← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

إما أن يكون خَفِي عليهم. أو علموه، وتركوه. أو علم به بعضهم دون بعض. فبطل أن يكون هناك نص خَفِي عليهم؛ لأنه يفضي أن يجمعوا على خطأ، وأن يخرج الأمر عن أيديهم. وبطل أن يقال: علموا به وتركوه؛ لأن هذا عناد. وبطل أن يقال: علم به بعضهم دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك لأظهره الذى علمه، ورواه، وذكره. فلما لم يكن شىء من هذا ثبت أن القوم قالوا فيها باجتهادهم. ويؤيد هذا: أن القوم قاسوا الجَد على غيره، واعتبره عليُّ بالبحر، والأب بالنهر، والإخوة بالأنهار (١) . واعتبره زيد بالشجرة، والأب بالغصن، والإخوة بالأفنان (٢) .

стр. 1507

ثبت أن القوم أجمعوا على القياس، وعملوا به، وأقرَّ بعضهم بعضاً على ذلك. وحُكي عن داود أنه قيل له: إذا لم يكن الدليل عندك إلا نفس كتاب أو سنة، أو قياس لا يحتمل إلا معنى واحداً (١) . فلم اختلفت الصحابة؟! قال: خذل (٢) القوم (٣) . وهذا أعظم (٤) ، فإنه لم يكفهم منع [١٩٩/أ] القياس حتى خطئوا الصحابة. وأيضاً: فإن الله تعالى كلف المجتهد معرفة أحكام الحوادث ليعمل بها لنفسه، أو ليفتي بها، أو يحكم بها بين الناس، فلابد أن ينصب هنا أدلة تعرف أحكام الحوادث بها. وذلك الدليل: إما أن يكون نصاً أو غيره؛ فبطل أن يكون نصاً؛ لأن الله تعالى ما نص على حكم كل حادثة، ولابد من معرفة حكمها، ثبت أن معرفة حكمها بالاجتهاد والاعتبار. فإن قيل: قد نص على حكم كل حادثة؛ إما نصاً أو دليل الخطاب. قيل: إذا اختلف المتبايعان، فقال كل واحد منهما: لا أدفع ما عليّ حتى أقبض مالي، فليس في تقديم واحد منهما دليل من جهة النص. وكذلك: إذا اختلفا والسلعة قائمة، تحالفا، وليس في تقديم أحدهما نص ولا دليل خطاب. وكذلك قوله لزوجته: أنتِ عليَّ حرام؛ منهم من قال: طلاق.

стр. 1508

ومنهم من قال: ظهار. ومنهم من قال: يمين. وليس في هذا دليل. فإن قيل: إن لم يكن هناك نص صرنا إلى حكمها بدليل العقل. والناس في هذا على مذاهب؛ منهم من قال: الأشياء على الحظر. ومنهم من قال: على الإباحة. ومنهم من قال: على الوقف. فيبنى حكم الحادثة على هذا. قيل: في الحوادث ما يقف قياس العقل فيها، وهو ما ذكرنا من اختلاف المتبايعين في الإقباض، وغير ذلك. وكذلك قوله: أنتِ علي حرام، ليس للعقل في هذا مجال، في تقديم بعضهم على بعض. فإن قيل: يصير في ذلك إلى استصحاب الحال. قيل: ولا يمكن أيضاً استصحاب الحال فيما حكينا من المسائل؛ لأن الحال قد زالت. فإن قيل: فبالإجماع يقضي فيها. قيل: منها ما لم يجمعوا عليه، بل اختلفوا فيه. وعلى أنكم وإن صرتم إلى الإجماع، فالإجماع لا ينعقد على الحكم فيها إلا بدليل، وذلك الدليل ينقسم على ما قلناه في أول المسألة، فلابد لهم من نص أو اعتبار. وهذه الطريقة معتمدة في المسألة. وأيضاً: فإن الله تعالى ذكر أحكاماً ونص على معانيها، فقال: (مِنْ أجْلِ

стр. 1509

ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بني إسْرَائِيلَ) (١) . وقال في الفيء: (كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَة بَيْنَ اْلأغْنِيَاءِ مِنْكُم) (٢) يعني نصصت على حكمه لهذا. وكذلك قال: (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنهَا وَطَراً زَوجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى اْلمُؤْمِنِينَ حَرَج في أزْواجِ أدْعِيَاءِهِمْ إذَا قَضَواْ مِنْهُن وَطَراً) (٣) . وكذلك قال رسول الله ﷺ : (إنَّما فعلتُ ذلك من أجل الدَّافَّة) (٤) . وقال: (إنّما جُعِل الاستئذانُ من أجلِ البَصَر) (٥) . فإذا نص الله ورسوله على الأحكام وذكر معانيَها، ثبت أنه إنما نصَّ على

стр. 1510

المعنى حتى إذا عرف الحِقَ به [١٩٩/ب] ، ما وجد فيه ذلك المعنى. فإن قيل: إنما نص على معنى الحكم ليعرف معناه. قيل: لا فائدة في معرفة معناه، وقد عرف معناه بالنظر. وطريقة أخرى وهو: أن القياس مفهوم كلام العرب ومعقولها، بدليل من له ابنان، ضرب كل واحد منهما زوجة نفسه، ثم إن أباهما ضرب أحدهما، فقيل له: لم ضربته؟. فقال: لأنه ضرب زوجته. وإذا قيل له: فالآخر أيضاً قد ضرب زوجته، فلم لم تضربه؟! فمتى لم يأت باعتذار في هذا سقط كلامه، وبان نقصه (١) . فثبت أن القياس مأخوذ من مفهوم كلامهم. وأيضاً: فإن الاجتهاد في طلب القبلة عند الخفاء واجب، وإنما يستدل عليها بالعلامات، كالشمس والقمر والنجوم والجبال والرياح، وهذا محض القياس؛ لأنه يقيس القبلة على هذا النجم وعلى طلوع الشمس وغروبها، ويهدى إليها بها. فإن قيل: إنما لزمه الاجتهاد في طلب القبلة؛ لأن الشرع ورد بالطلب. قيل: قد سلمتم أنه ورد بالعمل على القياس. فإن قيل: القبلة واحدة، وشخص واحد كلف طلبه، فليس كذلك حكم الأرز؛ لأنه كلف حكمه، وحكمه يختلف. قيل: لا فرق بينهما وذلك أن له في الأرز حكماً طلبناه من البُر، كما أن له في الكعبة حكماً طلبناه من هذه الأدلة، فالبُر في حكم الأرز، كهذه الأدلة

стр. 1511

في طلب القبلة. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم) (١) . وقوله تعالى: "وَأنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعلَمُونَ" (٢) . والجواب: أن هذه حجة عليهم في نفيهم القياس بأمور محتملة غير مقطوع بها، ولا معلومة، فقد قالوا على الله ما لا يعلمون. على أن ذلك محمول على منع القول بما ليس بعلم، فلا يجرى مجراه من القياس والاجتهاد، بدلالة قوله: (فَاعْتَبِرُواْ يَا أولِى اْلأبصَارِ) (٣) ، وحديث معاذ. وجواب آخر، وهو: أن الحكم بالقياس معلوم، ويكون ذلك بمنزلة الحكم بشهادة الشاهدين، إذا غلب على ظن الحاكم صدقُهما وعدالتُهما، والتوجه إلى القبلة إذا غلب على ظنه أنها في جهة، فإن وجوب الحكم بها وفعل الصلاة إليها معلوم، وإذا كان كذلك، فلم نَقْفُ ما ليس لنا به علم. واحتج بقوله تعالى: (إِنَّ الظنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَق شَيْئاً) (٤) .

стр. 1512

والجواب: أن المراد به الظن الذي هو تخمين وحَدْس، لم يقع عن طريق صحيح. فأما الظن (١) الواقع عن أمارة وطريق صحيح، فهو جار مجرى العلم في وجوب العمل به، كما يقول المخالف في الحكم بقول الشاهدين، وبقول المقومين، وقبول قول زوجته في حيضها وطهرها [٢٠٠/أ] ، وقبول قول القَصاب في ذبيحته، والتوجه إلى القبلة باجتهاده. واحتج بقوله تعالي: (وَمَا اخْتَلَفتُمْ فِيهِ من شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللهِ) (٢) . وقال تعالى: (فَإن تَنَازَعْتُمْ في شَىْء فردُّوهُ إلَى اللهِ وَالرسُولِ) (٣) . والجواب: أنه لم يرد به إلى ذات الله وذات رسوله، وإنما المراد إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله، والرد إلى القياس رد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإنه عليهما يحمل، ومنهما (٤) تستنبط المعاني ويقاس عليها. واحتج بما روىٍ عن النبي ﷺ أنه قال: (ستفترقُ أمتي على بِضْع وسبعين فِرْقة، أعظمُها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيُحرِّمون الحلالَ ويُحللون الحرامَ) (٥) .

стр. 1513

والجواب: أن المراد بذلك الرأي المخالف للكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فقد ضلَّ، ودخل تحت الوعيد (١) . واحتج بأنه لو كان العمل بالقياس واجبا لم يخلُ العمل بذلك من أن يكون ضرورةً أو استدلالاً، وليس يسوغ ادعاء العلم الضروري في وجوب ذلك؛ لأنا لا نجد نفوسنا مضطرة إلى العلم بذلك ولا تتعرى من الشكوك. وإن كان العلم بوجوده استدلالاً لم يخلُ إمَّا أن يكون الاستدلال عقلاً أو شرعاً. والعقل لا مدخل له في إيجاب ذلك؛ لأن العلم بأصول الأشياء التي يقاس عليها لا يقع من ناحية العقول، ولا يجوز أن يفرِّق الله تعالى بين الخمر وسائر الأشربة في الحكم، فيحرم الخمر ويبيح غيرها مع تساويها (٢) في الإسكار، والعقل يسوى بينهما. ولو كان ثبوته شرعاً لظهر، وليس في وجوب ذلك خبر.

стр. 1514

وتحرير هذه الدلالة: أن العلم بوجوبه، إذا لم يكن من ناحية المعقول، ولا شرع ورد بذلك لم يجز القضاء به. والجواب: أنا نَقْلِبُ هذا الدليل فنقول: لو كان القول بالقياس باطلاً، لم يخلُ العلم ببطلانه من أن يكون ضرورةً أو استدلالاً. ولا يمكن ادعاء الضرورة لما يعترينا في بطلانه من الشك، والعقول لا مجال لها في بطلانه. ولأن نفاة القياس يجوزون أن يتعبد الله تعالى بإلحاق سائر الأضربة المسكرة بالخمر من طريق القياس، فلو بطل الحكم بالقياس لم يبطل إلا شرعاً، والشرع هو الخبر عن الله تعالى وعن رسوله، ولا خبر بذلك، فلم يجز الحكم ببطلانه. وجواب آخر: وهو أنا أثبتنا ذلك بالشرع، وقد ظهر ذلك بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أوْلِى اْلأبصَارِ) (١) وبحديث معاذ، وإجماع الصحابة. فإن قيل: ما ذكرتموه من الشرع غير معلوم؛ لأنه خبر واحد، فلا يجوز إثبات مسائل الأصول بخبر الواحد. قيل [٢٠٠/ب] : لم نذكر ما يوجب العلم ويقطع العذر، وإذا لم يكن فيه دليل حال ثبوته بخبر الواحد على أنا قد ذكرنا الآية، وهي مقطوع بها، والخبر الذى ذكرنا متلقى بالقبول، وإجماع الصحابة مقطوع به. واحتج: بأن، القياس حمل الفرع على الأصل بعلة وشَبَه (٢) ، وأجمعوا أن ذلك لا يقف على شهوة المعلل واقتراحه، بل يكون تابعاً للدليل، وليس يخلو الدليل من أن يكون عقلاً أو شرعاً. والعقل لا يدل على ذلك؛ إذ ليس بعض صفات المعلل أولى بذلك من بعض.

стр. 1515

وحكم الأصل أيضاً لم يعلم عقلاً. ولأنه لا وجه يدعي الخصم أنه علة إلا وهو يجوز أن يرد الخبر بأن العلة سواه، فبطل أن يكون للعقل مجال في ذلك. ولا يجوز أن يكون العلم بالعلة قياساً على النص لوجهين: أحدهما: أن ذلك القياس لابدَّ له من علة، ولا بدَّ في تعريف تلك العلة من قياس يأتي، والكلام في ذلك كالكلام في الذي قبله، وهذا يفضى إلى ما لا نهاية له، فلم يبق إلا النص. وإذا كانت العلل منصوصاً عليها، جاز حمل غير المنصوص عليه على ما تناوله النص عند كثير من أهل الظاهر. ولا يجوز أن يكون ما تذكرونه من وجود الحكم في الأصل المعلَّل عند وجود الصفة وعدمها عند عدمه، دلالة على كونها علة يجب القياس عليها لوجود الحكم في كثير من المواضع، موجود عند وجود شيء ومعدوم عند عدمه، مع اعترافنا بأنه ليس بعلة. ألا ترى أنا نجد العصير حلالاً قبل حدوث الشدة فيه لا يَكْفُر مستحله، فإذا حدثت الشدة صار حراماً يَكْفُر مستحله، ثم إذا ارتفعت الشدة عنه صار حلالاً، ولم يَكْفُر مستحله، ولم يجب من أجل ذلك أن تكون الشدة علة للتكفير؛ لأنَّا لا نكفر مستحل كل شديد. والجواب: أن القياس هو: حمل الفرع على الأصل بعلة وشَبَه، قد دل الدليل على صحتها، وذلك يحصل من خمسة أوجه: أحدها: لفظ صاحب الشريعة بنصه، أو تنبيهه (١) ، أو إجماع الأمة، أو تأثيرها، وهو يوجد الحكم بوجود المعنى، ويعدم بعدمه أو شهادة

стр. 1516

الأصول، أو قيام الدليل على بطلان ما سواها، وقد شرحنا ذلك في الخبر الذى بعده. وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالوه؛ لأن قولهم: ليس بعض الصفات أولى من بعض غلط؛ وذلك أنه إذا تعارض فيه أمارتان، عرضناهما على الأصول، فأيهما كان أشد اطراداً وانعكاساً وتأثيراً، كان أولى. وقولهم: إنه يجوز أن يَرِد الخبر بأن الحكم سواه، فهذا لا يتصور بعد وفاة النبي ﷺ . وأما في حياته فإنه ما من [٢٠١/أ] حكم ثبت بالنص إلا ويجوز أن يَرِد نص بخلافه، ثم لم يمنع ذلك كونه دليلاً. وقولهم: إن مستَحِلَّ النبيذ والنقيع لا يَكْفُر، وإن كانت علة الكفر موجودة فيه وهي الشدة غلط؛ لأن العلة في كفر مستَحِلِ الخمر الإجماع على تحريمه، فليس العلة في كفره الشدة. وذلك الإجماع لا يوجد في غيره مما تحله الشدة، فلهذا لم نُكَفرْه. وقولهم: يحتاج في تعريف العلة إلى علة أخرى إلى ما لا نهاية له غلط، لأنَّا (١) . واحتج: بأن القياس لا يصح إلا بثبوت علة الأصل، وأنهم يدعون علة الأصل، ولا يمكنهم إقامة الدليل عليها، فلم يصح القياس بعلة مدعاة لا دليل عليها. والجواب: أنا لا نقيس إلا بعد ثبوت علة الأصل، وإنما نبين فيما بعد ثبوتها، والأمارة الدالة عليها، إن شاء الله تعالى. واحتج: بأن علة الأصل إذا ثبتت لا يجب أن يتعدى الحكم إلى كل موضع توجد فيه علة الأصل، ولهذا إذا قال رجل: اعتقت عبدي؛ لأنه أسود، لا

стр. 1517

يوجب ذلك أن يعتق كل عبد له أسود. والجواب: أن العلة إذا ثبتت وجب الحكم بها في كل موضع وجدت؛ لأنها أمارة على الحكم، وإذا وجدت الأمارة والدلالة وجب الحكم بها. وأما قول الرجل: أعتقت عبدي؛ لأنه أسود، فإنه لا يعتق سائر عبيده السودان؛ لأن المناقضة جائزة عليه، وليس كذلك صاحب الشريعة، فإنه لا يجوز التناقض في قوله، فوجب طرد تعليله. واحتج: بأن القصد بالقياس طلب الحكم فيما لا نص فيه ولا توقيف، فليس عندنا حكم إلا وقد تناوله نص وتوقيف، فلم يكن للقياس معنى. والجواب: أنا نعلم أحكاماً كثيرة لا نص فيها، من ذلك: جواز قتل الزنبور في الحِّل والحرم، وليس فيه نص، وإنما قيس على العقرب. وإذا تعمد ترك الصلاة يجب قضاؤها، وليس في ذلك نص، وإنما قيس على من نسيَها أو نام عنها (١) .

стр. 1518

وإذا ماتت فأرة في غير السَّمن (١) . وإذا ماتت سنور في السَّمن (٢) وما أشبه ذلك كثير. ومن المسائل الغامضة فأكثر من أن تحصى. وجواب آخر: وهو: أنه ليس من شرط القياس أن يكون النص معدوماً، وإنما شرطه أن لا يكون مخالفاً للنص، فإذا لم يكن مخالفاً للنص صح القياس، مع وجود النص، ومع عدمه. واحتج: بأن حكم الفرع لا يخلو أن يوجد من الاسم والمعنى، أو من الاسم دون المعنى، أو من المعنى [٢٠١/ب] دون الاسم. فإن أخذ من الاسم والمعنى، فقد أخذ بالنص بلا قياس. وكذلك إن أخذ من الاسم، ثبت نصاً، ولا يجوز أن يكون متعلقاً بالمعنى؛ لأن هذا كان موجوداً فيه ولا حكم، وهو قبل معرفة أحكام الشريعة، فلم يبق إلا أن يكون باطلاً. والجواب: أن الاعتبار بالاشتراك في المعنى، إلا أنه يجوز القياس عند الأمر به، وقبل ورود الشرع لم يكن هناك أمر بالقياس، فلذلك امتنع القول به. واحتج: بأن القياس: حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه بضرب من الشبه، وما من شىء يشبه شيئاً من وجه إلا ويفارقه من وجه آخر، كموضع الافتراق. والجواب: أن القياس إنما يجب عند اجتماعهم في معنى الحكم واشتراكهما فيه. والافتراق الذي يذكرونه هو افتراق في غير معنى الحكم، لا يؤثر في جواز

стр. 1519

الجمع، ولو أنهما افترقا في معنى الحكم لامتنع القياس. واحتج: بأن القياس حمل الشيء على غيره في بعض أحكامه بضرب من الشبه، وليس يخلو: إما أن يعلموا ذلك بالنص أو بالقياس. فإن قلتموه نصاً، صار حكم الفرع منصوصاً عليه. وإن قلتموه قياساً، فقد أثبتم قياساً بقياس. والجواب: أن هذا يلزمهم في نفي القول بالقياس؛ فإنه لا نص لهم دال عليه، ولا يجوز أن يقولوا ذلك قياساً. على أننا علمنا وجوب ذلك بالأصول التي دلت عليه من الكتاب والإِجماع، حسب ما بَينَّا. واحتج: بأنه لا يخلو: إما أن يكون المعنى المستنبط مماثلاً له، أو أنقص منه، أو أزيد. ولا يجوز أن يكون مثله؛ لأن ذلك يوجب تساويهما، ولا يكون في القياس فائدة. وباطل أن يكون أنقص؛ لأنه يفضي إلى تخصيص الأصل وإسقاط بعض حكمه. وباطل أن يكون أعم؛ لأن المدلول لا يكون أعم من الدليل. فإذا بطلت هذه الأقسام، بطل القياس. والجواب: أن الأقسام الثلاثة كلها جائزة في القياس، ولا يفضي إلى ما ذكروه، فإنه قد يكون المعنى مماثلاً للفظ، كقوله في الرضاع: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، وتكون فائدة القياس معرفة معنى النص، والفرق بينه وبين المنصوص الذي لا يعرف معناه. وقد يكون المعنى أخص من اللفظ، مثل قوله: (وَالسَّارِق وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ

стр. 1520

أيدِيَهُمَا) (١) والمعنى فيه: أن يسرق نصاباً من حِرْز مثله، لا شبهة له فيه. ولا يكون هذا تخصيص اللفظ؛ لأنا لا نخصه بهذا القياس، فإنه مماثل في حكمه، وإنما نخصه بلفظ آخر. وقد يكون [٢٠٢/أ] المعنى أعم من اللفظ، مثل المعنى المستنبط في مثل خبر عبادة بن الصامت في علة الربا (٢) ، فإن الأصل البُر، وحكمه مقصور عليه لفظاً، وفزعه أعم من لفظه، فإن معناه مكيل، فاكتفى به كل مكيل لأنا عقلنا الحكم بمعناه، ومعناه أعم من لفظه. وقد يكون المدلول أعم من الدليل، كما روي عن النبي ﷺ أنه سُئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: (أينقصُ الرطبُ إذا يَبِس؟ قالوا: نعم، فنهى عنه) . وهذه العلة موجودة في سائر ما ينقص من الرطب وغيره. واحتج: بأن تجويز القياس يفضي إلى أن يكون الشيء فرعاً لأصل، ويكون أصلاً لغيره، فإنه قد يقاس غيره عليه. والجواب: أن هذا غير ممتنع، وهو موجود في المشاهدة، فإن النخلة (٣) قد تكون فرعاً لنخلة أخرى وأصلاً لغيرها، والمكيال قد يكون فرعاً لمكيال وأصلاً لمكيال. وهذا في العقليات، وفي الشرعيات يجوز أن يكون الشيء أصلاً لغيره في حكمه، وفرعا لغيره في حكم آخر، فأما في حكم واحد فلا يتصور.

стр. 1521

واحتج: بأن العلل الشرعية لو كانت دالة (١) على الحكم وموجبة له لكانت تطرد وتنعكس، فلا توجد إلا والحكم موجود معها، ولا يوجد حكمها إلا عند وجودها، كالعلل العقلية. والجواب: أن هذه العلل ليست عللاً في الحقيقة، ولا موجبة الأحكام، وإنما هي أمارات وعلامات نصبها الله تعالى لهذه الأحكام أدلة عليها، فهي تجري مجرى الأساس، فتدل على الحكم في الموضع الذي نُصب دون غيره. وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن تكون بهذه الصفة، وإن لم تطَّرد وتنعكس، لأن العلل العقلية على ضربين: تطرد وتنعكس، كالحركة في التحرك، وعلة لا تنعكس، وإنما يوجد الحكم عند وجودها فحسب، كقول الرجل: اضرب [من] ، في الحبس، واضرب من هو خارج من الحبس، وإذا كان الرجل في الحبس ضرب لكونه في الحبس، وإذا كان خارجاً ضرب لكونه خارجاً. وكذلك الجواب عن قولهم: لو كانت علة في الحقيقة لما اختصت بزمان دون زمان، كالعلة العقلية، يتعلق الحكم بها قبل الشرع وبعده، وذلك أنا نقول: ليست بعلة في الحقيقة موجبة للأحكام، وإنما هي أمارة عليها (٢) كالأسماء. ثم نقول: لا فرق بينهما، وذلك أن سبب تلك العلل العقل، والعقل لا يختص بزمان دون زمان، بل هو عام في جميع الزمان، فكان علته أيضاً عامة فيها. والعلة الشرعية سببها الشرع، والشرع يختص ببعض الأزمنة دون بعض. واحتج: [٢٠٢/ب] بأنه لو كان دليلاً على بعض الأحكام لكان دليلاً في جميعها.

стр. 1522

والجواب: أن القياس يحتاج إلى شرائط، وليس توجد تلك الشرائط في سائر الأحكام حتى يصح استعمال القياس فيها، على أن الأحكام قد تختلف في أدلتها، فيكون الشيء دليلاً في بعضها دون بعض، كخبر الواحد، يدل على ثبوت الأحكام في الفروع ولا يدل على إثبات الأصول (١) . واحتج: بأن أهل اللغة لايستعملون القياس في كلامهم، فإن القائل لو قال لوكيله: اشتر لي سَلَنْجَبِيناً فإنه يصلح للصفراء، لم يصلح أن يشتري له رمَّاناً، وإن كان يصلح للصفراء. والجواب: أن السلَنْجَبِين يختص بمعانٍ لا توجد في الرمان، فلذلك لم يجز أن يشتريه. وقد ورد عن أهل اللغة ما يوجب القول بالقياس، فإن رجلاً لو كان له ابنان، فضرب أحدهما، فقيل له: لم ضربته؟ قال: لأنه ضرب أمه. وكان الآخر قد ضرب أمه، فإن يصلح أن يَرِد عليه، فنقول: والآخر ضرب أمه أيضاً، فلم لم تضربه؟!. وكذا لو قال: لا تعط فلاناً إبرة لكي لا يعتدي بها، فلا يصلح أن يعطَه سكيناً؛ لأن معناهما واحد، فثبت أنهم يقولون بالقياس، ويعملون عليه. على أنا نقول بالقياس في المواضع التي دل الدليل الشرعي عليه وكلفنا إياه وفي تلك المواضع لم يدل الدليل الشرعي عليه، فلم يجب القول به.

стр. 1523

فصل [أقسام القياس] وإذا ثبت الأصل في القياس، فالكلام في أقسامه (١) . وجملته: أن القياس على ضربين: واضح، وخفي. فالواضح: ما وُجد معنى الأصل في الفرع بكماله (٢) ، كعلة الربا، نصَّ النبي ﷺ على الربا في البُر، فحملنا الأرز عليه؛ لأن فيه معنى البُر (٣) من الكيل والجنس. وقد استعمل أحمد ﵀ هذا القياس في رواية ابن القاسم فقال: "لايجوز الحديد والرصاص متفاضلاً، قياساً على الذهب والفضة" (٤) . والثاني: القياس الخفي: وهو قياس غلبة الشبه (٥) ، وصورته: أن يتجاذب الحادثةَ أصلان، حاظر ومبيح، ولكل واحد من الأصلين أوصاف خمسة،

стр. 1524

والحادثة لا تجمع أوصاف واحد منهما، غير أنها بأحد الأصلين أكثر شبهاً، مثل أن كانت بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة أوصاف، ففي هذا روايتان: إحداهما: ليس هذا بقياس أصلاً، والقياس ما وُجد في الفرع أوصاف الأصل بكمالها، فإذا وجد بعضها في الفرع، لم يكن قياساً. نص عليه أحمد ﵁ في رواية أحمد بن الحسين بن حسان فقال: "القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، [٢٠٣/أ] فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردتَ أن تقيس عليه، فهذا خطأ، قد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعض، فإذا كان مثله في كل أحواله فأقبلتَ به وأدبرتَ به، فليس في نفسي منه شيء" (١) . والرواية الثانية: أنه قياس صحيح، وتلحق الحادثة بأكثرهما، ولا يؤخَر (٢) حكمها. وقد نبه أحمد ﵀ على هذا في رواية حرب في يهودي قذَف يهودية يتلاعنا؟ قال: "ليس لهذا وجه؛ لأنه ليس عدلاً، واللِّعان إنما هو شهادة، وليس بعدل فتجوز شهادته". كأنه لم ير بينهما اللِّعان (٣) .

стр. 1525

فقد قاس اللِّعان على الشهادة في امتناعه من الكافر، مع قلة شَبَهِه بالشهادة وكثرة (١) شَبَهِه بالأيمان. فدلَّ هذا من قوله على جوازه مع كثرة الشَّبه. وقد نقل ابن منصور عنه الفرق بينهما فقال: "لو كان معناه معنى الشهادة، فقذفها وهو فاسق، لم يلاعن. ولو كان معناه معنى اليمين (٢) لكان يشهد هو، وتشهد هي". فإن قلنا: إنه ليس بقياس صحيح. وقد حُكي ذلك عن أصحاب أبي حنيفة (٣) . فوجهه: أنه إذا كانت علة الأصل ذات أوصاف ثلاثة، وعلة (٤) الفرع ذات وصفين، لم يوجد في الفرع معنى الأصل بكماله، فلا يكون علة. ولو كان الوصفان علة لكان الحكم يتعلق بها، فلما لم يكن علة ثبت أنه لا يجوز تعليق الحكم بها. وإذا قلنا: إنه قياس صحيح، وهو قول أصحاب الشافعي (٥) ، فوجهه: ان الحادثة لا بدَّ لها من حكم، فإذا لم يدل على حكمها كتاب ولا سنة ولا

стр. 1526

إجماع وجب الاجتهاد في طلب حكمها بالقياس على الأصول، فإذا لم يكن لها شبه إلا بهذين الأصلين، انقطع حكمها عن سواها، ولم يجز أن يعلق حكم الأصلين معاً بها؛ لأنها متناقضة. فلم يكن بُد من إلحاقها بأحدهما، فكان إلحاقها (١) بالأشبه أولى؛ لأنها به أشبه، فغلبنا حكم الأكثر؛ لأن الأصول على هذا، قال الله تعالى: (فَأما مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ، وَأما مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأمهُ هَاوِيَةٌ) (٢) فغلَّب الأكثر. وكذلك قلنا في الماء المطلق، إذا خالطه مائع طاهر، كالورد، ونحوه: إن كان الغالب الماء، فالحكم له، وإن كان الغالب الورد، فالحكم له. وكذلك قلنا في الشهادات: إن كان الغالب الطاعات، فهو عدل مقبول الشهادة، وإن كان الأغلب المعاصي، فهو فاسق مردود الشهادة. وقد قال أحمد ﵁ في رواية أحمد بن أبي عبدة في الرجل يكذب: "إن كثُر كذبُه لم يُصل خلفه" (٣) . فأما قولهم: إذا لم يوجد في الفرع أوصاف الأصل بكماله، فليس هناك [علة] . والجواب: أنه كذلك، ولكن ألحقنا حكم الحادثة بهذا الأصل، من حيث إنه به أشبه. فأما أن نقول [٢٠٣/ب] : الوصفان في (٤) الفرع علة، فلا نقول هذا. فإن قيل: فيحكم في الحادثة بغير دليل؟ قيل: يحكم بغير قياس، ولكن بأنه أشبه بهذا الأصل من سائر الأصول. إذا تقرر هذا، وأن قياس غلبة الشَّبَه حجة، فهو على ضربين:

стр. 1527

أحدهما: أن يكون الشبه بالأوصاف. والثاني: بالأحكام (١) . فالأوصاف: أن يتجاذبها أصلان، حاظر ومبيح، فالحاظر أسود، والمبيح أبيض، والحادث سواد وبياض فنعتبره بهما، فبأيهما أشبه ألحقناه. وأما الشبه بالأحكام: كالعبد أخذ شبهاً من الأحرار، لأنه مخاطب مكلف، وأخذ شبهاً من الأموال؛ لأنه يُباع ويُورث، فننظر بأيهما أكثر شبهاً نلحقه به. فصل [قياس الأصول] فأما قياس الأصول: فأن تكون الحادثة لها أصل في الحظر، وأصول في الإباحة، فكان ردها إلى أصول كثيرة، أولى من ردها إلى أصل واحد (٢) . مثال ذلك: إذا أبان زوجته بطلقة، فتزوجت من أصابها وطلقها، ثم تزوجها الأول، عادت معه على ما بقي معه من الطلاق (٣) .

стр. 1528

خلافاً (١) لأبى حنيفة في قوله: دخول الثاني يعدم ما بقي من الطلاق (٢) ، وذهبوا إلى أنها رجعت إليه بعد زوج وإصابة، أشبه المطلقة ثلاثاً، فقاسه على أصل واحد، وقسناه على ثلاثة أصول، فقلنا: إصابة ليست بشرط في الاباحة، أشبه وطء السيد أمته، والوطء في النكاح الفاسد، ووطء زوج ثالث. [قياس الجنس] وأما قياس الجنس فهو أولى (٣) ، مثل أن تكون الحادثة من الطهارة، فكان

стр. 1529

ردها إلى الطهارة، أولى من ردها إلى الصلاة. أو تكون من الصلاة، ويمكن ردها إلى الزكاة وإلى الصلاة، فكان ردها إلى الصلاة أولى؛ لأنها من جنسها. فصل [تقديم العلة لقلة أوصافها] فإن تقابلت علتان (١) ، إحداهما ذات وصفين والأخرى ذات ثلاثة أوصاف، لم يخلُ إما أن تكونا (٢) من أصل واحد، أو من أصلين. فإن كان أصلهما واحداً، كعلة الربا، الفرع الأرز، والأصل البُر، فعلتنا: مثل، مكيل، جنس (٣) . وعلة مالك: مطعوم، مقتات، جنس (٤) .

стр. 1530

وعلة الشافعي في القديم: مطعوم، مكيل، جنس (١) . فالتي قلَّت أوصافها أولى من وجهين: أحدهما: أن التي قلت أوصافها أكثر فروعاً، والتي كثرت أوصافها أقل فروعاً، فكان ما كثُرت فروعها (٢) أولى. ولأن التي قلَّت أوصافها يسهل الاجتهاد فيها ويقرُب، والتي كثرت أوصافها يصعب الاجتهاد فيها ويبعد. فكانت الأقل أوصافاً أولى. هذا إذا كانت العلتان من أصل واحد. فأما إن كانتا (٣) من [٢٠٤/أ] أصلين، أحدهما يدل على الحظر، والآخر يدل على الإِباحة. وكانت علة أحد الأصلين ذات أوصاف خمسة، وعلة الأصل الآخر ذات أوصاف أربعة، وكانت [في] كل واحد من الأصلين بكمالها موجودة في الفرع، كان رده إلى ما كثرت الأوصاف فيه أولى؛ لأنه به أشبه. فها هنا هما علتان، إلا أن التي هي بأحد الأصلين أكثر أوصافاً أولى. ويفارق هذا قياس غلبة الشَبّهَ؛ لأنه (٤) ليس بقياس صحيح على إحدى الروايتين (٥) ؛ لأن معنى الأصل غير موجود بكماله في الفرع، فلهذا لم يكن علة.

стр. 1531

وها هنا أوصاف الأصل بكماله موجودة في الفرع، فلهذا كان علة. فإذاً هذا القياس استوفى أوصاف أصله. وقياس غلبة الشَّبَه ما استوفى أوصاف أصله. مسألة [دلالة مفهوم الموافقة] فأما الحكم الثابت من طريق التنبيه فلا يسمى قياساً (١) ، وإنما هو مفهوم

стр. 1532

الخطاب وفحواه، نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لهُمَا أفّ) (١) إن الضرب ونحوه من الإضرار بالوالدين ممنوع [منه] بمعنى اللفظ. وكذلك قول النبي ﷺ : (أربع لا تجوز في الضحايا، العوراءُ البَين عَوَرُها، والعرجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها ... ) (٢) فلما نصَّ على العوراء، كانت العمياء مثلها في المعنى لمعنى اللفظ.

стр. 1533

وكذلك لما نصَّ على العرجاء، كانت المقطوعة الأربع في معناها وزيادة من طريق اللفظ. وكذلك قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (١) ونص في الإِماء على النصف (٢) ، كان العبد مثلها على النصف من طريق اللفظ لوجود المعنى (٣) . وكذلك قوله ﵇، (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ، كان الجوع والعطش ونحوهما في معناه بمعنى اللفظ لوجود معناه، وهو [ما] يغير خُلُقَه وفهمَه. وكذلك قوله -في الفأرة تقع في السَّمن-: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فأريقوه) . فكانت العصفورة في معنى الفأرة، والشحم الجامد في معنى السمن الجامد،

стр. 1534

والشحم الذائب كالسَّمن الذائب، وكذلك الزيت والشَّيْرَج (١) . وكذلك قوله تعالى: (مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ) (٢) . وكذلك قول النبي ﷺ : (كنتُ نهيتُكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدَّافة، ألا فادَّخروا ما بدا لكم) . كل هذا من معنى اللفظ. وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسان فقال: "إنَّما القياس أن يقيس الرجل على أصل، فأما أن يجيء إلى أصل فيهدمه فلا". فحدَّ (٣) القياس بما كان على أصل مستنبط. وكذلك قال في رواية الميموني: "سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورة، وأعجبه ذلك" [٢٠٤/ب] . ومعنى قوله: "عند الضرورة". إذا لم يجد دليلاً غيره من كتاب أو سنة، والاحتجاج بالتنبيه يجوز مع وجود دليل غيره. وقال في رواية الميموني: "بر الوالدين واجب، ما لم يكن معصية، قال تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أف) . فاحتج على وجوب برهما بقوله: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أف) (٤) فدل على أنه مستفاد من جهة اللفظ.

стр. 1535

وهو قول أصحاب أبي حنيفة (١) . وقال أصحاب الشافعي: ذلك مستفاد من جهة القياس، لكنه قياس جلي لا يحتاج إلى فكر وتأمل (٢) . وهو اختيار أبي الحسن الجزري من أصحابنا. ذكره في جزء فيه مسائل

стр. 1536

الأصول، في موضعين منه، فقال: مفهوم النص هو القياس (١) . دليلنا: أن القياس ما يختص بفهمه أهل النظر والاستدلال، فيفتقرون في إثبات الحكم به إلى ضرب من النظر والاستدلال والتأمل بحال الفرع والأصل. فأما ما دل عليه فحوى الخطاب الذي ذكرناه، فإنه يستوي فيه العالم والعامي العاقل (٢) الذي لم يَدْرِ ما القياس، فكيف يجوز إجراءُ اسم القياس عليه؟!. وأيضاً: فإن أهل اللغة لا يختلفون أن من نهي عن التأفيف لوالديه، عقل منه تحريم الشتم والضرب، كما أن من أمر بتعظيم زيد، عقل منه ترك الاستخفاف به. وكما أن من وُصِف (٣) بالعجز عن حمل شىء يسير، عقل منه عجزه عن حمله ما هو فوقه. ومن، حمل نفسه على دفع ذلك لم يكن في حد من يُناظَر. وإذا كان هذا من اللفظ لم يجز إطلاق اسم القياس عليه. ولأن ذلك يضاف إلى الخطاب، فيقولون: مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه يدل على ثبوته نطقاً. ولأن ما ثبت باللفظ ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، ألا ترى أنه لو قال: اقتلوا أهل الذمة لأنهم كوافر، جاز قتل عبدة الأوثان بهذا اللفظ، وإن لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة، لكن من طريق العلة والشَّبه، فكذلك هاهنا.

стр. 1537

واحتج المخالف: أن الحكم المستفاد بالنص ما كان ثابتاً بالاسم واللفظ، وقوله: (فَلاَ تَقل لَّهُمَا أف) إنما تناول لفظه المنع من التأفيف، فأما المنع من الضرب، فلم يتناوله اللفظ، ولا استفيد منه، وإنما استفيد من (١) الاسم بمعنى، وهو أنه لما منع من التأفيف لأجل الأذى، وكان الأذى موجوداً في الضرب وزيادة، منع منه، فثبت أنه مستفاد بالقياس لا باللفظ. ويوضحه قول (٢) النبي ﷺ : (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ، لا يفهم أنه لا يقضي بينهما في حال الجوع والعطش، فإذا لم يكن هذا مستفاداً من اللفظ ولا [٢٠٥/أ] معقولاً منه ثبت أنه مستفاد من معناه ومقيس (٣) عليه. والجواب: أنه وإن لم يكن الضرب منصوصاً عليه، فقد بينّا أن اللفظ قد دل عليه، وأنه يقع في فهم السامع، كذلك تحريم الضرب والشتم، فثبت أن اللفظ دل عليه من مفهومه وفحواه. وإذا كان كذلك، لم يصح تسميته قياساً؛ لأن القياس يقتضي معنى آخر، وهو أنه يختص بعلمه أهلُ النظر، ويحتاج إلى تأمل الأصل والفرع، وهذا لا يحتاج إليه هاهنا. ولأنَّا قد بينَّا أن ما ثبت باللفظ، ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، كقوله: اقتلوا أهل الذمة لكونهم كوافر، جاز قتل عبدة الأوثان وإن لم تتناولهم صيغة اللفظ.

стр. 1538

مسألة [التعليل بالاسم] يجوز أن تجعل الأسماء عللاً للأحكام (١) ، سواء في ذلك الأسماء المشتقة، كقولك: قائم، وقاعد، وشاتم، وضارب. وأسماء الألقاب كقولك: زيد، وعمرو، وحمار، وحائط، وماء، وتراب. وقد نصَّ عليها أحمد ﵀ فقال في رواية الميموني: "يجوز التوضؤ بماء الباقلاء والحمص؛ لأنه ماء، إنما أضفته إلى شىء لم يفسده" (٢) . فقاس الماء المضاف على المطلق، وهو اسم علم ولقب. وقال أيضاً في رواية الميموني في نصراني محصَن أسلم ثم زنا بعد إسلامه: "يرجم بذلك الإحصان، لأنه زانٍ، ارجمُه بإحصانه" (٣) . فعلَّق الحكم بالزنا والإحصان، وهو اسم مشتق. وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه الجرجاني (٤) .

стр. 1539

وأصحاب الشافعي فيما حكاه الإسفراييني (١) . وحُكي عن قوم أنه لا يصح أن يكون الاسم علة، لقباً كان أو مشتقاً (٢) ، وإنما تصح العلة إذا كانت صفة، مثل قولنا: شدة مطربة، ومطعوم جنس، وولادة، وتعصيب، وقرابة، وما أشبه ذلك. أو تكون حكماً، مثل قولنا: [طهارة] (٣) وكفارة، ونحو ذلك. ومنهم من قال: يصح أن يكون الاسم المشتق علة، ولا يصح أن يكون اللَّقب علة (٤) . دليلنا: أن ما جاز أن يرد به الشرع نطقاً؛ جاز أن يكون مستنبطاً، كالصفة

стр. 1540

والحكم، ولا خلاف أنه لا يمتنع أن يجعل صاحبُ الشريعة الاسم علةً على الحكم وأمارةً عليه، كما يجعل الصفة والحكم علة، فيقول: حرمتُ الخمر؛ لأنها مسماة خمراً. وإن شئت قلت: ما جاز أن يكون منصوصاً عليه، جاز أن يكون مجتهداً فيه، إذ ما جاز إظهاره جاز إضماره، أو ما جاز إبداؤه جاز إخفاؤه، أو ما جاز إطلاعه جاز إبداعه. وأيضاً: فإن ما دل على صحة العلة، فإنه يدل على أنه يصح أن يكون الاسم علة، وهو التأثير، وشهادة الأصول. وإذا دل على صحة ذلك، جاز أن يكون علة، كالصفة والحكم [٢٠٥/ب] . ولأن علل الشرع علامات على الحكم، والأسامي علامات لتمييز الأعيان، بل الاسم قد يكون أدل على تعريفه من صفة من صفاته. فإذا جاز تعلق الحكم بالصفة، جاز ذلك بالاسم أولى. واحتج المخالف: بأن الأسامى لا تكون عللاً في العقليات، كذلك في الشرعيات. والجواب: أن علل العقل موجبة، والأسامي ... (١) أن لا يطلق (٢) عليه أهل اللغة فخرج الاسم عن أن يكون علة (٣) . واحتج بأن الاسم سبق الحكم؛ لأن هذه الأسماء كانت موجودة قبل الحكم. فلو قلنا: تكون علة للحكم، لسبقت العلةُ الحكمَ. والجواب: أنه باطل بالصفة، فإنها سابقة للحكم؛ لأن الأشياء كانت مأكولة مكيلة قبل ثبوت الربا، ومع هذا فهي علل، وإنما لا يصح أن تتأخر

стр. 1541

العلة عن الحكم. فإذا قال: لأنه مختلف في (١) ، سبق الحكم العلة، فلا يصح. فأما أن تسبق العلةُ الحكمَ، فلا يمتنع، وإنما لم يوجد الحكم بوجودها قبل الحكم، لأنها علل مجعولة، فلما جاز الحكم، وجعلت علة، ثبتت علة له. واحتج: بأن العلة إنما تصح من أحد وجهين؛ إما بالسبر والاستنباط، كالمطعوم والمأكول، أو بأن ينبه صاحب الشرع عليها، كقوله: (أينقصُ الرطبُ إذا يَبس) ؟ (وإنما فعلتُ ذلك لأجل الدَّافَة) . فأَما بالاسم فلا يصح؛ لأن حكم الاسم ثابت بالنص، ومعروف به. فقوله: إنما حرمت البُر متفاضلاً، ثابت بالنص. والجواب: أن الاسم الذي نقول إنه علة: ما ثبت بالسَّبْر والاستنباط والخبر، وأَثَّر، وشهدت له الأصول. فإن قولنا: "بول الآدمي نجس" اختبرناه، فوجدناه يؤثر، فألحقنا به بول كل حيوان لا يؤكل لحمه. ولو قلنا: "بول مالا يؤكل لحمه نجس"، لم يكن هذا علة؛ لأنه عرف حكمها بالنص. وإنما الخلاف في الاسم المختبَر، الذي عرض على الأصول، فلم ترده. ألا ترى أنه لو قال: "الخارج من السبيلين نجس"، كان باطلاً بالمني. فإذا قال: بول، لم يبطل بشىء، وهو خارج من مخرج الحدث. واحتج: بأن الاسم إذا كان مشتقاً، كان تحته معنى، فإن قوله: قاتل، معناه: أنه قَتَل، فإذا صح أن يعلق الحكم على معناه كذلك صح أن يعلق به. ويفارق هذا إذا كان الاسم علماً ولقباً؛ لأنه لا يشتمل على معنى، فلهذا

стр. 1542

لم يكن علة. والجواب: أنه كذلك، لكن الحكم ما علق بالمعنى الذي تضمنه، وإنما علق بنفس الاسم. فإذا صح تعليقه بالاسم الذي يتضمن معنى، فتكون العلة الاسم دون معناه، كذلك جاز [٢٠٦/أ] أن يكون اللقب علة للحكم، وإن لم يكن متضمناً للمعنى. فإذا تقرر هذا، فكل معنى من معاني الأصل، أو صفة، مثل قولنا: شدة مطربة، وطعم في جنس (١) ، وولادة، وتعصيب، وقرابة، وما أشبه ذلك. أو حكماً شرعياً، مثل قولنا: طهارة، وكفارة، ومن وجب في ماله زكاة الفطر، وجبت زكاة المال، أو من وجب العشر في ماله، وجب نصف العشر، ومن صح طلاقه، صح ظهاره، وما أشبه ذلك. ولا فرق بين أن يكون بلفظ الإثبات، مثل قولنا: طهارة من حدث، فوجب أن يكون في شرطها النية، وما افتقر بدلُه إلى النية، افتقر مبدلُه إلى النية، كالعتق في الكفارات، وفيه شدة مطربة، فكان حراماً كالخمر، ومن صح طلاقه صح ظهاره، وما أشبه ذلك. أو كان بلفظ النفي، مثل قولنا: ليس بماء، ولا يقع عليه اسم الماء المطلق، فلا يجوز أن يتوضأ به، كسائر الأنبذة، وليس بتراب، ولا يقع عليه اسم التراب، فلا يجوز التيمم به، قياساً على الدريرة (٢) والخَزَف المدقوق، والسِّدْر،

стр. 1543

والخَطْمِيّ (١) والأشنان المطحون (٢) . وقد نصَّ أحمد ﵀ على هذا في رواية الميموني: "لا يتوضأ بماء الورد (٣) ، هذا ليس بماء، وإنما يخرج من الورد". وقال في رواية الميموني: "السِّهْلاة والرماد ليس بصعيد، ويتيمم، ويصلي، ويعيد" (٤) . فقد جعل النفي علة، وعلَّق الحكم عليه. وكذلك قال في رواية أبي الحارث: "ليس في العنبر واللؤلؤ والمسك شىء، فإنه ليس بركاز ولا معدن" (٥) . وكذلك ما لا تجب الزكاة في ذكوره، لا تجب في إناثه، كالبغال والحمير.

стр. 1544

ويجوز أن يجعل نفي الحكم علة لثبوت حكم آخر، وثبوت حكم علة لنفي حكم آخر، فيوجد الإِثبات من النفي، والنفي من الإِثبات. ويجوز أن يكون الإِثبات في حالة علةَ النفي في حالة أخرى، كقولنا: معنى: يفطر الصائم إذا تعمده، فلا يفطره إذا كان مغلوباً عليه، ولم يتعلق به كفارة، كالقيء (١) . والأصل في ذلك، ما ذكرناه من أن ما جاز أن يرد الشرع به نطقاً، جاز أن يكون مستنبطاً. ولأن ما دل الدليل على أنه أمارة من طريق الباري وشهادة الأصول، وجب أن يحكم بصحته. ولأن ما كان عقلياً فجائز أن يجعله علة بلفظ النفي، كذلك الشرعي. مسألة [إثبات الأسماء بالقياس] يجوز إثبات الأسماء بالقياس (٢) ، فنسمي النبيذ خمراً، قياساً على الخمر، ونسمي النبّاش سارقاً، قياساً على السارق، ونسمي اللوطي زانياً، قياساً على الزاني. أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية الأثرم، وقد ذكر له حديث: (الخمر ما خامر العقل) (٣) "أي شىء يعني به؟ قال: ما غيَّر العقل.

стр. 1545

قيل له [٢٠٦/ب] : كل نبيذ غيَّر العقل فهو خمر؟ قال: نعم" (١) . وبهذا قال أصحاب الشافعي (٢) . وقال أصحاب أبي حنيفة (٣) ، وأكثر المتكلمين: (٤) لا يثبت. دليلنا: قوله تعالى: (فَاعْتَبرُوا يَا أوْلِى اْلأَبْصَارِ) (٥) والاعتبار رد الشىء إلى نظيره،
следующие страницы →