صرنا إليه، لم يكن إجماعاً (١) .
وفائدة الخلاف: من قال: لا يعتبر انقراض العصر عليه، يقول: لا يسوغ أن يرجع الكل عما أجمعوا عليه، وإن رجع واحد منهم ساغ رجوعه، لكنه محجوج بقول الباقين. وإذا حدث من التابعين من هو من أهل الاجتهاد فخالفهم لم يكن خلافه خلافاً.
ومن قال: يعتبر انقراض أهل العصر، يقول: يجوز أن يرجع الكل عن ذلك القول إلى غيره، ويرجع الواحد منهم عن القول معهم، فيكون خلافه خلافاً ويسوغ للتابعين مخالفتهم، فيكون خلافهم (٢) خلافاً.
والدلالة على اعتبار انقراض العصر:
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطَاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكَونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (٣) .
فوجه الدلالة: أنه جعلهم شهداء على غيرهم، ولم يجعلهم شهداء على أنفسهم.
ومن قال لا يعتبر انقراض العصر لا يجوز رجوعهم عما أجمعوا عليه، فيكون قولهم حجة على أنفسهم.
فإن قيل: ليس في الآية ما يمنع كونهم شهداء على أنفسهم، وإنما فيها إثبات كونهم شهداء على غيرهم.
قيل: لما غاير بينهم وبين غيرهم، فجعلهم شهداء على غيرهم، وجعل الرسول شهيداً عليهم، ثبت أن حكمهم مخالف لحكم غيرهم.
стр. 1297
فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم.
قيل: من كان شهيداً وحجة على غيره، فليس بحجة على نفسه، كالشاهد هو شاهد على غيره [١٦٣/ب] ، ولا يكون شاهداً على نفسه، وإنما يكون مقراً، وقول النبى حجة على غيره، وليس حجة على نفسه.
فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم؛ لأن الحجة لا تختص بقوم دون قوم ولا بعصر دون عصر.
قيل: قد بينا اختصاص الحجة بجهة دون جهة.
وعلى أن الموضع الذي نجعله حجة على غيره نجعله حجة في نفسه في الفتيا لغيره. فأما إذا رجع فليس بحجة على غيره ولا على نفسه.
وأيضاً: ما احتج به أحمد من إجماع الصحابة، وذلك أنه روي عن علي أنه قال: (كان رأيي مع أمير المؤمنين عمر: أن لا تباع أمهات الأولاد، وأرى (١) الآن أن يبعن، فقال له عبيدة السَّلْمَاني (٢) : رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك) (٣) .
فعلىُّ أظهر الخلاف بعد الإجماع، فأقر عليه. فلو كان انقراض العصر غير معتبر ما سَاغَ له الخلاف.
стр. 1298
فإن قيل: ما خالف الإجماع؛ لأنه كان قوله وقول عمر على ذلك وحدهما، فخالف عمر فقط.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (والله ما هنَّ إلا بمنزلة بعيرِك وشاتِك) (١) .
وكان عبد الله بن الزبير: يبيح بيع أمهات الأولاد (٢) .
فدل على أنهم لم يجمعوا.
قيل: قول عبيدة له: (رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك) ، يدل على (٣) أن الجماعة كانت مع عمر، ومعه علىٌّ، أن لا يبعن (٤) .
стр. 1299
ويدل عليه أن النبي ﷺ إذا قال قولاً: أعتبر انقراضه عليه؛ لأنه قد يرجع عنه، ويتركه، فإذا جاز هذا في حق النبي ﷺ ، فبأن يجوز في حق المجمعين أولى.
فإن قيل: الرسول لا يرجع عما كان عليه؛ لأنه لا يتبين له الخطأ، وإنما يرجع بأن يقول: كنت على صواب، ولكن قد نسخ عني ذلك، وأمرت بغيره، فلهذا جاز أن يرجع عما كان عليه، وليس كذلك المجمعون؛ لأنهم لا يرجعون عما كانوا عليه؛ لأنه قد يبين لهم الخطأ فيما كانوا عليه.
قيل: هذا تعليل بجواز الرجوع عما كان عليه بعد صحة الجمع بينهما فلا يضر الفرق (١) .
стр. 1300
وأيضاً: فإن كل واحد من المجمعين إنما قال ما قاله عن دليل صحيح عنده من قياس أو اجتهاد واستدلال، وهو يُجوِّز على نفسه الخطأ فيما أفتى به، فإذا صح له الفساد لدليله، لزمه الرجوع عن قوله واعتقاد غيره، فإذا لزمه الرجوع عما كان عليه لفساد دليله عنده بطل الإِجماع.
فإن قيل: لا يسوغ رجوعه؛ لأنه كان مصيباً في القول، مخطئاً في الدليل.
قيل: إنّما كان على الصواب في قوله؛ لأجل دليله. ألا ترى أنه لو لم [١٦٤/أ] ، يكن من أهل الأدلة والاجتهاد لم يعتدّ بقوله، فإذا فسد عنده الدليل بطل قوله عن ذلك الدليل.
وأيضاً: فإن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ الخلاف وجواز القول بكل واحد من القولين، وانعقد الإجماع على ذلك، ثم إذا رجعت إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى صارت المسألة إجماعاً، وزال ما أجمعوا عليه من تسويغ الخلاف، فلو كان الإِجماع قد انعقد بنفسه من غير اعتبار انقراض العصر، لما جاز رجوعهم عما أجمعوا عليه من تسويغ الخلاف.
وهذه طريقة مفيدة.
فإن قيل: إنما جاز الإجماع بعد الخلاف؛ لأن التابعين لو أجمعوا على أحد القولين صارت المسألة إجماعاً.
قيل: لا يصير إجماعاً عندنا.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبيل الْمُؤْمِنِينَ) (١) ولم يشترط انقراض العصر.
وقول النبى ﷺ : (لا تَجْتمعُ أمَّتِي عَلَى ضَلاَلَة) و (لا تجتمعُ عَلَى خطأ) .
والجواب عن قوله: (وَيَتَّبِعْ غيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِينَ) فهو: أنه إذا رجع واحد
стр. 1301
منهم صار سبيل بعض المؤمنين.
وقول النبي ﷺ : (لا تجتمعُ أمَّتِي عَلَى خَطَأ) فلا نسلم أن الإجماع يستقر حكمه ويلزم إلا بعد انقراض العصر، فلا يتناوله الاسم.
وليس الاعتبار بالإجماع اللّغوي، الذي طريقه الاجتماع، وإنما الاعتبار بالإجماع الشرعي، الذي هو: القطع والعزيمة. وهذا لا يكون إلا بعد انقراض العصر. وإذا لم يتناول الاسم، لم نسلم أنه متبع غير سبيل المؤمنين ولا مخالف الإجماع.
واحتج: بأن التابعين احتجوا بإجماع الصحابة في عصر الصحابة:
فروي [عن] الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة، وأنس بن مالك [حي] (١) ، فلو كان انقراض العصر شرطاً ما احتج بذلك قبل انقراضه.
والجواب: أنا لا نعرف هذا عن التابعين، وما ذكروه عن الحسن، فيجب أن ينقل لفظه، حتى ينظر كيف وقع ذلك منه.
وعلى أنه لو كان منقولاً لم يكن فيه حجة؛ لأن من الناس من قال: قول الصحابي وحده حجة. وهو الصحيح من الروايتين لنا، فإذا كان كذلك احتمل أن يكون الحسن احتج بقول الواحد منهم، لا بإجماعهم (٢) .
واحتج: بأن قول النبي حجة بوجوده، ولا يقف على انقراضه، كذلك قول المجمعين.
стр. 1302
والجواب: أنا قد جعلناه حجة لنا، وقد بينا أنه يعتبر في ذلك انقراضه، لأنه قد يرجع عنه، ويتركه.
على أن قوله لا يقف العمل به على انقراضه؛ لأنه بالنسخ لا يبين الخطأ فيما كان عليه، بل يرجع عما كان عليه مع كونه صواباً في ذلك الوقت، وليس كذلك رجوع المجمعين [١٦٤/ب] ؛ لأنه عن خطأ يبين لهم.
واحتج: بأنه يؤدي إلى أنه لا يوجد إجماع؛ لأن اتفاقهم لو لم يكن إجماعاً حتى ينقرضوا، لوجب إذا حدث قوم معهم من أهل الاجتهاد: أن يعتبر اتفاقهم معهم وانقراضهم، ولو وجب هذا لم يحصل الإجماع أبداً؛ لأن كل عصر مندرج في عصر بعده، ويحدث فيه أهل الاجتهاد من أهل العصر الثاني قبل انقراض العصر الذي قبله، ويدخلون معهم في الاجتهاد، ويجب اعتبار رضاهم بقول من قلتم وموافقتهم لهم فيه، وهذا يمنع وجود الإجماع أبداً.
والجواب: أن هذا مبني على أصل: أن (١) التابعى إذا أدرك عصر الصحابة هل يعتد بخلافه ووفاقه؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يعتّد، وإذا لم يعتدّ به لم يفض إلى ما قالوه من أنه: لا يحصل الإجماع.
والرواية الثانية: يعتد به، فعلى هذا لا يفضي إلى ما قالوه أيضاً؛ لأن الصحابة إذا كانت على قول، فحدث تابعي، وصار من أهل الاجتهاد، فهو وهم من أهل الاجتهاد في ذلك العصر، فإذا انقرضت الصحابة، وبقي ذلك التابعي، فحدث تابعي، وصار من أهل الاجتهاد، لم يسغ له الخلاف؛ لأنه ما عاصر الصحابة، وإنما عاصر من عاصرهم، وإنما يسوغ الخلاف لمن عاصرهم، فأما من عاصر من عاصرهم فلا، وإذا كان كذلك لم يفض إلى ما قالوه.
стр. 1303
واحتج: بأنه لو جاز أن يجمعوا على حكم لم يرجعوا عنه كان إجماعاً على خطأ، والأمة لا تجتمع على خطأ.
والجواب: أن الأمة لا تجتمع على خطأ، إذا انقرض عصرهم عليه، فأما قبل انقراضه، فإنهم يجمعون على الخطأ، ويتبين لهم الصواب فيصيرون إليه.
فإن قيل: الذي يعتبر: انقراض العصر في انعقاد الإِجماع، وليس ذلك قولاً ولا فعلاً.
قيل: هو وإن لم يكن قولاً ولا فعلاً، فإنه يستقر به حكم القول والفعل فجاز اعتباره.
مسألة
إذا اختلف الصحابة على قولين، ثم أجمع التابعون على أحد القولين لم يرتفع الخلاف، وجاز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به (١) .
وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية يوسف بن موسى: "ما اختلف فيه علي وزيد ينظر أشبهه بالكتاب والسنة، يختار".
وكذلك نقل المروذي عنه: "إذا اختلف [الصحابة] (٢) ينظر إلى أقرب القولين (٣) إلى الكتاب والسنة".
وكذلك نقل أبو الحارث: " [ينظر] (٤) إلى أقرب الأقوال (٥) وأشبهها بالكتاب والسنة".
стр. 1304
وظاهر هذا: أنه رجع في ذلك إلى موافقة الدليل، ولم يرجع إلى إجماع التابعين على أحد القولين (١) . [١٦٥/أ] .
وبهذا قال أبو الحسن الأشعري.
وقال أصحاب أبي حنيفة (٢) -فيما حكاه أبو سفيان- والمعتزلة (٣) : يرتفع الخلاف و [لا] ، يجوز الرجوع إلى القول [الآخر] .
وإنما قال هذا إذا كان إجماع التابعين على أحد القولين بعد انقراض أهل أحد القولين.
واختلف أصحاب الشافعي:
فمنهم من قال مثل قولنا (٤) .
ومنهم من قال مثل قولهم (٥) .
دليلنا:
قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شَىْء فُرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) (٦) .
وظاهر هذا: يقتضي أنه إذا تنازع [أهل] العصر الذي بعد التابعين المجمعين
стр. 1305
على أحد القولين في شىء أن يردوه إلى الله ورسوله، وعلى قولهم يلزمهم رده إلى ما أجمع عليه التابعون.
وإلى هذا المعنى أشار أحمد بقوله: "إذا اختلف الصحابة، رجع إلى الكتاب والسنة".
يدل عليه أيضاً: ما روى أبو بكر محمد بن الحسين الآجري (١) في كتاب الشريعة (٢) بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (أصحابى مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم) (٣) .
وظاهر هذا يقتضي: الرد إلى كل واحد من الصحابة بكل حال، مع الإجماع على قول بعضهم، ومع الاختلاف.
فإن قيل: كيف يحتجون بهذا الحديث، وقد قال إسماعيل بن سعيد: "سألت أحمد ﵁ عمن احتج بقول النبى ﷺ : (أصحابي بمنزلة النجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم) قال: لا يصح هذا الحديث".
قيل: قد احتج به أحمد ﵀ واعتمد عليه في فضائل الصحابة.
فقال أبو بكر الخلاَّل في كتاب السنة: "أخبرني عبد الله بن حنبل بن
стр. 1306
إسحاق بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول في الغلو في ذكر أصحاب محمد لأن رسول الله ﷺ قال: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً) (١) وقال: (إنما هم بمنزلة النجوم بمن اقتديتم منهم اهتديتم) ".
فقد احتج بهذا اللفظ، فدلّ على صحته عنده.
وأيضاً: فإن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ الخلاف في المسألة، والأخذ بكل واحد من القولين، فإذا أجمع التابعون على أحد القولين لم يجز رفع إجماع الصحابة بإجماعهم؛ لأن إجماع الصحابة أقوى من إجماعهم، كما لو أجمعت على قول واحد، ثم أجمع التابعون على خلافه، وهذه طريقة معتمدة.
فإن قيل: إجماعهم على تسويغ الخلاف مشروط بعدم دليل قاطع، فإذا طرأ دليل قاطع على أحد القولين وجب اتباعه، وحرم الاجتهاد فيه. ولا يمتنع أن يقع الإجماع بشرط، ألا تَرَى أنه لا يمتنع أن يجمعوا على جواز الصلاة بالتيمم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء بطلت صلاته [١٦٥/ب] ولا يكون ذلك مخالفاً لما أجمعوا عليه.
стр. 1307
قيل: إن جاز أن يقال: إن إجماعهم على تسويغ الخلاف مشروط بعدم دليل قاطع، جاز أن يقال: إن إجماعهم على قول واحد إذا انعقد عن قياس أنه مشروط بعدم دليل قاطع، فإذا طرأ دليل قاطع وجب اتباعه.
وجواب آخر، وهو: أن الإجماع لا يجوز أن يقع مشروطاً؛ لأن وجود الشرط فيه يفضي إلى أن تعرى الحادثة عن حكم الله تعالى. ولا يجوز أن يعرى العصر عن ذلك؛ لأن الله تعالى لم يُخْلِ وقتاً من حق، وكونه مشروطاً يفضي إلى هذا؛ لأن كل قائل من القولين يقول: الحق في قول، ما لم يجمع على خلافه، فلا يقطع على حق فيه.
ويفارق هذا التيمم؛ لأن الشرط في الحكم المجمع عليه، لا في أصل الإجماع، فلا يفضي إلى ما ذكرنا.
فإن قيل: هم وإن أجمعوا على تسويغ الخلاف والقول بكل واحد من القولين، فالتابعون أيضاً قد أجمعوا على القول بأحدهما دون الآخر.
قيل: لا نسلم أن هذا إجماع؛ لأن من شرط صحة الإجماع: أن لا يرفع إجماعاً قبله.
فإن قيل: فإذا كانت الصحابة على قولين، فكل واحد من أهل القولين يجوّز على نفسه الخطأ فيما ذهب إليه.
قيل: هذا هو العلة التى بها جوزوا القول بكل واحد من القولين، وهو تحقيق إِجماعهم على تجويز القول بكل واحد من القولين.
وطريقة أخرى، وهو: أن من قال قولاً ومات، فحكم قوله باقٍ، بدليل أن الصحابة إذا أجمعت على شىء، ثم انقرضوا، لم يصح أن يجمع التابعون على خلافه.
وكذلك إذا كانت الصحابة على قولين، فإذا انقرض أهل أحد القولين
стр. 1308
كلهم، وبقي أهل القول الآخر، لم يزل قول المنقرضين بانقراضهم. ويكون الخلاف باقياً، وإذا ثبت أن حكم قول الميت باقٍ ما زاد، فمن أسقط حكمه، كان كمن أسقط قولهم مع بقائهم، وهذا لا يجوز.
ولأن أعلى مراتب التابعين أن يلحقوا بعصر الصحابة، ويكونوا من أهل الاجتهاد قبل انقراضهم. وأدنى مراتبهم أن ينقرض الصحابة قبل أَن يلحقوا بهم، فكان قولهم إذا خالفوهم دون قولهم إذا عاصروهم وخالفوهم، ثم ثبت أن التابعين لو لحقوا بالصحابة والصحابة على قولين، وأجمعوا على أحد القولين لم يسقط القول الآخر بما أجمعوا عليه، وقد أجمع معهم أهل القول الثاني، فبأن لا يسقط القول الآخر بعد انقراض الصحابة أولى.
فإن قيل: إنما لم يسقط القول الثاني إذا أجمعوا مع أهل [القول] الآخر؛ لأنهم حينئد بعض أهل العصر، وليس كذلك إذا أجمعوا [١٦٦/أ] عليه بعد انقراض الصحابة؛ لأنهم حينئذ كل أهل الاجتهاد في العصر.
قيل: في زمان الصحابة بعض أهل العصر، وبعد انقراض العصر بعض الأمة؛ لأن حكم القول الذي خالفوه ثابت، لا يزول ولا يرتفع بما بينَّا. ولأن من قال: إجماع التابعين يزيل الخلاف السابق ويصير قولهم إجماعاً، يفضى قوله إلى أن الإجماع ينعقد بموت واحد.
وبيانه: إذا كانت الصحابة على قولين، فانقرضوا، وبقي واحد من الصحابة، وهو من أهل أحد القولين، ثم أجمع التابعون على قول من لم يبق منهم أحد، لم يكن إجماعاً؛ لبقاء واحد من أهل القول الذي خالفوه، وإذا هلك هذا الواحد صار ما أجمع عليه التابعون إجماعاً بانقراض هذا الواحد وهلاكه، وموت الإنسان ليس بقول ولا حجة، فكيف يكون الإجماع منعقداً بموت واحد.
стр. 1309
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِينَ) (١) والتابعون هم المؤمنون.
وقول النبي: (أمتي لا تجتمعُ على الخطأ) .
والجواب: أن الآية مشتركة الدلالة؛ لأنها إن كانت حجةً على ما أجمع عليه التابعون، فهى حجة على ما أجمعت عليه الصحابة من تجويز القول بكل واحد منهما.
وكذلك الجواب عن الخبر.
واحتج: بأن هذا إجماع تعقب خلافاً، فوجب أن يزيل حكم الخلاف، كما لو اختلفوا الصحابة، ثم أجمعت على أحد القولين، وقد وجد مثل هذا؛ لأنهم اختلفوا في قتال ما نعي الزكاة، ثم اتفقوا عليه.
وقول الأنصار: منا أمير ومنكم أمير (٢) .
وإجماعهم على ترك قسمة السواد بعد اختلافهم فيها (٣) .
والجواب: أنه إذا رجعت إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى، فلم يبق هناك خلاف باق [و] صارت المسألة إجماعاً، وليس كذلك إجماع التابعين على أحد القولين؛ لأن الخلاف لم يرتفع، فلم تصر المسألة إجماعاً.
واحتج: بأن إجماعهم يقطع الخلاف فيما بعد، فوجب أن يرتفع الخلاف
стр. 1310
المتقدم. ألا ترى أن سنة النبي ﵇ لما منعت الخلاف، قطعت الخلاف، بدليل أن النبى ﷺ لو غاب عن الصحابة، واختلفوا -وهو غائب- في الحكم على قولين، ثم قدم النبى ﷺ -فأخبروه (١) بما كانوا عليه، فأخبرهم بالحق في واحد منهما (٢) ، زال الخلاف، كذلك إجماع التابعين.
والجواب: أنه يبطل بالإجماع من إحدى الطائفتين بعد موت الطائفة الأخرى، فإنه يقطع الخلاف في المستقبل، ولا يرفع الخلاف [١٦٦/ب] المتقدم.
وأما الفصل بين إجماع التابعين وسنة النبى فظاهر، وذلك أن الاجتهاد في زمن النبى ﷺ مختلف فيه:
فمنهم من أجازه، وقال: لا يستقر.
ومنهم من قال: لا يسوغ، لأن النص مقدور عليه.
وإذا كان كذلك لم يثبت ما اختلفوا فيه في زمان النبي ﷺ فإذا جاءت سنة لم يرفع ما كان باقياً، وإنما ثبت الحق، وإجماع التابعين ها هنا يتضمن إسقاط إجماع الصحابة.
واحتج: بأن إجماع التابعين حجة، وقول واحد من الطائفتين ليس بحجة.
والجواب: إنما يكون حجة مقطوعاً عليها، إذا لم يتقدمه اختلاف الصحابة فأما مع تقدم ذلك، فإنه يخرج عن كونه حجة.
стр. 1311
مسألة
إذا اختلفت الصحابة على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث (١) .
نصَّ عليه في رواية عبد الله وأبي الحارث: "يلزم من قال: يخرج من أقاويلهم إذا اختلفوا، أن يخرج من أقاويلهم إذا أجمعوا".
وقال أيضاً في رواية الأثرم: "إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ يختر (٣) من أقاويلهم، ولا يخرج عن قولهم إلى من بعدهم"
وهو قول الجماعة. خلافاً لبعض الناس في قوله: "يجوز إحداث قول ثالث" (٣) .
دليلنا:
أن إجماعهم على قولين إجماع على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على واحد إجماع على بطلان ما عداه، ولا فرق بينهما.
واحتج المخالف:
بأن النظر، الاجتهاد سائغ فيها، فهى بمنزلة ما لم يتكلم فيها.
стр. 1312
والجواب: أن الاجتهاد يجوز في طلب الحق من القولين دون ما عداهما، لأن بطلان ما عداهما ثابت بالإجماع، ولا يسوغ الاجتهاد في المجمع عليه، وهذا بمنزلة ما لو ثبت بطلان ما عداهما بالنص، فيسوغ الاجتهاد في القولين دون
غيرهما.
واحتج: بأن الصحابة إذا أثبتوا حكماً من طريقين، جاز إثباته من طريق ثالث، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الطريق مخالف للحكم، ألا ترى أنهم إذا أجمعوا على شىء من نص القرآن، جاز إثباته من طريق السنة والإجماع، وإذا أجمعوا على حكم واحد، من يجز إحداث قول ثانٍ؛ لأن في الخروج عن القولين مخالفة للإِجماع وليس في إثبات ما أجمعوا عليه من غير طريقهم مخالفة الإجماع؛ لأن إثبات الحكم من طريق لا يتضمن نفي غيره، والإجماع على حكم يتضمن نفي غيره ولهذا إذا أجمعوا على قول واحد، لم يجز إحداث قول ثانٍ.
واحتج: [١٦٧/أ] بأن التابعين قد خالفوا في هذا، وأحدثوا قولاً ثالثاً فيما كانت الصحابة فيه على قولين، فأقروا التابعين على ذلك، ولم ينكروه (١) .
من ذلك: أن الصحابة اختلفوا في امرأة وأبوين، وزوج وأبوين، على قولين: ابن عباس -وحده- يقول: للأم الثلث [من] ، أصل المال.
والباقون قالوا: للأم ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج والزوجة (٢) .
ففرق ابن سيرين بينهما، وقال بقول ابن عباس في امرأة وأبوين، وبقول الباقين في زوج وأبوين، فلم ينكر عليه منكر.
стр. 1313
وكذلك اختلفت الصحابة في قوله: "أنتِ على حَرَام"، على ستة مذاهب فأحدث مسروق (١) قولاً سابعاً (٢) ، فقال: "لا يتعلق به حكم"، وقال: "ما أبالي أحَرِّمُها (٣) ، أو قصعة (٤) من ثريد" (٥) ، فأقروه على هذا، ولم ينكروا عليه.
стр. 1314
والجواب: أنه ليس معنا أن التابعين عرفوا هذا، فأقروه. عليه، ورضوا به، فلا يثبت إجماعاً بالشك، وإذا لم يكن إجماعاً منهم، لم يؤثر إقرار بعضهم.
على أن مسروقاً عاصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد قبل انقراضهم، فكان كأحدهم، فالذي يخالف فيه يحتمل أن يكون قبل استقرار ما اختلفوا فيه، فلا يكون هذا إحداثَ قول آخر.
مسألة (١)
وإن قالت طائفة من الصحابة في مسألتين قولين متفقين مخالفين لقول الطائفة الأخرى، فهل يجوز لأحد أن يقول في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي الأخرى بقول الطائفة الأخرى؟
ينظر فيه:
فإن لم يصرحوا بالتسوية بين (٢) المسألتين جاز (٣) .
وإن صرحوا بالتسوية بينهما لم يجز على قول أكثرهم.
وعلى قول بعضهم يجوز (٤) ؛ لأن التسوية بينهما في حكمين مختلفين، فلم يحصل في واحد منهما إجماع.
стр. 1315
مسألة
إذا خالف الواحد أو الاثنان الجماعة لم يكن إجماعاً (١) .
ويمنع (٢) خلافُ الواحد المعتد به انعقادَ الاجماع في أصح الروايتين.
أومأ إليه ﵀ في رواية المروذي: "إذا اختلفت أصحاب رسول الله ﷺ ، لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة".
стр. 1316
وهو قول الجماعة.
وفيه رواية أخرى: لا يعتد بخلاف الواحد، ولا يمنع انعقاد الإجماع.
أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم: في المريض يُطَلِّق، وذكر قول زيد (١) ، فقال: "زيد وحده، هذا عن أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد، وابن عمر" (٢) .
وقال في رواية الميموني: "في فسخ الحج أحد عشر رجلاً من أصحاب النبي يروون ما يروون، أين يقع بلال بن الحارث منهم" (٣) .
وظاهر هذا: أنه لم يعتد [١٦٧/ب] بخلاف زيد في مقابلة الجماعة ولا مخالفة بلال في مقابلة الجماعة (٤) .
стр. 1317
وحكي ذلك عن ابن جرير الطبري (١) صاحب التاريخ (٢) .
وحكاه أبو سفيان عن أبى بكر الرازي (٣) .
قال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في ذلك للواحد، خلافه معتداً به، مثل خلاف ابن عباس في العول (٤) ، وإن أنكرت
стр. 1318
الجماعة على الواحد لم يعتد بخلافه، مثل قول ابن عباس في المُتْعة (١)
والدلالة على أَنه يمنع انعقاد الإجماع:
قوله تعالى: (فإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ) (١) والتنازع موجود، فوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة.
وقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (٢) وقد وجد الاختلاف، فوجب الرجوع إلى كتاب الله تعالى.
وأيضاً: فإن أبا بكر الصديق ﵁ خالف الصحابة ﵏ في قتال مانعي الزكاة (٣) .
وخالف ابن مسعود وابن عباس في مسائل في الفرائض سائر الصحابة، فلم ينكروا عليهما، ولم يقولوا: إن الواحد محجوج بالإجماع، وإنه يلزمه اتباعهم.
ولأن العقل يجوّز الخطأ على هذه الأمة، كما يجوّز الخطأ على سائر الأم، وإنما نفينا عنهم الخطأ بالشرع، وقد وجد الشرع بذلك في حال الاجتماع دون الاختلاف فإذا وجد الاختلاف بقي الحكم على مقتضى العقل.
стр. 1321
واحتج المخالف:
بما روى عن النبي ﷺ [أنه] قال: (عليكم بالسواد الأعظم) .
وقوله ﵇: (عليكم بالجماعة) .
والجواب: أن المراد به أهل الاجتهاد من أهل العصر، فهو السواد الأعظم وهو الجماعة.
واحتج: بأن ابن عباس لما خالف الجماعة في بيع الدرهم بالدرهمين نقداً وإباحة المُتعة، أنكر عليه ابن الزبير المُتعة (١) ، وأنكر غيره عليه بيع الدرهم بالدرهمين (٢) ، فلو كان خلافه للجماعة سائغاً، لما أنكروا عليه ما ذهب إليه.
والجواب: أنهم ما أنكروا عليه ما ذهب إليه، من حيث إنهم على خلاف
قوله باجتهادهم، وإنما أنكروا عليه، لأنه خالف الخبر المنقول عن النبى ﷺ في بيع الدرهم بالدرهمين، وهو قوله ﵇: (الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما) (٢) . وكذلك قوله في المتعة: (إن النبي حرمها إلى يوم القيامة) (٣) .
واحتج: بأن خبر الجماعة أولى من خبر الواحد والاثنين، كذلك قول الجماعة أولى من قول الواحد والاثنين.
والجواب: أن خبر الجماعة لو كان موجباً [١٦٨/أ] للعلم كان ما خالفه
стр. 1322
كذباً أو خطأ أو منسوخاً (١) ، فلا يجوز العمل به، وإن كان خبر الجماعة لا يوجب العلم، وإنما يغلب على الظن، فإنه أولى، لأن خبر الجماعة أقوى في الظن من خبر الواحد.
يدل على ذلك: أن الشىء من الجماعة أحوط منه من الواحد (٢) والاثنين، ولهذا قال الله تعالى: (أن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا، فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا اْلأخْرَى) (٣) .
فأما اجتهاد الأكثر فلا يوجب العلم وقوة الظن، فلا تأثير له في الاجتهاد؛ لأنه لا يجوز للعالم أن يقلد عالماً، وإن كان أقوى اجتهاداً منه في نفسه، وإنما يجب قبول اجتهاد غيره، والعمل به مع القطع بصحته، فبان الفرق بينهما.
واحتج: بأنه لما جاز أن يكون في أهل العصر من لم يبلغه ما أجمعت عليه الجماعة، أو بلغه فلم يظهر الخلاف وأسرَّه، صح انعقاده مع ذلك، كذلك انعقاده مع خلاف الواحد.
والجواب: أن الإجماع إنما يصح إذا انتشر ما أجمعت عليه الجماعة انتشاراً ظاهراً يقف عليه الكافة، فإذا ظهر انتشاره ولم يظهر خلاف من أحد، علمنا أن الكافة قد أطبقت عليه بنفي ما يمنع انعقاد الإجماع، وإذا خالف واحد واثنان فقد تيقنّا حصول ما يمنع أنعقاد الإجماع.
стр. 1323
مسألة
يجوز انعقاد الإجماع من طريق الاجهاد (١) خلافاً لابن جرير (٢) ونفاة القياس (٣) .
دليلنا:
طريقان: أحدهما وجوده.
والثاني: جواز وجوده.
فأما وجوده فهو أن الناس أجمعوا على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ من طريق الاجتهاد.
فمنهم من قال: (رضيه رسول الله ﷺ للصلاة، وهي عماد الدين، ومن رضيه رسول الله لديننا وجب أن نرضاه لدنيانا) (٤) .
стр. 1324
ومنهم من احتج بقوله: (إن تولوا أبا بكر تجدوه قوياً في دين الله ضعيفاً في بدنه) (١) .
ومنهم من رضيه، فعقد له.
стр. 1325
كما أن المسلمين أمروا خالد بن الوليد (١) في مُؤْتة (٢) باجتهادهم. فصوب ذلك منهم، وأقرهم عليه (٣) .
وهذا كله اجتهاد منهم.
وكذلك اتفقوا على قتال مانعي الزكاة من طريق الاجتهاد والتراجع (٤) فيه والتحاجج عليه، والقصة منه ظاهرة، ومناظرتهم مشهورة.
ويدل عليه:
أن الأمة اتفقت على أن الأمَة في التقويم بمنزلة العبد، إذا أعتق شخصاً. وأن السّنّور إذا ماتت في السمن بمنزلة الفأرة. وأن الشحم الذائب
стр. 1326
بمنزلة السمن. وأن الغائط في الماء بمنزلة البول. وأن غير فاطمة بنت أبي حبيش من المستحاضات [١٦٨/ب] بمنزلة فاطمة. وأن غير الأعرابي في كفارة الفط بمنزلته. وليس طريقه إلا القياس، فدل على ما قلناه.
والطريق الثاني في جواز وجوده، والدليل عليه: أن القياس وما يجري مجراه أمارة ظاهرة، فجاز اجتماع العدد الكثير على الحكم من جهتها، أصله: القرآن والسنة.
فإن قيل: لفظ القرآن والسنة مسموع، والجماعة تشترك في سماعه، فيجوز أن يقفوا على حكمه، وليس كذلك الاجتهاد، فإنه رأي، ولا يجوز أن ينظر العدد الكثير فيتفق رأيهم.
قيل: الاجتهاد يستند إلى أمارة ثابتة صحيحة، وهى تأثيرات الأصول وشهادتها الدالة على المعاني، وظهورها كظهور لفظ القرآن والسنة، [فإذا] جاز (١) أن يجمع العدد الكثير عن الشبهة، مثل اتفاق اليهود والنصارى والمجوس على تكذيب الرسول ﷺ وإنكار نبوته، وعلى قتل عيسى ﷺ وصلبه، كان اتفاقهم على الحجة أولى.
واحتج المخالف: (٢)
بأن القياس باطل، فلا يجوز انعقاد الإجماع عليه.
والجواب: أن القياس عندنا صحيح ودليل من دلائل الشرع. ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
واحتج: بأن نفس القياس لما كان مختلفاً فيه، وكان في المجمعين من لا
стр. 1327
يقول به، بطل أن يكون إجماعهم صادراً عن القياس؛ لأن ذلك يوجب كون الشىء مجمعاً عليه ومختلفاً فيه.
والجواب: أن الإجماع عند داود إجماع الصحابة، ولا نسلم أنه كان منهم من لا يقول بالاجتهاد، ولا في التابعين.
وما روي من ذم القياس عن بعضهم (١) ، فإنما أراد به مع وجود النص المخالف للقياس.
وقد أجيب عنه بأن النافي للاجتهاد قد تناقض، فيثبت الحكم من طريق الاجتهاد، ويخفى عليه وجهه، كما ادعينا على داود أنه أثبت أحكاماً من طريق الاجتهاد مع مخالفته فيه.
وجواب آخر، وهو: أنه باطل بخبر الواحد والعموم، فإنه لا يخلو عصر إلا وفيه من ينفى خبر (٢) الواحد، ويمنع صحة العموم، ومع هذا فلا خلاف أن الإجماع ينعقد بكل واحد منهما.
واحتج: بأن العدد الكثير لا يتفق اختيارهم لأمر واحد، واستحسانهم له؛ لأن الله تعالى باين بين الطباع، وخالف بين الدواعي والهمم، ولهذا لا يصح اتفاقهم على وضع كذب، وانتحال (٣) شعر، واختيار كلام.
والجواب: أن هذا خطأ؛ لما بيّنا من اتفاق رأيهم على ما ذكرنا.
стр. 1328
وعلى أن اتفاقهم على وضع كذب [١٦٩/أ] وانتحال (١) شعر، واختيار لفظ، إنما لم يجز؛ لأنه لا أمارة عليه تدعو إليه، وليس كذلك الحكم الشرعي فإن عليه أمارة تدعو إليه، وتدل عليه، فجاز أن تجمع خواطر العدد الكثير على اعتقاد صحته، والحكم به. ويدل عليه أنه يجوز اتفاقهم على الصدق، وإن كان لا يجوز اتفاقهم على وضع الكذب؛ لأن الكذب لا داعي له يعمهم، وللصدق داع يعمهم، ويجمعهم، كذلك للحكم دليل يعمهم، ويجمعهم، فافترقا.
واحتج: بأن من نفى القياس وخالفه لا يفسق، ومن خالف الإجماع فسق، فكيف ينعقد الإجماع الذي يفسق من خالفه عن قياس لا يفسق من خالفه.
والجواب: أنه إنما يفسق إذا لم يتأيد (٢) بالإجماع عليه، فأما إذا تأيد (٣)
بالإجماع عليه، قوي بالمصير إليه، ففسق جاحده، وهذا كما قلنا في خبر الواحد: من جحده لا يفسق، ومع هذا إذا انعقد الإجماع فسق مانعه.
وهكذا من منع صيغة العموم لا يفسق، فإذا انعقد الإجماع به فسق مانعه ومخالفه، وكذلك القياس مثله.
واحتج: بأن القياس فرع والإجماع أصل، فكيف ينعقد الأصل عن فرعه.
والجواب: أنه ليس بفرع للإِجماع، وإنما هو فرع لأصله الذي استنبط منه وذلك الأصل آية أو حديث (٤) فإذا صح انعقاده عن أصل القياس صح انعقاده عن فرع ذلك الأصل.
стр. 1329
واحتج: بأن القياس أمر خفي، يفتقر إلى استخراج واستنباط، وليس كل من كان من أهل الاجتهاد يقدر عليه.
والجواب: أنه كذاك، ولكن إذا كان خفياً كان الاهتمام به أشدَّ والعناية به أؤكد، فكان الإجماع عنه (١) أولى.
ألا ترى أن معرفة صيغة العموم أمر خفي، وكذلك الجمع بين الخبرين، واستخراج الحكم من بينهما، من حيث بناء أحدهما محلى الآخر، وهو أخفى من القياس وأدق، ومع هذا ينعقد الإجماع عنه ويصح، فانعقاده بالقياس أولى.
واحتج: بأن كل واحد منهم إذا قال في الحادثة قولاً عن قياس فهو يقول: يجوز لغيري أن يخالفني فيه. فإذا أجمعوا عليه، فقد أجمعوا على تجويز مخالفتهم، وإذا أجمعوا على تجويز مخالفهم بَعُدَ قول من قال: لا يسوغ خلافهم.
والجواب: أن كل واحد منهم يعتقد جواز مخالفته، ما لم يستقر إجماعهم على ذلك، فإذا استقر إجماعهم عليه، لم تسغ المخالفة، ولن يمتنع أن يخالف كل واحد منهم إذا انفرد، وإذا اجتمعوا لم يجز.
ألا ترى أن خبر الواحد تسوغ مخالفته، كذلك ها هنا، وإذا ثبت هذا وأنه [١٦٩/ب] ينعقد من طريق الاجتهاد، فإنه ينعقد عن القياس الجلي (٢) ، وعن القياس الخفي (٣) .
أما الجلي (٤) [فـ] نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لّهُمَا أف) (٥) نصّ على التأفيف
стр. 1330
ونبّه على الضرب.
وكذلك قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) (١) ، (وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (٢) ، ونحو ذلك.
وأما الخفي: فهو قياس غَلَبة (٣) الشبه، وبيانه: أن تحدث حادثة، وليس هناك إلا أصلان، أصل حظر، وأصل إباحة، وأصل الحظر له خمسة أوصاف، وأصل الإباحة له خمسة أوصاف، والحادثة لا تجمع أوصاف أحدهما، بل فيها من الإباحة أربعة أوصاف، ومن أوصاف، الحظر ثلاثة، فإذا كان كذلك ألحقناه بالذي كثرت أوصافه فيه.
وهذا يقع في الصفات والأحكام.
أما الصفات فمعروفة، و [أما] الأحكام فكالعبد (٤) ، أخذ شبهاً من الحر: بأنه مكلف مخاطب، وأخذ شبهاً من البهائم: بأنه (٥) مملوك، يورث، ويباع، ويوهب، فلم يجتمع معنى أحد الأصلين، فألحقناه بكل واحد بما هو أشبهه، فأطرافه أشبه بأطراف الحر، فأوجبنا فيها مقدراً، والجناية على غير أطرافه بالبهائم أشبه، فألحقناه بها، فالقياس ينعقد عليه؛ لأنه كغيره من أنواع القياس في باب العمل به، فوجب أن يكون كغيره في انعقاد الإجماع عليه.
стр. 1331
مسألة
الاعتبار في الإجماع بقول أهل العلم، ولا يعتبر بخلاف العامة لهم (١) .
وقد قال أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم، وقد ذكر له عن شريح (٢) وابن سيرين - فقال: "هؤلاء لا يكونون حجة على من كان مثلهم من التابعين، فكيف على من قبلهم من أصحاب النبي ﷺ ".
وحُكي عن قوم من المتكلمين: إذا خالفهم رجل من العامة، لم يكن إجماعاً (٣) .
دليلنا:
أن العامي ليس من أهل الاجتهاد في أحكام الشريعة؛ لأنه لا يجوز أن يعمل باجتهادة، ولا يجوز لغيره أن يعمل به، فهو بمنزلة الصبيان والمجانين.
فإن قيل: لا حكم لقول الصبيان والمجانين.
стр. 1332
قيل: لا حكم لقولهم في أحكام الشريعة، كما لا حكم لقول الصبيان والمجانين ووجوده وعدمه سواء.
فإن قيل: العامة مكلفون، والصبيان والمجانين غير مكلفين.
قيل: العامة لم يكلفوا الاجتهاد في الأحكام، بل منعوا منه، فلا فرق بينهم في ذلك.
ولأن العامة محجوجة بقول أهل العلم، فوجب أن لا يُعتبر رضاهم به، كما أن الأمة لما كانت محجوجة بقول النبي ﷺ لم يعتبر رضاهم به، وكذلك أهل [١٧٠/أ] العصر الثاني مع أهل العصر الأول.
ولأنهم يلزمهم الرضا بما اتفق أهل العلم عليه، وما وجب الرضا به، لم يكن لعدم الرضا حكم، وكان وجوده وعدمه سواء.
واحتج المخالف:
بقول النبي ﵇ (لا تَجْتمعُ أُمَّتي على ضلالة) : و (لا تَجْتمعُ على الخطأ) ، والعامة من الأمة، فوجب أن يعتبر إجماعهم مع أهل العلم.
والجواب: أن المراد به أهل العلم والاجتهاد، ولا مدخل للعامة فيه، وإن كانوا من الأمة، كما لا يدخل الصبيان، وإن كانوا من الأمة.
وقد قيل: إن هذا لا يوجد؛ لأن عامة المسلمين يتبعون الأئمة من أهل العلم، ولكل فريق منهم إمام، يتبعونه، ويعتقدون (١) قوله، فلا يجوز أن يخالف أحد منهم فيما اتفقوا الجميع (٢) .
стр. 1333
فإن قيل: أليس قد اعتبرتم إجماع العامة فيما يشاركون العلماء فيه؟! مثل الطهارة، والصلاة، وعدد ركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وتحريم الربا، والسرقة، ونحو ذلك، هلا اعتبرتم إجماعهم فيما يختص به العلماء، مثل فروع الطهارة وفروع الصلاة، ونحو ذلك.
قيل: لأن السبب الذي عرف به هذه الأشياء، هو (١) النقل المستفيض، وذلك يشترك (٢) في معرفته (٣) العامة والخاصة، فأما غير ذلك فطريقه الاجتهاد، فلا معرفة لهم به.
стр. 1334
فصل
فيمن كان منتسباً إلى العلم، كأصحاب الحديث والكلام في الأصول (١) ، إلا أنه لا علم له بأحكام الفقه وفروعه وطرق المقاييس والرياضة بوجوه اجتهاد الرأى، فإنه لا يعتد بخلافه أيضاً (٢) .
وقد قال أحمد ﵀، في رواية أبي الحارث-: "لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة، ممن إذا ورد عليه أمر، نظر الأمور وشبهها بالكتاب والسنة" (٣) .
وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه لا يصح الإجماع إلا بأن يجتمع عليه جميع أهل العلم والمنتسبين إلى العلم (٤) .
стр. 1335
دليلنا:
أن من لا مدخل له في طرق الاجتهاد ورد الفروع إلى الأصول، فإنه يجري في أحكام الشرع مجرى العامي، فلما لم يعتد بالعامة فيما لا علم لهم به، لأنهم تبع للعلماء، منقادون لهم، وجب أن لا يعتبر أيضاً في الإجماع من ليس من أهل النظر والاجتهاد.
ويبين صحة هذا: أن من لا مدخل له في تقويم الثوب وما يجري مجراه، فإنه لا يرجع إلى قوله فيه، ولا يعتد بقوله إذا احتيج إلى تقويم الثوب ونحوه، وكذلك من لا مدخل له في النظر بطرق الاجتهاد في أحكام الحوادث.
ولأن القول يتبع العلم [١٧٠/ب] بالقول، والعمل يتبع العلم بالمعمول به، فلم يجز أن يعتد في الإجماع على الشيء بمن لا علم له به.
ولأن المجتهد في الإجماع هو من كان معه آلة الإجماع التى يتوصل بها إلى معرفة الحكم، بأن يعرف القياس وأحكام المسائل وعلَلَها، حتى يقيس نظائرها عليها، ويرد الفروع إلى الأصول التى تشبهها، ومن لا يعرف أحكام الفروع لا يتمكن من هذا الذي ذكرنا، فلم يكن من أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً بأشياء أخر، كمن عرف الحساب واللغة وغير ذلك من أنواع العلوم.
فإن قيل: إذا عرف أصول الفقه أمكنه رد فروعه إليه.
قيل: ليس الأمر على هذا، لأنه إنما يمكن رد الفروع إلى الأصول، إذا عرف معانيَها ونظائرها، حتى يقيسَ عليها.
ويبين هذا: أنه لو كان هذا من أهل الاجتهاد لا يُحْتَمل قوله في الحادثة وتوقيفُه على الحكم، وما اقتصر على مجرد سكوته.