← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

مسعود (١) ، وعبد الله بن عباس" (٢) . وهذا قول جماعة الفقهاء والمتكلمين (٣) .

стр. 1262

وحُكي عن إبراهيم النَّظَّام (١) : أن الإِجماع ليس بحجة، وأنه يجوز اجتماع الأمة على الخطأ (٢) . وحُكِي عن الرافضة: أن الإِجماع ليس بحجة، وأن قول الإِمام وحده حجة (٣) . دليلنا: قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبيَّن لَهُ الْهُدَى، وَيَتَّبع غَيْرَ سَبِيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَىَّ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٤) . فوجه الدلاَلَة: أن الله تعالى توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فدل على أن أتباع سبيلهم واجب. فإن قيل: هذا احتجاج من دليل الخطاب، ونحن لا نقول به. قيل: دليل الخطاب عندنا حجة، ونحن نبني فروعنا على أصولنا.

стр. 1263

وعلى أن هذا ليس بدليل الخطاب (١٥٩/ب) ، وإنما هو احتجاج بتقسيم عقلي؛ لأنه ليس بين اتباع غير سبيلهم (١) وبين اتباع سبيلهم قسم ثالث، وإذا حرّم الله تعالى اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم. فإن قيل: (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) في الأقوال مجاز، وإنما السبيل هو: الطريق. قيل: الأصل في الاستعمال الحقيقة، وقد استعمل فيهما، فوجب أن يكون حقيقة فيهما (٢) . وعلى أنه لو كان مجازاً، لكان إذا كثر الاستعمال فيه، جرى مجرى الحقيقة.

стр. 1264

والاستعمال في القول مثل الاستعمال في الطريق إذا كثر، قال الله تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلي أَدْعُو إلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (١) ، وقال: (مَنْ هُوَ أهْدَى سَبِيلاً) (٢) ، (وَأضَلُّ سَبِيلاً) (٣) ، (وَلَنْ يَجْعَلَ اْللَّهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ سَبِيلاً) (٤) ، ويقال: سبيل المعروف، وسبيل الوقوف، وما أشبه هذا مما يكثر

стр. 1265

تعداده. وهذا بمنزلة المذهب الذي هو حقيقة في الطريق وفي القول والاعتقاد (١) . فإن قيل: الذي تعلق بمشاقة الرسول وباتباع غير سبيل المؤمنين، فثبت أنه لا يتعلق بأحدهما على الانفراد. قيل: مشاقة الرسول محرمة بانفرادها، وإن لم يكن هناك مؤمن، فدلَّ على أن التوعد على كل منهما بانفرادِه، وهذا مثل قِوله تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلهاً آخَرَ وَلاَ يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بالْحَق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (٢) ، فجمع بين هذه الأفعال في الوعيد، وكان منصرفاً إلى كل واحد منهما (٣) .

стр. 1266

وجواب آخر، وهو: أن (١) اتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرماً بانفراده لم يحرم مع مشاقة الرسول كسائر المباحات، ألا ترى أنه لا يجوز الجمع بين القبيح والمباح في باب الوعيد، فلما جمع تعالى بين مشاقة الرسول وبين ترك اتباع سبيل المؤمنين في الوعيد علم أن كل واحد منهما يقتضي الوعيد. فإن قيل: فالمؤمنون لا يعرفون بأعيانهم؛ فلا يصح الاحتجاج به. قيل: إذا أجمع الكل دخل المؤمنون فيهم؛ لأن من أظهر الإِيمان وجب أن يحكم بإيمانه، ولا اعتبار بما غاب عنا من اعتقاده، فإذا كان كذلك سقط السؤال. فإن قيل: ذكر (المُؤْمِنِينَ) بالألف واللام، فاقتضى جنس المؤمنين إلى يوم القيامة. قيل: لا يجوز أن يريد به جميعهم، لأن التكليف في ذلك يكون يوم القيامة ولا تكليف في الآخرة، فعلم أن المراد به بعض المؤمنين، وإذا كان المراد به البعضَ، فقد أجمعوا على أنه لم يرد ما زاد على أهل العصر، فكان (٢) المراد به أهل العصر. ولأن من [١٦٠/أ] لم يخلق لا يسمى مؤمناً، ومن خلق ومات فلا يسمى مؤمناً حقيقة، وإنما كان مؤمناً. جواب آخر، وهو: أن الآية أريد بها بعض المؤمنين؛ لأنه توعد من خالف سبيلهم، فاقتضى ذلك أن يكون هناك متوعد غير الذين يخالف سبيلهم. فإن قيل: الوعيد على ترك سبيل المؤمنين فيما صاروا به مؤمنين، وهو

стр. 1267

التوحيد وفعل الإِيمان (١) . قيل: هذا تخصيص لعموم الآية بغير دليل. وعلى أنه لا اعتبار في ذلك بالاتباع، وإنما يجب العمل فيه بموجب الدليل،

стр. 1268

فوجب حمله على غيره من أحكام الشرع. فإن قيل: اتباع سبيل المؤمنين: أن ينظر، ويجتهد، ويثبت الحكم من الطريق الذي أثبتوه، وإذا كان كذلك فتكون الآية حجة عليكم. قيل: النظر المؤدي إلى قولهم لا يمنع منه، وإنما يمنع من النظر المؤدي إلى خلاف قولهم؛ لأن من فعل ذلك يكون تاركاً لسبيلهم ومخالفاً لهم. وكذلك من دخل مصراً من أمصار المسلمين جاز له أن يجتهد، فإذا أدى اجتهاده إلى صحة محاريبهم (١) صلى إليها، ولا يجوز مخالفتها. فإن قيل: الوعيد إنما هو على اتباع غير سبيل المؤمنين، وأنتم تطلقون الوعيد لترك السبيل. قيل: إذا لحقه الوعيد باتباع غيرهم والعدول عنهم، ثبت أنه قد ترك واجباً، فلحقه الوعيد بالعدول عنه (٢) . وطريقة أخرى: قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُم أمَّةً وسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الناسِ) (٣) والوَسَطُ: العَدْلُ الخِيَار (٤) .

стр. 1269

وهذا كما قال في آية أخرى (١) (قَالَ أوْسَطهُمْ ألمْ أقل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ) (٢) يعنى: أعدلهم وخيرهم (٣)

стр. 1270

وكما قال الشاعر: هم وَسَط يَرْضى الإِله (١) بِحُكْمِهم ... إذَا نَزَلَتْ إحْدَى اللَّيَالِى بِمُعْظَمِ (٢) ويقال: مِيَزان وَسَط، إذا لم يكن فيه ميل. وإذا أخبر الله تعالى أن الأمة عدل، لم يجز عليهم الضلالة؛ لأنه لا عدالة مع الضلالة، وجعلهم شهداء على الناس، كما جعل الرسول شهيداً عليهم، فلما كان قول الرسول ﷺ حجة، كذلك قول الأمة. فإن قيل: إنما جعلتم شهداء عليهم في الآخرة. يبين صحة هذا: قوله (٣) : (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ولا يمكن شهادتهم على الجميع إلا في الآخرة.

стр. 1271

قيل: هذا خرج مخرَج المدح لهم في الدنيا، فلو كانوا شهداء في الآخرة لم يكن مدحاً لهم في الدنيا. وعلى أنه جعلهم شهداء على الناس كما جعل الرسول، فلما كان المراد شهادة النبي في الدنيا، كذلك في الأمة (١) . فإن قيل: [١٦٠/ب] كونهم شهداء لا يمنع وقوع الخطأ منهم، كما لا يمنع وقوع ذلك من الشاهِدَيْن. قيل: لأن الله تعالى لم ينص على شاهدين بأعيانهما حتى [يكون] ذلك مانعاً من وقوع الخطأ والكذب منهما، ولو نص على شاهدين لامتنع ذلك منهما كالأمة (٢) . وطريقة أخرى، وهو: ما روي عن النبي ﷺ قال: (لاَ تَجْتَمِعُ أمَتي عَلَى ضَلاَلة) .

стр. 1272

وروي: (عَلَى خَطَأ) (١) .

стр. 1273

.................................

стр. 1274

وروي: (ما رآه المسلمونَ حسناً، فهو عندَ الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً، فهو عندَ الله قبيحٌ) (١) .

стр. 1275

وروي: (من فارق الجماعة (١) قِيدَ شِبْر، فقد خَلَع

стр. 1276

رِبْقة (١) الإِسلام من عُنقِه) (٢) .

стр. 1277

(ومن فَارَقَ الجماعةَ ماتَ مِيتَةً جَاهلية) (١) .

стр. 1278

وروي: (عليكم بالسَّواد (١) الأعظم) (٢) . وروي: (ثلاث لا يغل (٣) عليهن (٤) قلب مؤمن (٥) : إخلاص العمل لله والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين) (٦) .

стр. 1279

وروي عن النبى ﷺ أنه نهى عن الشذوذ، وقال: (مَن شَذ (١) شَذَّ فِى النَّار) (٢) . وهذا كله يدل على أن اتباع المجمعين فيما أجمعوا عليه واجب (٣) . فإن قيل: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل المسألة. قيل: هذه مسألة شرعية، طريقها مثل مسائل الفروع، ليس للمخالف فيها طريق تمكنه أن يقول: إنه موجب القطع. وجواب آخر، وهو: أنه تواتر في المعنى من وجهين:

стр. 1280

أحدهما: أن الألفاظ الكثيرة إذا وردت من طرق مختلفة، ورواة شتَّى، لم يجز أن يكون جميعها كذباً، ولم يكن بد من أن يكون بعضها صحيحاً. ألا ترى أن الجمع الكثير إذا أخبروا بإسلامهم، وجب أن يكون فيهم صادق (١) قطعاً. ولهذا نقول: لا يجوز أن يقال: جميع ما روي عن النبى ﷺ يجوز أن يكون كذباً موضوعاً. ولهذا أثبتنا كثيراً من معجزات رسول الله، وأثبتنا وجوب العمل بخبر الواحد بما روي عن الصحابة -رضى الله عنهم- من العمل به في قضايا مختلفة. والثاني: أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد أنه رده، ولهذا نقول: إن قول النبى ﷺ (نحن معشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركنا صدقة) (٢) ، لما اتفقوا على العمل به، دل على أنه صحيح عندهم.

стр. 1281

فإن قيل: نحمل قوله: (لا تجتمع أمتي على الخَطَأ) (١) يعنى: على كفر. قيل: هذا محمول على الأمرين جميعاً (٢) . وعلى أن الخطأ إنما يعبر به عن المعاصى والآثام، دون الكفر. فإن قيل: قوله: (لا تجتمعُ على ضلالة) معناه: لا يجمعهم الله على الضلال. قيل: الخبر عام، لا يجمعهم الله ولا يجتمعون. فإن [١٦١/أ] قيل: قوله: (لا تجتمع أمتي) ، وإن كان لفظه لفظ الخبر، فالمراد به: النهي، وتقديره: لا تجتمعوا على ضلال؛ لأنه لو كان خبراً لوقع بخلاف مخبره؛ لأنا نجد في الأمة اجتماعها على الضلال. قيل: قوله: (لا تجتمع على ضلالة) (٣) خبر، وقوله: "يقع بخلاف مخبره" غلط؛ لأنا لم نجد اجتماع الأمة على ضلالة، وإنما يوجد بعضهم، والخبر اقتضى اجتماعهم. فإن قيل: فهذه الأخبار يعارضها ما روي عن النبى ﷺ بأن (لا تقوم الساعة إلا على أشرار (٤) الناس) (٥) ، وكيف يكون اجتماع الناس حجة؟

стр. 1282

قيل: أراد به الغالب، فهم الشرار، وهذا سائغ إطلاقه. وأيضاً: فإنه لا خلاف أن نصب الزكاة والمقادير الواجبة فيها ثابتة مقطوع بها، في خمس من [الإبل] شاة، وفي عشرين [ديناراً] نصف دينار، وفي خمس وعشرين من الإبل بنتُ مخاض (١) ، وفي ثلاثين من البقر تبيع" (٢) ، وأربعين مسنة (٣) ، و [في] ، أربعين (٤) [شاةٌ] ، شاةٌ، وفي مائتين [من الدراهم] ، خمسةُ دراهم (٥) . وكذلك أركان الصلاة مقطوع بها، ومعلوم: أنه ما ثبت فيها خبر تواتر، وإنما نقل فيها أخبار آحاد: ابن عمر وأنس وغيرهما، عدد معروف، فلما اتفقوا عليها، وقطعوا على ثبوتها، علمنا أن ثبوتها قطعاً من حيث الإِجماع، لا من حيث أخبار

стр. 1283

الآحاد، بل من ناحية أن الأمة تلقتها بالقبول، فصارت الأخبار فيها كالمتواترة. واحتج بعضهم فيها بطريق عقلي، فقال: كان سائر الأمم إذا أتفقت على باطل، وأجمعت على تغيير وتبديل، بعث الله إليهم نبياً، فردهم إلى الحق والصواب، ونبينا ﷺ آخر الأنبياء، ولا نبي بعده، فجعلت أمتُه معصومةٍ، لتكون عصمتُها عوضاً عن بعثة النبي. واحتج المخالف: بقوله: (وَنَزَّلنَا عَلَيْكَ (١) الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُل شَىْء (٢)) ثبت أنا لا نفتقر معه إلى غيره. وقال: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيْهِ مِن شَىْء فَحُكْمُهُ إلَى اللهِ) (٣) يبين أن لا حكم لغيره. وقال تعالى: (فَإِن تَنَازعْتُم فِى شَىْءٍ فَرُدوُّه إلى اللهِ وَالرسُولِ) (٤) . وأشباه هذه الظواهر. والجواب: عن قوله: (تِبْيَاناً لِّكُل شَىْءٍ) فهكذا نقول، فقد بين الله تعالى عن الإِجماع بقوله: (وَمنْ يُشَاقِقِ الرسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيل الْمُؤْمِنينَ) (٥) . وأما قوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) وقوله: (فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) معناه: إلى كتاب الله، وكذا نقول، وفي الكتاب والسنة أن الإِجماع حجة.

стр. 1284

واحتج: بما روى عن النبى ﷺ قال لمعاذ: (بم تحكم إذا عرض لك قضاء؟ فقال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله قال: بسنة رسول الله [١٦١/ب] قال: فإن لم تجد في سنة رسولِ الله، قال: أجتهد رأيى، ولا آلو، فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه) (١) فذكر الأدلة، ولم يذكر فيها الإجماع. والجواب: أنه لا حجة فيه؛ لأن الإجماع إنما يعتبر بعد النبي ﷺ ؛ لأنه لا يجوز أن ينعقد الإجماع في حياته دونه، وقوله بانفراده عنه لا يفتقر إلى قول غيره، فلم يكن في عصره اعتبار بالإجماع. واحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال في خُطبة الوَداع: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض) (٢) .

стр. 1285

وروي عنه أنه قال: (لتركبنَّ سَنَن (١) من كان قبلكم، حَذْوَ القذة (٢) بالقُذَّة) (٣) . وهذا يدل على أن ذلك جائز على الأمة.

стр. 1286

والجواب: أن هذا خطاب لبعض الأمة، وقوله: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) خاص في حال الإِجماع، والخاص يجب أن يُقْضَى به على العام. واحتج: بأن كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ بانفراده، فإذا اجتمع مع غيره كان بمنزلة المنفرد؛ لأنه مجتهد برأيه المعرض للخطأ. والجواب أن عصمة الأمة في حال الاجتماع أثبتناه بالشرع دون العقل، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى: أنهم لا يختارون الخطأ في حالة الاجتماع، ولا يقع ذلك منهم، فإذا أخبر بذلك وجب المصير إليه والعمل به. وجواب آخر، وهو: أن هذا باطل بأخبار التواتر، فإنها توجب العلم عند كثرة المجتهدين، وإن كان كل واحد منهم لو انفرد لم يوجب خبره العلم، وهكذا

стр. 1287

الجماعة تحمل الحجر العظيم، وإن كان الواحد لو انفرد به لم يطق حمله. وكذلك الطعام إذا كثر أشبع، والماء إذا كثر روى، وإن كان اليسير منهما لا يشبع ولا يروي. واحتج: بأن الآية لا تحصر، ولا يمكن سماع أقاويلهم، وما لا سبيل إلى معرفته، فلا يجوز أن يجعله صاحب الشريعة دليلاً على شريعته. والجواب: أن الإِجماع ينعقد عندنا باتفاق العلماء، وإذا اتفقوا جملة كانت العامة تابعة لهم. ويمكن معرفة اتفاق أهل العلم؛ لأن من اشتغل بالعلم حتى صار من أهل الاجتهاد فيه، لم يخف أمره على أهل بلده وجيرانه، ولم يخف حضوره وغيبته، ويمكن الإِمام أن يبعث إلى البلاد، ويتعرف أقاويل الممتنع. فإن قيل: يجوز أن يكون قد أسر في الغزو رجل من أهل العلم، وهو في مطمورة (١) المشركين. قيل: لا يخفى ذلك، وإذا جرى ذلك لم ينعقد الاجماع إلا بالوقوف على مذهبه. وأجاب بعضهم عن هذا: بأنا نسمع أقاويل الحاضرين [١٦٢/أ] ، والخبر عن الغائبين.

стр. 1288

مسألة إجماع أهل كل عصر حجة، ولا يجوز إجماعهم على الخطأ (١) . وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية المروذي، وقد وصف أخذ العلم فقال: "ينظر ما كان عن رسوله ﷺ فإن لم يكن، فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين". وقد عَلَّق القول في رواية أبي داود فقال: "الاتباع: أن تتبع ما جاء عن النبى ﷺ وعن أصحابه، وهو بعد في التابعين مخير" (٢) . وهذا محمول من كلامه على آحاد التابعين، لا على جماعتهم. وقد بين هذا في رواية المروذي فقال: "إذا جاءك الشىء عن الرجل من التابعين، لا يوجد فيه عن النبي، لا يلزم الأخذ به" (٣) . وبهذا قال جماعة الفقهاء (٤) والمتكلمين (٥) .

стр. 1289

وقال أهل الظاهر: داود وأصحابه: الإجماع: إجماع الصحابة دون غيرهم (١) . ويدل عليه أيضاً: قوله: (لا تجتمع متي على ضلالة) و (على الخطأ) . وقوله (ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً، فهو عند الله قبيح) . وقوله: (من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية، ومن فارق الجماعة قيدَ شبر خلع رِبْقة الإِسلام من عنقه) . ونحو ذلك من الأخبار التى تقدم ذكرها، وهو عام في الصحابة. [وفي غيرهم] . فإن قيل: الأمة عبارة عن الجماعة، وحقيقة ذلك الموجود حال (٢) حصول هذا القول منه (٣) دون عصر من يوجد. قيل: هو حقيقة في الكل. ولأن غير الصحابة أكثر عدداً من الصحابة، ومنهم من أهل [١٦٢/ب] الاجتهاد أكثر منهم، فإذا وجب الرجوع إلى قول الصحابة مع قلتهم، فالرجوع إلى قول الأكثر أولى. واحتج المخالف:

стр. 1290

بقوله: (فإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرسُولِ) (١) . والجواب: أن معناه: فردوه إلى أدلة الله ورسوله، والإجماع من أدلته، فقد رددناه إليه. واحتج بقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) (٢) وهذا خطاب مواجهة للصحابة، فلا يدخل فيهم غيرهم (٣) . وكذلك قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطاً) (٤) . والجواب: أن هذا عام في الصحابة وغيرهم من الوجه الذي بينا. وأن ذلك جار مجرى قوله: (أقِيمُوا الصَّلاَةَ) (٥) ، و (حُجُّوا) (٦) و (جَاهِدُوا) ، (٧)

стр. 1291

وأنه على العموم. واحتج: بأنا قد علمنا من ناحية العقول: أنه لا فَصْل بين هذه الأمة وبين من تقدمها في جواز الخطأ وتعمد الباطل في الأخبار: بالكذب فيها (١) ، وإنما انفصلت الصحابة ممن تقدمها من الأمم لورود الخبر بذلك، وبقي غيرهم على موجب الدليل في المنع من قولهم. والجواب: أن قولك: لا فرق بين هذه الأمة وبين من تقدمها غلط؛ لأن من تقدمها إذا كذبت في الإِخبار عن نبيها وأخطأت فيما يتعلق بالدين، علم خطؤها وكذبها من جهة من يرد عليها من بعد نبيها من الأنبياء، وليس كذلك أمة نبينا؛ لأنها إذا ضَلّت وأخطأت لم يرد من بعد من يعرف من جهته ضلالتها، فحرس الله تعالى من أجل ذلك هذه الأمة من الضلالة والكذب والخطأ في الدين. وجواب آخر، وهو: أن كل دليل ورد بعصمة جميع الصحابة، فهو دليل على أعصمة، غيرهم، وعام فيهم وفي غيرهم. واحتج: بأن الصحابة لها مزية كل غيرهم؛ لأن النبي ﷺ ندب إلى اتباعهم بقوله: (أصحَابِي كالنُّجُوم، بأيُّهم اقتديتم اهتَديْتُم) (٢) .

стр. 1292

ولأنهم مقطوع على عدالتهم، وشاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل. والجواب: أنهم وإن خُصُّوا بهذه المزية، فلم يكن قولهم حجة لهذه المعاني، وإنما كان لأجل أنهم من أهل الاجتهاد، وهذا موجود في غيرهم كوجوده فيهم.

стр. 1293

مسألة انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع واستقراره (١) . فإذا أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام، ثم رجع بعضهم أو جميعهم انحل الإجماع. وإن أدرك بعض التابعين عصرهم -وهو من أهل الاجتهاد- اعتد بخلافه، إذا قلنا: إنه يعتد بخلافه معهم. وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية عبد الله فقال: "الحجة على من زعم أنه إذا [١٦٣/أ] ، كان أمراً مجمعاً عليه، ثم افترقوا، ما نقف على ما أجمعوا عليه حتى يكون إجماعاً. إن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر، وخالفه علي بعد موته، ورأى (٢) أن تُسْتَرَق (٣) . فكان الإجماع في الأصل: أنها أَمة.

стр. 1294

وحد الخمر: ضرب أبو بكر أربعين، ثم ضرب عمر ثمانين، وضرب علي في خلافة عثمان أربعين، فقال: ضرب أبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين، وكل سنة (١) . والحجة عليه في الإجماع في الضرب أربعين، ثم عمر خالفه، فزاد أربعين، ثم ضرب على أربعين". وظاهر هذا: أنه اعتبر انقراض العصر؛ لأنه اعتد بخلاف على بعد عمر في أم الولد. وكذلك اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر.

стр. 1295

وذهب المتكلمون من المعتزلة (١) والأشعرية (٢) وأصحاب أبي حنيفة (٣) -فيما حكاه أبو سفيان- إلى أن انقراض العصر غير معتبر في صحة الإجماع. واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال مثل قولنا (٤) . ومنهم من قال مثل قولهم (٥) . ومنهم من قال: إن كان الإجماع مطلقاً لم يعتبر انقراض العصر عليه، وإن كان بشرط، وهو: إن قالوا: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح

стр. 1296

صرنا إليه، لم يكن إجماعاً (١) . وفائدة الخلاف: من قال: لا يعتبر انقراض العصر عليه، يقول: لا يسوغ أن يرجع الكل عما أجمعوا عليه، وإن رجع واحد منهم ساغ رجوعه، لكنه محجوج بقول الباقين. وإذا حدث من التابعين من هو من أهل الاجتهاد فخالفهم لم يكن خلافه خلافاً. ومن قال: يعتبر انقراض أهل العصر، يقول: يجوز أن يرجع الكل عن ذلك القول إلى غيره، ويرجع الواحد منهم عن القول معهم، فيكون خلافه خلافاً ويسوغ للتابعين مخالفتهم، فيكون خلافهم (٢) خلافاً. والدلالة على اعتبار انقراض العصر: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطَاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكَونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (٣) . فوجه الدلالة: أنه جعلهم شهداء على غيرهم، ولم يجعلهم شهداء على أنفسهم. ومن قال لا يعتبر انقراض العصر لا يجوز رجوعهم عما أجمعوا عليه، فيكون قولهم حجة على أنفسهم. فإن قيل: ليس في الآية ما يمنع كونهم شهداء على أنفسهم، وإنما فيها إثبات كونهم شهداء على غيرهم. قيل: لما غاير بينهم وبين غيرهم، فجعلهم شهداء على غيرهم، وجعل الرسول شهيداً عليهم، ثبت أن حكمهم مخالف لحكم غيرهم.

стр. 1297

فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم. قيل: من كان شهيداً وحجة على غيره، فليس بحجة على نفسه، كالشاهد هو شاهد على غيره [١٦٣/ب] ، ولا يكون شاهداً على نفسه، وإنما يكون مقراً، وقول النبى حجة على غيره، وليس حجة على نفسه. فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم؛ لأن الحجة لا تختص بقوم دون قوم ولا بعصر دون عصر. قيل: قد بينا اختصاص الحجة بجهة دون جهة. وعلى أن الموضع الذي نجعله حجة على غيره نجعله حجة في نفسه في الفتيا لغيره. فأما إذا رجع فليس بحجة على غيره ولا على نفسه. وأيضاً: ما احتج به أحمد من إجماع الصحابة، وذلك أنه روي عن علي أنه قال: (كان رأيي مع أمير المؤمنين عمر: أن لا تباع أمهات الأولاد، وأرى (١) الآن أن يبعن، فقال له عبيدة السَّلْمَاني (٢) : رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك) (٣) . فعلىُّ أظهر الخلاف بعد الإجماع، فأقر عليه. فلو كان انقراض العصر غير معتبر ما سَاغَ له الخلاف.

стр. 1298

فإن قيل: ما خالف الإجماع؛ لأنه كان قوله وقول عمر على ذلك وحدهما، فخالف عمر فقط. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (والله ما هنَّ إلا بمنزلة بعيرِك وشاتِك) (١) . وكان عبد الله بن الزبير: يبيح بيع أمهات الأولاد (٢) . فدل على أنهم لم يجمعوا. قيل: قول عبيدة له: (رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك) ، يدل على (٣) أن الجماعة كانت مع عمر، ومعه علىٌّ، أن لا يبعن (٤) .

стр. 1299

ويدل عليه أن النبي ﷺ إذا قال قولاً: أعتبر انقراضه عليه؛ لأنه قد يرجع عنه، ويتركه، فإذا جاز هذا في حق النبي ﷺ ، فبأن يجوز في حق المجمعين أولى. فإن قيل: الرسول لا يرجع عما كان عليه؛ لأنه لا يتبين له الخطأ، وإنما يرجع بأن يقول: كنت على صواب، ولكن قد نسخ عني ذلك، وأمرت بغيره، فلهذا جاز أن يرجع عما كان عليه، وليس كذلك المجمعون؛ لأنهم لا يرجعون عما كانوا عليه؛ لأنه قد يبين لهم الخطأ فيما كانوا عليه. قيل: هذا تعليل بجواز الرجوع عما كان عليه بعد صحة الجمع بينهما فلا يضر الفرق (١) .

стр. 1300

وأيضاً: فإن كل واحد من المجمعين إنما قال ما قاله عن دليل صحيح عنده من قياس أو اجتهاد واستدلال، وهو يُجوِّز على نفسه الخطأ فيما أفتى به، فإذا صح له الفساد لدليله، لزمه الرجوع عن قوله واعتقاد غيره، فإذا لزمه الرجوع عما كان عليه لفساد دليله عنده بطل الإِجماع. فإن قيل: لا يسوغ رجوعه؛ لأنه كان مصيباً في القول، مخطئاً في الدليل. قيل: إنّما كان على الصواب في قوله؛ لأجل دليله. ألا ترى أنه لو لم [١٦٤/أ] ، يكن من أهل الأدلة والاجتهاد لم يعتدّ بقوله، فإذا فسد عنده الدليل بطل قوله عن ذلك الدليل. وأيضاً: فإن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ الخلاف وجواز القول بكل واحد من القولين، وانعقد الإجماع على ذلك، ثم إذا رجعت إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى صارت المسألة إجماعاً، وزال ما أجمعوا عليه من تسويغ الخلاف، فلو كان الإِجماع قد انعقد بنفسه من غير اعتبار انقراض العصر، لما جاز رجوعهم عما أجمعوا عليه من تسويغ الخلاف. وهذه طريقة مفيدة. فإن قيل: إنما جاز الإجماع بعد الخلاف؛ لأن التابعين لو أجمعوا على أحد القولين صارت المسألة إجماعاً. قيل: لا يصير إجماعاً عندنا. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبيل الْمُؤْمِنِينَ) (١) ولم يشترط انقراض العصر. وقول النبى ﷺ : (لا تَجْتمعُ أمَّتِي عَلَى ضَلاَلَة) و (لا تجتمعُ عَلَى خطأ) . والجواب عن قوله: (وَيَتَّبِعْ غيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِينَ) فهو: أنه إذا رجع واحد
следующие страницы →