← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لأبي سلمة ابن عبد الرحمن: (مثلك مثل الفَرُّوج، يسمع الديك يصيح، فصاح بصياحه) . وذلك إنكار منها عليه في مناظرة عبد الله بن عباس والدخول معه في الاجتهاد (١) .

стр. 1367

واحتج: بأن معه آلة الاجتهاد، فكان متعبداً به، ولم يجز له تقليد غيره. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون معه آلة الاجتهاد، ويكون متعبداً بغيره، كما كان متعبداً نحو الواحد إذا عارضه القياس. واحتج: بأنهم من أهل الاجتهاد في وقت حدوث النازلة، فوجب أن لا ينعقد الإجماع إلا بموافقتهم، أصله: الصحابة. والجواب: أن الصحابة قد تساووا في المزية والاجتهاد، وليس ذلك في التابعين، فإنهما وإن ساووا الصحابة في الاجتهاد، فللصحابة مزية عليهما من الوجه الذي بينا، فلهذا لم يعتد بخلافهم عليهم. واحتج بأن الاعتبار بالعلم دون الصحبة، يدل عليه: أن الصحابي إذا لم يكن عالماً وجب عليه تقليد أهل العلم من التابعين، فإذا كان كذلك، وقد شاركهم التابعي في العلم، وجب أن يكون بمنزلتهم. والجواب: أن الاعتبار بالعلم والصحبة لما فيهما من المزية، فإذا لم يكن الصحابي عالماً فقد عدم أحد الوصفين، فلهذا لم يعتد بقوله. وإذا كان من أهل الاجتهاد فقد وجد معنيان، والتابعي يوجد فيه أحدهما.

стр. 1368

مسألة [الإجماع السكوتي] إذا قال بعض الصحابة قولاً، وظهر للباقين، وسكتوا عن مخالفته والإنكار عليه حتى انقرض العصر، كان إجماعاً (١) . وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية الحسن بن ثواب، قال: "أذهبُ في التكبير غداةَ يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شىء تذهب؟ قال: بالإجماع: عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس" (٢) . وظاهر هذا: أنه جعله (٣) إجماعاً، لانتشاره عنهم، ولم يظهر خلافه (٤) . وقد صرح به أبو حفص البرمكي، فيما رأيته بخطه على ظهر الجزء الرابع من شرح مسائل الكوسج، فقال: "قال أحمد بن حنبل ﵁ في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي (٥) : "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 1369

على هذا المصحف (١) ". قال أبو حفص: فبان بهذا أن الصحابة إذا ظهر الشىء من بعضهما، ولم يظهر من الباقين خلافهم: أنه عنده إجماع. وبهذا قال الأثرم (٢) من أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان السرخسى والجرجاني (٣) . وهو أيضاً قول الأكثر من أصحاب [١٧٥/أ] الشافعي (٤) . ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: يكون حجة، إلا أنه لا يكون إجماعاً. حكاه الجرجاني (٥) . ومن أصحاب الشافعي من قال: يكون حجة مقطوعاً بها، ولا يكون إجماعاً (٦) ؛ لأن الشافعي قال: "لا ينسب إلى ساكت قول" (٧) .

стр. 1370

وقال قوم من المتكلمين: لا يكون حجة (١) . وحكي عن قوم من المعتزلة (٢) والأشعرية (٣) . وحكي ذلك عن داود (٤) . دليلنا: أن الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر في الصحابة، فسكتوا عنه، فلا يخلو من خمسة أحوال: إما أن [لا] يكونوا قد اجتهدوا. أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شىء يجب عليهم اعتقاده. أو أدى إلى خلاف القول الذي ظهر، أو إلى وفاقه. أو كانوا في تَقِيَّة. ولا يجوز أن لا يكونوا قد اجتهدوا؛ لأن العادة إذا نزلت بهم نازلة أن

стр. 1371

يرجعوا إلى الظن والاجتهاد. ولأن هذا يؤدي إلى خروج الحق عن أهل العصر، وهذا لا يجوز؛ لأنهم لا يجتمعون على خطأ، ولأنه يؤدي إلى خلو العصر من قائم لله بحجة. وهذا لا يجوز؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يخلو عصر من الأعصار من قائم لله بحُجَّة) (١) . وقوله ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يَضَرُّهم من نَاوأهُم) (٢) .

стр. 1372

ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فلم يؤد [اجتهادهم] إلى شىء يجب اعتقاده في مدة العصر؛ لأن العادة بخلافه، ولأن طرق الحق ظاهرة، ولأن ذلك يؤدي إلى خطأ الجميع في الاجتهاد، وعدولهم عن طريق الصواب وهذا لا يجوز. ولأنهم إذا كانوا بهذه الصفة، فليس لهم قول في الحادثة، بل هم بمنزلة العامة فيها، فلا يعتد بقولهم وبخلافهم. ولا يجوز أن يكونوا في تقية وفزع (١) : لأنه إذا كان الأمر على هذا، فانه لا يحكم بانعقاد الإجماع، وإنما يحكم بذلك إذا سكتوا عمن لا يخالفونه ولا يتقونه. ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فأدى [اجتهادهم] إلى خلافه، فلم يظهروه؛ لأن إظهار الحق واجب، والحق في واحد، فيكون ذلك إجماعاً على خطأ؛ لأن القائل عندهم مخطىء، والمقر على الخطأ مخطىء ولا يجوز أن يجتمعوا على خطأ.

стр. 1373

ولا يجوز أن يقال: سكتوا مع اعتقادهم أن كل مجتهد مصيب؛ لأن المسألة مبنية على أن الحق في واحد، وعلى أن العادة جارية بأن من له مذهب، وسمع خلافه، أظهر مذهبه، ودعا إلى قوله، وناظر عليه، وإن كان يعتقد أن كل مجتهد مصيب، كما فعل أبو حنيفة ومالك وغيرهما من الأئمة، وإذا جاز ذلك ثبت أن سكوتهم كان لرضا منهم بقوله [١٧٥/ب] . واحتج المخالف: بأن سكوتهم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا في مهلة النظر، ولم ينكشف لهم الصواب. ويحتمل أن يكونوا معتقدين أن كل مجتهد مصيب. وأن الإنكار والمخالفة لا يجب. ويحتمل أن يكون ذلك لهيبة قائله، كما قال عبد الله بن عباس: (أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب، وأيم الله لو قدَّم من قدمه الله، وأخر من أخره الله ما عالت الفرائض. فقال زفر بن أوس (١) : فما منعك (٢) أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته) . وإذا احتمل السكوت ما ذكرناه، لم يجز حمله على الرضا والاتفاق. والجواب: أن مهلة [النظر] لا تمتد إلى آخر العصر؛ لأن طرق الحق واضحة، ومن نظر فيها من أهل الاجتهاد، فلا بدَّ من أن يصل إلى الحق.

стр. 1374

وقولهم: يحتمل أن يسكتوا لاعتقادهم أن كل مجتهد مصيب: لا يصح؛ لأنه لم يكن في الصحابة -رضوان الله عنهم- من يعتقد ذلك، ونحن نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى؛ لأنهم لو اعتقدوا ذلك لوجب أن يظهر منهم خلافه، كما نشاهد ذلك في زماننا، وسمعناه من حال من تقدمنا من الاختلاف والمناظرة. وقولهم: يحتمل أن يكون للهيبة: لا يصح؛ لأن الهيبة لا تمنع من إظهاره لغيره، كما أظهره عبد الله بن عباس. فصل (١) ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون القول فتياً أو حكماً. وقال بعض الشافعية، وهو ابن أبي هريرة (٢) : إن كان حكماً، لم يكن إجماعاً، ولم يحتج به؛ لأنا نحضر مجالس الحكام، وهم يحكمون بخلاف ما نعتقده، فلا ننكر عليهم، فإذا كان فتيا، أفتى كل واحد منا بما يعتقده (٣) . دليلنا: أن الحاكم يستحب له أن يستشير ويعرف ما عند أهل العلم فيما يريد أن يحكم به، فيكون الحكم المسكوت عنه أولى بالإجماع.

стр. 1375

ولأن الصحابة لم يكن عادتهم كما ذكر ابن أبي هريرة، وكان من عنده حق أظهره ورد عليه. وقالت امرأة لعمر بن الخطاب - لما نهى عن المغالاة في المهور-: (أو يعطينا الله، وتمنعنا يا عمر؟) . وروي: (يا ابن الخطاب، قال الله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهنَّ قِنْطَاراً، فَلاَ تَأخذُوا مِنْهُ شَيْئاً) (١) فقال عمر: امرأة خاصمت (٢) عمر فخصمته) (٣) .

стр. 1376

مسألة إذا قال بعض الصحابة قولاً ولم يظهر في الباقين، ولم يعرف له مخالف، فإن كان القياس يدل عليه: وجب المصير إليه والعمل به (١) . وإن كان القياس يخالفه، فإن كان مع قول الصحابي قياس أضعف منه كان قول الصحابي مع أضعف القياسين أولى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون كل واحد منهما حجة حال الانفراد، ثم يصير حجة [١٧٦/أ] بالاجتماع، كاليمين مع الشاهد؛ لأن اليمين حجة ضعيفة في جَنَبَة المدعي؛ لأن مقتضاها أن يكون في جَنَبَة المدعي عليه، ومع هذا: فقد قويت بانضمام الشاهد إليها. وكذلك كل واحد من الشاهدين ليس بحجة في نفسه، ويصير حجة مع غيره. وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم: "ربما كان الحديث عن النبى ﷺ في إسناده شىء، فيؤخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه، مثل: حديث عمرو بن شعيب (٢) ، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجيء خلافه".

стр. 1377

وقال -في رواية أبي طالب-: "ليس في النَّبِق (١) حديث صحيح (٢) ،

стр. 1378

.................................

стр. 1379

ما يعجبنى قطعه؛ لأنه على حال قد جاء فيه كراهة" (١) . وإن لم يكن مع قول الصحابي قياس: ففيه روايتان: -إحداهما: أنه حجة، مقدم على، القياس؛ ويجب تقليده. وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في مواضع من مسائله: فقال في رواية أبي طالب "في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار، ثم ظهر عليه المسلمون، فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قُسِم فلا حق له (٢) ، كذا قال عمر (٣) ، ولو كان القياس كان له. ولكن كذا قال عمر".

стр. 1380

وكذلك قال في رواية المروذي: "أكره شراء أرض الخراج. فقيل له: كيف أشتري في السواد ولا أبيع؟! فقال: الشراء خلاف البيع. فقيل له: كيف أشتري ممن لا يملك؟! فقال: القياس كما تقول، وليس هو قياساً، وإنما هو استحسان. واحتج: أن أصحاب رسول الله ﷺ رخَّصُوا في شراء المصاحف، وكَرِهُوا بيعَها" (١) . وكذلك نقل أبو الحارث عنه: "ترك الصلاة بين التراويح، واحتج: بما روي عن عبادة وأبي الدرداء. فقيل له: فعن سعيد والحسن: أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح (٢) . فقال: أقول لك: أصحاب النبي، وتقول: التابعون". وكذلك نقل أبو طالب عنه في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: "يقضي يوماً مكانه، وإن أكل ناسياً بالنهار، فليس عليه شىء. فقيل: فإذا لم يعلم، فهو كالناسي؟.

стр. 1381

فقال: كذا في القياس، ولكن عمر (١) أكل في آخر النهار يظن أنه ليل، قال: اقض يوماً مكانه" (٢) . وكذلك نقل أبو طالب عنه: "لا يجوز هبة المرأة، حتى يأتي عليها في بيت زوجها سنة أو تلد، مثل قول عمر" (٣) . وهذا كتب (٤) في مسائله. وفي رواية أخرى: القياس مقدم عليه. أومأ إليه ﵀ في مواضع من مسائله فقال -في رواية أبي داود-: "ليس أحد إلا آخذ برأيه وأترك ما خلا النبى" (٥) . وكذلك نقل المروذي عنه: "ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد الحد (٦) .

стр. 1382

وأنا لا أجترئ على ذلك، إنما هى أمة، أحكامها أحكام الإماء". وكذلك نقل الميموني: و [قد] قيل: إن قوماً يحتجون في النخل بفعل أبي بكر وقوله جربته. فقال: "هذا فعل ورأي من أبي بكر [١٧٦/ب] ، ليس هذا عن النبي". وهذا صريح من كلامه في أن أقواله ليست بحجة. وكذلك نقل مهنَّا عنه فيمن ركب دابة، فأصابت إنساناً: "فعلى الراكب الضمان. فقيل له: عليٌّ يقول: إذا قال: الطريقَ، فأسْمَعَ، فلا ضمان (١) . فقال: أرأيت إذا قال: الطريقَ، فكان الذي يقال له أصم؟ ". وكذلك نقل الميموني عنه و [قد] سأله: يمسح على القلنسوة؟ فقال ليس فيه عن النبي شىء، وهو قول أبي موسى (٢) ، وأنا أتوقاه" (٣) . وكذلك نقل ابن القاسم عنه: "يروى عن ابن عمر من غير وجه -يعني في حد البلوغ- وهو صحيح، ولكن لا أرى هذا يستوي في الغلمان، قد يكون منهم الطويل، وبعضهم أكثر من بعض، ولا ينضبط، والحد عندي في البلوغ الثلاثة".

стр. 1383

واختلف أصحاب أبي حنيفة، فذهب البَرْدَعى (١) والرازي (٢) والجرجاني: إلى أنه حجة، يترك له القياس. وحكى الرازي (٣) عن الكرخى أنه قال: "أما أنا فلا يعجبني هذا المذهب"، وكان لا يرى قول الصحابي فيما يسوغ فيه الاجتهاد حجة. واختلف أصحاب (٤) الشافعي، فقال في القديم: هو حجة. وقال في الجديد: ليس بحجة (٥) . وبه قال عامة المتكلمين من المعتزلة والأشعرية (٦) . فالدلالة على أنه حجة، يُترك له القياس: قوله ﵇: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) ، فأخبر أن

стр. 1384

الاقتداء بهم. وقوله ﵇: (اقتدوا باللَّذَين من بعدي، أبي بكر وعمر) . وقوله ﵇: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدِين من بعدي) (١) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. فإن قيل: هذا محمول على الاقتداء بهم فيما يروونه عن النبى ﷺ . قيل: هذا عام في الرواية والفُتيا. وعلى أن هذا يُسقط فائدة التخصيص بالصحابة؛ لأن رواية التابعين ومن بعدهم يجب الاقتداء بها. فإن قيل: المراد به العامة دون أهل العلم. بدليل: أنه خَيَّر في الاقتداء بأيهم شاؤا. وهذا حكم العامة إذا اختلفت أقاويلهم، فأما العالم فإنه لا يخير في هذا الموضع. قيل: قوله: (بأيهم اقتديتم اهتديتم) المراد حال الانفراد من كل واحد منهم بالقول، وليس المراد: (بأيهم اقتديتم) إذا اختلفوا في الحادثة، ويكون فائدة ذلك: أن الاقتداء لا يتخصص بقول بعضهم دون بعض، فزال (٢) الإشكال، فإنه ربما ظن ظان أن الاقتداء يجب بقول الأئمة دون غيرهم، فلما قال: (بأيهم اقتديتم اهتديتم) دل على أن كل واحد منهم إذا انفرد كان قوله حجة. وأيضاً: من جاز أن يقدم قوله على القياس الصحيح إذا كان معه قياس ضعيف جاز أن يقدم عليه وإن لم يكن معه [١٧٧/أ] ، قياس. أصله: قول النبي ﷺ (٣) .

стр. 1385

وأيضاً: فإن قول الصحابي لا يخلو إما أن يكون توقيفاً أو اجتهاداً، فإن كان توقيفاً وجب اتباعه. وإن كان اجتهاداً فاجتهاده أولى من اجتهاد غيره؛ لأنه شاهد الرسول وسمع كلامه، والسامع أعرف بالمقاصد ومعاني الكلام. ولأنه منصوص عليه بقوله: (عليكم بسنتي) . وإذا كان كذلك كان أولى من غيره كخبر الواحد مع القياس. فإن قيل: لا يجوز أن يكون توقيفاً؛ إذ لو كان توقيفاً لكان يظهر على ممر الأيام واختلاف الأحوال، ولكان لا يدعه من أن ينسبه إلى النبي ﷺ ويرويه عنه، ولكان يجب علينا اتباعه على أنه توقيف؛ لأنه إذا لم يخبر به عنه، ولم يسنده إلى النبي ﷺ لم يجب علينا فرضُه. وأما الاجتهاد فلا يوجب اتباعه؛ لأجل أن مشاهدةَ الرسول وسماعَه لا يوجب عصمته من الخطأ في الاجتهاد، وإنما يحصل حسنُ الظن وكونُه أقربَ إلى الصواب، وذلك لا يوجب اتباعه، كالعالم لا يجوز له اتباع من هو أعلم منه، وإن كان اجتهاد الأعلم أقربَ إلى الصواب. ولأن هذا يقتضي أن يكون قول الصحابي إذا طالت صحبته أولى من غيره، وكبارُ الصحابة أولى من صغارهم. ولأن هذا يصح إذا علم أنه قاس على ما سمعه واضطر إلى قصده، فإنه ليس كل سامع للكلام يجب أن يضطر إلى قصد المتكلم، وإنما هو على حسب قيام دلالة الحال. قيل: أما قولكم: إنه لو كان توقيفاً لظهر ونقل، فلا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يلزم الصحابي الروايةُ، بل هو مخير في ذكرها وتركها، وإنما يتعين عليه الفتيا، فهو كالمفتي مخير بين أن يذكر الدليل أو يذكر الحكم.

стр. 1386

والثاني: أنه يحتمل أن لا يرويه تورعاً؛ لأنه لم يقم على حفظ اللفظ فأفتى بمعناه. وقولهم: إنه لا يجب علينا اتباعه إذا لم يخبر به، لا يصح أيضاً؛ لأن الصحابي إذا قال قولاً مخالفاً للقياس، فالظاهر أنه لا يقوله إلا عن توقيف، فتكون فتياه أمارة على الخبر عن النبي فوجب العمل به، كما وجب العمل بخبر الواحد، وإن لم يقطع على صدقه؛ لأن الظاهر صدق الراوي. وقولهم: إن مشاهدة الرسول لا توجب عصمته لعمري (١) ، إلا أنه يوجب له مَزِيَّة من الوجه الذي ذكرنا، فوجب تقديمه، كما وجب تقديم خبر الواحد على القياس وإن لم يكن مقطوعاً به. وقولهم: إن العالم لا يجب عليه اتباع من هو أعلم منه، وكذلك صغار الصحابة لا يلزمهم اتباع أكابرهم، فلا يصح، لأن العالِمَيْن تساويا في طريق الاجتهاد. وكذلك الصحابة تساووا في مشاهدة التنزيل وحضور التأويل والنص عليهم، فمزيَّة أحدهما (٢) [١٧٧/ب] على الآخر في الحكم المشترك لا توجب التقديم، كالبينتين إذا تعارضتا وأحدهما أعدل وأدين وأزهد، فإنه لا يرجح بها لمساواة الأخرى لها في العدالة، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٣) وقد وجد التنازع فوجب الرد إلى الكتاب والسنة.

стр. 1387

والجواب: أن معناه إلى كتاب الله وسنة رسوله، وفي سنة رسول الله ما يقتضي الاقتداء بالصحابي من الوجه الذي بينَّا. واحتج بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أوْلِى الأبْصَارِ) (١) . والجواب: أن الرجوع إلى قول الصحابي -وفي المعلوم أن اجتهاده أولى من اجتهادنا- ضرب من الاعتبار والنظر. واحتج: بما جاء في القرآن من ذم التقليد واتباع الأهواء في الكفر والأمر المذموم. و [الجواب: أن] هذا محمول على غير مسألتنا. واحتج: بأنه لو كان حجة لم يكن لأهل عصره خلافُه. وقد روي أن أبا سلمة بن عبد الرحمن خالف ابن عباس في عدة المتوفى عنها، وأقره ابن عباس على ذلك (٢) . وكذلك أصحاب عبد الله (٣) قالوا: (ما كان يمنعنا أن نردَّ على ابن عباس إلا أنَّا على طعامه) ، فدل هذا على جواز مخالفته. والجواب عنه: ما تقدم في التابعي إذا أدرك عصر الصحابة هل يعتد بخلافه؟ (٤) . وبينَّا أن عائشة أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن (٥) . وأن علياً نقض حكم شريح في ابني عم (٦) .

стр. 1388

على أن هذا مذهب لأبي سلمة ولأصحاب عبد الله، والخلاف معهم كالخلاف معكم. واحتج: بأنه عَلَم (١) على الحكم، فوجب أن يكون مقدماً على قول الصحابي قياساً على عموم القرآن ونص خبر الواحد. والجواب: أنا نخص به عموم القرآن، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم (٢) . وأما نص الخبر فإنما قدم عليه؛ لأن مَزِيَّة الصحابة حصلت بمشاهدة النبي، فلا يجوز أن تقدم عليه، وليس كذلك القياس؛ لأن طريقه الاجتهاد وغلبة الظن. وكذلك قول الصحابة ومعه مَزِيَّة من الوجه الذي بينَّا، فكان أولى. وعلى أنه ليس إذا لم يقدم على الخبر لم يكن حجة في نفسه، كالقياس لا يقدم على الخبر، وهو حجة. واحتج: بأن الصحابي يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، والإقرار عليه، فوجب أن لا يكون قوله حجة. أصله: قول كل واحد من أهل العلم. والجواب: أن تجويز الخطأ لا يمنع الاحتجاج به، كخبر الواحد والقياس. ولأنه لا مزية لقول بعضهم على بعض، وهذا بخلافه. واحتج: بأن الصحابي وكل عالم من العلماء يشتركان في آلة الاجتهاد، فلا يجوز لأحدهما تقليد الآخر. أصله: العالمان من [١٧٨/أ] ، غير الصحابة. والجواب: أنهما متساويان في الاجتهاد، وكذلك الصحابي مع غيره؛ لأن له مزية من الوجه الذي ذكرنا. واحتج: بأن الصحابي لم يدعُ الناس إلى تقليده فيما يقول: ألا ترى إلى ما روي عن عمر: أنه سئل عن مسألة، فأجاب فيها، فقال له رجل: أصبت

стр. 1389

الحق، أو كلاما نحو هذا، فقال عمر: (والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ، ولكن لم آل (١) عن الحق) (٢) . وقال زيد بن ثابت في قضية قضى بها في الجد: (ليس رأيي حقاً على المسلمين) (٣) أو كلاماً نحو هذا. والجواب: أن هذا لا يمنع تقليده -كالعامى-، وإن لم يدعه الصحابي إلى قوله. وعلى أن عبد الرحمن بن عوف دعا عثمان إلى متابعة سنة الإمامين، فقال له -لما عرض البيعة عليه-: (على أن يحكم بكتاب الله وسنة رسول الله وسنة الخليفتين بعده) (٤) ، فقبل ذلك بمحضر الصحابة من غير خلاف. والذي روي عن الصحابة من النهي عن التقليد: فهو محمول على النهي عن التقليد فيما كانوا يختلفون فيه، ولم يثبت عنهم أنهم منعوا تقليد الواحد منهم فيما قاله. واحتج: بأنه لا يجوز للانسان أن يتبع قول غيره إلا بصفة يختص بها لا يشاركه فيها أحد. مثل: النبي الذي اختص بالعصمة. وكذلك الأمة اختصت بالعصمة. والعالم مع العامي: اختص بآلة الاجتهاد ومعرفة الطريق.

стр. 1390

فأما إذا لم يكن لأحدهما على الآخر مزية، لم يجز للآخر اتباعه. والجواب: أنا قد بينَّا مَزِيَّة الصحابي على غيره. فإن قيل: فيجب إذا استدل الصحابي بدلالة على حكم أن لا يستدل عليه بدلالة أخرى. قيل: إن اتفقوا على أن لا دليل لله تعالى غيره، لم يجز أن يستدل عليه بدلالة أخرى، وإن لم يتفقوا على ذلك جاز؛ لأنه يجوز أن يخفى عليه دليل؛ لأن عبادتهم القول بحكم الله تعالى، فأما أن يعلموا كلَّ دليل لله تعالى في ذلك أو يظهروه، فإن ذلك غير واجب، وكان تعلق علمهم بالحق ببعض الأدلة يسقط عنهم فرض الاستدلال بكل دليل. ومن الناس من قال: لا يجوز أن يستدل عليه بدلالة أخرى؛ لأنه (١) دليل الصحابة، فمن طلب دليلاً آخر عليه، فهو كمن طلب المقايسة في مسائل الإجماع وأخبار الآحاد مما هو مقطوع به من العقول، وهذا غير ممتنع على وجه من الترجيح من غير أن يقصد إلى بيان الحكم به بعد ثبوته، لما بينَّا. فإن قيل: فما تقولون إذا ثبت الحكم لعلة، فهل يجوز للصحابة تعليله بعلة أخرى؟ قيل: يجوز ذلك؛ لأنه يجوز تعليل الأصل بعلتين، كما يستدل على شىء بدليلين، وهذا في علتين إذا كان [١٧٨/ب] موجبهما واحداً، فأما إذا تنافت فلا يجوز ذلك. ومن الناس من منع ذلك؛ لأن تعليله بأخرى يبطل فائدة تعليق الحكم بالأولى (٢) ، فلا يجوز، كما لا يجوز ذلك في العقليات، وأنه لا يكون حكم (٣) العقل معللاً بعلتين.

стр. 1391

إذ قال الصحابي قولاً مخالفاً للقياس (١) . كما روي عن عمر: (أنه قضى في عين الدابة بربع قيمتها) (٢) . وروي عنه فيمن فقأ عين نفسه: (تحمله عاقلته له) (٣) . وروي عن عثمان: (أنه قضى فيمن ضرب رجلاً فأحدث: بثلث الدية) (٤) . وعن ابن عباس (فيمن نذر ذبح ولده: شاة) (٥) .

стр. 1392

وقول عائشة: (أبلغى زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله) (١) .

стр. 1393

.................................

стр. 1394

فإنما يحمل ذلك على أنه قاله على جهة التوقيف (١) . وهو قول أصحاب أبي حنيفة (٢) . وقال أصحاب الشافعي: لا يحمل على التوقيف، وإنما هو اجتهاده (٣) . دليلنا: أن هذه الأشياء لما لم يكن لها وجه في القياس، وقد أثبتها الصحابي، وكان طريقها الاتفاق أو التوقيف علمنا أنه لم يثبت ذلك الأمر إلا من جهة التوقيف. فإن قيل: يحتمل أن يكون ذهب في إثباتها إلى قياس فاسد. قيل: يجب أن يحسن الظن فيه، ويحمل قوله على الصواب، لما قد ثبت له من المزية وهو مشاهدته للتنزيل، وحضور التأويل، ونص النبي عليه. فإن قيل: لو وجب أن يحمل ذلك على التوقيف، لوجب إذا خالفه صحابي آخر، وقال قولاً يطابق القياس أن لا يعتدَّ بخلافه. قيل: هكذا نقول؛ لأنه إذا طابق قوله القياس احتمل أن يكون توقيفاً، واحتمل أن يكون قياساً، وقول من خالف القياس ليس له وجه إلا التوقيف

стр. 1395

فلا يعارض التوقيف بقول صحابي. فإن قيل: لو وجب أن يحمل قوله على التوقيف، لوجب إذا عارضه خبر متصل عن النبي مخالف له في الحكم أن يتعارضا، كما يتعارض الخبران المتصلان، فلا يقدم المتصل عليه. قيل: إنما قلنا: إن قول الصحابي توقيف من طريق غلبة الظن والظاهر، والمتصل أقوى في الظن في الاتصال، فجاز تقديمه عليه، كما قلنا في الخبرين إذا تعارضا وأحدهما أكثر رواة: إنه يقدم؛ لأنه يغلب على الظن صحته. وقد يخرج على هذا إذا قال بعض الصحابة بظاهر آية، وقال الآخر بخلاف ظاهرها، فقول التارك للظاهر أولى إذا لم يعين لنا أصلاً قاس عليه؛ لعلمنا أنه إنما تركه لتوقيف. ويحتمل أن يقدم قول من معه الظاهر؛ لأن جَنْبتَه أقوى [١٧٩/أ] .

стр. 1396

مسألة [إجماع الأئمة الأربعة] لا يعتدُّ بإجماع الأئمة الأربعة إذا خالفهم غيرهم من الصحابة (١) في إحدى الروايتين. وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية المروذي عنه قال: "إذا اختلفت أصحاب رسول الله ﷺ لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم إلا على اختيار، ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة" (٢) . وظاهر هذا أنه لم يقدم قول الأئمة على غيرهم من الصحابة (٣) . وهو اختيار الجرجاني. وفيه رواية أخرى يعتد به (٤) . وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأل أحمد ﵁ عمن زعم أنه لا يجوز أن يخرج من قول الخلفاء إلى من بعدهم من الصحابة؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين) .

стр. 1397

قال: فناظرني في بعض ما قال الصحابة، ثم رأيته قد قَنِع بهذا القول، وقال: "ما أبعد هذا القول أن يكون كذلك" (١) . وهو اختيار أبي حازم (٢) من أصحاب أبي حنيفة، و [لأجل هذا المذهب] (٣) لم يعتد (٤) بخلاف زيد بن ثابت في توريث ذوي الأرحام (٥) ، وحكم برد الأموال التي حصلت في بيت مال المعتضد، وجعل ذوي الأرحام أولى من بيت المال، فقبل ذلك منه المعتضد (٦) ، وأمر بردها على ذوي الأرحام، وكتب

стр. 1398

بذلك إلى الآفاق (١) . وجه الرواية الأوَّلة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) ، فجعل الاقتداء بكل واحد منهم هدى، كما أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين من بعده. فإن قيل: يحمل هذا على ما إذا قال كل واحد منهم قولاً، ولم يخالفه غيره فيه. قيل: إذا لم يخالفه (٢) غيره صار إجماعاً منهم، والخبر يقتضي الأخذ بقول الواحد منهم. فإن قيل: نحمله إذا اختلفوا، فإنه يجوز الاقتداء بكل واحد منهم. قيل: إذا كان هناك اختلاف، فالاقتداء يحصل بالدليل؛ لأنه يجتهد في أحد القولين من طريق الدليل. ولأن الإمامة لا تأثير لها في تقديم القول، كما لا تأثير لكون الواحد من الأمراء أو رسله. ولأن الأربعة يجوز الخطأ في قولهم، كما يجوز في حق كل أربعة.

стр. 1399

واحتج بعضهم: بأن القياس العقلي ينفي الإجماع بدلالة أنه لا فرق بين هذه الأمة ومن تقدَّم من الأمم، وإنما ترك ذلك للسمع، وهو قوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (١) والآية ليست لجميع المؤمنين. وقال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) (٢) وهذا الاسم لا يختص الأئمة. واحتج المخالف: بما روي [١٧٩/ب] (٣) عن النبي ﷺ أنه قال (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء من بعدي) فأمر بذلك، والأمر على الوجوب. والجواب: أنه يعارضه قوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) . ولأنَّا نحمل (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي) إذا لم يظهر خلافهم في الصحابة. ونحمل قوله (وسنة الخلفاء) أن يريد به الفتيا، وخصَّهم بالذكر؛ لأنهم أعلم من غيرهم في وقتهم وزمانهم.

стр. 1400

فصل فأما قول أحد الأئمة فليس بحجة إذا خالفه غيره (١) رواية واحدة (٢) . نص عليه ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأل أحمد ﵀ عمن قال: "ليس لنا أن نخرج من قول أبي بكر إلى قول عمر، ولا من قول عمر إلى قول عثمان، ولا من قول عثمان إلى قول علي، فتعجبَ من ذلك، وقلتُ له: إننى أنكرتُ عليه، وقلتُ له: إن كان قولهم سنة فبأي قول أخذتَ أو اخترتَ من أقاويلهم فلك (٣) ذلك، فأعجبه ذلك". وبهذا قالت الجماعة (٤) . وحكي عن بعض الشافعية: أنه حجة، لا يجوز لنا مخالفته، وإن خالفه غيره من الصحابة (٥) . وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم فقال: "يروى عن ابن عباس أنه كان يقول: (إذا انقطع الدم في الحيضة الثالثة فقد بانت منه) (٦) .

стр. 1401

وهو أصح في النظر. فقيل له: فلم لا تقول به؟! قال: قد قال عمر وعلي وابن مسعود، فأنا أتهيَّب أن أخالفهم، يعنى: باعتبار الغسل" (١) . ونقل ابن منصور ما هو أصرح من هذا، فقال ابن منصور: قلت: "قول ابن عباس فى أموال (٢) أهل الذمة العفو؟ (٣) . قال أحمد ﵀: عمر جعل عليهم ما قد بلغك (٤) . كأنه لم ير ما قاله ابن عباس". قا أبو حفص البرمكي في شرح مسائل ابن منصور: "إنما لم ير ما قال

стр. 1402

ابن عباس؛ لأن أحد الخلفاء إذا رُوي عنه شىء، وروي عن غير الخلفاء ضده، فالذي يلزم اتباعه ما جاء عن أحد الخلفاء لقول النبي ﷺ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجِذ) . قيل: إنها آخر الأضراس. وقيل: إنها الضرس الذي بعد النَّاب. دليلنا: أنه لو كان حجة لم يجز لمن بعده أن (١) يخالفه فيه، كما إذا أجمعوا على حكم لم يجز لمن بعدهم أن يخالفهم فيه. وقد روي من خلاف عمر لأبي بكر في التسوية في العطاء (٢) .

стр. 1403

وخلاف علي في بيع أمهات الأولاد. وغير ذاك مما اختلفوا فيه علمنا: أن قول واحد منهم بانفراده لا يكون حجة. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال [١٨٠/أ] : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ، فأمر باتباع سنة كل واحد منهم. والجواب عنه: ما تقدم (١) .

стр. 1404

مسألة إذا عقد أحد الأئمة الأربعة عقداً، لم يجز لمن بعده من الأئمة فسخه (١) ، نحو ما عقده عمر من صلح بني تَغْلِب (٢) ومن خراج السَّواد (٣) . والجزية، وما يجري هذا المجرى؛ لأنه صادف اجتهاداً سالفاً. وذلك أنه لما وضَع الخراج على الأرضين، والجزية على الرقاب، وضاعف الحقوق على بني تَغْلِب، لم يكن في ذلك إسقاط حق القبض لمن بعده من الأئمة، وإنما نقل حق القبض من موضع إلى موضع؛ لأنه ترك قسمة أرض السواد، فنقل ذلك الحق إلى الخراج، وحق الأئمة بعده، قائم في قبضه. وكذلك الجزية وما يؤخذ من بني تَغْلِب، فإن حق القبض فيه إلى الإمام،

стр. 1405

فلهذا لم يكن لمن بعده فسخه. فإن قيل: أليس قد جاز للإِمام إبطال حق الغانمين من القسمة؟. قيل: الإمام إنما كان له إبطال حق الغانمين من القسمة؛ لأنه كان يجوز له إبطال حقوقهم من الغنائم بأن تُقتل الرقاب، فبطل حق الغانمين فيها (١) . فإن قيل: أليس قد جاز أن يزيد على جزية عمر وينقص منها، وهذا تغيير لفعله. قيل: اختلفت الرواية في ذلك. فروي عنه: أنه لا يجوز (٢) . وروى عنه: الجواز (٣) .
следующие страницы →