مسألة
الاعتبار في الإجماع بقول أهل العلم، ولا يعتبر بخلاف العامة لهم (١) .
وقد قال أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم، وقد ذكر له عن شريح (٢) وابن سيرين - فقال: "هؤلاء لا يكونون حجة على من كان مثلهم من التابعين، فكيف على من قبلهم من أصحاب النبي ﷺ ".
وحُكي عن قوم من المتكلمين: إذا خالفهم رجل من العامة، لم يكن إجماعاً (٣) .
دليلنا:
أن العامي ليس من أهل الاجتهاد في أحكام الشريعة؛ لأنه لا يجوز أن يعمل باجتهادة، ولا يجوز لغيره أن يعمل به، فهو بمنزلة الصبيان والمجانين.
فإن قيل: لا حكم لقول الصبيان والمجانين.
стр. 1332
قيل: لا حكم لقولهم في أحكام الشريعة، كما لا حكم لقول الصبيان والمجانين ووجوده وعدمه سواء.
فإن قيل: العامة مكلفون، والصبيان والمجانين غير مكلفين.
قيل: العامة لم يكلفوا الاجتهاد في الأحكام، بل منعوا منه، فلا فرق بينهم في ذلك.
ولأن العامة محجوجة بقول أهل العلم، فوجب أن لا يُعتبر رضاهم به، كما أن الأمة لما كانت محجوجة بقول النبي ﷺ لم يعتبر رضاهم به، وكذلك أهل [١٧٠/أ] العصر الثاني مع أهل العصر الأول.
ولأنهم يلزمهم الرضا بما اتفق أهل العلم عليه، وما وجب الرضا به، لم يكن لعدم الرضا حكم، وكان وجوده وعدمه سواء.
واحتج المخالف:
بقول النبي ﵇ (لا تَجْتمعُ أُمَّتي على ضلالة) : و (لا تَجْتمعُ على الخطأ) ، والعامة من الأمة، فوجب أن يعتبر إجماعهم مع أهل العلم.
والجواب: أن المراد به أهل العلم والاجتهاد، ولا مدخل للعامة فيه، وإن كانوا من الأمة، كما لا يدخل الصبيان، وإن كانوا من الأمة.
وقد قيل: إن هذا لا يوجد؛ لأن عامة المسلمين يتبعون الأئمة من أهل العلم، ولكل فريق منهم إمام، يتبعونه، ويعتقدون (١) قوله، فلا يجوز أن يخالف أحد منهم فيما اتفقوا الجميع (٢) .
стр. 1333
فإن قيل: أليس قد اعتبرتم إجماع العامة فيما يشاركون العلماء فيه؟! مثل الطهارة، والصلاة، وعدد ركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وتحريم الربا، والسرقة، ونحو ذلك، هلا اعتبرتم إجماعهم فيما يختص به العلماء، مثل فروع الطهارة وفروع الصلاة، ونحو ذلك.
قيل: لأن السبب الذي عرف به هذه الأشياء، هو (١) النقل المستفيض، وذلك يشترك (٢) في معرفته (٣) العامة والخاصة، فأما غير ذلك فطريقه الاجتهاد، فلا معرفة لهم به.
стр. 1334
فصل
فيمن كان منتسباً إلى العلم، كأصحاب الحديث والكلام في الأصول (١) ، إلا أنه لا علم له بأحكام الفقه وفروعه وطرق المقاييس والرياضة بوجوه اجتهاد الرأى، فإنه لا يعتد بخلافه أيضاً (٢) .
وقد قال أحمد ﵀، في رواية أبي الحارث-: "لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة، ممن إذا ورد عليه أمر، نظر الأمور وشبهها بالكتاب والسنة" (٣) .
وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه لا يصح الإجماع إلا بأن يجتمع عليه جميع أهل العلم والمنتسبين إلى العلم (٤) .
стр. 1335
دليلنا:
أن من لا مدخل له في طرق الاجتهاد ورد الفروع إلى الأصول، فإنه يجري في أحكام الشرع مجرى العامي، فلما لم يعتد بالعامة فيما لا علم لهم به، لأنهم تبع للعلماء، منقادون لهم، وجب أن لا يعتبر أيضاً في الإجماع من ليس من أهل النظر والاجتهاد.
ويبين صحة هذا: أن من لا مدخل له في تقويم الثوب وما يجري مجراه، فإنه لا يرجع إلى قوله فيه، ولا يعتد بقوله إذا احتيج إلى تقويم الثوب ونحوه، وكذلك من لا مدخل له في النظر بطرق الاجتهاد في أحكام الحوادث.
ولأن القول يتبع العلم [١٧٠/ب] بالقول، والعمل يتبع العلم بالمعمول به، فلم يجز أن يعتد في الإجماع على الشيء بمن لا علم له به.
ولأن المجتهد في الإجماع هو من كان معه آلة الإجماع التى يتوصل بها إلى معرفة الحكم، بأن يعرف القياس وأحكام المسائل وعلَلَها، حتى يقيس نظائرها عليها، ويرد الفروع إلى الأصول التى تشبهها، ومن لا يعرف أحكام الفروع لا يتمكن من هذا الذي ذكرنا، فلم يكن من أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً بأشياء أخر، كمن عرف الحساب واللغة وغير ذلك من أنواع العلوم.
فإن قيل: إذا عرف أصول الفقه أمكنه رد فروعه إليه.
قيل: ليس الأمر على هذا، لأنه إنما يمكن رد الفروع إلى الأصول، إذا عرف معانيَها ونظائرها، حتى يقيسَ عليها.
ويبين هذا: أنه لو كان هذا من أهل الاجتهاد لا يُحْتَمل قوله في الحادثة وتوقيفُه على الحكم، وما اقتصر على مجرد سكوته.
стр. 1336
ومن يخالف في هذه المسألة يقول:
إذا أجمع أهل الاجتهاد على شيء، ورضي المتكلمون بذلك في الجملة، ولم يعرفوا غير الحكم، ولا اجتهدوا، انعقد الإجماع.
وهذا يدل على أنهم بمنزلة العامة، وأنهما خارجون من جملة أهل الاجتهاد.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (١) وهؤلاء من جملة المؤمنين.
وقول النبى ﷺ -َ (لا تَجتمعُ أمتي على الخَطأ) ولم يخص.
والجواب: أن المراد بذلك من هو من أهل الاجتهاد، ألا ترى أنه لم يرد به العامة.
واحتج: بأن من عرف أصول الفرائض، ولم يعرف الغامض فيه [يعتبر قوله في ذلك] (٢) .
والجواب: بأن من عرف أصول الفرائض، يمكنه بناء فروعها عليها بالحساب والقياس، ومن عرف أصول الفقه لا يمكنه بناء أحكام فروعه عليه؛ لأن الفروع تختص بأدلة لا يشاركها الأصول فيها (٣) .
стр. 1337
فصل
ولا يعتبر في صحة انعقاد الإجماع بأهل الضلال والفسق، وإنما الإجماع إجماع أهل الحق، الذين لم يثبت فسقهم وضلالهم (١) .
وقد قال أحمد ﵀، في رواية بكر بن محمد عن أبيه: "لا يشهد عندي رجلٌ، ليس هو عندي بعدل، وكيف أجوز حكمه؟! يعنى: الجَهْمي" (٢) .
وبهذا قال الرازي (٣) والجرجاني (٤) .
стр. 1338
وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يعتد في الإجماع بمن يخالف الحق، كما يعتد بأهل الحق، سواء عظمت معصية المخالف للحق أو لم تعظم.
وهو اختيار أبي سفيان الحنفي.
وذكر الإسفراييني (١) : إن ارتكب بدعة كفر بها لم يعتد بقوله، وإن فسق بها، أو أتى كبيرة يعتد به (٢) [١٧١/أ] .
دليلنا:
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطَاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (٣) فجعلهم شهداء على الناس وحجة عليهم فيما يشهدون به، لكونهم وسطاً.
والوسط في اللغة: هو العدل (٤) ، فلما لم يكن أهل الفسق والضلال بهذه الصفة، لم يجز أن يكونوا من الشهداء على الناس، فلا يعتد بهم في الإجماع.
ويدل عليه أيضاً: قوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المْؤْمِنِينَ) (٥) فلما لم يكن سبيل أهل الفسق والضلال سبيل المؤمنين، لم يجز أن يكون سبيلهم مأموراً باتباعه.
ولأنه قد يجوز أن يعصي فيما يعتد به فيه من الإجماع، كما يعصي في غيره،
стр. 1339
فلا يجوز الاعتداد به.
فإن قيل: قد لا يختار المعصية فيما يدخل به في جملة المجمعين، وإن كان قد يختار ذلك في غير باب الإجماع، ألا ترى أن الدلالة قد دلت على امتناع وقوع الخطأ من الأنبياء ﵈ فيما هم حجة فيه، وإن كان يجوز وقوع الخطأ الصغير منهم في غير ما يؤدونه إلينا.
قيل: فيجب أن يقبل خبر الكذاب؛ لأنه يجوز أن لا يختار الكذب فيما يرويه، وإن كان يختار ذلك في غير باب الأخبار، ولا يشبه هذا الأنبياء؛ لأنهم معصومون في الرسالة.
وأيضاً: فإن كونهم في جملة المجمعين يقتضي مدحهم وتعظيمهم، وكونهم من أهل الفسق والضلال يقتضي ذمهم والاستخفاف [بهم] ، فلما لم يجز أن يكونوا استحقوا الذم والمديح في حالة واحدة، لم يجز أن يكونوا داخلين في جملة من يعتد بهم في الإجماع مع كونهم من أهل الفسق.
ويدل عليه قوله تعالى: (وَاتَّبع سَبِيلَ مَنْ أنَابَ إِلَىَّ) (١) .
وقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) (٢) والفاسق يأمر بالمنكر، ويمنع المعروف.
ولأن من لا تقبل شهادته في حق خاص لم يعتد به فيما يلزم الجماعة.
ولأنه إخبار بأمر من أمور الدين، فلا يدخل فيه الفاسق، مثل (٣) أخبار الآحاد.
واحتج المخالف:
بقوله ﵇: (أمتي لا تجتمعُ على الخطأ) فلما كان أهل الفسق والضلال من جملة الأمة وجب أن يعتد بهم في جملة الإجماع.
والجواب: أن المراد بذلك العدول منهم، كما كان المراد به العلماء منهم.
стр. 1340
واحتج: بأنهم قادرون على الصواب كقدرتهم على الخطأ، فلم يمتنع أن يدل الدليل على أنهم لا يختارون إلا الصواب فيما يعتد به بهم في جملة المجمعين، وإن جاز أن يختاروا مثل ذلك في غير باب الإجماع، وقد دلّ الدليل على ذلك، وهو قوله ﵇: (أمتي لا تَجتمعُ على الخطأ) .
والجواب: أن الفاسق قادر على الصدق في خبره، ومع هذا فلا يقبل خبره.
واحتج: [١٧١/ب] بأن أخبار التواتر تسمع من العدل والفاسق، كذلك الإجماع.
والجواب: أن ذلك يقع من كل فرقة، والإجماع يختص بفرقة.
مسألة
أهل المدينة وغيرهم في الإجماع سواء، فإذا قالوا قولاً، ووافقهم غيرهم عليه صار إجماعاً، وإن خالفهم غيرهم من أهل الأمصار لم يكن إجماعاً. ولا يكون قولهم أولى من قول غيرهم (١) .
وقد قال أحمد ﵀ في رواية أيى داود: "لا يُعجبُنى رأي مالك ولا رأي أحد" (٢) .
وقال -في رواية مهنا-: "لا ينبغي لرجل أن يضع كتاباً على أهل المدينة في بعض أقاويلهم التي (٣) يذهبون إليها، ويأخذون بها عن عمر والصحابة والتابعين".
стр. 1341
وظاهر هذا [عدم] جواز الوضع فيما انفردوا به.
وحُكِي عن مالك أنه قال: "إذا أجمع أهل المدينة على شىء، صار إجماعاً مقطوعاً عليه، وإن خالفهم فيه (١) غيرهم" (٢) .
وقال قوم من أصحابه: إنه أراد إجماعهم (٣) فيما طريقه النقل. وهذا فرار من المسألة.
وقال آخرون: أراد بذلك اجتماعهم في زمن الصحابة والتابعين ومن يليهم (٤) .
دليلنا:
قوله تعالى: (ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (٥) وأهل المدينة ليس هم جميع المؤمنين.
وكذلك قوله تعالى: (أمَّةً وَسَطَاً) (٦) وذلك لا يختص بأهل المدينة؛ لأنهم بعضنا.
стр. 1342
وقوله تعالى: (فَإن تَنَازَغتُمْ في شَىْءٍ فرُدوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (١) فمن قال: يرد إلى أهل المدينة، فقد ترك الظاهر.
وقول النبي ﷺ : (أصحابي كالنُّجُوم، بأيهم اقْتَدَيتُم اهْتَدَيتُم) ، ولم يفصل بين أن يكونوا بالمدينة أو بغيرها.
وقوله: (أمتي لا تجتمعُ على خَطَأ) وظاهر الخبر يفيد كل الأمة إلى يوم القيامة، لكن علمنا أنه لم يرد ذلك، فثبت (٢) أنه أراد الأمة من كل عصر، وليس أهل المدينة أمته في العصر.
ولأنهم بعض الأمة، والخطأ جائز عليهم كما هو جائز على غير أهل المدينة.
ولأن حكم الإجماع لا يخلو أن يعود إلى فضيلة البقاع أو فضيلة الرجال في العلم، فإن اعتبرتم فيه فضيلة البقاع، فأهل مكة أحق به، وإن عاد إلى العلم، فعلي بن أبي طالب وابن مسعود وثلاثمائة ونيف من الصحابة انتقلوا إلى العراق من أهل العلم والدين، وليس من أقام بالمدينة بأعلم منهم.
ولأن ما قالوه يفضي إلى أن يكون قولهم حجة ما داموا في المدينة، فإذا خرجوا منها وغابوا إلى الشام والكوفة وغير ذلك من البلاد لا يكون حجة، وما أفضى إلى هذا سقط في نفسه؛ لأن الاعتبار بأقوال المجتهدين، لا بمكانهم.
ولأن ما كان حجة لله تعالى لا يختلف باختلاف الأزمان بدليل الكتاب والسنة، وقد ثبت [١٧٢/أ] أن إجماع أهل المدينة في هذا الوقت ليس بحجة (٣) ، فلم (٤) يجز أن يكون حجة فيما مضى.
стр. 1343
واحتج المخالف:
بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الإيمان لَيَأرِزُ (١) إلى المدينة كما تَأرِزُ الحية (٢) [إلى جُحْرِها] ) (٣) .
والجواب: أن كلامه خرج على زمان الهجرة في رجوع الناس إلى المدينة هرباً من الكفار، ومعونة لرسول الله ﷺ وهذا لا ينفي كون المؤمنين بغيرها، وجواز الخطأ على أهلها.
وجواب آخر، وهو: أنه يفضي إلى أن جميع الإسلام إذا عاد إليها، وحصل فيها، لم يجز خلافه.
واحتج: بقوله ﵇: (اللَّهم حبِّبْ إلينا المدينة، وباركْ لنا في صاعِها ومُدِّها) (٤) .
стр. 1344
والجواب: أن هذا لا ينفي وقوع الخطأ من أهلها كما لو دعا (١) مثل هذا الدعاء لغيرهم (٢) لم ينف وقوع الخطأ منهم (٣) ، وقد دعا لعلي ولغيره من الصحابة، ولم يدل على أن قول كل واحد منهم بانفراده حجة.
واحتج: بما روي عن النبى ﷺ أنه قال: (الدجَّال لا يدخلها، وأن على كل باب منها ملكاً شاهراً سيفه) (٤) .
والجواب: أن هذا يفيد صيانتها من دخول الدجّال، ترغيباً في المقام بها، وهذا لا ينفى الخطأ من المقيمين بها.
стр. 1345
واحتج: بأن النبي ﷺ وصفها بحفوف الملائكة بها.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون أراد صيانة المهاجرين والأنصار، وتسكيناً لروعهم من الكفار.
واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المدينة تنفى خَبَثَها كما تنفي النارُ خَبَثَ الحديد) (١) .
стр. 1346
والجواب: أنه أراد بذلك في زمانه، بدلالة كثرة الخبث بها بعده، ومخبره لا يقع بخلاف ما أخبر به.
ويحتمل: أن يكون أراد بالخبث الكفر والشرك عنها ظاهراً، فأما أهل الاجتهاد إذا خرجوا منها فلا.
واحتج: بما روي عن النبي ﷺ قال: (لا يصبرُ على لأَوَاءِ (١) المدينة وشدتها أحد إلا كنتُ له شهيداً يوم القيامة) (٢) .
والجواب: أنه ترغيب للمقام بها من غير أن يعتبر نفي الخطأ عنهم فيما طريقه الشريعة.
واحتج: بما روي عن النبى ﷺ قال: (لا يكيدُ أحدٌ أهلَ المدينة إلا انْمَاعَ كما يَنْماعُ الملحُ في المَاءِ) (٣) .
стр. 1347
والجواب: أنه مقيد بما يفعله الله تعالى بمن أراد سوءً بالمدينة، والخطأ فيما يتفقون عليه في أمر الدين ليس من هذا في شىء، ومن ذمهم أو ردَّ عليهم، فإنه لا يريد سوءً بالمدينة.
ولا يجوز حملُه على الأهل من غير دلالة.
ولأن الفسق عبارة [١٧٢/ب] عن الفعل المذموم، ومن أنكر عليهم في خطئهم فقد دعاهم إلى خير، وأراده منهم.
وعلى أن المكايَدَة هى المباينة بغير حق، وخلافُنا في الخلاف فيما هو حق، ويسوغ فلا يتناول الخبر موضعَ الخلاف.
وجواب آخر، وهو: أن الخبرَ حجةٌ لنا، فإنه يتناول أهل المدينة حيث كانوا فيها أو في غيرها، فيجب إذا كانوا بالكوفة وغيرها من البلاد لا يُخالفون.
واحتج: بأن أهل المدينة شاهدوا الرسول وحضروا التنزيل وعرفوا التأويل.
والجواب: أن الصحابة الذين هذه صفتهم قولهم حجة، وإنما الخلاف فيه: إذا كان بعضهم بالمدينة وبعضهم خارجاً عنها، هل يكون قول البعض الذين بالمدينة حجةً على غيرهم؟ وليس فيما ذكروه ما يدل على ذلك.
فأمَّا من قال: إن إجماع أهل المدينة حجة فيما طريقه التواتر فقد أبعد، لأن خبر التواتر، لا يختص بطائفة، وقد يقع ذلك ببعض أهل المدينة.
ولا يجوز أن يُحمل قول مالك على تجويز الخطأ في تواتر غير أهل المدينة، وترجيح تواتر أهل المدينة، لأنهم عرفوا أواخر فعل النبي ﵇ لأن من نقل الأخبار إلى غير أهل المدينة هم الصحابة الذين عرفوا أواخر فعله
стр. 1348
وأوائله (١) ، فلا يختص معرفة ذلك بالمقيمين بالمدينة.
ولأن آحاد غير أهل المدينة قد يكونون (٢) أحفظ بالخبر من آحادهم. وقد روى رافع بن خديج (٣) : النهيَ عن المُزارعة لأهل المدينة، فرجعوا إلى خبره (٤) .
стр. 1349
ولا يجوز أن يحمل ذلك على عمل أهل المدينة إذا ظهر، مثل نقلهم للصاع، لأن هذا إن كان عن خبر مستفيض فلا يخفى، وإن كان عن اجتهاد فاجتهادهم لا يلزم غيرهم.
ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقديم اجتهاد أهل المدينة على اجتهاد غيرهم؛ لأن ذلك إن كان يجب لمشاهدتهم لأقاويل رسول الله ﷺ ، ونزول آي القرآن فإن ذلك حصل من الصحابة الذين انتقلوا إلى البصرة والكوفة، فلا معنى للتفريق.
ولو وجب ما ذكروه لصار قول أهل مكة أولى في المناسك، لمشاهدتهم (١) رسول الله ﷺ يفعلها عندهم، ولَوَجَبَ (٢) على ما قالوه أن يكونوا (٣) أكثر الأمة إجماعاً (٤) ، لأنهم أعلم.
وأن يرجح قول المهاجرين لكثرة مشاهدتهم بطول صحبتهم.
وأن يرجح [قول] ، المهاجرين لهذا المعنى، وقول شيوخ الصحابة على الأحداث (٥) .
стр. 1350
مسألة
في التابعي إذا أدرك عصر الصحابة، وهو من أهل الاجتهاد لم يعتدَّ بخلافه
стр. 1351
في أصح الروايتين (١) .
أومأ إليها في [١٧٣/أ] مواضع.
فقال في رواية أبي الحارث، وقد سأله: "إلى أي شىء ذهبت في ترك الصلاة بين التراويح (٢) ؟ فقال: ضَربَ عليها عقبةُ بن عامر (٣) ونهى عنها (٤) عبادة بن الصامت، فقيل له: يروى عن سعيد والحسن: أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح (٥) فقال: أقول لك: أصحاب رسول [الله] ، وتقول: التابعين! ".
стр. 1352
وسأله أيضاً عن عدد قتلوا رجلاً؟ "قال: يقادون (١) به، يروى عن عمر (٢)
стр. 1353
وعلي (١) ، فقيل له: يروى عن بعض التابعين (٢) : أنه لا يقتل اثنان بواحد (٣) ،
стр. 1354
فقال: ما يُصنع بالتابعين؟ ".
وكذلك نقل أبو عبد الله القَواريري (١) - كاتب أبي هاشم - قال: "سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال له الرجل: قال عطاء، فقال: أقول لك: قال ابن عمر، تقول: قال عطاء، من عطاء، ومن أبوه؟ ".
وظاهر هذا (٢) : أنه لم يعتبر بقوله (٣) .
وبهذا قال طائفة من أصحاب الشافعى (٤) .
стр. 1355
وفيه رواية أخرى: يُعتدُّ بخلافه (١) .
أومأ إليه (٢) ﵀ في رواية أبي الحسن بن هارون (٣) ، قال: "لا ينظر العبد إلى شعر مولاته، واحتج بقول سعيد" (٤) .
وكذلك نقل عبد الله عن أبيه: "لا ينظر إلى شعر مولاته، وقال: قد روي عن ابن عباس أنه قال: لا بأس أن ينظر العبد إلى شعر مولاته، وتأول الآية (٥) . وقال سعيد: لا تغرنكم هذه الآية التي في سورة النور: (أو مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُنَّ) (٦) إنما عنى بها الإماء، لا ينبغي أن ينظر إلى شعرها" (٧) .
وكذلك نقل أبو طالب عنه: "لا ينظر إلى شعر مولاته، وذكر قول سعيد: لا تغرنكم هذه الآية، ولم نَسمع إلا حديث السدّي عن ابن مالك (٨) عن
стр. 1356
ابن عباس (١) ، فأما التابعون فقد نهى عنه غير واحد".
فظاهر هذا: أنه اعتدَّ بقول سعيد خلافاً على ابن عباس.
قال أبو بكر الخلال في كتاب "غض البصر" من "الجامع" (٢) : "إنما صار أحمد ﵀ إلى هذا، وترك قول ابن عباس؛ لأنه ضعيف. ومذهب أبي عبد الله: إذا صح عنده عن أحد من أصحاب رسول الله شىء (٣) لم يجاوزه إلى من بعده من التابعين".
стр. 1357
وليس الأمر على ما ذكر أبو بكر الخلال، لأن أحمد ﵀ لم يترك حديث ابن عباس؛ لأنه لم يثبت عنده.
يبين صحة هذا: ما رواه الأثرم قال: "قلت: السُّدِّي عن ابن مالك عن ابن عباس؟ فقال لي: نعم، قلت: أليس هو إسناداً؟! (١) ، فقال: ليس به بأس".
وهذا يمنع ضعف الحديث عنده.
وكذلك قوله في رواية أبي طالب: "لم أسمع إلا حديث السُّدِّى، والتابعون غير واحد، فيرجح قول التابعين لكثرتهم لا لضعفه".
وبهذا قال المتكلمون (٢) وأكثر الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعى.
إلا أن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن كان من أهل الاجتهاد [١٧٣/ب] عند الحادثة كان خلافه خلافاً، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد عند الحادثة لكنه صار من أهله قبل انقراض العصر، فأظهر الخلاف، لم يكن خلافاً (٣) ، على ما حكاه أبو سفيان.
стр. 1358
وأصحاب الشافعى (١) يجعلونه خلافاً إذا صار من أهل الاجتهاد قبل انقراض عصر الصحابة.
فالدلالة على أنه لا يعتد بقوله مع الصحابة: قوله ﵇: (اقتدوا باللَّذِينَ من بعدي: أبي بكر عمر) (٢) .
стр. 1359
وقوله: (عليكم بسنَّتى وسنة الخلفاء الراشدِين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) (١) فلما أمر بالاقتداء بهم، والاتباع لهم دلّ على وجوب اتباع التابعي لهم، لم يجز خلافه.
فإن قيل: هذا لا يمنع خلافهم، كما لم يمنع خلاف غير الأئمة من الصحابة للأئمة.
قيل: ظاهر الخبر يقتضى وجوب اتباعهم، وترك مخالفتهم من الصحابة وغيرهم، لكن قام الدليل هناك، وبقي ما عداه على ظاهره.
وأيضاً: قد ثبت أن قول الصحابي إذا انفرد حجة مقدم على القياس في الصحيح من قول أصحابنا وقول أصحاب أبي حنيفة وبعض الشافعية. ومن كان قوله حجة على غير أهل عصره لم يجز لمن كان من أهل العصر مخالفته.
стр. 1360
يدل عليه: أن النبي ﷺ لما كان قوله حجة، لم يجز لأهل عصره مخالفته.
فإن قيل: فالنبي حجة مقطوع عليه، والصحابي غير مقطوع عليه.
قيل: خبر الواحد والقياس غير مقطوع عليهما، ويجب اتباعهما.
فإن قيل: الذي قدمنا به قول الصحابي معرفته بأحوال التنزيل وطريق الأخبار ومشاهدتها، وهذا المعنى يتساويان فيه، فلا يلزم أحدهما متابعة الآخر.
قيل: فكان يجب أن لا يكون قول الصحابي حجة على غيره من بعده من العلماء، وأن يكون قوله أيضاً (١) كقول الصحابة لمساواته في الطريق، ولما لم يقل هذا، لم يصح، لما ذكرته.
فإن قيل: إنما يكون حجة، إذا لم يظهر من أحد من نظرائه خلافه، فإذا ظهر خرج عن أن يكون حجة، كما أن الإجماع ينعقد إذا لم يظهر ممن يعتدّ بقوله خلاف، فإذا ظهر لم ينعقد.
قيل: لا نسلم أن التابعي نظير للصحابى في الاجتهاد، لوجوه:
أحدها: أن قول الصحابي حجة على من بعده، والتابعي بخلاف ذلك.
والثاني: أن الصحابي معه مزية ليست مع التابعي من مشاهدة التنزيل وحضور التأويل.
والثالث: أنه منصوص عليه، لقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي) وقوله: (أصحابي كالنُّجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) .
وهذا المعنى معدوم في [١٧٤/أ] التابعين.
ونجعل هذه طريقة في المسألة فنقول: للصحابي مزية على غيره من التابعين ومن بعدهم.
стр. 1361
لأنه لا يخلو ما قاله أن يكون عن توقيف أو اجتهاد، فإن كان عن توقيف فهو أولى، وإن كان عن اجتهاد فاجتهاده أولى بمشاهدة التنزيل وحضور التأويل.
ولأنه منصوص عليه بقوله: (بأيهم اقتديتم اهتديتم) وإذا كانت له هذه المزية على غيره كان الاعتبار بقوله دون غيره، كما قلنا في القياس مع خبر الواحد، لما كان للخبر مزية كان مقدماً على القياس، وإن كان مساوياً له في أنه حجة، طريقها: غلبة الظن.
وللمخالف على هذا الدليل اعتراضات، نذكرها في قول الصحابي إذا انفرد به: أنه حجة، إن شاء الله تعالى.
واحتج المخالف:
بأنه قد ثبت أن الصحابة سوَّغت للتابعين الاجتهاد معها، وكانوا يفتون مع الصحابة، مثل سعيد بن المسيب وشُرَيح القاضي، الحسن البصري ومسروق وأبي وائل (١) والشعبي وغيرهم.
ألا ترى: أن عمر وعلياً ﵄ ولّيَا شريحاً القضاء، ولم ينقضا أحكامه بالفسخ مع إظهاره الخلاف عليهما في كثير من المسائل.
وكتب عمر إليه: (إن لم تجد في السنة فاجتهد رأيك) (٢) . ولم يأمره بالرجوع، ولا الحكم بقوله.
стр. 1362
وخاصم علي ﵁ إلى شريح، ورضي بحكمه حين حكم عليه بخلاف رأيه (١) .
стр. 1363
وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: تذاكر أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة المتوفى عنها زوجها:
فقال ابن عباس: أبعد الأجلين.
وقلت أنا: عدتها: أن تضع حملها.
وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي.
стр. 1364
فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه، وتبعه أبو هريرة (١) .
وذكر إبراهيم (٢) عن مسروق أنه قال: (كان ابن عباس إذا قدم عليه أصحاب عبد الله (٣) صنع لهم طعاماً ودعاهم، قال: فصنع لنا مرَّة طعاماً، فجعل يسأل ويفتي، فكان يخالفنا، فما يمنعنا أن نردّ عليه إلا أنا على طعامه) (٤) .
وسئل ابن عمر عن فريضة، فقال: (سلوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم بها منِّي) (٥) .
стр. 1365
وسئل أنس عن مسألة فقال: (سلوا مولانا الحسن) (١) .
وإذا ثبت أنها قد سوغت لهم ذلك، لم يكن بينهم في هذا المعنى فرق.
والجواب: أنه يحتمل أن يكونوا سوغوا الاجتهاد للتابعين فيما كانوا مختلفين فيه، ليجتهدوا في أخذ أقوالهم، فسوغوا ذلك، ولم يثبت عنهم أنهم سوغوا خلاف الواحد فيما قال.
ولهذا قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعنى: أبا سلمة.
يبين صحة هذا: أنه روي أن علياً ﵁ نقض على شريح حكمه في ابني عم، أحدهما أخ لأم، لما جعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم (٢) ، [١٧٤/ب] .
стр. 1366
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لأبي سلمة ابن عبد الرحمن: (مثلك مثل الفَرُّوج، يسمع الديك يصيح، فصاح بصياحه) .
وذلك إنكار منها عليه في مناظرة عبد الله بن عباس والدخول معه في الاجتهاد (١) .
стр. 1367
واحتج: بأن معه آلة الاجتهاد، فكان متعبداً به، ولم يجز له تقليد غيره.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون معه آلة الاجتهاد، ويكون متعبداً بغيره، كما كان متعبداً نحو الواحد إذا عارضه القياس.
واحتج: بأنهم من أهل الاجتهاد في وقت حدوث النازلة، فوجب أن لا ينعقد الإجماع إلا بموافقتهم، أصله: الصحابة.
والجواب: أن الصحابة قد تساووا في المزية والاجتهاد، وليس ذلك في التابعين، فإنهما وإن ساووا الصحابة في الاجتهاد، فللصحابة مزية عليهما من الوجه الذي بينا، فلهذا لم يعتد بخلافهم عليهم.
واحتج بأن الاعتبار بالعلم دون الصحبة، يدل عليه: أن الصحابي إذا لم يكن عالماً وجب عليه تقليد أهل العلم من التابعين، فإذا كان كذلك، وقد شاركهم التابعي في العلم، وجب أن يكون بمنزلتهم.
والجواب: أن الاعتبار بالعلم والصحبة لما فيهما من المزية، فإذا لم يكن الصحابي عالماً فقد عدم أحد الوصفين، فلهذا لم يعتد بقوله. وإذا كان من أهل الاجتهاد فقد وجد معنيان، والتابعي يوجد فيه أحدهما.
стр. 1368
مسألة
[الإجماع السكوتي]
إذا قال بعض الصحابة قولاً، وظهر للباقين، وسكتوا عن مخالفته والإنكار عليه حتى انقرض العصر، كان إجماعاً (١) .
وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية الحسن بن ثواب، قال: "أذهبُ في التكبير غداةَ يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شىء تذهب؟ قال: بالإجماع: عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس" (٢) .
وظاهر هذا: أنه جعله (٣) إجماعاً، لانتشاره عنهم، ولم يظهر خلافه (٤) .
وقد صرح به أبو حفص البرمكي، فيما رأيته بخطه على ظهر الجزء الرابع من شرح مسائل الكوسج، فقال: "قال أحمد بن حنبل ﵁ في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي (٥) : "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ
стр. 1369
على هذا المصحف (١) ".
قال أبو حفص: فبان بهذا أن الصحابة إذا ظهر الشىء من بعضهما، ولم يظهر من الباقين خلافهم: أنه عنده إجماع.
وبهذا قال الأثرم (٢) من أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان السرخسى والجرجاني (٣) .
وهو أيضاً قول الأكثر من أصحاب [١٧٥/أ] الشافعي (٤) .
ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: يكون حجة، إلا أنه لا يكون إجماعاً.
حكاه الجرجاني (٥) .
ومن أصحاب الشافعي من قال: يكون حجة مقطوعاً بها، ولا يكون إجماعاً (٦) ؛ لأن الشافعي قال: "لا ينسب إلى ساكت قول" (٧) .
стр. 1370
وقال قوم من المتكلمين: لا يكون حجة (١) .
وحكي عن قوم من المعتزلة (٢) والأشعرية (٣) .
وحكي ذلك عن داود (٤) .
دليلنا:
أن الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر في الصحابة، فسكتوا عنه، فلا يخلو من خمسة أحوال:
إما أن [لا] يكونوا قد اجتهدوا.
أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شىء يجب عليهم اعتقاده.
أو أدى إلى خلاف القول الذي ظهر، أو إلى وفاقه.
أو كانوا في تَقِيَّة.
ولا يجوز أن لا يكونوا قد اجتهدوا؛ لأن العادة إذا نزلت بهم نازلة أن