стр. 1471
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 22793
العدة في أصول الفقه
القاضي أبو يعلى ابن الفراء
Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1472
في الرد على الزنادقة والجهمية (١) ، رواية عبد الله عنه، فقال: "إذا قلنا لم يزل الله تعالى بصفاته كلها، إنما نَصِف إلهاً واحداً بجميع صفاته. وضربنا لهم في ذلك مثلاً فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جِذْع وكَرَب (٢) ولِيف وسَعَف (٣) وخُوص (٤) وجُمَّار (٥) ؟! سُميت نخلة بجميع (٦) صفاتها، كذلك الله تعالى، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد (٧) .
وقلنا للجهمية (٨) : زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، وهو نور، فلم لايضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه؟! إذ زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، وما بال السراج إذا دخل البيت يضيء؟! ".
وقال (٩) "لو أن رجلاً كان في يده قَدَح من قوارير صافٍ، وفيه شىء
стр. 1473
صافٍ، أن يصير (١) ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شىء من خلقه".
وهذا صريح من أحمد ﵀ في الاحتجاج بدلائل العقول.
وإلى هذا ذهب جماعة الفقهاء والمتكلمين من أهل الإثبات (٢) .
وذهب المعتزلة إلى وجوب النظر والاستدلال بالعقل قبل ورود الشرع، وإذا ورد الشرع كذلك كان مؤكداً له (٣) .
وذهب قوم إلى أن حجج العقول باطلة، والنظر حرام، والواجب هو التقليد (٤) .
стр. 1474
فالدلالة على وجوب ذلك بعد السمع:
هو أن إبطال ذلك إبطال للنبوات والشرائع، وذلك أنه لا طريق لنا إلى معرفة صدق النبي من كذب المتنبىء إلا النظر والاستدلال؛ لأن صورة الكذب كصورة الصدق، فمتى ظهرت علامات المعجزة على النبي علمنا بالنظر فيها أنها من قِبَل الله تعالى، لأن غيره لا يقدر على إظهاره، ومتى علمنا أنها من قبل الله تعالى علمنا بالنظر أيضاً أن من ظهرت عليه هذه الأعلام صادق غير كاذب؛ لأن الله تعالى لا يظهر الأعلام على الكذابين، ولولا النظر والاستدلال لم يكن لنا طريق إلى معرفة شىء من ذلك، فكان يؤدي إلى إبطال الشرائع، وإفساد النبوات وترك التخيير بين الصادق [١٩٣/ب] والكاذب، والنبي والمتنبىء.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون العلم بما ذكرتموه من قِبَل الله تعالى وقِبَل رسوله قد وقع ضرورة لا استدلالاً ونظراً.
قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتَ لكان يشترك في ذلك العلم جميعُ العقلاء، لأن العلم الضروري لا يختص به بعض العقلاء دون بعض إذا أشتركوا في طرقه، وفي علمنا بوجود جماعات كثيرة لم يقع لهم العلم بالله تعالى وبنبوة رسوله، مثل الملاحدة وأضرابهم من الكفار، لأنه لو وقع لهم العلم به ضرورة لم يصح اجتماعهم على نفيه، كما لا يصح اجتماع الجماعات العظيمة على نفي وقوع العلم بالبلدان وبوجود المحسوسات من الأجسام، وفي بطلان ذلك دليل على فساد ذلك.
ولأنه لو جاز وقوع العلم بالله تعالى في حال التكليف ضرورة لكان العلم
стр. 1475
بنبوة الرسول ﵇ أولى أن يقع ضرورة، ولو جاز ذلك لم يكن لإظهار الأعلام معنى، بل كان (١) يكون ذلك عبثاً.
ويدل عليه أيضاً:
أننا نجد كل عاقل إذا نابته نائبة من أمور دينه ودنياه، فإنه يفزع إلى عقله ليتحرز به من ضرر، أو ليتوصل به إلى نفع، ألا ترى أنه إذا رأي في الطريق أثر سبع امتنع من سلوكه. وإذا رأى أثراً لماء وبه عطش أسرع في طلبه، فلولا أن النظر والاستدلال طريق إلى العلوم العقلية لم يفزع العاقل إليها في جر المنافع ودفع المضار، كما لا يفزع في إدراك السماع إلى آلة الشم، وفي إدراك الشم إلى آلة البصر، وإذا كان كذلك ثبت أن النظر من طريق العقل واجب بعد السمع.
ويدل على بطلان التقليد:
أن الذى قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ما قلده فيه قد علمه بالاستدلال والنظر، أو أخذه تقليداً من غيره، ولا جائز أن يكون قد علمه ضرورة كما دللنا عليه، فإن علمه استدلالاً ونظراً فقد بطل التقليد، وإن أخبره تقليداً كان الكلام ممن قلده إياه كالكلام فيه، فيؤدي إلى إثبات مالا نهاية له من المقلدين، وفي بطلان ذلك دليل على بطلان القول بالتقليد.
ويدل عليه أيضاً: أن الذي قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ممن يجوز عليه الضلال، أو لا يجوز ذك عليه، وبطل أن يكون ممن لا يجوز عليه ذلك؛ لأن هذا لا يجوز أن يحكم به إلا لمن يشهد له به النبي، فإذا كان ممن يجوز عليه الضلال لم يأمن المقلد له أن يكون مبطلاً في تقليده إياه، وإذا لم يأمن ذلك لم يجز تقليده.
стр. 1476
فإن قيل: أليس قد جاز له تقليد النبي فيما يأمره به؟ ويجوز للعامي أن يقلد المفتي فيما يفتيه به.
ولأن أول من قاس إبليس (١) ، فكان (١٩٤/أ) قياسه كفراً.
قيل: ما يأخذه من رسول الله ﷺ لا يكون على وجه التقليد؛ لأن الله تعالى قد دلنا على صدق رسول الله ﷺ وعلى أنه لا يأمرنا إلا بالحق، والتقليد المحظور هو ما يأخذه المقلد من غيره من غير أن يدل عليه عنده دلالة على صحته، أو يعلم في الجملة أن فرضه تقليد المفتي فيما يفتيه به، فلهذا افترق الأمران.
وقوله: [أول] من قاس إبليس، وكان كافراً، فإنه يقابل بمن قال:
أول من قاس الملائكة، وكان قياسُهم صواباً.
стр. 1477
على أنك قد صرت إلى القياس حيث حملت قياس غير إبليس على قياس إبليسِ في باب الفساد.
وعلى أن خطأ القائسين إذا كان مبطلاً للقياس في الأصل عندك، فهلاَّ كان خطأ بعض المقلدين دليلاً على بطلان التقليد؟!؛ لأن الله تعالى قد حكى تقليد الكفار إياهم بقوله تعالى: (قَالوا إنَّا وَجَدْنَا ءابَاءَنَا عَلَى أمَّةٍ وَإنَّا عَلَى ءاثارِهِم مُّهْتَدُونَ) (١) .
فإن قيل: أليس قد منع أحمد ﵁ من النظر والكلام.
فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: "لا يكون صاحب الكلام -وإن أصاب بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يدع الجدال" (٢) .
قيل: إنما نهى عن الجدال الذي هو المراء، ألا ترى أن أبا بكر المروذي سأله عن الرجل يشتغل بالصوم والصلاة ويعتزل، ويسكت عن الكلام في أهل البدع، فقال: "إذا صام وصلى واعتزل إنما هو لنفسه، وإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم أفضل".
وروى حنبل أنه قال لأحمد ﵀: "إن يعقوب بن شًيْبهَ (٣)
стр. 1478
وزكريا ابن عمار (١) أخبرا عنك الوقف، فقال: قد كنَّا نأمر بالسكوت، فلمَّا دعينا إلى أمر ما كان بدّ لنا من أن ندفع ونبيِّن".
وهذا صريح منه بالقول بالنظر.
مسألة
[جواز التعبد بالقياس عقلاً وشرعاً]
القياس الشرعي يجوز التعبد به، وإثبات الأحكام الشرعية من جهة العقل والشرع (٢) .
نص على (٣) هذا ﵀ في رواية بكر بن محمد عن أبيه فقال: "لا يستغني أحد عن القياس، وعلى الحاكم والإِمام يَرِد عليه الأمر أن يجمع له (٤) الناس، ويقيس، ويشبِّه، كما كتب عمر إلى شُرَيْح: أن قس الأمور" (٥) .
стр. 1479
стр. 1480
стр. 1481
стр. 1482
والنهرياني (١) ، والمغربي (٢) ، والقاشاني (٣) .
فالدلالة على جوازه عقلاً:
أن العقل لا يمنع أن يقول صاحب الشرع: إذا علمتم أو غلب على ظنكم أن الحكم تابع لمعنى ومتعلق به، فقيسوا عليه كلما وجدتم فيه ذلك المعنى، كما قال: إذا زالت الشمس وعلمتم ذلك، أو غلب على ظنكم فصلُّوا، وإذا علمتم طلوع الفجر، أو غلب على ظنكم ذلك فصوموا، وإذا شهد شاهدان، وعلمتم عدالتهما، أو غلب على [ظنكم] ذلك، فاحكموا بما شهدا به، وإذا رأيتم البيت الحرام، وعلمتم ذلك، أو غلب على ظنكم فصلوا إليه، وما أشبه ذلك كثير، كذلك القياس؛ لأنه جعل دخول الوقت شرطاً لفعل العبادة،
стр. 1483
كذلك جعل غلبة الظن شرطاً في تعلق الأحكام بها عند وجودها، ولا فرق بينهما.
فإن قيل: لا يحصل العلم ولا الظن بالنظر في هذه الأصول، وليس فيها طريق لذلك.
قيل: هذا غلط؛ لأن الفقهاء على كثرة عددهم واختلاف مذاهبهم من أصحاب أحمد ﵀ وأبى حنيفة ومالك والشافعي وسائر [الفقهاء] يذكرون أنهم يظنون فيها، والعلم الضروري يحصل بخبر بعضهم، فإذا كان كذلك كان معلوماً من طريق الضرورة، وكان الجاحد لذلك مبطلاً، كما إذا أنكر الظن، وكما ينكر النفور، والسكون، والغم، والذوق.
فإن قيل: قد يظنون، ولكن ظنهم فاسد؛ لأنه واقع عن طريق يقتضي الظن، وهو بمنزلة من ظن أن البناء الصحيح الجديد يقع عليه، أو رأى ثوراً فظنه سبعاً، وفزع منه.
قيل: للظن طريق فيها، ولا نسلِّم ما قاله المخالف، فإن دل على دعواه بأن الظن لا يقع إلا عن عادة، فإن رأى الغيم كثيفاً منيعاً خشى مجيء المطر، وغلب على ظنه ذلك، لما سبق من العادة، فليس بيننا وبين الله تعالى في هذه الأحكام عادة، فلا يجوز أن يكون فيها طريق للظن.
قيل: طريق الظن هو وجود الشىء في الاكثر من نظائره، ولهذا يغلب على الظن وقوع الحائط إذا انشق [١٩٥/أ] ، عرْضاً، ويغلب على الظن إذا عرَض غيم أسود مُسِف (١) أنه يكون منه مطر؛ لأن الغالب من مثله مجيء المطر، وإنما
стр. 1484
يتخلف في النادر، فيتبع ظنّ العاقل الغالب دون النادر، وإذا كان كذلك، كان هذا الظن في الأحكام الشرعية كثيراً؛ لأن النظائر والشواهد فيها تتكرر وتكثر، فيغلب على ظن المجتهد فيها أن موضع الخلاف بمنزلتها، وطريق العلم بالنظر في هذه الأصول، هو الثابت الذى يدل على تعلق الحكم بمعنى واتباعه له، مثل العصير الحلو يكون حلالاً، وإذا حدثت فيه الشدة المطربة حرُم، ويعلم أنه لم يحدث غيرها، فإذا زالت الشدة المطربة حل، ونعلم أنه لم يزل غيرها، فلو قدرنا عود الشدة المطربة وحدها لقدرنا عود التحريم، فيدل هذا على أن التحريم تابع للشدة، وأن النبيذ يجب أن يكون حراماً لوجود الشدة المطربة فيه.
ومثل هذا كثير.
فإن قيل: يجوز أن يكون هذا تابعاً للاسم يزول بزوالها، ويعود بعودها.
قيل: لا يتبع الاسم؛ لأنه لو طبخ العصير وحدثت الشدة المطربة فيه كان حراماً وإن كان لا يسمى خمراً؛ لأن الخمر عندهم هو العصير الذى قد اشتد وقذف زبده، وكذلك نقيع التمر والزبيب حرام؛ لوجود الشدة المطربة، ولا يسمى خمراً، فثبت بهذا أنه يتبع الشدة المطربة دون اسم الخمر.
وطريقة أخرى وهو: أن الحكيم لا يجوز في صفته أن يكلف حكْماً ويوجب عبادة إلاّ ويجعل إلى معرفة ذلك سبيلاً بوجه، بدليل أنه كلف استقبال الكعبة، وجعل إلى التوجه إليها سبيلاً؛ من كان قريباً بالمعاينة، ومن كان بعيداً بالاستدلال حسب الاجتهاد بالأدلة المنصوبة على القبلة من النجوم والجبال والرياح والشمس والقمر، فكان فرض التوجه إليها بالاجتهاد.
وهكذا نص على دية الحر بالمقدر، وعلى بعض الجراحات كالموضِحَة (١)
стр. 1485
والمأمومة (١) والجائفة (٢) ، وأطلق ما بقى، فكان المرجع فيها إلى الظن والاجتهاد.
وكذلك قِيَم المتلفات، والمهور في الأنكحة، والنفقات، والمتعة كل ذلك غير منصوص عليه، وإنما يعتبر بغيره.
فإذا صح أن ترد باقي هذه الأحكام إلى النظر والاجتهاد، كان غيرها (٣) من الأحكام بمنزلتها (٤) .
واحتج المخالف:
بأن الشرعيات إنما يحسن تكليفها لما فيها من المصالح، ولم يكن لنا طريق إلى معرفة المصالح، وكان القياس من فعلنا لم يجز أن يكون القياس طريقاً إلى معرفة الأحكام الشرعية.
والجواب: أن ليس من شرط التكليف أن يكون [١٩٥/ب] مصلحة للمكلف.
وهذا أصل لنا خلاف المعتزلة.
ولو سلَّمنا هذا لم يصح؛ لأن ما يتوصل به إلى معرفة الأحكام الشرعية هو من قِبَل من يعلم المصالح والعواقب وهو الله تعالى؛ لأنه قد نصب لنا أدلة على صحة رد الفروع إلى الأصول، فلا يكون إثبات الحكم الشرعى إثباتاً له بفعله، ألا ترى أن الحكم المنصوص عليه يكون ثابتاً من فعل الله تعالى وإن
стр. 1486
كان لا بدَّ لنا من تفكر فيه، وذلك فعلنا.
واحتج: بأنه يلزمكم أن تخبروا على هذه الأخبار عما يحدث في مستقبل الأيام، وعن الأجنة التي في الأرحام بغير نص، ولما لم يجز ذلك، كذلك ها هنا.
والجواب: أنَّا إنما جوزنا إثبات الحكم الشرعي؛ لأن الله تعالى قد نصب لنا أدلة على جواز القياس، ولم ينصب لنا أدلة على ما يحدث في المستقبل، فلهذا لم يجز الإخبارُ به.
ونظيره: أن ينصب لنا أدلة على الخبر بما يحدث في المستقبل، فيجوز حينئذ لنا الإخبارُ به.
واحتج: بأن النظر والاستدلال يختصان العقل، ودلالة العقل توجب الحكم للأشياء المختلفة بالأحكام المختلفة دون المتفقة، وتوجب الحكم للأشياء المتفقة بالأحكام المتفقة دون المختلفة، فإذا كان كذلك، وكان الشرع قد ورد بالحكم في الأشياء المتفقة بالأحكام المختلفة وفي الأشياء المختلفة بالأحكام المتفقة، بدلالة أنه أوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، وإن كان الحيض منافياً لهما، وفرق بين المني والمذي في الحكم وإن كانا شقيقين، علمنا أن النظر والاستدلال لا مدخل لهما في إثبات الأحكام الشرعية.
والجواب: أن العقل يمنع من الجمع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفات النفسية كالسواد والببياض، وأن يفرِّق بين المِثْلَيْن فيما تقابلا فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجرى مجرى ذلك، فأما ما عدا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجمع بين المختلفين في الحكم الواحد، ألا ترى أن السواد والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجرى مجراها من الألوان، وأن القعود في الموضع الواحد قد يكون حسَناً إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه، وقد يكون قبيحاً إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفر عليه، وإن كان القعود في ذلك الموضع متفقاً، وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسْن بأن يكون
стр. 1487
في كل واحد منهما نفع لا ضرر فيه، وإن كانا مختلفين.
على أن هذا يؤكد [١٩٦/أ] صحة القياس، وذلك لأن المِثلَين في العقليات إنما وجب تساوي حكمهما؛ لأن كل واحد منهما قد ساوى الآخر فيما لأجله وجب له الحكم، إما لذاته كالسوادين، أو لعلة أوجبت ذلك كالأسودين، وهكذا القول في المختلفين.
وعلى هذه الطريقة بعينها يجرى القياس؛ لأنا إنما نحكم للفرع (١) بحكم الأصل إذا شاركه علة الحكم؛ لأن الله تعالى إنما نص على حكم واحد في الشيئين إذا اشتركا فيما له وجب الحكم فيهما، فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه.
واحتج: بأن الفرع الشرعي قد يكون مشبهاً لأصل يقتضي التحريم، ولأصل يقتضي التحليل، فلا يكون أحدهما بالرد إليه أولى من الآخر، ولا يصح الحكم فيه بحكم الأصلين لتضادهما، فيمتنع القياس، فلا يصح الرد إلى شىء من هذه الأصول؛ لأن أحداً لم يفصل بين الفرع المشبه لأصلين هذه حالهما وبين الفرع المشبه للأصل الواحد.
والجواب: أن الفرع لا يرد إلى أحد الأصلين لكونهما شبهاً له، وإنما يرد لكونه أشبه منه بالآخر.
وعلى مذهب من يجيز أن يعتدل الأمر عند المستدل في شبه الفرع بالأصلين لا يلزمه ذلك؛ لأنه إذا اعتدل شبهه بهما كان المستدل مخيراً في رده إلى أيهما شاء كالمكفر هو مخير في أن يختار أى الكفارات شاء.
واحتج: بأنه لو جاز حمل الفرع على المنصوص عليه لوجود الشبه بينهما لوجب أن يجوز ذلك في سائر الأوقات، كما أن الفعل لما كان دلالة على كون الفاعل قادراً كان دلالة على ذلك في جميع الأوقات، وإذا كان كذلك وكان هذا الشبه بين المنصوص وبين ما لم ينص عليه موجوداً قبل النص ولم يجز القياس عليه علمنا أنه لا يصح رده إليه بحال.
стр. 1488
والجواب: أن القياس إنما يصح إذا حصل هناك أصل منصوص عليه، كما أن الاستدلال على القدرة إنما يصح إذا وجد الفعل، فلما لم يصح أن يستدل على القدرة قبل وجود الفعل، كذا لا يصح القياس قبل وجود الأصل المنصوص عليه.
واحتج: بأنه لو كان القياس صحيحاً لم يخل المنصوص عليه إذا نسخ وقد قيس عليه فروع أن يبقى الحكم في فروعه، أو ينسخ الحكم فيها بنسخ حكم الأصل.
فإن قلتم: إن الحكم في فروعه يصير منسوخاً كان ذلك مبطلاً لمذهبكم في أن نسخ ما تناوله النص لا يوجب نسخ جميعه.
وإن قلتم: إن الحكم في فروعه يكون باقياً كان فيه كبقية الحكم في الفروع مع نسخ حكم الأصل [١٩٦/ب] ، وهذا باطل.
والجواب: أنه لا يمتنع عندنا أن يبقى الحكم في الفروع مع نسخ حكم الأصل، كما أن نسخ الحكم في الأصل لا يوجب ارتفاع ما حكم في الحوادث بموجب النص قبل ورود النسخ.
واحتج: بأنه لو جاز إثبات حكم بالقياس لجاز إثبات الأصول به، وهذا باطل. والجواب: أنه إن أريد به إثبات الأصول بعد ثبوت أصل واحد، فهذا غير ممتنع عندنا، وذلك لأن النبي ﷺ إذا نص على بعض الأشياء المنصوص على تحريم التفاضل فيها، وأمرنا بقياس غيره عليه كنا نقيس أغياره من الأشياء الستة ومن غيرها، فإن أراد به إثبات الأصول ابتداء من غير أن يكون هناك أصل ثابت فإن ذلك لا يتأتى؛ لأن القياس لا بدَّ له من أصل يُردُّ إليه، [و] إذا لم يكن هناك أصل لم يصح معنى القياس.
واحتج: بأنه لو كان القياس صحيحاً لوجب أن تكون علته موجبة للحكم
стр. 1489
قبل ورود الشرع كالعلة العقلية.
والجواب: أن علة القياس هي أمارة للحكم، وإنما تصير أمارة إذا ورد الشرع بذلك، وتجرى العلة الشرعية في هذا الباب مجرى الأسماء على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فلهذا لم تكن أمارة للحكم قبل ورود الشرع.
فصل
والدلالة على جواز التعبد به من جهة الشرع:
قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أولِى اْلأبصَارِ) (١) .
وحقيقة الاعتبار في اللغة (٢) : حمل الشىء على غيره واعتبار حكمه به، إما في حكمه، أو قدره، أو صفته.
ومنه يقال: اعتبر هذه الدراهم بهذه الصًّنْجَة.
ويقال: أخذ السلطانُ الخراجَ العام على العام الماضي (٣) .
وإذا كان حقيقة الاعتبار ما ذكرنا، وهو محض القياس اقتضت الآية وجوب ذلك، والأمر به، والمصير إليه.
فإن قيل: المراد بذلك النظر إلى ما فعلنا بهم.
قيل: لو كان كذلك لم يخص أهل الأبصار بذلك، والاعتبار والنظر الذى ذكروه لا يختص أهل البصيرة، فإنه يُدرك بالحس والمشاهدة، فيشترك
стр. 1490
فيه من له بصيرة ومن لا بصيرة له؛ ولأنه حذَّر المخالفة وتوعد عليها بقوله:
(ذَلِكَ بَانهُمْ شَاقُّوا اللهَ) (١) ، فثبت أن المراد ما ذكرنا من الامتناع من الاقدام على مثل أفعالهم (٢) .
وأيضاً: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ بن جبل: (كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله، أو قال: فإن لم تجد في [١٩٧/أ] ، كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله، أو قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذى وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضاه رسولُ الله) (٣) .
فإن قيل: هذا الخبر لا يصح إسناده؛ لأنه يرويه الحارث بن عمرو (٤) ، ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حِمْص من أصحاب معاذ أن النبي ﷺ قال ذلك، وأناس من أهل حِمْص مجاهيل، فلا يصح التعلق به.
قيل: هو خبر صحيح رواه أبو داود في سننه (٥) ، وأبو عُبيد (٦) في أدب
стр. 1491
стр. 1492
стр. 1493
مثل تحليل وتحريم، وإيجاب وإسقاط، وتصحيح وإبطال، وإقامة حق وحدَّ، بضرب وقطع وقتل، واستباحة الفروج، وما أشبه ذلك، كان يثبت القياس به أولى؛ لأن القياس طريق لهذه الأحكام، وهى المقصودة دون الطريق (١) .
فإن قيل: الذى يثبت به المخالف الأحكام ظاهر القرآن وخبر الواحد والاجماع المروى من طريق الآحاد المحتمل للتأويل واستصحاب حكم العقل.
قيل: الشرع الذى يغيره ورود الشرع، وهذا كله من أدلة مسائل الفروع، فلم يصح ما ادَّعوه.
فإن قيل: معناه: اجتهد رأيي حتى آخذ حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب والسنة إذ كان في أحكام الله تعالى من الأمور مالا يتوصل إليه إلا بالاجتهاد.
قيل: الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يسمى اجتهاداً، وإنما القياس يسمى اجتهاداً.
وعلى أن معاذاً رتَّب ما يقع به الحكم وما يقتضي الحكم، فيجب أن يكون كل واحد منهما غير صاحبه.
ويدل عليه أيضاً: ما روى عن النبي ﷺ أنه [١٩٧/ب] قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر) (٢) . وهذا يدل على جواز الحكم باجتهاده ورأيه.
стр. 1494
فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد.
قيل: قد أجبنا عن هذا (١) .
فإن قيل: الاجتهاد في تأويل لفظ، وبناء لفظ على لفظ.
قيل: هو عام في الجميع إلاّ ما خصه الدليل.
وأيضاً ما روى أبو عُبيد في أدب القضاء بإسناده عن أم سلَمَة قالت: (كنت عند رسول الله ﷺ فجاءه رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد دَرَسَت، فقال لهما رسول الله ﷺ : إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل عليَّ، ولعل بعضكم يكون ألحنَ بحجته من بعض، فمن قضيتُ له بحجته فاقتطع بها قطعة ظلماً فإنما يقطع بها قطعة من نار) (٢) .
وهذا نص، فإنه أخبر أنه يقضي برأيه واجتهاده.
стр. 1495
ويدل عليه إجماع الصحابة من وجهين.
أحدهما: من جهة النقل.
والثاني: من جهة الاستدلال.
أما النقل: فقد روى عن أبي بكر ﵁ أنه قال: (أقول في الكَلالة برأيي) (١) .
وعن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري في كتابه
стр. 1496
стр. 1497
وهذا كتاب تلقته الأمة بالقبول، وفيه أمر صريح بالقياس.
وقال عمر لعثمان ﵄: (إذا رأيتُ في الجد رأياَ فاتبعوني، فقال عثمان: إن نتبع رأيك فرأيُك رشيد، وإن نتبع رأى من كان قبلك فنعم ذو الرأى كان) (١) .
стр. 1498
وقال زاذان (١) : تذاكروا الخيار (٢) عند علي ﵁ فقال: (إن أمير المؤمنين عمر قد سألني عنه، فقلتُ: إن اختارت زوجَها فهي واحدة، وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، فقال: ليس كذلك، ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها، فتابعتُ (٣) أمير المؤمنين، فلما خلص الأمر إليّ عرفت أني أسأل عن التزويج (٤) عدت إلى ما كنتُ أرى، فقلنا: والله لأمر جامعتَ عليه أمير المؤمنين، وتركتَ رأيك أحب إلينا من أمر تفردتَ به، فضحك، وقال: أما إنه قد أرسل (٥) [إلى] ، زيد بن ثابت، فخالفني وإياه، فقال: وما قال زيد؟، قال: إن اختارت زوجها فهي واحدة، وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره) (٦) .
стр. 1499
وروى عن علي أنه قال: (استشارني عمرُ في أمهات الأولاد فأجمعت أنا وهو على عتقهم [١٩٨/أ] ثم رأيت بعد أن أرقهم. فقال له عبيدة (١) : رأى ذوى عدل أحب إلينا من رأي عدل وحده) (٢) .
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة بَرْوَع بنت واشق (٣) :
(أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأَ فمني ومن الشيطان) (٤) .
стр. 1500
стр. 1501
وروى عن ابن عباس: (أنه كان إذا سئل عن شىء فكان في كتاب الله تعالى قال به، وإن لم يكن في كتاب الله، وحُدِّث به عن رسول الله ﷺ قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا حُدث به عن رسول الله وأخبر به عن أبي بكر وعمر قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا حُدِّث به عن رسول الله ﷺ ولا أخبر به عن أبي بكر وعمر اجتهد وقال برأيه) (١) .
وهذا يدل على صحة القول بالرأي والاجتهاد.
فإن قيل: من حكيتم عنه القول بالقياس قد روي عنه بُطلانه.
من ذلك ما روي عن أبي بكر أنه قال: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلُّني، إذا قلت في كتاب الله (٢) برأيي؟!) .
وعن عمر أنه قال: (إياكم وأصحابَ الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعْيَتْهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) (٣) .
стр. 1502
وروي عنه أنه قال: (إياكم والمكايَلَةَ، قيل: وما المكايَلَة؟، قال: المقايسة) (١) .
وروي عن شريح قال: كتب إليَّ عمر بن الخطاب وهو يومئذ من قبله: (اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد فلا عليك ألاّ تقضي) (٢) .
وعن على أنه قال: (لو كان الدين قياساً لكان باطن الخُف أحقَ بالمسح من ظاهره، ولكن رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرها) (٣) .
وعن ابن مسعود أنه قال: (إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً مما حرم
стр. 1503
الله تعالى، وحرمتم كثيراً مما حلله الله) (١) .
وعن ابن عباس: (أن الله تعالى قال لنبيه: (احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أنزَلَ اللهُ) (٢) ، ولم يقل بما رأيت) (٣) .
وعنه أنه قال: (لو جعل لأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول الله ﷺ يقول الله تعالى: (وَأن احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أنزلَ اللهُ) (٤) .
وروي عنه أنه قال: (إياكم والمقاييس، فإنما عُبِدت الشمسُ والقمرُ بالمقاييس) (٥) .
وعن عبد الله بن عمر أنه قال: (السنة ما سَنَّه رسول الله ﷺ [١٩٨/ب] لا يجعل الرأيُ سنةً للمسلمين) (٦) .
стр. 1504
وقال الزبرقان (١) : (نهاني أبو وائل (٢) أن أجالس أصحابَ الرأي) (٣) .
وقال مسروق: (لا أقيس شيئاً بشىء، أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها) (٤) .
قيل: أما قول أبي بكر: (أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي) ، فلا حجة فيه؛ لأنا نمنع القول في كتاب الله تعالى [بالرأي] .
وقول عمر: (إياكم والرأي) فالمراد به: الرأي المخالف للحديث؛ لأنه قال: (أعيتهم الأحاديث أن يعوها) .
وقال: (إياك وأصحاب الرأي. فإنهم أعداء السنن) والرأي المخالف لذلك فهو ضلال وإضلال.
وكذلك قول علي: (لو كان الدين بالرأي) فالمراد به مع مخالفة السنة.
والدليل على ذلك: ما روي عنهم من القول بالرأي والعمل به.
стр. 1505
وعلى هذا كل ما روي عن الصحابة وعن أبي وائل ومسروق من ذم الرأي والقياس.
والدليل على ذلك ما رويناه من إجماع الصحابة.
والطريقة الثانية في الإجماع من جهة الاستدلال:
فهو أن الصحابة اختلفت في الحوادث اختلافاً متبايناً.
فاختلفوا في قوله: أنتِ عليَّ حرام.
فقال بعضهم: يمين، تُكَفَّر.
ومنهم من قال: فيها كفارة يمين، وليست بيمين.
ومنهم من قال: طلاق رجعي.
ومنهم من قال: طلاق ثلاث.
ومنهم من قال: ظهار (١) .
وهكذا اختلفوا في الجَدِّ:
فمنهم من لم يقاسم بينه وبين الاخوة، وقالوا: الجد أب، [وهم] عشرة من الصحابة، منهم أبو بكر وابن عباس.
ومنهم من قال: يقاسمهم إلى الثلث.
ومنهم من قال: إلى السدس.
ومنهم من قال: إلى نصف السدس (٢) .
فأقرَّ بعضهم بعضاً على ما ذهب، فإما أن يقولوا باجتهاد، أو بنص.
فإن كان هناك نص لم يخل من ثلاثة أحوال:
стр. 1506
إما أن يكون خَفِي عليهم.
أو علموه، وتركوه.
أو علم به بعضهم دون بعض.
فبطل أن يكون هناك نص خَفِي عليهم؛ لأنه يفضي أن يجمعوا على خطأ، وأن يخرج الأمر عن أيديهم.
وبطل أن يقال: علموا به وتركوه؛ لأن هذا عناد.
وبطل أن يقال: علم به بعضهم دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك لأظهره الذى علمه، ورواه، وذكره.
فلما لم يكن شىء من هذا ثبت أن القوم قالوا فيها باجتهادهم.
ويؤيد هذا: أن القوم قاسوا الجَد على غيره، واعتبره عليُّ بالبحر، والأب بالنهر، والإخوة بالأنهار (١) .
واعتبره زيد بالشجرة، والأب بالغصن، والإخوة بالأفنان (٢) .
стр. 1507
ثبت أن القوم أجمعوا على القياس، وعملوا به، وأقرَّ بعضهم بعضاً على ذلك.
وحُكي عن داود أنه قيل له: إذا لم يكن الدليل عندك إلا نفس كتاب أو سنة، أو قياس لا يحتمل إلا معنى واحداً (١) . فلم اختلفت الصحابة؟! قال: خذل (٢) القوم (٣) .
وهذا أعظم (٤) ، فإنه لم يكفهم منع [١٩٩/أ] القياس حتى خطئوا الصحابة.
وأيضاً: فإن الله تعالى كلف المجتهد معرفة أحكام الحوادث ليعمل بها لنفسه، أو ليفتي بها، أو يحكم بها بين الناس، فلابد أن ينصب هنا أدلة تعرف أحكام الحوادث بها.
وذلك الدليل: إما أن يكون نصاً أو غيره؛
فبطل أن يكون نصاً؛ لأن الله تعالى ما نص على حكم كل حادثة، ولابد من معرفة حكمها، ثبت أن معرفة حكمها بالاجتهاد والاعتبار.
فإن قيل: قد نص على حكم كل حادثة؛ إما نصاً أو دليل الخطاب.
قيل: إذا اختلف المتبايعان، فقال كل واحد منهما: لا أدفع ما عليّ حتى أقبض مالي، فليس في تقديم واحد منهما دليل من جهة النص.
وكذلك: إذا اختلفا والسلعة قائمة، تحالفا، وليس في تقديم أحدهما نص ولا دليل خطاب.
وكذلك قوله لزوجته: أنتِ عليَّ حرام؛
منهم من قال: طلاق.
стр. 1508
ومنهم من قال: ظهار.
ومنهم من قال: يمين.
وليس في هذا دليل.
فإن قيل: إن لم يكن هناك نص صرنا إلى حكمها بدليل العقل.
والناس في هذا على مذاهب؛
منهم من قال: الأشياء على الحظر.
ومنهم من قال: على الإباحة.
ومنهم من قال: على الوقف.
فيبنى حكم الحادثة على هذا.
قيل: في الحوادث ما يقف قياس العقل فيها، وهو ما ذكرنا من اختلاف المتبايعين في الإقباض، وغير ذلك.
وكذلك قوله: أنتِ علي حرام، ليس للعقل في هذا مجال، في تقديم بعضهم على بعض.
فإن قيل: يصير في ذلك إلى استصحاب الحال.
قيل: ولا يمكن أيضاً استصحاب الحال فيما حكينا من المسائل؛ لأن الحال قد زالت.
فإن قيل: فبالإجماع يقضي فيها.
قيل: منها ما لم يجمعوا عليه، بل اختلفوا فيه.
وعلى أنكم وإن صرتم إلى الإجماع، فالإجماع لا ينعقد على الحكم فيها إلا بدليل، وذلك الدليل ينقسم على ما قلناه في أول المسألة، فلابد لهم من نص أو اعتبار.
وهذه الطريقة معتمدة في المسألة.
وأيضاً: فإن الله تعالى ذكر أحكاماً ونص على معانيها، فقال: (مِنْ أجْلِ
стр. 1509
ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بني إسْرَائِيلَ) (١) .
وقال في الفيء: (كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَة بَيْنَ اْلأغْنِيَاءِ مِنْكُم) (٢) يعني نصصت على حكمه لهذا.
وكذلك قال: (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنهَا وَطَراً زَوجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى اْلمُؤْمِنِينَ حَرَج في أزْواجِ أدْعِيَاءِهِمْ إذَا قَضَواْ مِنْهُن وَطَراً) (٣) .
وكذلك قال رسول الله ﷺ : (إنَّما فعلتُ ذلك من أجل الدَّافَّة) (٤) .
وقال: (إنّما جُعِل الاستئذانُ من أجلِ البَصَر) (٥) .
فإذا نص الله ورسوله على الأحكام وذكر معانيَها، ثبت أنه إنما نصَّ على
стр. 1510
المعنى حتى إذا عرف الحِقَ به [١٩٩/ب] ، ما وجد فيه ذلك المعنى.
فإن قيل: إنما نص على معنى الحكم ليعرف معناه.
قيل: لا فائدة في معرفة معناه، وقد عرف معناه بالنظر.
وطريقة أخرى وهو: أن القياس مفهوم كلام العرب ومعقولها، بدليل من له ابنان، ضرب كل واحد منهما زوجة نفسه، ثم إن أباهما ضرب أحدهما، فقيل له: لم ضربته؟.
فقال: لأنه ضرب زوجته.
وإذا قيل له: فالآخر أيضاً قد ضرب زوجته، فلم لم تضربه؟!
فمتى لم يأت باعتذار في هذا سقط كلامه، وبان نقصه (١) .
فثبت أن القياس مأخوذ من مفهوم كلامهم.
وأيضاً: فإن الاجتهاد في طلب القبلة عند الخفاء واجب، وإنما يستدل عليها بالعلامات، كالشمس والقمر والنجوم والجبال والرياح، وهذا محض القياس؛ لأنه يقيس القبلة على هذا النجم وعلى طلوع الشمس وغروبها، ويهدى إليها بها.
فإن قيل: إنما لزمه الاجتهاد في طلب القبلة؛ لأن الشرع ورد بالطلب.
قيل: قد سلمتم أنه ورد بالعمل على القياس.
فإن قيل: القبلة واحدة، وشخص واحد كلف طلبه، فليس كذلك حكم الأرز؛ لأنه كلف حكمه، وحكمه يختلف.
قيل: لا فرق بينهما وذلك أن له في الأرز حكماً طلبناه من البُر، كما أن له في الكعبة حكماً طلبناه من هذه الأدلة، فالبُر في حكم الأرز، كهذه الأدلة