← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

يلزمه تقليد العالم، بل هو مخير عندهم في تقليده وفي تركه والعمل على ما عنده، فبَانَ الفرق. مسألة [حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع] الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع اختلف الناس فيها (١) . فذكر شيخنا (٢) ﵀ أنها على الحظر إلا أن يرد الشرع بإباحتها. وقد أومأ أحمد ﵀ إلى معنى هذا في رواية صالح ويوسف موسى (٣) : "لا يخمَّس السَّلَب، ما سمعنا أن النبي خمَّس السَّلَب" (٤) .

стр. 1437

وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السَّلَب؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ شرع فيه، فبقي على أصل الحظر (١) . وكذلك نقل الأثرم وابن بَدينا (٢) في الحُلِيّ يوجد لقطة (٣) ، قال: "إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير" (٤) . فاستدام أحمد ﵀ التحريم، ومنع [الملك] (٥) على الأصل؛ لأنه

стр. 1438

لم يرد شرع في غير الدراهم (١) . وبهذا قالت المعتزلة البغداديون (٢) والإمامية (٣) وابن أبى هريرة (٤) من أصحاب الشافعي. وقال البصريون من المعتزلة الجبَّائي وابنه (٥) : إنها على الإباحة. وبه قال أصحاب أو حنيفة (٦) فيما حكاه السرخسي. وحكي عن جماعة من أصحاب الشافعي ابن سريج [وأبي حامد] (٧) المروذي (٨) . وهو قول أهل الظاهر (٩) .

стр. 1439

وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل، قال: "لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئاً، قيل له: فالنَّبْق قال: ليس فيه حديث صحيح، وما يعجبنى قطعُه، قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم لا يعجبك؟ قال: لأنه على [كل] (١) حال قد جاء فيه كراهة (٢) ، والنخل لم يجيء فيه شىء". فقد استدام أحمد ﵀ الإباحة في قطع النخل؛ لأنه لم يرد شرع يحظره (٣) . وهو ظاهر كلام أبي الحسن التيمي (٤) ؛ لأنه نصر جواز الانتفاع قبل وجود الإذن من الله تعالى.

стр. 1440

وقال أصحاب الأشعري (١) : هي على الوقف لا يقال: إنها مباحة ولا محظورة، إلا أن [١٨٦/أ] يرد الشرع بذلك. وهو قول أبي الحسن الجزري (٢) من أصحابنا، ذكره في جزء فيه مسائل، فقال: "الأشياء قبل مجيء الشرع موقوفة على دلائلها، فما ورد النص به عمل به، وما لم يرد به النص رد إلى ما فيه النص، ومن قال: إنها على الإباحة، فقد أخطأ" (٣) . وبهذا قال جماعة من أصحاب الشافعي: الصيرفي وأبو علي الطبري (٤) . والقائل بالوقف موافق لمن قال بالإباحة في التحقيق (٥) ؛ لأن من قال بالوقف يقول: لا يثاب على الامتناع منه، ولا يأثم بفعله. وإنما هو خلاف في عبارة.

стр. 1441

واعلم أنه لا يجوز إطلاق هذه العبارة؛ لأن من الأشياء مالا يجوز أن يقال: إنها على الحظر، كمعرفة الله تعالى، ومعرفة وحدانيته. ومنها مالا يجوز أن يقال: إنها على الإباحة، كالكفر بالله، والجحد له، والقول بنفي التوحيد. وإنما يتكلم في الأشياء التي يجوز في العقول حظرها وإباحتها، كتحريم الخنزير، وإباحة لحم الأنعام (١) . وتتصور هذه المسألة في شخص خلقه الله تعالى في بريَّة، لا يعرف شيئاً من الشرعيات، وهناك فواكه وأطعمة، فهل تكون تلك الأشياء في حقه على الحظر أم على الإباحة، حتى يرد الشرع بالدلالة؟ فالدلالة على الحظر (٢) : أن جميع المخلوقات ملك لله تعالى، لأنه خلقَها وأنشأها وبَرأَهَا، ولا يجوز الانتفاع بملك العبد إلا بإذنه، يدل على ذلك أن أملاك الآدميين لا يجوز لأحد منهم أن ينتفع بملك غيره بغير إذنه. فإن قيل: قولكم: لا يجوز الانتفاع بملك الغير بغير إذنه، لا يخلو: إما أن يريدوا به أنه لا يجوز من طريق العقل [أ] والشرع. فإن أردتم من طريق العقل لم يسلم لكم هذا؛ لأن العقل عندنا مما لا يحل ولا يحرم. وإن أردتم به من طريق الشرع فصحيح، إلا أنه لم يرد شرع، ولهذا توقفنا حتى يرد الشرع بحظره أو إباحته.

стр. 1442

ْوهذا دليل من قال بالوقف، والكلام يأتي عليه في أدلتهم. فإن قيل: فالآدمي إنما حُرم ملكُه بغير إذنه لما يلحق فيه من الضرر، ألا ترى أن مالا ضرر عليه فيه، مثل المشي في ضوئه والوقوف في ظله، وما أشبه ذلك أغير محرماً، والله تعالى لا يستضر بالانتفاع بملكه. فلم يحرم تناوله. وهذا دليل من قال بالإباحة والكلام يأتي عليه في أدلتهم، إن شاء الله تعالى. فإن قيل: من الأملاك ما يتصرف فيها الغير بغير إذن مالكها، وهو مال الصبي والمجنون وأهل الحرب. وكذلك [١٨٦/ب] المضطر إلى مال الغير فإنه يأكل منه بغير إذن مالكه. قيل: هناك إذن من جهة العقل والشرع. ودليل آخر وهو: أن تناول ذلك واستباحته ترك للاحتياط وركوب الغرر؛ لأنه يمكن أن يكون على الإباحة فلا يأثم، ولا يحرج، ويمكن أن يكون على الحظر فيكون ملوماً في فعله مأثوماً في تناوله، فإذا أمكن هذا وهذا وجب بدليل العقل الامتناع منه لئلا يركب الحظر والغرر، كمن قيل له: هذا طريق مأمون، وهذا طريق مخوف، وجب بدليل العقل ترك المخوف، وإذا ركبه كان قبحاً في العقل، فكان الاحتياط الترك. فإن قيل: لا نسلم أن تناولها ترك الاحتياط، بل الاحتياط في الانتفاع بها؛ لأن في ذلك تلف النفس، ونحن ممنوعون من ذلك. وهذا دليل من قال بالإباحة. والكلام يأتي عليه إن شاء الله تعالى. فإن قيل: اعتقاد الحظر فيما هو مباح لا يجوز، كما لا يجوز اعتقاد الإباحة فيما هو محظور، فلا يكون لأحدهما في هذا الوجه على الآخر مزية، وحصل للانتفاع بها مزية من جهة أن فيه إحياء النفس. قيل: قد أجبنا عن هذا السؤال في ترجيح الأخبار بما فيه كفاية (١) .

стр. 1443

وبيَّنا أن هذا يبطل بالمتولد من بين ما يباح أكله وما لا يباح أكلُه، وما يباح نكاحُه وما لا يباح، فإنه يُغلَّب الحظر فيه، ولا يقال: إن تحريم ما يباح بمثابة إباحة ما هو حرام. فإن قيل: لا يصح حظر ما يتوهم وجوبه وحظره، وإنما يصح ذلك فيما عرف حكمه، وإن جاز الحظر لزم أن يقال: يجب على كل أحد أن يصلي طول دهره ويصوم طول أيامه قبل الشرع، لجوار أن يرد الشرع بوجوب ذلك. قيل: ولا يجوز إباحة ما يتوهم إباحته، وإنما يصح ذلك فيما عرف حكمه [فكان] استعمال الحظر أولى، لما بيَّنا. ويفارق هذا ما ذكروه من الصيام، والصلاة؛ لأنه لا يعقل معناها قبل ورود الشرع، واجتناب هذه الأشياء يعقل (١) معناه، وهو تركه. وقد اعتمد من نصر هذا القول على طريقة أخرى، فقال: العقل لا ينفك من شرع؛ لأنه لو انفرد عن شرع لم يجز الإقدام على المنافع ولا الإحجام عنها، لجواز كون كل واحد منهما مفسدة. وإذا كان انفكاك العقل من سمع يؤدي إلى هذا الفساد لم يجز أن ينفك من سمع، وإذا لم ينفك من سمع فالسمع قد حظر الانتفاع والتصرف في ملك الغير بغير إذنه، ومن قال بالإباحة أباح التصرف في ملك الغير بغير إذن. وهذه الطريقة إذا صحت [١٨٧/أ] حصل الاحتجاج بالشرع دون العقل. واحتج من قال بالإباحة: بأن الله لما خلق هذه الأشياء لم تَخْلُ من ثلاثة أحوال: إما أن يكون خلقَها لينتفع هو بها، أو لينتفع بها غيره، أو ليضر بها غيره.

стр. 1444

ولا يجوز أن يكون خلقها لينتفع هو؛ لأنه تعالى غني أن تلحقه المنافع والمضار. ولا جائز أن يكون خلقها ليضر بها؛ لأن ذلك قبيح، إذ لم يكن في حال خلقه إياها من يستحق العقوبة، فلم يبق إلا أنه خلقها لينتفع عباده. والجواب: أن هذا ينقلب عليهم فيما خلقه الله تعالى وحرمه على عباده، مثل الخمر والخنزير. ونُقسِّم ذلك عليهم مثل تقسيمهم حرفاً بحرف. وعلى أنا نقول: يجوز أن يكون خلقها ليمتحن عباده بالكف عنها، ويثيبهم على ذلك، وليستدلوا بها على خالقها. وهذا وجه يخرجه من حد العبث والضرر بهم، فسقط ما قالوه. واحتج: بأنه لا يقبح في العقل (١) أن ينتفع بملك الغير على وجه لا يستضر الغير به، بدليل التنفس في الهواء والانتقال في الجهات، بدليل أن له أن يمشيَ في ظل (٢) حائطه ويتكىء على حائطه، ويمشى معه في طريقه يأنس بكونه في صحبته، وينظر في مرآة المزين (٣) إذا علقها على وجه لا يتنفس فيها، أو كان على حائطه قرآن مكتوب، كمن كتب على حائطه آية الكرسي كان لكل أحد أن يتلقَّن ذلك منه، كذلك في بقية الأشياء؛ لأن الله تعالى [منزه] عن أن يستضَّر بشىء. والجواب: أنه إن لم يكن على المالك ضرر فعلى المتصرف ضرر؛ لأنه يجوز أن يُحظَر عليه، فيجب أن يؤثر ذلك في المنع، كارتكاب المعاصى، لا ضرر على الله تعالى بفعلها، ومع هذا فإنه يمنع العبد منها لما عليه فيها من الضرر في الآخرة.

стр. 1445

وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن لا يكون عليه ضرر من ذلك ويمنع منه، لعدم الإذن، بدليل: أن من يملك القناطر من المال لا ضرر عليه بأخذ درهم منها، ومع هذا لا يجوز إلا بإذنه. وأما التنفس في الهواء والانتقال في الجهات فينظر وقته، فإن كان لحاجة جاز؛ لأن الأول قد حصل فيه من جهة العقل، فنظيره أن يضطر إلى طعام الغير، فيباح له؛ لأن العقل لا يمتنع من هذا، كما لا يمنع الشرع من ذلك عند الحاجة، وإن لم يكن به حاجة منعناه. وأما الاستيضاء بنار غيره، والظل بحائطه، والنظر في المرآة، فهذه الأشياء ليست بملك لأحد، فلهذا جاز التصرف فيها. يبين صحة هذا: أنه يصح المنع منها بغير حاجة، وإنما يملك المنع فيها لحاجة وهو [١٨٧/ب] أن يكون محتاجاً إلى فناء حائطه. وقد قيل بأن التنفس في الهواء لا يؤدي إلى استهلاك الهواء، فلا يؤثر فيه وكذلك النظر في مرآته والاستيضاء بناره. وليس كذلك أكل الطعام وشرب الشراب، فإنهما يؤثران في الطعام والشراب، ويؤديان إلى استهلاكهما، وهما ملك للغير، فلا يجوز بغير إذنه. واحتج: بأن الأشياء كلها ملك لله تعالى، الحيوان وغيره، والأحسن إحياء الملك بالملك. ويقبح إهلاك الملك مع القدرة لما فيه من الفساد. والجواب: إنما يُبيح أن تتناول هذه الأشياء عند الحاجة وجود (١) التلف؛ لأن الإذن قد حصل فيه من جهة العقل، فنظيره أن يضطر إلى أكل طعام الغير، فإنه يباح لهذه العلة. وعلى أن هذا يوجب أن تقول إذا أكره على القتل: أن يجوز، لينجيَ نفسه،

стр. 1446

ولا يُقتل به؛ لأن في ذلك إحياء الملك بالملك، وقد قلتَ: إنه لا يَقْتل، وإن قَتل قُتِل، كذلك هاهنا. واحتج من قال بالوقف: بأنه قد ثبت من الأصلين أن العقل لا يبيح ولا يحظر، وأن المباح: ما أعلمَ صاحبُ الشرع أنه لا ثواب في فعله، ولا عقاب في تركه. والمحظور: ما أعلم أن في فعله عقاباً، فإذا لم يرد الشرع بواحدٍ منهما، وجب أن لا يكون محظوراً ولا مباحاً، ويكون حكمه موقوفاً على ورود الشرع. والجواب: أنا إنما علمنا أن العقل لا يبيح ولا يحظر بالشرع، وكلامنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع، ولا يمتنع أن نقول قبل ورود الشرع: إن العقل يبيحُ ويحظُرُ إلى أن ورد الشرع بمنع ذلك، إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنع من ذلك. وقد قيل: إنا علمنا ذلك من طريق شرعي، وهو: إلهام من الله تعالى لعباده بحظر ذلك أو إباحته (١) . كما ألهَمَ أبا بكر أن قال: الذي في بطن أم عبد جارية (٢) . وكما ألْهَمَ عمر أشياء ورد الشرع بموافقتها. واحتج: بأن كونه على الحظر أو على الإباحة إنما يعرف على قولكم قبل ورود الشرع بالعقل، وما علم حكمه بدليل العقل لا يجوز أن يرد الشرع

стр. 1447

بخلافه، مثل شكر المنعم، واستقباح الظلم، يجب في العقل شكر المنعم واستقباح الظلم، فلما ثبت أنه يجوز أن يرد الشرع بخلاف ما اقتضاه العقل بطل أن يكون ذلك بالعقل حاظراً أو مبيحاً. والجواب: أنه كذلك فيما يعرف ببدائه العقول وضرورات المعقول، كالتوحيد، وشكر المنعم، وقبح الظلم، فأما ما يعرف بثواني العقول استنباطاً واستدلالاً فلا يمنع أن [١٨٨/أ] يرد الشرع بخلافه؛ لأنا قلنا [هي] على الحظر، وجوزنا أن يكون على الإباحة أو على الوقف، ولكن كان هذا عندنا أظهر، فصرنا إليه، فإذا ورد الشرع كان أولى مما (١) عرفناه استدلالاً مع تجويز غيره. يبين صحة هذا: أن ذبح الحيوان يحظره العقل، وقد ورد الشرع بإباحته. والزنا يبيحه العقل كالنكاح، والشرع قد حظره. وعلى أن ورود الشرع بالإباحة إذن في التصرف، وحصول الإذن في الثاني لا يمنع حظراً متقدماً، بدليل طعام الغير هو محرم عليه، وإذا أذن فيه أبيح، ولم يمنع ذلك من حظر قبله، كذلك ها هنا. واحتج بأن كونه حراماً لا يخلو إما أن يكون لعينه، أو لمعنى. فبطل أن يكون لعينه؛ لأنه لو كان ذلك لعينه لما انقلب عنه إلى غيره. وبطل أن يكون لمعنى؛ لأن الشرع يرد بإباحته، فلا يجوز أن يحظره. مع بقاء معنى الإباحة. فإذا بطل الأمران ثبت أنه لا يصح أن يقال: مباح. والجواب: أنه محظور لمعنى لا لعينه، ولا يمتنع ورود الشرع بخلافه، فيزول ذلك المعنى، كما قلنا في فروع الدين واجتهاد الأنبياء، يجتهدون في الحكم، ثم (٢)

стр. 1448

يرد النص عن الله تعالى بخلافه. ويقولون في الحادثة قولاً، ثم ينسخ ذلك من بعد. فإذا صح مثل هذا في العبادات صح مثله في مسألتنا. وقد قال بعض من تكلم في هذه المسألة: إن الكلام فيها تكلف؛ لأن الأشياء قد عرف حكمها واستقرارها بالشرع. وقال آخرون: الوقت ما خلا من شرع قط؛ لأن الله تعالى لا يخلي الوقت من شرع يعمل عليه؛ لأنه أول ما خلق آدم قال له: (اسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا (١) رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) (٢) فأمرهما ونهاهما عَقِيب ما خلقهما. وكذلك كل زمان، وإذا كان كذلك بطل أن يقال: ما حكمها قبل ورود الشرع؟ والشرع ما أخل بحكمها قط. فعلى هذا لا يتصور الخلاف إلا في تقدير أن الأشياء لو لم يرد بها شرع ما حكمها؟ فالحكم عندنا على الحظر. وعند قوم على الإباحة. وعند آخرين على الوقف. وهذه الطريقة ظاهر كلام أحمد ﵀ لأنه قال في رواية عبد الله فيما أخرجه في محبسه: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم" (٣) .

стр. 1449

فأخبر أن كل زمان فيه قوم من أهل العلم. وهذه طريقة أبي الحسن الجزري ذكرها أمام قوله: إن الأشياء على الوقف، فقال: "لم تخل الأم قط من حجة تلزمهم أمر أو نهي". واستدل عليه بقوله تعالى: (أَيَحَسَبُ الإِنسَانُ أن يُتْرَكَ سُدىً) (١) والسُّدى: الذي لا يُؤمَرُ ولا يُنْهى (٢) . وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أمةٍ رَّسُولاً) (٣) . وقال تعالى: (وَإن مِّنْ أُمَّةٍ [١٨٨/ب] إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ) (٤) . وأن الله تعالى لما خلق آدم أمره ونهاه في الجنة، فقال: لا تقرب هذه الشجرة. وقال قوم: هذه المسألة لا تفيد في الفقه شيئاً، وإنما ذلك كلام يقتضيه العقل. وليس كذلك؛ لأن لها فائدة في الفقه، وهو أن من حرَّم شيئاً أو أباحَه فقول: طلبتُ دليل الشرع فلم أجد، فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ذلك أم لا؟ وهل يلزم خصمه احتجاجه بذلك أم لا؟ وهذا مما يحتاج إليه الفقيه وإلى معرفته والوقوف على حقيقته. وحُكي أن بعض أصحاب داود احتج على إباحة استعمال أواني الذهب

стр. 1450

والفضة في غير الشراب (١) : بأن الأصل فيها الإباحة، وقد ورد الشرع بتحريم الشرب، فوجب أن يبقى ما عداه على التحليل. فقيل له: مذهب داود: أن هذه الأشياء في العقل موقوفة على ما يَرِد به الشرع (٢) . فإذا كان كذلك لم يجز إثبات إباحتها بهذا الطريق. ولا تكون إباحتها لعدم دليل شرعي أولى من حظرها. ونظرتُ في هذه المسألة لبعض شيوخ الكرَّامية، وذكر فيها كلاماً لخصته على ما أذكره، واختار أن الأشياء على الإباحة قبل ورود الشرع وبعد وروده. واستدل (٣) على أنها على الإباحة قبل الشرع بأشياء: منها: أن العبد محتاج إلى هذه المنافع، وله فيها نفع من غير ضرر يلحقه عاجلاً ولا آجلاً، فوجب أن يكون ذلك مباحاً له.

стр. 1451

دليله: ما بعد الشرع . فإن قيل: من أين لك أنه لا ضرر عليه، ولعله يَرِد الشرع بحظر ما كان قد استباحه. قيل: ما لم يرد الشرع بالحظر فلا ضرر عليه فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذَّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١) . دليل ثان: أَن الله تعالى قد أحْوَجَ العاقل إلى الانتفاع بما قد أظهره من المنافع وأحضرها إياه، ولم يمنع عنها مانع، فكانت مباحةً مأذوناً فيها. ألا ترى: أن من أحضر قوماً، مائدة عليها ألوان الطعام محتاجين إليها، ولم يضع هناك مانعاً من ذلك، فإن ذلك يجري مجرى الإذن في الإباحة، كذلك هاهنا. فإن قيل: فهذا المعنى موجود في الخمر والخنزير. قيل: قد كان قبل ورود الشرع على الإباحة، وبعد الشرع حرام؛ لورود الشرع بمنعه. دليل ثالث: أن الله تعالى خلق هذه الأشياء على وجه يمكننا الانتفاع بها، وهو سبحانه يتعالى عن الانتفاع بها، فوجب أن يكون الغرض أن ينتفع بها (٢) العبد. فإن قيل: ما أنكرت على من قال: إنه أحضر هذه الأشياء للاعتبار [١٨٩/أ] بها، لا للانتفاع بها. قيل: بل أحضرها للانتفاع بها، كما قلنا فيمن أحضر طعامه لجماعة بهم حاجة إليه، فإنه إذن وإباحة. كذلك ها هنا. وجواب آخر وهو: أنَّا نقول: خلقها للأمرين جميعاً، للانتفاع، والاعتبار بها.

стр. 1452

وجواب ثالث وهو: أنه لو كان الغرض هذا لوجب أن يقتصر على خلق الجواهر والأعراض التي تتضمنها الأكوان والاجتماع والافتراق، دون الطعام؛ لأن الاستدلال يتم بهذه الأشياء. جواب آخر وهو: أنه إن كان الغرض منها الاستدلال، فإنه لا يمكن الاستدلال بما في هذه الجواهر من الطعوم والمجسَّمات (١) الخشنة واللينة إلا بإدراكها، وإذا أدركها فقد انتفع بها (٢) . جواب آخر وهو: أنه إذا كان الغرض منها الاستدلال فلا يتم ذلك إلا بقوام أبنيتهم، ولا تقوم أبنيتُهم إلا بهذه المنافع كانت مقصودة بخلق المنافع، ولو امتنعوا عن ذلك [لأدى] إلى هلاكهم، فيكون ذلك خارجاً عما أجرى الله عليه (٣) العالَم (٤) من الغرض، وهذا لا يجوز كما لا يجوز أن يحظر عليهم التنفس في الهواء والتقلب من جانب إلى جانب. والدلالة على أنها على الإباحة بعد الشرع: قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُم مَّا فِي اْلأرْضِ جَمِيعاً) (٥) . وقوله: (قُل مَنْ حَرمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (٦) . وقوله: (قُلْ لاَّ أجدُ فِي مَاَ أوحِىَ إلَيَّ مُحَرماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أنَ يَكُونَ مَيْتَةً أَو دَماً مَسْفُوحاً) (٧) فثبت أن ما يحرُم بالوحى يحرُم.

стр. 1453

احتج من قال: إنها على الحظر قبل الشرع: بأنها ملك للغير، ولا يجوز التصرف في ملكه بغير إذنه. والجواب: أنَّا نقول له: من أين تعلم أن التصرف في ملك الغير قبيح. وعلى أن نفس هذا القائل ملك لمالك هذه الأشياء، فله أن ينتفع بالمائع لبقاء النفس. كما أن من كان عنده طعام من جهة مالك، وعنده غلمان المالك، وفي منع الطعام عنهم هلاكهم، لم يكن له أن يمنع. واحتج: بأنه لا يأمن هذا القائل أن يكون فيما يقدم عليه سُمُّ يهلكه. والجواب: أنه قد استقر أيضاً أنه إن لم يقدم عليه يهلك. وعلى أَنَّا قد نجد البهائم تقدم على ذلك ولا تهلك. واحتج: بأنه يجوز أن تكون مخلوقة لمن يأتي بعدهم، كما أن الحور العين والملائكة لا ينتفعون بها في الجنة؛ لأن الله خلقها لبني آدم. والجواب: أنه لو كان كذلك لدل عليه، فلما لم يدل عليه لم يصح هذا. واحتج: بأنه لو كان العقل يبيحه لكان الشرع وارداً بخلاف العقل. والجواب: [١٨٩/ب] أن هذا عائد عليكم في التوقف. وهذا الخلاف مع من يجوز أن يخليَ الله عباده عن دلالات السمع. واحتج من قال: بأنها على الحظر بعد الشرع: بقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَن بِهِ اللهُ) (١) فأنكر على من أثبت حكماً، أو استحل شيئاً بغير إذن الله تعالى. والجواب: أن هذا عائد عليكم، إذ (٢) قلتم بالتحريم. على أنا حملناه على الإباحة بدليل ما ذكرنا.

стр. 1454

فصل والدلالة على فساد قول من قال بالوقف من وجوه: أحدها: أنَّا لا نقول له: هل تعلم التوقف مباح أم لا؟ فإن قال: بلى، فقد استباح شيئاً بعقله دون الشرع. وإن قال: لا أعلم استباحته، ثم قَدِم عليه. قيل له: فهلاَّ كان هذا حالك مع سائر المنافع؟ ونقول له: هل تعلم وجوب التوقف عليك أم لا؟ فإن قال: لا أعلم، وجب أن لا يلزمك الإقدام عليه، أعنى: الاقدام على التوقف. وإن قال: بلى. قيل له: إذا جاز أن تعلم الوجوب بعقلك، فلم لا يجوز أن تعلم الحظر والإباحة؟ ونقول له: إذا جاز أن تعلم جواز ترك الإباحة والحظر بالعقل، فهلاَّ يجوز أن تعلم جواز الإقدام على المنافع أو جواز حظرها؟ وما الفرق بينهما؟ فإن قيل: الفرق بينهما: أنه لعله في الإقدام عليه مفسدة. قيل: فيجب أن تقول بحظره؛ لأنه لا مفسدة فيه. وعلى أنه يجوز أن يكون في التوقف (١) مفسدة أيضاً. ويقال له: ليس تخلو الأشياء من إباحة أو حظر، فلا معنى للتوقف (١) ، إذ ليس تخلو من أحد هذين القسمين. فإن قيل: هو وإن كان هذا حالها، فلا أدري أيهما حكم الله تعالى.

стр. 1455

قيل: ولا ندرى أن حكم الله تعالى الوقف. واحتج بقوله تعالى: (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (١) ، فأنكر على من أحل شيئاً أو حرمه بغير إذنه. والجواب: أنه إنما أنكر على من استبدَّ من ذات نفسه تحليل شىءٍ أو تحريمه وأما من أسنده إلى دليل، فلم يلحقه هذا الذم. ثم هذا يلزمكم في القول بالوقف؛ لأنه لم يَرِد أمره به. واحتج: بأن القول بالإباحة والحظر طريقُه العقل، والعقل لا مجال له في إباحة ولا حظر. والجواب: أن هذا يلزم عليه القول بالوقف؛ لأن العقل لا يوجب ذلك وقد أثبتَّه. وعلى أنا علمنا أن العقل لا مجال له في إباحة ولا حظر بالشرع. فصل وذكر أبو الحسن [١٩٠/أ] التيمي في جزء وقع إلىَّ بخطه فيما خرَّجه من أصول الفقه. فقال: الأفعال قبل مجيء السمع تنقسم قسمين: فمنها حسَن. ومنها قبيح. فما كان في العقل منها قبيحاً، فهو محظور، ولا يجوز الإقدام [عليه] كالكذب والظلم، وكفر نعمة المنعم، وما جرى مجرى ذلك؛ لأنه يكتسب بفعله الذم واللَّوم.

стр. 1456

وأما الحسَن في العقل فينقسم إلى قسمين: منه ما يجب فعله. ومنه ما لا يجب فعله. أما الذي يجب فعله، فهو مثل: شكر نعمة المنعم، والعدل، والإنصاف، وما جرى مجرى ذلك مما في معناه من الحسن، فإنه واجب لا يجوز الانصراف عنه. ومن الحسَن ما لا يجب فعله، وإن كان حسَناً، مثل: التفضُّل، وبرِّ الوالدين، وقِرَى الضيف، وإطعام الطعام (١) . فصل [لا يحظر السمع ما أوجبه العقل ولا يبيح ما حظره] قال (٢) : ولا يجوز أن يرد السمع بحظْر ما كان في العقل واجباً، نحو شكر المنعم، والعدل، والإنصاف، ونحوه. وكذلك لا يجوز أن يَرِد بإباحة ما كان في العقل محظوراً نحو الكذب، والظلم، وكفر نعمة المنعم، ونحوه، وإنما يَرِد بإباحة ما كان في العقل محظوراً على شرط المنفعة، نحو: إيلام بعض الحيوان -يعني بالذبح- لما فيه من المنفعة كما جاز لنا إدخال الآلام علينا بالفَصْد والحِجَامة، وشرب الأدوية الكريهة للمنفعة، وإن لم يجز ذلك لغير منفعة، وما أعطيناه من أموالنا بغير استحقاق للفقراء وغيرهم ممن يُطلبُ بدفعه إليهم الثوابُ من الله تعالى، أو الحمدُ من الناس والثناءُ الجميل؛ فإن هذا وما أشبهه من مجرى الآلام التي يطلب بها المنافع من الفَصْد، والحجامة، وشرب الأدوية.

стр. 1457

وقد يَرِد الشرع بحظر ما لم يكن له في العقل منزلة في القبح، نحو الأكل والشرب، والتصرف الذي لا ضرر على فاعله في فعله في ظاهر أمره، فالواجب أن تجريَ أحكامُ الأفعال على منازلها في العقل. فإما أن يكون قبيحاً في العقل، فيمتنع منه. أو يكون واجباً في العقل، فيلزم أمرُهُ، ويجب فعلُه. أو أن يكون حسناً ليس بواجب، فيكون الإنسان مخيراً بين أن يفعله وبين أن لا يفعله، من [نحو] (١) اكتساب المنافع بالتجارات وما في معناها. فإذا ورد السمع فيما الإنسان فيه مخير كشَفَ السمعُ عن حالِه، وبيَّن أمرَه، فإما أن يدخله في جملة الحسَن الذي يجب فعلُه، أو في جملة القبيح الذي لا يجوز فعلُه (٢) . وهذا من كلام أبي الحسن يقتضي أن العقل يُوجب ويُقَبِّح. وقد ذكرنا في الجزء الأول من المعتمد (٣) خلاف هذَا، وحكينا [في] هذه المسألة خلاف المعتزلة. وبينَّا قول أحمد ﵀ في رواية عبدوس بن مالك: "ليس [في] السُّنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، إنما هو [١٩٠/ب] الاتباع".

стр. 1458

وقد استوفينا الكلام هناك ولكن نشير إليه فنقول: قال الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١) . ولأنه لو كان في العقل حسَن وقبيح وواجب ومحظور لم يخلُ ذلك من أن يكون معلوماً ببدائِه العقول وأوَّل فيها؛ لأنه لو كان كذلك لوجب اشتراك العقلاء أجمع في ذلك، ولمَا جاز أن يخالف في ذلك قوم من العقلاء الذين (٢) بهم يثبت التواتر علم أنه ليس بمعلوم ضرورة. يبين صحة هذا: أن استحالة وجود الجسم الواحد في مكانين متباعدين في حالة واحدة كما كان معلوماً بضرورة العقل وأوَّل فيه، لم يجز مخالفة قوم يثبت بهم التواتر. وكذلك جميع ما يعلم بضرورة العقل وأوَّل فيه وفي العلم بخلاف أكثر العلماء في ذلك الذين ببعضهم يثبت التواتر دليل على أنه ليس بمعلوم ضرورة. فصل [الحظر للأفعال دون الأعيان] وقال أبو الحسن: والحظر والإباحة، والحلال والحرام، والحسَن والقبيح، والطاعة والمعصية، وما يجب وما لا يجب، كل ذلك راجع إلى أفعال الفاعلين دون المفعول به، فالأعيان والأجسام لا تكون محظورة ولا مباحة، ولا تكون

стр. 1459

طاعة ولا معصية. وهذا كما قال أبو الحسن؛ لأن الأعيان فعْل الله تعالى وخلْق له، فلا يجوز أن ينصرف الوعيد إلى أفعاله، وإنما ينصرف ذلك إلى أفعالنا. قال أبو الحسن: وقد يطلق ذلك في المفعول توسعاً واستعارة، فيقال العصير حلال مباح ما لم يفسد، فإذا فسد وصار خمراً كان حراماً ومحظوراً. والمذكَّى (١) حلال ومباح، والميتة محظورة وهى حرام، والحرير حرام، وما في معنى ذلك. يريدون أن شرب العصير حلال ومباح ما لم يشتد، فإذا اشتدَّ وصار خمراً كان شربُه حراماً محظوراً، وأكل المذكَّى حلال ومباح، وأكل الميتة محظور وحرام، فيطلقون ذلك والمراد به: أفعالهم (٣) .

стр. 1460

مسألة في استصحاب الحال (١) وهو على ضربين (٢) : أحدهما: استصحاب براءة الذمة من الوجوب حتى يدل دليل شرعي عليه. وهذا صحيح بالإجماع من أهل العلم، والاحتجاج به سائغ. وقد ذكره أصحاب أبى حنيفة.

стр. 1461

وسماه أبو يوسف: عدم الدليل دليل (١) . وذكره القاضي أبو الطيب الطبري (٢) . ومثال ذلك أن يُسأل حنبلي عن الوتر (٣) فيقول: ليس بواجب، فيطالب بدليله، فيقول: لأن طريق وجوبه الشرع، وقد طلبت الدليل الموجب من جهة الشرع [١٩١/أ] فلم أجد، فوجب أن لا يكون واجباً، وأن تكون ذمتُه بريئةً منه كما كانت. وكذلك إذا احتج بذلك على نفي وجوب الأضحية، ونفي وجوب زكاة الخيل والحلي والخضروات، وما أشبه ذلك. وإلى هذا المعنى أومأ أحمد ﵀ في رواية صالح ويوسف إن موسى: "لا يُخمّس السَّلَب، ما سمعنا أن النبي ﷺ خمس السَّلَب". فجعل عدم الدليل الشرعي مبقياً (٤) على الأصل في منع التخميس ونفي

стр. 1462

الاستحقاق. وكذلك نقل الأثرم وابن بَدِينا في الحُلي يوجد لُقَطَة: "إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير". فمنع من تملّك الحُلي، واستدام الأصل، وهو عدم الملك في اللقطة؛ لأنه لم يرد دليل، وإنما ورد في الدراهم والدنانير. وحكى أبو سفيان عن بعض الفقهاء أنه يأبى هذه الطريقة في الاستدلال. والدلالة على صحتها: أن الحكم الشرعي إنما يلزم المكلف إذا تعبده الله تعالى به، ولا يجوز أن يتعبده الله تعالى به من غير أن يدلَّه عليه، وإذا كان كذلك وجب أن يكون عدم الدلالة على أنه لم يتعبد به. يُبيِّن صحة هذا: أنه لما لم يجز أن يبعث الله تعالى رسولاً دون أن يظهر عليه الأعلام المعجزة، كان عدم ظهور ذلك على مدعي النبوة دلالة على انتفاء ثبوته. فإن قيل: ما ينكر أن يكون الدليل موجوداً وأنت مخطىء في الطلب، وتارك للدليل الموجب. قيل: لا يجب علينا أكثر من الطلب، وإذا لم نجد لزمنا تبقية الذمم على البراءة كما كانت. وهذا كما يستدل بعموم، فيقول الخصم (١) ما يُنْكَر أن يكون ذلك خاصاً، وقد خفي عليك دليل التخصيص. فيقول: طلبنا الدليل المخصص فلم نجد، فلزمنا حمله على عمومه، ومن ادعى دليل التخصيص يجب عليه إبرازه، كذلك ها هنا، ما لم نجد دليل الايجاب يجب أن تبقى الذمم على البراءة على حكم دليل العقل المقتضي لبراءة الذمم حتى يرد الشرع.

стр. 1463

الضرب الثاني: في استصحاب حكم الإجماع. وهو: أن تجمع الأمة على حكيم، ثم تتغير صفة المجمَع عليه، ويختلف المجمِعون فيه، فهل يجب استصحاب حكم الإجماع بعد الاختلاف حتى ينقل عنه الدليل أم لا؟. فذهب الجماعة من أصحاب أبي حنيفة (١) وأصحاب الشافعي (٢) إلى أن ذلك لا يجوز، ويجب طلب الدليل في موضع الخلاف. وهو الصحيح عندي. وذهب داود (٣) وأصحابه والصيرفي (٤) من أصحاب الشافعي إلى أنه يجب استصحابه كما يجب استصحاب براءة الذمم. وهو اختيار أبي إسحاق (٥) [١٩١/ب] من أصحابنا (٦) ، ذكره في الجزء الأول من شرح الخِرَقي فقال "أجمعوا على طهارة الماء إذا لم يشرب منه مالا يؤكل لحمه، واختلفوا إذا شرب، فالإجماع حجة، والاختلاف رأي، والحجة أولى". فقد استصحب أبو إسحاق حكم الإجماع. ومثاله أن نقول: المتيمم إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل؛ لأنا أجمعنا على

стр. 1464

صحتها، فمن ادعى بطلانها فعليه الدليل. وأن ملْك المسلم ثابت بالإِجماع، وإذا ارتد اختلفوا في زواله، فمن ادعى زواله فعليه الدليل. وإذا اصطاد الحلال، ثم أحرم لم يَزُل ملكُه؛ لأنا قد أجمعنا على ثبوت ملكه قبل إحرامه، فمن ادعى زوالَه فعليه الدليل. وإذا وقعت النجاسة في الماء ولم تغيره أجمعنا على طهارته قبل وقوعها، فمدعي النجاسة يحتاج إلى دليل. وفي بيع أمهات الأولاد أجمعنا على جواز بيعها قبل الاستيلاد، فمدعي المنع بعد ذلك عليه الدليل. وما يجري هذا المجرى من المسائل. ودليلنا على ذلك: أن الإِجماع دلالة على الحكم كسائر الأدلة، فوجب اعتباره في الموضع الذي تناوله، والإجماع لم يتناول صحتها بعد (١) وجود الماء، وقد زال في الموضع المختلف فيه، فلم يجز التمسك به في مواضع الخلاف، وصار كالنص متى تناول موضعاً لم يجز حمله على غيره. وقد قال بعضهم (٢) : إن داود أنكر القياس ثم صار إليه من غير علته، فكأنه أنكر القياس الصحيح، وقال بالقياس الفاسد؛ لأنه قياس بغير علة. فإن قيل: نحن لا نستدل بالقياس، وإنما نستدل بالإِجماع في موضع الخلاف. قيل: الاستدلال بالإِجماع لا يصح بعد زواله، وإنما يصح الاحتجاج به مع بقائه؛ لأن الدليل إذا زال، زال الحكم المتعلق به. وقد قرر هذا الدليل من وجه آخر، وهو: أنه إذا شرك بين الحالين في

стр. 1465

وجوب الوضوء، لاشتراكهما فيما دل على وجوب الوضوء، فليس باستصحاب الحال، وإنما هو احتجاج بدليل دل على وجوب الوضوء وإن اشترك بينهما في الحكم لاشتراكهما في علته، فهو قياس، وليس باستصحاب الحال. واحتج المخالف: بأن قول المجمِعين حجة، كما أن قول النبي ﷺ حجة، فلما وجب استصحاب قول النبي ﷺ إلا أن ينقل عنه الدليل، وجب استصحاب قول المجمعين إلا أن يَنْقُل عنه الدليل. والجواب: أن هذا دليل لنا؛ لأن قول النبي ﷺ إذا كان خاصاً لم يجز أن يحتج به في غيره إلا بالقياس عليه، كذلك قول المجمِعين خاص؛ لأنهم إنما أجمعوا على صحة صلاة في [١٩٢/أ] حال عدم الماء، ولم يجمعوا على صحتها في حال وجوده، فكان قول النبي دليلاً على المخالف. واحتج: بأن استصحاب حكم العقل في براءة الذمم واجب حتى يقوم الدليل على الوجوب، كذلك ها هنا. والجواب: أن دلالة العقل في براءة الذمم قائمة في حال الخلاف، وليس كذلك الإِجماع فإنه زائد، فلم يجز الاحتجاج به. واحتج: بأنه قد ثبت أن من تيقن الطهارة وشكَّ في الحدث، أو تيقن الحدث وشكَّ في الطهارة، أو تيقن النكاح وشكَّ في الطلاق، أو تيقن الملك وشكُّ في العتاق، أو شكَّ في فعل الصلاة: "أن اليقين لا يزول بالشك" ويكون حكُم اليقين السابق مستداماً في حال الشك، كذلك ها هنا. والجواب: أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن الإِجماع الذي هو دليل الحكم قد تيقن زواله، فوجب أن يزول حكمُه، والطهارة لا يتيقن زوالها، وإنما هو مشكوك فيه، فلم يجز أن يزول اليقين بالشك، وكذلك النكاح والملك، والصلاة، فَوِزَان مسألتنا أن يُتَيقَّن الطهارة ثم يُتَيقَّن الحدث، فلا يجوز استدامة

стр. 1466

حكم الطهارة. وعلى أنه يعارضه: أن المدعى عليه يحتاج إلى اليمين، ولا يكفى في إسقاط دعوى المدعى بغير [بينة] براءةُ ذمة المدعى عليه، فبطل الاحتجاج به. واعلم أن هذه الطريقة لا تسلم من أن يقدر على قائلها. فإذا قال: قد صح دخوله في الصلاة بالتيمم بالاتفاق، فلا يزولُ عنه بغير دليل، فيقال له: قد تيقنا ثبوتَ الفرض (١) عليه، فلا يسقط عنه إلا بدليل. وكذلك إذا قال: قد اتفقنا على طهارة الماء اليسير قبل وقوع النجاسة فيه، فمن ادعى نجاسته فعليه الدليل، فيقال له: قد اتفقنا على وجوب فرض الصلاة، فمن اسقط عنه فعلها بهذه الطهارة، فعليه الدليل. وكذلك إذا قال في بيع أمهات الأولاد: أجمعنا على بيعها قبل الإيلاد، فمن منع فعليه الدليل. فيقال: أجمعنا على تحريم بيعها ما دامت حاملاً، فمن أجاز بيعها بعد وضع الحمل فعليه الدليل. فصل [القول بأقل ما قيل] فأما القول بأقل ما قيل فيه (٢) . فيجوز الاحتجاج به، ويرجع معناه إلى استصحاب حكم العقل في براءة الذمة.

стр. 1467

ومثاله: دية اليهودي والنصراني، فإنها ثلث الدية عند الشافعي (١) . وإحدى الروايتين لأحمد ﵀. والأخرى نصف الدية (٢) ، وهو قول مالك (٣) . وقال أبو حنيفة: مثل دية المسلم (٤) . فكان الثلث أقل ما قيل فيه، فيجب ذلك بالإِجماع، وما زاد على ذلك فلا يجب؛ لأن الأصل براءة الذمة منه، ووجوبه يحتاج [١٩٢/ ب] ، إلى دليل شرعي ولم نجد دليلاً يدل عليه، فوجب تبقية الدية على البراءة. ومثله: أن مسح الرأس يجب مقدار ما يقع عليه اسم المسح عند الشافعي (٥) .

стр. 1468

وعند أبي حنيفة: الربع (١) . وعندنا -في إحدى الروايتين (٢) - وعند مالك: الجميع (٣) . فيقال: ما زاد على الاسم يحتاج إلى دليل. ومثل ذلك في قدر الصاع وغيره. والطريق في الجميع ما بينته (٤) . فصل [النافى للحكم هل عليه دليل؟] النافي للحكم عليه الدليل (٥) . ذكره أبو الحسن التميمي في مسألة أفردها.

стр. 1469

ومن الناس من قال: لا دليل عليه في العقليات والشرعيات (١) . ومنهم من قال: إن كان الحكم عقلياً فعلى النافي دليل، وإن كان شرعياً فليس عليه دليل (٢) . دليلنا: أن النافي للحكم معتقد لكون ما نفاه متيقناً، كما أن المثبت للحكم معتقد لكون ما أثبته ثابتاً. واتفقوا على أن من أثبت حكماً كان عليه الدليل. كذلك من نفاه. ولأن من نفى قِدَم الأجسام كان عليه الدليل، كما يكون عليه ذلك لو أثبت قدمها، وهذا متفق عليه، كذلك في غيره. ولأن من نفاه لا يخلو إما أن يكون نفاه بعلم مكتسب، أو علم ضروري، إذ نفيه بغير علم جهل، وإذا كان كذلك، وكانت العلوم الضرورية والمكتسبة لا تخلو من دليل عليها؛ لأنها إذا خلت من ذلك لم تكن علوماً، وجب أن لا يسقط الدليل عن نفى الحكم العقلي أو الشرعي.

стр. 1470

واحتج المخالف: بأن من ادعى النبوة وجب عليه إقامة الدليل، ومن أنكرها ونفاها من الناس لم يجب عليه الدليل؛ لأن المدعي للنبوة مثبت (١) والمنكِر ناف. وهكذا ورد الشرع، فإنه جعل على المدعي البينة دون المدعي عليه؛ لأن المدعي مثبت، والمدعي عليه ناف. والجواب: أن النافي للنبوة ينظر فيه: فإن كان نافياً لعلمه بأن يقول: أنا لا أعلمُ صدقَه ولا كذِبَه، ويجوز أن يكون صادقاً، ويجوز أن يكون كاذباً، فهذا لا دليل عليه، لأنه شاك غير مدعٍ نفياً ولا إثباتاً. وإن كان يقطع بنفيه وتكذيبه في دعواه، وجب عليه إقامة الدليل. وطريق الدليل فيه: أن يقول: لا يبعث الله رسولاً إلا بمعجزة تدل على نبوته وحجة تكشف عن صدقه، فإذا لم تكن معجزة تدل على ما يدعيه دل على كذبه وبطلان دعواه. وأما المدعى عليه فإنه يقطع بالنفي وعليه الدليل، ولهذا يلزمه اليمين بالله تعالى، إلا أن المدعى عليه معه ظاهر يدل على صدقه من براءة الذمة إن كان المدعى عليه دَيْناً، ومن ثبوت يده وتصرفه إن كان المدعى عليه عيْناً، فجعل [١٩٣/أ] ، في جنبة المدعي أقوى السببين؛ لأنه لا ظاهر معه يدل على صدقه. ن (٢) .

стр. 1471

باب الكلام في القياس مسألة [حجية القياس العقلي] القياس العقلي (١) حجة، يجب القول به، والعمل عليه (٢) . ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع. ولا يجوز التقليد (٣) . وقد احتج أحمد ﵀ بدلائل العقول في مواضع، فيما خرَّجه

стр. 1472

في الرد على الزنادقة والجهمية (١) ، رواية عبد الله عنه، فقال: "إذا قلنا لم يزل الله تعالى بصفاته كلها، إنما نَصِف إلهاً واحداً بجميع صفاته. وضربنا لهم في ذلك مثلاً فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جِذْع وكَرَب (٢) ولِيف وسَعَف (٣) وخُوص (٤) وجُمَّار (٥) ؟! سُميت نخلة بجميع (٦) صفاتها، كذلك الله تعالى، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد (٧) . وقلنا للجهمية (٨) : زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، وهو نور، فلم لايضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه؟! إذ زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، وما بال السراج إذا دخل البيت يضيء؟! ". وقال (٩) "لو أن رجلاً كان في يده قَدَح من قوارير صافٍ، وفيه شىء

стр. 1473

صافٍ، أن يصير (١) ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شىء من خلقه". وهذا صريح من أحمد ﵀ في الاحتجاج بدلائل العقول. وإلى هذا ذهب جماعة الفقهاء والمتكلمين من أهل الإثبات (٢) . وذهب المعتزلة إلى وجوب النظر والاستدلال بالعقل قبل ورود الشرع، وإذا ورد الشرع كذلك كان مؤكداً له (٣) . وذهب قوم إلى أن حجج العقول باطلة، والنظر حرام، والواجب هو التقليد (٤) .

стр. 1474

فالدلالة على وجوب ذلك بعد السمع: هو أن إبطال ذلك إبطال للنبوات والشرائع، وذلك أنه لا طريق لنا إلى معرفة صدق النبي من كذب المتنبىء إلا النظر والاستدلال؛ لأن صورة الكذب كصورة الصدق، فمتى ظهرت علامات المعجزة على النبي علمنا بالنظر فيها أنها من قِبَل الله تعالى، لأن غيره لا يقدر على إظهاره، ومتى علمنا أنها من قبل الله تعالى علمنا بالنظر أيضاً أن من ظهرت عليه هذه الأعلام صادق غير كاذب؛ لأن الله تعالى لا يظهر الأعلام على الكذابين، ولولا النظر والاستدلال لم يكن لنا طريق إلى معرفة شىء من ذلك، فكان يؤدي إلى إبطال الشرائع، وإفساد النبوات وترك التخيير بين الصادق [١٩٣/ب] والكاذب، والنبي والمتنبىء. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون العلم بما ذكرتموه من قِبَل الله تعالى وقِبَل رسوله قد وقع ضرورة لا استدلالاً ونظراً. قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتَ لكان يشترك في ذلك العلم جميعُ العقلاء، لأن العلم الضروري لا يختص به بعض العقلاء دون بعض إذا أشتركوا في طرقه، وفي علمنا بوجود جماعات كثيرة لم يقع لهم العلم بالله تعالى وبنبوة رسوله، مثل الملاحدة وأضرابهم من الكفار، لأنه لو وقع لهم العلم به ضرورة لم يصح اجتماعهم على نفيه، كما لا يصح اجتماع الجماعات العظيمة على نفي وقوع العلم بالبلدان وبوجود المحسوسات من الأجسام، وفي بطلان ذلك دليل على فساد ذلك. ولأنه لو جاز وقوع العلم بالله تعالى في حال التكليف ضرورة لكان العلم

стр. 1475

بنبوة الرسول ﵇ أولى أن يقع ضرورة، ولو جاز ذلك لم يكن لإظهار الأعلام معنى، بل كان (١) يكون ذلك عبثاً. ويدل عليه أيضاً: أننا نجد كل عاقل إذا نابته نائبة من أمور دينه ودنياه، فإنه يفزع إلى عقله ليتحرز به من ضرر، أو ليتوصل به إلى نفع، ألا ترى أنه إذا رأي في الطريق أثر سبع امتنع من سلوكه. وإذا رأى أثراً لماء وبه عطش أسرع في طلبه، فلولا أن النظر والاستدلال طريق إلى العلوم العقلية لم يفزع العاقل إليها في جر المنافع ودفع المضار، كما لا يفزع في إدراك السماع إلى آلة الشم، وفي إدراك الشم إلى آلة البصر، وإذا كان كذلك ثبت أن النظر من طريق العقل واجب بعد السمع. ويدل على بطلان التقليد: أن الذى قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ما قلده فيه قد علمه بالاستدلال والنظر، أو أخذه تقليداً من غيره، ولا جائز أن يكون قد علمه ضرورة كما دللنا عليه، فإن علمه استدلالاً ونظراً فقد بطل التقليد، وإن أخبره تقليداً كان الكلام ممن قلده إياه كالكلام فيه، فيؤدي إلى إثبات مالا نهاية له من المقلدين، وفي بطلان ذلك دليل على بطلان القول بالتقليد. ويدل عليه أيضاً: أن الذي قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ممن يجوز عليه الضلال، أو لا يجوز ذك عليه، وبطل أن يكون ممن لا يجوز عليه ذلك؛ لأن هذا لا يجوز أن يحكم به إلا لمن يشهد له به النبي، فإذا كان ممن يجوز عليه الضلال لم يأمن المقلد له أن يكون مبطلاً في تقليده إياه، وإذا لم يأمن ذلك لم يجز تقليده.
следующие страницы →