَل عدالة الراوي مستدل عليها من جهة أنه لا يروي إلا عن عدل عنده، فكان المعلوم أولى من المستدل عليه. وقال الجرجاني: المرسل أولى من المسند؛ لأن المرسل شاهد على رسول

стр. 1231

الله صلى الله عليه [وسلم] قاطع لإضافة الحكم إليه، فصار أولى منه. وهذا فاسد؛ لأنه غير قاطع فيما يرسله ويسنده، وإنما تجوز له الرواية عمن عرف عدالته في الظاهر، فلا فرق بين أن يظهره أو يكتمه، في أن الرواية عن كل واحد منهما [١٥٦/أ] جائزة، فأما من تأخر إسلامه، فإنه لا يوجب ذلك تأخير خبره عن خبر من تقدم إسلامه. وذهب بعض الشافعية إلى أن ذلك يوجب تأخير خبره، وسووا في ذلك خبر قيس بن طَلْق (١) مع خبر أبي هريرة في الوضوء من مس الذكر (٢) . والدلالة عليه: أن كفر الكافر لا يمنع صحة سماعه من النبي ﷺ ، وإذا جاز أن يكون الراوي قد سمع كما رواه في حالة كفره من النبي

стр. 1232

[ ﷺ ] ، ثم رواه بعد إسلامه، لم يكن في تأخير إسلامه دليل على تأخير خبره. وأمّا الترجيح الذي يعود إلى متنه فمن وجوه: أحدها: أن يكون أحدهما قد جمع النطق ودليله، كما قدمنا قول النبي ﷺ : (الشفعة فيما لم يقسم، وإذا وقعت الحدود فلا شفعة) (١) ؛ لأن جمعه بينهما أشد تيقظاً للبيان. والثاني: أن يكون أحدهما قولاً والآخر فعلاً؛ لأن القول أبلغ في البيان. الثالث: أن يكون أحدهما قولاً وفعلاً، والآخر قولاً، فيكون اجتماعهما أولى.

стр. 1233

الرابع: أن يكون أحدهما لم يدخله التخصيص، والآخر دخله التخصيص، فيكون ما لم يدخله التخصيص أولى؛ لأنه أقوى؛ لأن دخول التخصيص يضعف اللفظ، ومن الناس من قال: يصير مجازاً. الخامس: أن يكون قد قضى بأحدهما على الآخر في موضعه، واختلفا في غيره، فيكون القضاء به أولى. السادس: أن يكون أحدهما مطلقاً، والآخر وارداً على سبب، فإنه يقضي على سببه، ويقدم المطلق عليه، لأن الوارد على سبب قد ظهرت فيه أمارة التخصيص، فيكون أولى بإلحاق التخصيص به. مثاله: قول النبي ﷺ : (من بدّل دينه فاقتلوه) (١) ، فإنه يقدم على نهيه عن قتل النساء؛ لأنه وارد في الحربية. السابع: أن يكون أحدهما قصد به بيان الحكم المختلف فيه: فيكون أولى، كما قدمنا قوله: (وَأَنْ تجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) (٢) على قوله: (أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَانُكُم) (٣) في تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ لأن قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) قصد به الزوج دون بيان الحكم. الثامن: أن يكون أحد المعنيين أظهر في الاستعمال، كما قدمنا الحمرة في الشّفق. التاسع: أن يكون أحد التأويلين موافقاً لفظه من غير إضمار، كما قلنا في قوله ﵇ للمرتهن: (ذهب حقك) (٤) يعني من الوثيقة دون

стр. 1234

الدين؛ لأن (١) حمله على الدين يحتاج إلى إضمار، فيقول: ذهب حقك: دينك إذا كان مثل قيمة الرهن. والعاشر: أن يكون أحد التأويلين لا يتضمن تخطئة النبي [ ﷺ ] في الباطن، والآخر يتضمن تخطئة، كما يقول [١٥٦/ب] في ضمان علي بن أبي طالب عن الميت، وقوله: (هما علي يا رسول الله وأنا لهما ضامن) (٢) ابتداء ضمان، وليس بإخبار عن ضمان سابق؛ لأنه لو كان إخباراً عن ضمان، لكان الميت قد خلف وفاءً، وكان النبي ﷺ بامتناعه عن الصلاة يكون مخطئاً في الباطن. والحادي عشر: أن يكون أحدهما إثباتاً والآخر نفياً، فيكون الإثبات أولى، كما قدمنا رواية بلال أن النبي ﷺ دخل البيت، وصلى (٣) ، على رواية أسامة (٤) : أنه لم يصل (٥) ؛ لأن من رآه يصلي، معه زيادة علم. وقد نص الإمام أحمد ﵀ على هذا في رواية الميموني فقال: الذي يقول: إن النبي ﷺ دخل الكعبة ولم يصلّ، وهذا يقول: صلَّى، فهذا يشهد أن النبي [ ﷺ ] صلى. وابن عمر [يقول] :

стр. 1235

لم يقنت النبي [ ﷺ ] (١) ، وغيره يقول: قنت (٢) ، فهذه شهادة عليه أنه قنت. وحديث أنس: لم يأنِ لرسول الله [ ﷺ ] أن يخضب (٣) وغيره (٤) يقول قد خضب (٥) ، فهذه شهادة على الخضاب، والذي يشهد على النبي [ ﷺ ] ليس بمنزلة من لم يشهد. الثاني عشر: أن يكون أحدهما زائداً، كما قدمنا خبر التكبير سبعاً في صلاة العيد (٦) على غيره أنه كبر..............................

стр. 1236

.................................

стр. 1237

أربعاً (١) ، وكما قدمنا في صدقة الفطر رواية......................

стр. 1238

الصاع (١) على من روى نصف صاع (٢) . والثالث عشر: أن يكون أحدهما متأخراً؛ لأن ابن عباس قال: كنا نأخذ من أوامر رسول الله ﷺ بالأحدث فالأحدث. وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية عبد الله؛ تستعمل الأخبار حتى تأتي دلالة، فإن الخبر قبل الخبر، فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به. والرابع عشر: أن يكون أحدهما فيه احتياط للفرض وتبرئة للذمة بيقين، أو يكون احتياطاً للفعل المقصود، مثل الاحتياط للحرب في صلاة الخوف.

стр. 1239

والخامس عشر: أن يتقابل لفظ القرآن ولفظ السنة ويكون بناء كل واحد منهما على الآخر ممكناً، فظاهر كلام أحمد: تقديم السنة وترتيب القرآن عليها (١) ، وقال: السنة بيان القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (٢) . وقال في رواية أبي الحارث: السنة تفسر القرآن وتبينه، والسنة تعرف الكتاب. وقال في رواية أبي داود: السنة تفسر القرآن. وفي رواية عبد الله: السنة تدل على معنى القرآن. ويحتمل أن يقدم القرآن وترتب السنة عليه؛ لأنه مقطوع بطريقه، ومثاله: أن يبيح أكل كلب الماء وخنزيره بقوله ﵇: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) (٣) ويعارض هذا الخصم بقوله تعالى: (أوْ لَحْمَ خنزيرٍ) (٤) ، وهذا ينبني على نسخ السنة بالقرآن، وقد ذكرنا جواز ذلك. السادس عشر: أن يكون أحدهما حاظراً، والآخر مبيحاً، [١٥٧/أ] فالحاظر أولى؛ لأن في الحظر احتياطاً؛ لأن ترك المباح لا إثم فيه، وفعل المحظور إثم، فكان تركه أولى من الفعل ها هنا. ولأنه إذا اجتمع ما يبيح وما يحظر، وجب تغليب الحظر، كما نقول

стр. 1240

في المتولد من بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وبين من يباح مناكحتهم ومن يحرم، والمذكي بمن تباح ذكاته ومن لا تباح. وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في رواية إسماعيل بن سعيد في الأمر المختلف فيه عن رسول الله ﷺ ، ولم يعلم ناسخه من منسوخه: نصير في ذلك إلى قول علي نأخذ بالذي هو أهنأ وأهدى وأبقى. واختلف أصحاب أبي حنيفة: فذهب الكرخي والرازي إلى مثل قولنا. وذهب عيسى بن أبان: إلى أنه لا يرجح بمثل هذا، ويتعارضان ويسقطان ويصيران كأنهما لم يردا، ويرجع في حكم الحادثة إلى غير هذا الخبر. واختلف أصحاب الشافعي أيضاً على نحو ما ذكرنا من الاختلاف. ومن قال: لا يرجح بالحظر احتج: بأن تحريم المباح كإباحة المحظور، فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية. والجواب: أنه يبطل بالأصول التي ذكرناها، وهو المتولد من بين المباح والمحظور، فإن الحظر غلب الإباحة، وإن كان هذا المعنى الذي ذكره موجوداً (١) ؛ فلأن تحريم المباح كإباحة المحظور فيما تثبت إباحته، وها هنا ما ثبتت إباحته. ولأن للحظر مزية، ألا ترى أنه يحكم به، وإن كان لم تكمل شرائط الحظر، والمباح لا يحكم به، حتى تكتمل جميع شرائطه، وبيان هذا:

стр. 1241

أن البيع يحرم بوجود شرط واحد ويفسده، وإباحته لا تحصل إلا بعد كمال شرائط الإباحة. واحتج: بأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون محظوراً على الواحد في وقت مباحاً له في ذلك الوقت، كما يستحيل أن يكون الواحد بمكة وبغداد في يوم واحد، وقد ثبت أن أربعة لو شهدوا على رجل أنه رُئِيَ يوم النحر بمكة، وشهد أربعة آخرون أنه رئِيَ في ذلك اليوم ببغداد، أو شهد عليه شاهدان أنه قتل زيداً يوم النحر بمكة، وشهد آخران أنه قتل عمراً ذلك اليوم ببغداد، أن شهادة الجميع تسقط، كذلك إذا ورد خبر بحظر شيء، وورد آخر بإباحة ذلك الشيء في وقت واحد، وجب أن يسقط الخبران. والجواب: أن الشهادة كانت على حقيقة الفعل، فلهذا استحال وجود الفعل منه بمكة وببغداد في يوم واحد، وكذلك يستحيل قتله لزيد يوم النحر، و [قتله لعمرو في ذلك اليوم بـ] بغداد، تهادرت البينتان، وليس كذلك الخبران بإباحة الشيء وحظره؛ لأنهما يوجبان ذلك [١٥٧/ب] الشيء من طريق الحكم، ويجوز أن يكون الشيء مباحاً في الأصل، ثم يحظره النبي [ ﷺ ] ويخفي علينا الباقي، ونظير هذا من الشهادة أن يتعارضا في الملك المطلق وأحدهما خارج، فإنما تقدم بينة الخارج. واحتج: بأنه لو أخبر بطهارة الماء واحد. وأخبر غيره بنجاسة ذلك الماء، ولم يكن لأحد المخبرين مزية على الآخر، ولا كان للمخبر رأي يعمل على الغالب منه، أنهما يسقطان، ويبقي الماء على أصل الطهارة وكذلك لو أن رجلين أخبر أحدهما بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسي، وأن هذا الشراب خالطه خمر، وأخبر آخر أن ذلك حلال طاهر، ولم يكن للمخبر رأي يعمل على ما يغلب في رأيه: أن الخبرين يسقطان، ويبقى الطعام والشراب على أصل الإباحة، كذلك إذا عدم التاريخ بين خبري الحظر والإباحة، يجب أن

стр. 1242

يسقطا، ويبقى الشيء على حكم الإباحة في الأصل. والجواب عنه: ما تقدم من الوجه الذي بينا. وهو أن الشيء يكون مباحاً في الأصل، ثم يحظره النبي [ ﷺ ] ، وغير جائز أن يكون الماء نجساً، ثم يصير طاهراً، أو الطعام نجساً فيصير طاهراً. السابع عشر: أن يتعارض خبران في الحد، فإنه لا يقدم المسقط للحد، ولهذا أخذ أحمد ﵀ بحديث عبادة في اجتماع الجلد والرجم (١) ، ولم يقدم عليه حديث ماعز (٢) وأنيْس (٣) في إسقاط الجلد. ومن أصحاب الشافعي من قدم المسقط للحد؛ لقوله عيه السلام: (ادرؤوا الحدود بالشبهات وادرؤوا ما استطعتم) (٤) .

стр. 1243

وهذا غير صحيح؛ لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعاً، ألا ترى أنه يثبت بخبر الواحد والقياس مع وجود الشبهة فرضاً؟ الثامن عشر: أن يكون في أحدهما إلحاق النقض بالصحاح، كخبر القهقهة (١) . التاسع عشر: أن يرجح بالقرائن. مثاله قوله تعالى: (أوْ لامستُم النسَاءَ) (٢) حمله على لمس اليد أولى من الجماع؛ لأنه قرن ذلك بالمجيء من الغائط، وذلك يوجب الطهارة الصغرى. العشرون: أن يرجح باستعمال مثله في نظير لفظه، مثاله: أن يقضيَ بقوله ﵇: (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) على قوله: (فيما سقت السماء العشر) ، كما قضى بقوله: (ليس فيما دون

стр. 1244

خمس أواق من الورقة صدقة) على قوله: (في الرقة ربع العشر) . الحادي والعشرون: أن يكون أحدهما يجمع بينهما، والآخر يسقط أحدهما، فيكون الجمع بينهما أولى من إسقاط أحدهما بالآخر. وأما الترجيح الذي لا يعود إلى الإسناد والمتن وإنما هو إلى غيرهما فمن وجوه: أحدها: أن يكون أحدهما موافقاً لظاهر القرآن، أو موافقاً لسنة أخرى، فيقدم بذلك، ومثاله: حدث التغليس (١) يقدم على حديث الإسفار (٢) ؛ لأنه يوافق قول الله تعالى:

стр. 1245

(حَافظُوا على الصلَوَاتِ) (١) . وقوله تعالى: (سَارِعُوا إلَى مَغْفِرَة مِنْ ربِكُمْ) (٢) ، ويوافقه أيضاً قول النبي صلى الله عليه [وسلم] : (أول الوقت رضوان الله) (٣) ،

стр. 1246

وقوله: (أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها) (١) ، ومثل قوله: (لا نكاح إلا بوليّ) ، فيرجح على قوله: (ليس للولي مع الثيب أمر) ، بحديث عائشة عن النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) . فإن كان مع أحدهما ظاهر القرآن، ومع الآخر ظاهر سنة أخرى، فأيهما أولى؟ فنقل محمد بن أشرس: أن أحمد ﵀ سئل عن الحديث إذا كان صحيح الإسناد، ومعه ظاهر القرآن، ثم جاء حديثان صحيحان

стр. 1247

خلافه، أيما أحب إليك؟ فقال: الحديثان أحب إليّ إذا صحا. وهذا مبني على أصل قد تقدم، وهو إذا تقابل لفظ القرآن ولفظ السنة، ويمكن بناء كل واحد منهما على الآخر، هل تقدم السنة أو القرآن؟ فقد حكينا خلافاً في المذهب، فكذلك ها هنا. الثاني: أن يروى معنى أحدها بألفاظ مختلفة من وجوه أخر، مثل ما قدمنا حديث لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله) ، وقوله: (أفضل [الأعمال] الصلاة في أول وقتها) ، وقوله: (إن أحدكم ليصلي الصلاة، وقد ترك من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله) (١) . ْالثالث: أن يكون أحدهما موافقاً للقياس، مثل قوله ﵇: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة) (٢) ، فيقدم على حديث

стр. 1248

فورك السعدي؛ لأن ما لا تجب الزكاة في ذكوره لا تجب في إناثه، قياساً على الحمير والبغال وسائر الحيوانات التي لا زكاة فيها. الرابع: أن يكون مع أحدهما حديث مرسل؛ لأن مجيئه من طريق مسند ومرسل أقوى له. الخامس: أن يكون أحدهما عمل به الأئمة الأربعة، كما قدمنا رواية من روي في تكبيرات العيدين سبعاً وخمساً (١) على رواية من روى أربعاً، كأربع الجنائز (٢) ؛ لأنه عمل به أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. وقد نص أحمد ﵀ على هذا في مواضع:

стр. 1249

فقال في رواية صالح: رويَ أن النبي ﷺ قال: (توضؤوا مما مست النار) (١) ، وروي أنه نهس (٢) عظماً وصلى ولم يتوضأ (٣) ، فنظر إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لم يتوضئوا مما مست النار، فقد تكافأت (٤) الرواية فيه.

стр. 1250

وكذلك نقل أبو الحارث عنه في الحديثين المختلفين، وهما جميعاً بإسناد صحيح عن النبي ﷺ : ينظر إلى ما عمل به الأئمة الأربعة، فيعمل به. وكذلك نقل الفضل بن زياد في الحديثين بإسناد صحيح: ينظر إلى ما عمل أو ما قال الخلفاء بعده [١٥٨/ب] ، يعني: أبا بكر وعمر. فإن اقترن بأحدهما عمل أهل المدينة، لم يقدم به، خلافاً لأصحاب الشافعي في قولهم: يقدم به، وذكروا ذلك في حديث الترجيع (١) في الأذان (٢) ، وأنه يقدم على غيره؛ لأنه عمل به أهل المدينة بعد النبي ﷺ .

стр. 1251

وكذلك إن اقترن به عمل الكوفة، لم يقدم به، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه الجرجاني في أصوله: أنه يقدم بعمل أهل الكوفة إلى زمن أبي حنيفة، قبل ظهور البدع؛ لأن أمراء بني مروان غَلَبوا على المدينة والكوفة، وكان فيهم تغير شيء من الشريعة، وإنما لم نرجح بذلك؛ لأنه بلد من البلاد، فلم يرجح نقل أهله كسائر البلاد. السادس: أن يقترن، بأحدهما تفسير الراوي، كما قدمنا ما روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (أيما رجل أَعمر عمْرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه اعطى عطاء ووقعت (١) فيه المواريث) (٢) على رواية (من أَعمر عمرى فهي له، ولعقبه، يرثها من يرثه من عقبه) (٣) ، كما روى معمر عن الزهري عن

стр. 1252

أبي سلمة (١) عن جابر بن عبد الله أنه قال: (إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما اذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها) (٢) . وكذلك حملنا التفرق على التفرق بالبدن، لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا اراد أن يوجب البيع مشى قليلاً ثم رجع، وقال أبو بردة: لا أراكما تفرقتما. وكذلك رجع أحمد ﵀ الى تفسير ابن عمر في قول النبي ﷺ : (فاقدروا له، وأنه كان يتراءى الهلال، فإن كانت السماء ذات غيم أصبح صائماً، وإن كانت ذات صحو أصبح مفطراً، إذا لم ير الهلال) (٣) . قال أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار في الجزء الذي فيه المناولة والإجازة حدثنا العباس بن محمد بن حاتم بن واقد الدوري (٤) حدثنا روح

стр. 1253

ابن عبادة (١) حدثنا داود بن قيس (٢) عن محمد بن عمرو بن عطاء (٣) قال كان موسى بن يسار (٤) جالساً معنا، فقال له ابن عمر: يا موسى بن

стр. 1254

يسار إذا فرغت من حديثك، فسلم، فإنك في صلاة. قال: وحدثنا العباس بن محمد الدوري أيضاً قال: حدثنا موسى بن داود (١) حدثنا ابن لهيعة عن حنين بن أبي حكيم (٢) عن نافع (٣) عن ابن عمر قال: من أراد حفظ الحديث فليردده ثلاثاً (٤) .

стр. 1255

باب الإِجماع الإِجماع (١) في اللغة: ما اجتمع القوم عليه، سواء كانوا ممن تثبت الحجة بقولهم أو لا تثبت (٢) . وهو في الشرع: عبارةٌ عمن تثبت الحجة بقوله (٣) . وسمي إجماعاً؛ لاجتماع الأقوال المتفرقة [١٥٩/أ] والآراء المختلفة.

стр. 1256

وقيلِ: سُمِّي بذلك من القطع وإمضاء الرأي وتنفيذه، ومنه قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أمْرَكَم (١)) أي: اعزموا (٢) . مسألة (٣) الإِجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته (٤) ، ولا يجوز أن تجتمع الأمَّةُ على الخطأ.

стр. 1257

وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث: "في الصحابة إذا اختلفوا لم يُخْرَج من أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي (١) أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا" (٢) . وقد علق القول في رواية عبد الله فقال: "من ادعى الإِجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المَرِّيسي (٣) والأصم (٤) ، ولكن [يقول] : لا نعلم، [لعل] الناس اختلفوا ولم يبلغه" (٥) .

стр. 1258

وكذلك نقل المروذي عنه: أنه قال: "كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا إذا سمعتهم يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم لهم مخالفاً جاز" (١) . وكذلك نقل أبو طالب عنه: أنه قال: "هذا كذب، ما علمه (٢) أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافاً، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس". وكذلك نقل أبو الحارث: "لا ينبغي لأحد أن يدعي الإِجماع، لعل الناس اختلفوا" (٣) . وظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإِجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنما قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه. أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة الإِجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث (٤) . وادعى الإِجماع في رواية الحسن بن ثواب، فقال: "أذهب في التكبير من غداة يوم

стр. 1259

عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإِجماع (١)

стр. 1260

عمر (١) وعلي (٢) وعبد اللَّه بن

стр. 1261

مسعود (١) ، وعبد الله بن عباس" (٢) . وهذا قول جماعة الفقهاء والمتكلمين (٣) .

стр. 1262

وحُكي عن إبراهيم النَّظَّام (١) : أن الإِجماع ليس بحجة، وأنه يجوز اجتماع الأمة على الخطأ (٢) . وحُكِي عن الرافضة: أن الإِجماع ليس بحجة، وأن قول الإِمام وحده حجة (٣) . دليلنا: قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبيَّن لَهُ الْهُدَى، وَيَتَّبع غَيْرَ سَبِيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَىَّ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٤) . فوجه الدلاَلَة: أن الله تعالى توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فدل على أن أتباع سبيلهم واجب. فإن قيل: هذا احتجاج من دليل الخطاب، ونحن لا نقول به. قيل: دليل الخطاب عندنا حجة، ونحن نبني فروعنا على أصولنا.

стр. 1263

وعلى أن هذا ليس بدليل الخطاب (١٥٩/ب) ، وإنما هو احتجاج بتقسيم عقلي؛ لأنه ليس بين اتباع غير سبيلهم (١) وبين اتباع سبيلهم قسم ثالث، وإذا حرّم الله تعالى اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم. فإن قيل: (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) في الأقوال مجاز، وإنما السبيل هو: الطريق. قيل: الأصل في الاستعمال الحقيقة، وقد استعمل فيهما، فوجب أن يكون حقيقة فيهما (٢) . وعلى أنه لو كان مجازاً، لكان إذا كثر الاستعمال فيه، جرى مجرى الحقيقة.

стр. 1264

والاستعمال في القول مثل الاستعمال في الطريق إذا كثر، قال الله تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلي أَدْعُو إلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (١) ، وقال: (مَنْ هُوَ أهْدَى سَبِيلاً) (٢) ، (وَأضَلُّ سَبِيلاً) (٣) ، (وَلَنْ يَجْعَلَ اْللَّهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ سَبِيلاً) (٤) ، ويقال: سبيل المعروف، وسبيل الوقوف، وما أشبه هذا مما يكثر

стр. 1265

تعداده. وهذا بمنزلة المذهب الذي هو حقيقة في الطريق وفي القول والاعتقاد (١) . فإن قيل: الذي تعلق بمشاقة الرسول وباتباع غير سبيل المؤمنين، فثبت أنه لا يتعلق بأحدهما على الانفراد. قيل: مشاقة الرسول محرمة بانفرادها، وإن لم يكن هناك مؤمن، فدلَّ على أن التوعد على كل منهما بانفرادِه، وهذا مثل قِوله تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلهاً آخَرَ وَلاَ يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بالْحَق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (٢) ، فجمع بين هذه الأفعال في الوعيد، وكان منصرفاً إلى كل واحد منهما (٣) .
следующие страницы →