← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وهو أصح في النظر. فقيل له: فلم لا تقول به؟! قال: قد قال عمر وعلي وابن مسعود، فأنا أتهيَّب أن أخالفهم، يعنى: باعتبار الغسل" (١) . ونقل ابن منصور ما هو أصرح من هذا، فقال ابن منصور: قلت: "قول ابن عباس فى أموال (٢) أهل الذمة العفو؟ (٣) . قال أحمد ﵀: عمر جعل عليهم ما قد بلغك (٤) . كأنه لم ير ما قاله ابن عباس". قا أبو حفص البرمكي في شرح مسائل ابن منصور: "إنما لم ير ما قال

стр. 1402

ابن عباس؛ لأن أحد الخلفاء إذا رُوي عنه شىء، وروي عن غير الخلفاء ضده، فالذي يلزم اتباعه ما جاء عن أحد الخلفاء لقول النبي ﷺ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجِذ) . قيل: إنها آخر الأضراس. وقيل: إنها الضرس الذي بعد النَّاب. دليلنا: أنه لو كان حجة لم يجز لمن بعده أن (١) يخالفه فيه، كما إذا أجمعوا على حكم لم يجز لمن بعدهم أن يخالفهم فيه. وقد روي من خلاف عمر لأبي بكر في التسوية في العطاء (٢) .

стр. 1403

وخلاف علي في بيع أمهات الأولاد. وغير ذاك مما اختلفوا فيه علمنا: أن قول واحد منهم بانفراده لا يكون حجة. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال [١٨٠/أ] : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ، فأمر باتباع سنة كل واحد منهم. والجواب عنه: ما تقدم (١) .

стр. 1404

مسألة إذا عقد أحد الأئمة الأربعة عقداً، لم يجز لمن بعده من الأئمة فسخه (١) ، نحو ما عقده عمر من صلح بني تَغْلِب (٢) ومن خراج السَّواد (٣) . والجزية، وما يجري هذا المجرى؛ لأنه صادف اجتهاداً سالفاً. وذلك أنه لما وضَع الخراج على الأرضين، والجزية على الرقاب، وضاعف الحقوق على بني تَغْلِب، لم يكن في ذلك إسقاط حق القبض لمن بعده من الأئمة، وإنما نقل حق القبض من موضع إلى موضع؛ لأنه ترك قسمة أرض السواد، فنقل ذلك الحق إلى الخراج، وحق الأئمة بعده، قائم في قبضه. وكذلك الجزية وما يؤخذ من بني تَغْلِب، فإن حق القبض فيه إلى الإمام،

стр. 1405

فلهذا لم يكن لمن بعده فسخه. فإن قيل: أليس قد جاز للإِمام إبطال حق الغانمين من القسمة؟. قيل: الإمام إنما كان له إبطال حق الغانمين من القسمة؛ لأنه كان يجوز له إبطال حقوقهم من الغنائم بأن تُقتل الرقاب، فبطل حق الغانمين فيها (١) . فإن قيل: أليس قد جاز أن يزيد على جزية عمر وينقص منها، وهذا تغيير لفعله. قيل: اختلفت الرواية في ذلك. فروي عنه: أنه لا يجوز (٢) . وروى عنه: الجواز (٣) .

стр. 1406

وذلك أنه ليس فيه فسخ للعقد، وإنما هو موقع بعده على حسب الطاقة. لأن عمر ﵁ عقده على هذا الوجه؛ لأنه قال لعثمان بن حنيف (١) لعلك حملت الأرض ما لا تطيق (٢) . فاعتبر الطاقة، وهذا يختلف باختلاف الأوقات. مسألة إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين، ولم ينكر بعضهم على بعض، لم يجز لمن هو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم من غير دلالة على صحة قول الصحابي (٣) . نصَّ عليه ﵀ في رواية المروذي فقال: "إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ينظر

стр. 1407

أقرب القول إلى الكتاب والسنة" (١) . وحكى أبو سفيان السرخسي عن بعض شيوخه: "أنه إذا أظهر هذا القول ولم ينكره منكر جاز الأخذ به" واختار ذلك. وحكى عن قوم من المتكلمين أن ذلك القول (٢) إن كان حادثاً في الصحابة قبل وقوع الفرقة بينهم واختلاف الديار بهم جاز أن يؤخذ به من غير اجتهاد في صحته. وإن كان حادثاً بعد وقوع الفرقة بينهم لم يجز الأخذ إلا أن يدل دليل على صحته غير قول الصحابي (٣) . [١٨٠/ب] . دليلنا: أن الصحابة مختلفون فلم يجز لمن هو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم من غير دلالة. أصل ذلك: إذا أنكر بعضُهم على بعض. فإن قيل: إذا أنكر بعضُهم على بعض فلم يحصل منهم الإجماع على كونه صواباً، وليس كذلك إذا تركوا الانكار؛ لأنه يدل على كونه صواباً؛ لأنه لو كان خطأ لم يجز لهم أن يتركوا إنكاره، وإذا ثبت أنه صواب كان المتمسك به مصيباً. قيل: ترك الإنكار لا يدل على كونه صواباً عند المخالف له؛ لأن ما يسوغ فيه الاجتهاد لا يجب إنكاره.

стр. 1408

وقد نصَّ أحمد ﵀ على هذا في رواية بكر بن محمد فقال: "على الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطىء". وأيضاً: لما لم يجز لأحد المجتهدين أن يأخذ بقول الآخر حتى تدل دلالة على صحة قوله، كذلك مثله في الصحابة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس في قول المجتهد الآخر حجة، ولا نعلم أنه صواب، وأما قول الصحابي فإنه حجة. قيل: إنما يكون حجة إذا انفرد ولم يعارضه غيره، فأما إذا خالفه غيره فليس بحجة. وأيضاً: فإن قول كل واحد منهما ضد الآخر، وليس أحدهما بأولى بالتقديم من صاحبه، وإذا كان كذلك وجب أن يتعارضا فيسقطا، وإذا سقطا وجب الرجوع إلى الاجتهاد في ذلك. واحتج المخالف: بما تقدم، وهو: أنه إذا لم يحصل منهم الإنكار دل على كونه صواباً؛ لأنه لو كان خطأ لم يترك الإنكار. والجواب عنه: ما تقدم. واحتج: بأن الصحابة قد رجع بعضهم إلى قول بعض مع كون الجميع من أهل الاجتهاد. كما روي عن عثمان ﵁ أنه قبل قول معاذ في ترك رجم المرأة الحامل (١) .

стр. 1409

وكما روي عن عثمان أنه استنَّ فيهم سنة أبي بكر وعمر، وقبِل البيعة على ذلك، ولم ينكر على من قبل قول غيره منهم، وإن كان من أهل الاجتهاد. والجواب: أنه يحتمل أن يكون من رجع منهم إلى قول غيره؛ لأنه ذكر الوجه الذي لأجله قال بما قال به، فاستدل بما ذكره على صحة قوله إذا علم صحة قوله من غير أن يذكر له الوجه الذي لأجله قال بما قال عند سؤاله. مسألة الشيء المجمع عليه إذا تغيرت حاله جاز تركه بدلالة غير الإجماع (١) . وهو قول أصحاب أبي حنيفة (٢) . خلافاً لما حُكي عن بعض الشافعية: أن ما ثبت بالإجماع ألا يجوز تركه إلا بإجماع مثله.

стр. 1410

وهذا مثل المتيمم إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء. وما يجري هذا المجرى من المسائل [١٨١/أ] . دليلنا: أن غير الإجماع قد يكون حجة مثل الإجماع، ألا ترى أن الإجماع إنما (١) صار حجة بالخبر الوارد فيه، والخبر إنما صار حجة لقيام دلالة العقل على أن الخير به لا يكذِب، وإذا كان كذلك وجاز ترك المجمع عليه إذا تغيرت حاله وجب أن يجوز أيضاً تركه بغير إجماع. واحتج المخالف: بأنه لو جاز ترك المجمع عليه بغير الإجماع لأدى ذلك إلى قيام الدلالة على خلاف الإجماع، وهذا لا يجوز. والجواب: أنه إذا تغيرت صفته، فليس هو المجمع عليه، بل هو غيره، فلا يكون في تركه بغير الإجماع إزالة ما ثبت بالإجماع بدلالة أخرى. وجواب آخر، وهو: أنه لو لم يجز ترك ما ثبت بالإجماع إذا تغيرت صفته بدلالة غير الإجماع، لم يجز أيضاً تركه بالإجماع؛ لأن الإجماع على خلاف الإجماع لا يجوز، كما لا يجوز خلاف الإجماع، فلمَّا لم يمتنع تركه بالإجماع لم يمتنع أيضاً تركه بغير إجماع. واحتج: بأنه لمَّا لم يكن غير الإجماع من جنس ما ثبت به الحكم، لم يجز إزالة الحكم، كما لا يجوز إزالة ما ثبت بنص الكتاب بدلالة القياس. والجواب: أنه قد يجوز أن يثبت الشيء بدلالة، ثم ينتقل عنها بدلالة أخرى من غير جنسها، ألا ترى أنه يجوز ترك ما ثبت بالعقل بدلالة من جهة السمع وإن كانت من غير جنس دلالة العقل.

стр. 1411

مسألة يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد (١) . قال أبو سفيان: وهو مذهب شيوخنا (٢) . وقال: قال بعض شيوخنا: لا يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد (٣) . دليلنا: أن العمل بخبر الواحد ثابت، فوجب عموم العمل به ما لم يمنع منه دليل. ولأن الإجماع حجة، كما أن كلام النبي ﷺ . حجة، وقول النبي يثبت بقول الواحد. وذهب المخالف: إلى أن الإجماع حجة توجب العلمَ، فلا يجوز إثباتُها لا يوجب العلم. والجواب: أناَّ نجيز وقوع الإجماع من طريق الاجتهاد والقياس، وإن كان القياس والاجتهاد لا يوجبان العلم. وكذلك يجور إثبات التأريخ الموجب للنسخ بخبر الواحد، وإن كان النسخ بخبر الواحد لا يجوز. وكذلك يجوز إثبات الإحصان بشهادة رجلين، وإن لم يجز إثبات الزنا الموجب للرجم به، كذلك ها هنا لا يمتنع أن يثبت الإجماع بخبر الواحد، وإن كان الإجماع موجباً للعلم.

стр. 1412

مسألة في الحادثة إذا حدثت [١٨١/ب] بحضرة النبي ﷺ ولم يحكم فيها بشىء، جاز لنا أن نحكم في نظيرها (١) . وذهب بعض المتكلمين: إلى أن ترك النبي للحكم في الحادثة يدل على وجوب ترك الحكم في نظيرها، وقال هذا كرجل شجَّ رجلاً شجة، فلا يحكم رسول الله فيها بحكم، فنعلم بتركه ذلك: أن لا حكم لهذه الشجة في الشريعة. دليلنا: أن بيان الحكم يقع من قبل الله تارة ومن قبل تبيين النبي ﷺ تارة أخرى، فلمَّا اتفقوا على أن عدم نص الله تعالى في الحادثة على حكم لا يوجب تركَ الحكم في نظيرها، كذلك تركُ رسول الله الحكم في الحادثة لا يوجب تركَ الحكم في نظيرها. ولأن النبي ﷺ قد يكلنا إلى النظر والاستدلال والبحث عن أدلة الأصول (٢) .

стр. 1413

ألا ترى إلى ما روي أن عمر ﵁ لما سأل النبي ﷺ عن الكَلاَلة، فلم يجبه النبي ﷺ وقال: (يكفيك آية الصَّيف) (١) فوكله إلى البحث والنظر. وذهب المخالف: إلى أنه لو كان لهذه الحادثة حكم في الشريعة لم يكن النبي ﷺ ليترك بيانه مع عدم نص الله تعالى. والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه قد يترك البيان، ويكلنا إلى النظر والبحث، فلا يكون ذلك موجباً لترك الحكم في نظير الحادثة.

стр. 1414

باب التقليد التقليد (١) : قبول القول بغير دليل (٢) . واشتقاقه من القِلادة (٣) ؛ لأنها تكون في رقبة الإنسان، فاشتُقَّ التقليد منها؛ لأنه إذا قَبِل قولَه فيما سأله، فقد قلَّد رقبتَه ذلك (٤) . وليس المصير إلى الإجماع تقليد المجمعين، ولكن نفس الإجماع حجة لله تعالى كالآية والخبر، فإذا صار إلى الحكم بدليل الإجماع، كان دليله على الحكم الإجماع. وكذلك يُقبل قولُ الرسول، ولا يقال: تقليد؛ لأن قوله وفتواه حجةٌّ ودليلٌّ على الحكم، والنبى لا يُقلَّد؛ لأن قوله حجة؛ لأنه إذا أفتى بفتيا لم يحتج أن يدل على الحكم بآية من كتاب الله ولا غيره، بل مجرد نطقه عنه. ويفارق فتيا الفقيه؛ لأن قوله ليس بحجة ولا دليل على الحكم؛ لأنه يفتقر إلى دليل تعلق الحكم به.

стр. 1415

فدل على أن النبي ﷺ لا يُقلَّد أبداً. وقد قال أحمد ﵁ في رواية أبي الحارث: "من قَلَّد الخبرَ رجوتُ أن يَسْلَم إن شاء الله" (١) . فقد أطلق أحمد ﵁ اسم التقليد على من صار إلى الخبر، وإن كان حجة في نفسه. يمكن أن يحمل قوله: "قَلَّد" بمعنى صار إلى [١٨٢/أ] الخبر. [ما يسوغُ فيه التقليد وما لا يسوغ] وإذا ثبت حدُّ التقليد. فالكلام فيما يسوغ فيه التقليد وما لا يسوغ فيه (٢) . جملته: أن العلوم ضربان: ما يسوغ فيه التقليد. وما لا يسوغ فيه التقليد. فما لا يسوغ فيه التقليد: معرفة الله تعالى، وأنه واحد، ومعرفة صحة الرسالة (٣) .

стр. 1416

وإنما قلنا: لا يقلد في هذا، بل على الكل معرفةُ ذلك بغير تقليد: لقوله (١) تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطاياهُم مِن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (٢) . وهذا أعلى منازل التقليد: أن يضمنَ (٣) المقلَّدُ للمقلِّد دركَ ما قلَّده فيه، وأن يتحمل عنه إثمه، فقد ذمة الله تعالى عليه وكذَّبه فيه: ثبت أن التقليد فيه لا يجوز. ولأن كل واحد يمكنه معرفة الله تعالى؛ لأنه يشترك فيها العامي والعالم، لا نبينه فيما بعد. ولأن التقليد لا يفضي إلى المعرفة، ولا يقع به العلم. فصل [معرفة الله لا تجب قبل السمع] ولا يجب عليه معرفةُ الله تعالى قبل السمع مع القدرة على معرفة الله تعالى بالدلائل (٤) . وقد قال أحمد ﵀ في رواية عبدوس (٥) بن مالك العطار:

стр. 1417

"ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك (١) بالعقول، إنما هو الاتباع". خلافاً للمعتزلة في قولهم: عليه أن يعرف ذلك قبل أن يرد السمع، فإن لم يفعل، فهو كافر معاند (٢) . وقالوا: المراهق إذا بلغ حداً يميز ويعقل وجب عليه أن يعرف الله تعالى، فإن لم يفعل، فهو كافر معاند. دليلنا: قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَى نَبْعَثَ رَسُولاً) (٣) . وقال تعالى: (رُسُلاً مُّبَشِرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلناسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اْلرُّسُلِ) (٤) فدل ذلك على أن الله تعالى لا يعرف قبلِ أن يبعث الرسل. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَى يَبْعَث فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلهَا ظَالِمُون) (٥) . وقال تعالى: (وَلَوْلاَ أن تُصِيْبَهُم مُّصيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أيدِيهمْ فَيَقُولوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ رَسُولاً فَنَتَّبعَ ءايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٦) وقال الله تعالى: (وَلَوْلاَ أَنَّا أهلَكْنَاهُم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلتَ إِليْنَا رَسُولاً فَنَتَبعَ ءايَاتِكَ مِن قَبْلِ أن نَّذِلَّ وَنَخْزَى) (٧) .

стр. 1418

وهذا كله يدل على ما ذكرناه. وأيضاً: ما روى سليمان بن بريدة (١) عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أمره بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين، وقال: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم [إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم] (٢) إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، [فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا] (٣) فاستعن بالله عليهم وقاتلهم) (٤) . فأمر بقتالهم بعد الدعاء والامتناع. وإذا ثبت وجوبها بالسمع فالطريق إليها أدلة يشترك فيها العالم والعامي، وهى أمور عقلية.

стр. 1419

[بم تحصل المعرفة] وهي كسبية مختارة للعبد، وموهِبة من الله تعالى، ولا تقع ضرورة. وقد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي: "معرفة الله تعالى في القلب تتفاضل فيه وتزيد" (١) . وهذا يدل على أنها كسبية؛ لأنها تزيد بزيادة الأدلة، ولو كانت ضرورة لم تزد، كما لم يزد (٢) علم الضرورات. خلافاً لمن قال: المعرفة موهِبَة، تقع ضرورة، ولا يتوصل إليها بأدلة العقول (٣) . وربما يذهب إلى هذا قوم من أصحابنا (٤) . والمذهب على ما ذكرنا (٥) .

стр. 1420

وقد قال أحمد ﵀ في رواية حمدان بن علي: "المرجئة تقول: إذا عرف ربّه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه. وهذا كفر إبليس، قد عرف ربه، فقال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي") (١) . فقد نص على حصول (٢) المعرفة لإبليس، ولو كانت موهِبة لم تحصل له (٣) ، لأنه كافر معاند. والدلالة عليه: أن الله تعالى أجرى العادة بحصول المعرفة عند النظر والاستدلال، كما أجرى العادة بذلك بحصول الطَّعم عقيب الذوق، والسمع عقيب الاستماع، ولم يجز أن يقال: إن الطَّعم يحصل بغير ذوق، والسمع بغير استماع.

стр. 1421

ولأن الله تعالى حث على النظر والاستدلال، فلولا أن العلم يقع به لم يكن فيه فائدة، فقال تعالى: (أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإبِلِ، كَيْفَ خُلِقَتْ) (١) . وقال: (أولَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السمَوَاتِ وَاْلأَرْضِ) (٢) . وقال: (فَلْيَنْظُرِ اْلإِنْسَان مِمَّ خُلِقَ) (٣) . وقال: (يَا أيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنَ تُرَابٍ) (٤) الآية. واحتج من قال بأنها موهبة: بما أخبر الله سبحانه عن عيسى وقوله في التمهيد: (إِنِّى عَبدُ اللهِ ءاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا) (٥) ، ولم يك من أهل النظر: الاستدلال. وكذلك لما استخرج الذرية من ظهر آدم، (وأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (٦) .. ولم يكونوا من أهل النظر والاستدلال. والجواب: أن كلام عيسى في التمهيد كان معجزة (٧) له وبراءة لأمه. ويحتمل أن يكون كلفه في تلك الحال، كما أنطقه في المهد صبياً بلسان الحكمة. وأما الذرية فإن الله تعالى كلفهم حين أوجدهم؛ لأنه أخذ إقرارهم، وإنما يكون هذا حجةً على من كلف.

стр. 1422

فأما الدلالة التي يتوصل بها فهو: أنه رَفع السماء بغير عمد، وأجرى فيها الكواكب والشمس والقمر دائبين، قائمة على الهواء بغير عمد، ولا يظهر فيها شَق ولا فُطور، قال تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُور) (١) . وسَطَح الأرض، وهي تراب على وجه الماء، والبناء على الماء حال (٢) [١٨٣/١] لا يقدر عليه أحد، فلما فعل هذا اضطربت على الماء فثبتها بالجبال الرواسي حجراً واحداً، ومعلوم أن أحداً من البشر لا يقدر عليه، ثبت أن لها خالقاً غير البشر. وكذلك جعل فيك دلالة عليه، فإنه خلق الإنسان من ماء مهين، وجعله نطفة في الرحم، ثم يُغَيَّر من حال إلى حال، حتى يظهر من بطن أمه وليداً لا يعقل، فلم يزل حتى كبر، وعقل، وفهم، وعلم، وأنتَ تعلم أنه لو انقطع منه شعرة لم يمكن أحد أن يضعها كما كانت أبداً، ثبت بهذا أن له صانعاً يخالف البشر. وإذا ثبت أن لها صانعاً، علمناه قطعاً أنه واحد لا شريك له بانتظام الأمر على محكم الصنعة من غير تغير ولا اختلاف، ولو كان إله غيره لجاز عليهما الاختلاف على ما نعهده في الملوك، فلما اتسعت الصنعة على وجه واحد من غير اختلاف، علم قطعاً أن الصانع واحد لا شريك له. [معرفة النبوة] وأما معرفة النبوة فظهور المعجزات عند التحدي والحاجة إليها على يديه، كانشقاق القمر، وكلام الضب، وحنين الجذع، والقرآن القاطع المعجز، وكاليد البيضاء، والعصا، وإحياء الموتى، وتنزيل المائدة من السماء، فإذا ظهر على [يد] نذير هذا عند التحدي علمنا أنه رسول الله قطعاً؛ لأن المعجزات لا تظهر على يد الكذابين.

стр. 1423

[الفرق بين العجزة والكرامة] ويفارق هذا كرامات الأولياء، لأنها تقع اتفافاً، ولا يمكنه إظهارها والتحدي بها، فإذا وجد على يدي رجل، ثبت أنه نبي قطعاً، وكان قبول قوله فرضاً (١) . وفي معنى هذا مما لا يسوغ التقليد فيه: ما ثبت بخبر التواتر، كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان والزكاة والحج، كل هذا يعرف بأخبار التواتر، فيقع العلم بها بالسمع، والعالِم والعامي في طريق ثبوتها على وجه واحد، فلهذا لم يسغ التقليد فيه. [ما يسوغ فيه التقليد] وأما الذي يسوغ فيه التقليد، فهذه المسائل التي هي فروع الدين، كالنكاح، والبيوع، والطلاق، والعتق، والتدبير، والكتابة، وسجود السهو، فالناس فيه على ضربين: عالِم، وعامي. فالعامي له أن يقلد أهلِ العلم، ويعمل بفتواهم، لقوله تعالى: (فَاسْألوا أَهْل الْذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون) (٢) . وقال تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (٣) . وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُوْلِ وَإلِى أولِى الأَمرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ

стр. 1424

يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (١) . ولأنه لا خلاف أن طلب الفقه من فرائض الكفايات، فلو كلف الكل لكان من فرائض الأعيان. ولأن كل أحد لا يتمكن أن يعرف ذلك؛ لأنه يتشاغل [١٨٣/ب] عن عمارة الدنيا بالزرع والمعاش والكسب به، فلما كان فيه قطع لعمارة الدنيا لم يكن واجباً على الكل. [للعاميِّ أن يقلد من شاء من المجتهدين] وإذا ثبت أن له التقليد، فليس عليه أن يجتهد في أعيان المقلَّدين، بل يقلد من شاء، لأنه لما لم يكن عليه الاجتهاد في طلب الحكم كذلك في المقلَّد. وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ فيما رواه الحسين (٢) بن بشار المخرمي (٣) قال: "سألت أحمد ﵀ عن مسألة في الطلاق، فقال: إن فعل كذا حنث. فقلت له: فإن أفتاني إنسان: لا أحنث، فقال: تعرف حلقة المدنيين؟ قلت: فإن أفتوني أدخل (٤) ؟ قال: نعم". فلم يكله الإمام أحمد ﵁ إلى اجتهاده في المستفتى، وإنما

стр. 1425

أفتاه بقوله، وأرشده إلى غيره. [إذا استفتى المقلد عالمين] وإن استفتى عالمين: فإن اتفقا على الجواب عمل بما قالاه، وإن اختلفا، فقال أحدهما: مباح، والآخر محظور. مثل إن استفتاه في صريح الطلاق إذا نواه ثلاثاً، فقال له حنبلي: طلقت واحدة. وقال (١) له شافعي: طلقت ثلاثاً، فإنه يقلد من شاء منهما، ولا يلزمه أن يأخذ بقول من غلَّظ عليه. وهذا ظاهر ما رواه الحسين (٢) بن بشار عن أحمد؛ لأنه استفتاه في مسألة الطلاق، فقال له أحمد ﵁: "إن فعل حنث، وقال: إن إفتاك مدني: لا تحنث، فافعل". فقد سوَّغ له الأخذ بقول المدني بالإباحة، ولم يلزمه الأخذ بالحظر. فإن قيل: هلاَّ قلتم: يلزمه أن يأخذ بقول من غلَّظ، كما قلتم: إذا تقابل في الحادثة دليلان: أحدهما حاظر والآخر مبيح: إنه يقدم الحظر على الإباحة.

стр. 1426

قيل: الفرق بينهما: أن ذلك من الأصول مبناه على التأكيد، ولهذا طريق ثبوته دليل مقطوع عليه. وهذا من الفروع مبناه على التخفيف، ولهذا يثبت بغلبة الظن. [يكفي في الفتوى مترجم واحد] فإن كان المقلد يعرف لسان المفتي سمع منه، وعمل بقوله عليه. وإن كان لا يعرف لسانه أجزأه مترجم واحد؛ لأنه نقل خبر إليه، وخبر الواحد يوجب العمل. ويفارق هذا الترجمة عن الشاهد؛ لأنها (١) إثبات شهادة، فلهذا افتقرت الترجمة إلى عدد. [على العامي أن يستفتي في كل حادثة تقع] وإن استفتى عامي عالماً في حكم وأفتاه، ثم حدث حكم آخر مثل ذلك، فعليه أن يكرر الاستفتاء، ولا يقتصر على الأول. وكذلك الحاكم إذا اجتهد في حادثة فقضى بها، ثم حدثت ثانياً، فإنه يحدث لها اجتهاداً. وكذلك إذا اجتهد فصلى إلى جهة، ثم حضرت صلاة أخرى أحدث لها اجتهاداً؛ لأن الاجتهاد الأول غير مقطوع [١٨٤/أ] عليه، وإنما هو غلبة ظن فهذا حكم العامي.

стр. 1427

فصل [تقليد العالم لعالم مثله] وأما العالِم فلا يجوز أن يقلد عالماً مثله، سواء كان الزمان واسعاً أو ضيقاً (١) . وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد: "لا تقلد أمرك واحداً منهم، وعليك بالأثر" (٢) . وذكر ابن بطة (٣) في مسألة أفردها: أن الخلوة تكمل الصداق، بإسناده عن الفضل بن زياد قال: قال أحمد ﵀: "يا أبا العباس لا تقلد

стр. 1428

دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا" (١) . فقد مَنَعَ من التقليد، وندب إلى الأخذ بالأثر. وإنما يكون هذا فيمن له معرفة بالأثر والاجتهاد. وبهذا قال الشافعي (٢) وأبو يوسف (٣) .

стр. 1429

وقال أبو حنيفة (١) ومحمد (٢) : يجوز للعالم تقليد العالم، حكاه أبو سفيان عنه في مسائله، ولم يفرق بين أن يكون الزمان واسعاً أو ضيقاً. وذهب ابن سريج إلى جواز ذلك مع ضيق الوقت (٣) . والدلالة على أبي حنيفة: قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَىءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ) (٤) ولم يقل إلى عالم مثلك. وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيْهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) (٥) وهذا يدل على أن لا يقلد غيره. وأيضاً: فإن معه آلة يتوصل بها إلى المطلوب، فوجب أن لا يجوز له التقليد فيه.

стр. 1430

أصله: التقليد في التوحيد. وهذا نكتة المسألة. ولا يلزم عليه قول الصحابي؛ لأن الرجوع إليه ليس بتقليد؛ لأنه حجة كقول النبي. فإن قيل: الأمور العقلية طريقها العلم، وتقليد الغير أكثر أحواله أن يوجب غلبة الظن، فلم يجز له تقليده، وأمور الشرع طريقها الاجتهاد، وتقليده لمن هو أعلم منه وأقوى اجتهاداً ضرب من الاجتهاد، فوجب أن يكون ذلك دلالة. قيل: ليس هذا ضرباً من الاجتهاد ولا دلالة، وإنما هو اجتهاد من التقليد، وكلامنا في اجتهاده ليعلم ذلك بعلمه، ويقف على دليله. ولأنه لا يجوز للإِنسان أن يتبع قول غيره إلا بصفة تختص به، لا يشاركه فيها أحد، مثل الرسول اختص بالعصمة (١) وكذلك الأمة. وكذلك قول الصحابي اختص بمشاهدة التنزيل وحضور التأويل. والعالم مع العامي اختص بالاجتهاد. فأما إذا لم يكن لأحدهما مزية لم يكن له اختصاص بصفة فلم يجز للآخر اتباعه في قول. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِى اْلأمْرِ مِنْهُمْ) (٢) . والجواب [١٨٤/ب] : أن المراد به العامة، يدل عليه قوله تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) عُلِم أنه أراد المقلد؛ لأنه إذا كان عالماً فهو من أهل الاستنباط.

стр. 1431

واحتج: بما روي أن عبد الرحمن بن عوف لما تردد بين عثمان وعلي، قال لعثمان: (هل أنت متابعي (١) على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين؟. فقال: الَّلهم نعم، فبايعه) (٢) . وإنما دعاه عبد الرحمن إلى اتباع أبي بكر وعمر لاعتقادهما (٣) أن أبا بكر وعمر كانا أعلم من عثمان. وروي عن عمر أنه قال: (إني رأيت في الجد رأياً، فاتبعوني، فقال له عثمان: إن نتبع رأيك فرأيك رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان) (٤) . وروي (أن امرأة ذُكِرت عند عمر بالفاحشة، فوجه إليها، فأجهضت ذا بطنها من الفزع، فاستشار الصحابة، فقال عثمان وعبد الرحمن: إنك مؤدب، ولا شىء عليك، وعلىُّ ساكت، فقال له عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشَّاك، عليك الدية، فقال عمر: عزمت عليك لتقسمنها على قومك) (٥) .

стр. 1432

فقلد علياً. والجواب عن قول عبد الرحمن لعثمان: هل أنت متابعي على سيرة الشيخين من وجوه: أحدهما: أنا نحمل ذلك على السيرة في حماية البيضة. والقيام بالمصالح، والتزيد في بلاد الإسلام والفتوح والنكاية في العدو، ولم يُرِد في أحكام الفقه. يدل على صحة هذا: أن أحكامهما (١) مختلفة في كثير من المسائل، فكيف يجوز اتباعهما؟. فإن قيل: لو كان المراد به السيرة لم يمتنع عليُّ من ذلك. قيل (٢) . وجواب ثان، وهو: أنه يجوز أن يكون عثمان أجابه إلى ذلك؛ لأنه سمع النبي ﷺ يقول: (اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر) فحمله على عمومه. وجواب ثالث، وهو: أن علي بن أبى طالب خالفهما في ذلك، فقال لعبد الرحمن لما قال له: (هل أنت متابعي على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة

стр. 1433

الشيخين؟ فقال له علي: لا، إلاَّ على جهدي وطاقتي) . فخالفهما في ذلك. فإن قيل: ليس هذا بخلاف؛ لأنه يجوز أن يكون عنده أنه أعلم منهما، فلهذا لم يتبعهما؛ وكان عند عثمان أنهما أعلم منه، فأجاب إلى اتباعهما. قيل: الخلاف قد ظهر منهما، وما ذكره المخالف من هذا الاحتمال يحتاج إلى دليل. وأما قول عمر: (إني رأيت في الجد رأياً فاتبعوني) ، فلا حجة فيه؛ لأنه إنما يصح التعلق به إذا ثبت أن عمر دعاهم إلى اتباعه؛ لاعتقاده أنه أعلم منهم. وهذا المعنى ليس في الخبر [١٨٥/أ] وعلى أن معناه: اتبعوني بالدليل الذي قام عندي. وقول عثمان: (إن نتبع رأيك فرأيك رشيد) ، أي: [له] وجه في الأصول وتَعَلُّق بها (وإن نتبع رأي من قبلك، فنعم ذو (١) الرأي) ، لما دلَّ عليه من الدليل، فإذا احتمل هذا لم يجز حمله على التقليد. وأما قول عمر لعلي: (عزمت عليك لتقسمنها على قومك. إنما قاله؛ لأن اجتهاده أدى إلى صحة ما قاله، فكان ذلك قولاً بالدليل. واحتج: بأن العالم إذا رأى اجتهاد غيره أقوى من اجتهاد نفسه كان تقليده إياه ضرباً من الاجتهاد، فلما كان له أن يحكم في الحادثة بما يؤديه إليه اجتهاده، كذلك يجوز له أن يقلد غيره فيها (٢) إذا كان اجتهاده أوثق عنده من اجتهاد نفسه. والجواب: أنه لو كان جواز تقليده مما ذكرته من أن اجتهاد غيره أقوى لوجب أن لا يجوز له أن يترك تقليده، ولا يعمل على اجتهاد نفسه، كما أنه

стр. 1434

إذا رأى الحادثة بأحد الأصلين أشبه منها بالأصل الآخر لم يجز له أن يردها إلى الأصل الذي هو أشبه به، فلما أجزتم له أن يمضي اجتهاد نفسه علمنا أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين. وجواب آخر وهو: أن قولهم: إن رجوعه إلى قول غيره ضرب من الاجتهاد لا يصح؛ لأنه اجتهاد في التقليد، وكلامنا في اجتهاده ليعلم ذلك بعلمه ووقوفه على دليله. واحتج: بأن الأعلم لما كان يعرف مالا يعرفه الآخر كان له أن يصير إلى من هو فوقه، مثل العامي يسمع خبراً أو آية عامة، فإن عليه الرجوع إليه (١) ، يقلده (٢) لجواز أن يكون عند العالم ما يقضي على الخبر الذي يسمعه. كذلك اجتهاد من هو أدون منه في الفقه لما جاز أن يكون عند العالم ما يقضي على اجتهاده لزمه المصير إلى قوله. والجواب: أنه لو كان كالعامي لوجب الرجوع إلى قوله، ولم يجز لى أن يعمل على ما عنده، ولما جاز له العمل على ما عنده لم يصح اعتباره به. ولأن العامي ليس معه آلة الاجتهاد، وهذا بخلافه.

стр. 1435

[لا يجوز التقليد للعالم وإن ضاق الوقت] والدلالة على منع التقليد مع ضيق الوقت أيضاً ما تقدم. ولأنه من أهل الاجتهاد، فلم يجز له تقليد غيره. دليله: إذا لم يضق وقته . ولأن اجتهاده شرط في صحة فرضه، فلا يسقط بخوف الفوت قياساً على سائر الشروط، مثل: الطهارة وستر العورة وغير ذلك. ولأن العامي فرضه السؤال والتقليد، والعالم فرضه في الاجتهاد، فلما لم يسقط عن العامي فرض السؤال لخوف الوقت لم يسقط عن العالِم فرض الاجتهاد [١٨٥/ب] . واحتج المخالف (١) : بأنه لا يمكنه أداء فرضه باجتهاده، فكان فرضه التقليد قياساً على العامي. والجواب: أن العامى عاجز عن الاجتهاد، والعالم متمكن منه، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر، ألا ترى أنه لا يجوز اعتبار من لا يجد الماء والسترة بمن يقدر عليهما (٢) ، ولكنه يخاف فوات الوقت إن استعملهما (٣) . واحتج: بأنه لما جاز للعالم تقليد الصحابي جاز له تقليد غير الصحابي. والجواب: أنه لما جاز له تقليد الصحابة لزمه ذلك، ولم يجز له مخالفتهم (٤) ،فجرى ذلك مجرى قول النبي ﷺ ، وليس كذلك ها هنا، فإن العالم لا

стр. 1436

يلزمه تقليد العالم، بل هو مخير عندهم في تقليده وفي تركه والعمل على ما عنده، فبَانَ الفرق. مسألة [حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع] الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع اختلف الناس فيها (١) . فذكر شيخنا (٢) ﵀ أنها على الحظر إلا أن يرد الشرع بإباحتها. وقد أومأ أحمد ﵀ إلى معنى هذا في رواية صالح ويوسف موسى (٣) : "لا يخمَّس السَّلَب، ما سمعنا أن النبي خمَّس السَّلَب" (٤) .

стр. 1437

وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السَّلَب؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ شرع فيه، فبقي على أصل الحظر (١) . وكذلك نقل الأثرم وابن بَدينا (٢) في الحُلِيّ يوجد لقطة (٣) ، قال: "إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير" (٤) . فاستدام أحمد ﵀ التحريم، ومنع [الملك] (٥) على الأصل؛ لأنه

стр. 1438

لم يرد شرع في غير الدراهم (١) . وبهذا قالت المعتزلة البغداديون (٢) والإمامية (٣) وابن أبى هريرة (٤) من أصحاب الشافعي. وقال البصريون من المعتزلة الجبَّائي وابنه (٥) : إنها على الإباحة. وبه قال أصحاب أو حنيفة (٦) فيما حكاه السرخسي. وحكي عن جماعة من أصحاب الشافعي ابن سريج [وأبي حامد] (٧) المروذي (٨) . وهو قول أهل الظاهر (٩) .

стр. 1439

وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل، قال: "لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئاً، قيل له: فالنَّبْق قال: ليس فيه حديث صحيح، وما يعجبنى قطعُه، قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم لا يعجبك؟ قال: لأنه على [كل] (١) حال قد جاء فيه كراهة (٢) ، والنخل لم يجيء فيه شىء". فقد استدام أحمد ﵀ الإباحة في قطع النخل؛ لأنه لم يرد شرع يحظره (٣) . وهو ظاهر كلام أبي الحسن التيمي (٤) ؛ لأنه نصر جواز الانتفاع قبل وجود الإذن من الله تعالى.

стр. 1440

وقال أصحاب الأشعري (١) : هي على الوقف لا يقال: إنها مباحة ولا محظورة، إلا أن [١٨٦/أ] يرد الشرع بذلك. وهو قول أبي الحسن الجزري (٢) من أصحابنا، ذكره في جزء فيه مسائل، فقال: "الأشياء قبل مجيء الشرع موقوفة على دلائلها، فما ورد النص به عمل به، وما لم يرد به النص رد إلى ما فيه النص، ومن قال: إنها على الإباحة، فقد أخطأ" (٣) . وبهذا قال جماعة من أصحاب الشافعي: الصيرفي وأبو علي الطبري (٤) . والقائل بالوقف موافق لمن قال بالإباحة في التحقيق (٥) ؛ لأن من قال بالوقف يقول: لا يثاب على الامتناع منه، ولا يأثم بفعله. وإنما هو خلاف في عبارة.
следующие страницы →