العلة عن الحكم.
فإذا قال: لأنه مختلف في (١) ، سبق الحكم العلة، فلا يصح.
فأما أن تسبق العلةُ الحكمَ، فلا يمتنع، وإنما لم يوجد الحكم بوجودها قبل الحكم، لأنها علل مجعولة، فلما جاز الحكم، وجعلت علة، ثبتت علة له.
واحتج: بأن العلة إنما تصح من أحد وجهين؛ إما بالسبر والاستنباط، كالمطعوم والمأكول، أو بأن ينبه صاحب الشرع عليها، كقوله: (أينقصُ الرطبُ إذا يَبس) ؟ (وإنما فعلتُ ذلك لأجل الدَّافَة) .
فأَما بالاسم فلا يصح؛ لأن حكم الاسم ثابت بالنص، ومعروف به.
فقوله: إنما حرمت البُر متفاضلاً، ثابت بالنص.
والجواب: أن الاسم الذي نقول إنه علة: ما ثبت بالسَّبْر والاستنباط والخبر، وأَثَّر، وشهدت له الأصول.
فإن قولنا: "بول الآدمي نجس" اختبرناه، فوجدناه يؤثر، فألحقنا به بول كل حيوان لا يؤكل لحمه.
ولو قلنا: "بول مالا يؤكل لحمه نجس"، لم يكن هذا علة؛ لأنه عرف حكمها بالنص.
وإنما الخلاف في الاسم المختبَر، الذي عرض على الأصول، فلم ترده.
ألا ترى أنه لو قال: "الخارج من السبيلين نجس"، كان باطلاً بالمني.
فإذا قال: بول، لم يبطل بشىء، وهو خارج من مخرج الحدث.
واحتج: بأن الاسم إذا كان مشتقاً، كان تحته معنى، فإن قوله: قاتل، معناه: أنه قَتَل، فإذا صح أن يعلق الحكم على معناه كذلك صح أن يعلق به.
ويفارق هذا إذا كان الاسم علماً ولقباً؛ لأنه لا يشتمل على معنى، فلهذا
стр. 1542
لم يكن علة.
والجواب: أنه كذلك، لكن الحكم ما علق بالمعنى الذي تضمنه، وإنما علق بنفس الاسم. فإذا صح تعليقه بالاسم الذي يتضمن معنى، فتكون العلة الاسم دون معناه، كذلك جاز [٢٠٦/أ] أن يكون اللقب علة للحكم، وإن لم يكن متضمناً للمعنى.
فإذا تقرر هذا، فكل معنى من معاني الأصل، أو صفة، مثل قولنا:
شدة مطربة، وطعم في جنس (١) ، وولادة، وتعصيب، وقرابة، وما أشبه ذلك.
أو حكماً شرعياً، مثل قولنا: طهارة، وكفارة، ومن وجب في ماله زكاة الفطر، وجبت زكاة المال، أو من وجب العشر في ماله، وجب نصف العشر، ومن صح طلاقه، صح ظهاره، وما أشبه ذلك.
ولا فرق بين أن يكون بلفظ الإثبات، مثل قولنا: طهارة من حدث، فوجب أن يكون في شرطها النية، وما افتقر بدلُه إلى النية، افتقر مبدلُه إلى النية، كالعتق في الكفارات، وفيه شدة مطربة، فكان حراماً كالخمر، ومن صح طلاقه صح ظهاره، وما أشبه ذلك.
أو كان بلفظ النفي، مثل قولنا: ليس بماء، ولا يقع عليه اسم الماء المطلق، فلا يجوز أن يتوضأ به، كسائر الأنبذة، وليس بتراب، ولا يقع عليه اسم التراب، فلا يجوز التيمم به، قياساً على الدريرة (٢) والخَزَف المدقوق، والسِّدْر،
стр. 1543
والخَطْمِيّ (١) والأشنان المطحون (٢) .
وقد نصَّ أحمد ﵀ على هذا في رواية الميموني: "لا يتوضأ بماء الورد (٣) ، هذا ليس بماء، وإنما يخرج من الورد".
وقال في رواية الميموني: "السِّهْلاة والرماد ليس بصعيد، ويتيمم، ويصلي، ويعيد" (٤) .
فقد جعل النفي علة، وعلَّق الحكم عليه.
وكذلك قال في رواية أبي الحارث: "ليس في العنبر واللؤلؤ والمسك شىء، فإنه ليس بركاز ولا معدن" (٥) .
وكذلك ما لا تجب الزكاة في ذكوره، لا تجب في إناثه، كالبغال والحمير.
стр. 1544
ويجوز أن يجعل نفي الحكم علة لثبوت حكم آخر، وثبوت حكم علة لنفي حكم آخر، فيوجد الإِثبات من النفي، والنفي من الإِثبات.
ويجوز أن يكون الإِثبات في حالة علةَ النفي في حالة أخرى، كقولنا: معنى: يفطر الصائم إذا تعمده، فلا يفطره إذا كان مغلوباً عليه، ولم يتعلق به كفارة، كالقيء (١) .
والأصل في ذلك، ما ذكرناه من أن ما جاز أن يرد الشرع به نطقاً، جاز أن يكون مستنبطاً.
ولأن ما دل الدليل على أنه أمارة من طريق الباري وشهادة الأصول، وجب أن يحكم بصحته.
ولأن ما كان عقلياً فجائز أن يجعله علة بلفظ النفي، كذلك الشرعي.
مسألة
[إثبات الأسماء بالقياس]
يجوز إثبات الأسماء بالقياس (٢) ، فنسمي النبيذ خمراً، قياساً على الخمر، ونسمي النبّاش سارقاً، قياساً على السارق، ونسمي اللوطي زانياً، قياساً على الزاني.
أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية الأثرم، وقد ذكر له حديث: (الخمر ما خامر العقل) (٣) "أي شىء يعني به؟ قال: ما غيَّر العقل.
стр. 1545
قيل له [٢٠٦/ب] : كل نبيذ غيَّر العقل فهو خمر؟ قال: نعم" (١) .
وبهذا قال أصحاب الشافعي (٢) .
وقال أصحاب أبي حنيفة (٣) ، وأكثر المتكلمين: (٤) لا يثبت.
دليلنا:
قوله تعالى: (فَاعْتَبرُوا يَا أوْلِى اْلأَبْصَارِ) (٥) والاعتبار رد الشىء إلى نظيره،
стр. 1546
بضرب من الشبه.
ومنه قيل: اعتبر الدراهم. معناه: اجعل الصَّنْجَة في كفة، والدراهم في كفة أخرى.
وقولهم: اعتبر (١) السلطان الخراج على غيره، عام أول.
وإذا كان هذا هو الاعتبار في إثبات الأحكام، كذلك في إثبات الأسماء.
وأيضاً: فإن أهل اللغة قد استعملوا القياس في الأسماء عند وجود معنى المسمى في غيره، وأجروا على الشىء اسم الشىء، إذا وجد بعض معناه فيه، فسموا الرجل البليد حماراً، لوجود البَلَه فيه.
ويقولون للرجل الشجاع: سَبُعاً: لوجود الشدة فيه. ونظائر ذلك.
وعلى هذا ما روي عن عمر أنه قال: (الخمر ما خامر العقل) (٢) .
وعن ابن عباس أنه قال: ( [كل] (٣) مُخَمَّر خمر، وكل خمر حرام) (٤) .
فإن قيل: هذه التسمية منهم مجاز.
قيل: قد ثبت عنهم أنهم فعلوا ذلك، فلا يضر أن يكون أحد الاسمين مجازاً، والآخر حقيقة.
стр. 1547
على أنهم إنما سموا الأبْلَه حماراً مجازاً، لوجود بعض معانيه، فلما لم توجد فيه كل معانيه كان مجازاً.
وأما النبيذ، فتوجد فيه معاني الخمر كلها.
وكذلك اللواط، توجد فيه معاني الزنا كلها.
وكذلك النَّبَّاش (١) .
فلهذا كان حقيقة.
فإن قيل: فالعرب قد منعت أن يسمى النبيذ خمراً.
ومنه قول [أبي] الأسود (٢) :
فإن لا يَكُنْهَا أو تَكُنْهُ فإنَه ... أخوها غَذتْه أمُّه بلِبَانِها (٣)
يعنى إن لم يكن النبيذ هو الخمر أو الخمر هو النبيذ، فإن النبيذ أخوها، فنفى أن يكون النبيذ خمراً، وأثبت أنه أخوها.
قيل: هذا حجة لنا، لأن الشاعر توقف فيما ذكره، فلم يعلم هل النبيذ خمر أم لا؟ فلما أشكل عليه الأمر قال: فإن لم يكن النبيذ خمراً، فإنه أخوها.
стр. 1548
فبطل أن يكون مانعاً من الاسم.
ولأنهم سموا أعياناً شاهدوها إنساناً، وفرساً، وأسداً، وغير ذلك من الأعيان المسماة بأسمائها، وقالوا: قائم، وقاعد، وآكل، وشارب، وواهب، وضارب، وحاضر، وغائب، ثم انقرضت تلك الأعيان وانقرض الذين (١) . وضعوا الأسماء، وحدثت أمثالها من الأعيان، فاتفق الناس على تسميتها بأسمائها.
ولا يجوز أن يكون ذلك إلا بالقياس عليها، لوجود معانيها فيها.
فإن قيل: إنما وضعوا هذه [٢٠٧/أ] الأسماء لها، ولما يولد منها من أمثالها.
ونعلم ذلك ضرورة.
قيل: هذا لم يسمع منهم، ولم ينقل عنهم أنهم نطقوا به، فلم يكن طريق تسمية الأعيان الحادثة (٢) ، إلا من طريق القياس.
ولا تصح دعوى العلم به ضرورة؛ لأنه لو كان كذلك، لشاركناهم في العلم به. ولما لم نعلم ذلك ضرورة، بطل ما قالوه.
وأيضاً: فإن كل فاعل مرفوع، وكل مفعول منصوب. ولم يسمع ذلك من أهل اللغة. وإنما استدلوا باستقراء كلامهم ومخارجه على قصدهم، أنهم قصدوا بالنصب كونه مفعولاً، وبالرفع كونه فاعلاً، وقاسوا ذلك على كل فاعل مفعول، لم يسمع من العرب النطق به..٠
وكذلك صغَّروا الاسم الذي بُني على ثلاثة أحرف، فقالوا (٣) : فُعَيْل، مثل: جُمَيْل، وعُدَيْل، وما أشبه ذلك.
وأجمعوا على أن كل اسم بُني على ثلاثة أحرف لم ينطقوا به، يكون تصغيره
стр. 1549
هكذا، قياساً على المسموع منه. فدل على جواز القياس.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ اْلأسْمَاءَ كُلَّهَا) (١) . فلم يبق اسم يثبت بالقياس.
والجواب: أنه ليس فيه أنه علمه جميع ذلك نصاً.
بل يجوز أن يكون علم البعض نصاً، والبعض استنباطاً وقياساً.
وعلى أن الآية اقتضت أنه علم آدم الأسماء كلها، وليس فيها أنه علمنا ذلك.
ونحن إنما نثبت الأسماء قياساً فيما بيننا.
ويجوز أن يكون آدم عرف ذلك نصاً، وعرفناه قياساً.
واحتج: بأن ما من شىء إلا وله في اللغة اسم، فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر من ناحية القياس، فيكون الاسمان مختلفين. كما لا يجوز أن يثبت للشىء حكم بتوقيف، وحكم آخر بالقياس.
والجواب: أنه ليس يمتنع أن يكون للشىء الواحد اسمان مختلفان، أحدهما ثابت بالنص، والآخر ثابت بالقياس، فإنه لا منافاة في ذلك، ولا تضاد.
ولا يشبه هذا الأحكام؛ لأن الشىء الواحد لا يجوز أن يكون له حكمان متضادان. فلم يجز أن يجعل له حكم آخر بالقياس، وله حكم آخر يخالفه، ثابت بالنص؛ لأن في ذلك نصاً.
ْألا ترى أنه يجوز للشىء الواحد أسماء مختلفة، كلها ثابتة بالتوقيف، كالسيف، والخمر، وغير ذلك، ولا يجوز أن يكون للشىء الواحد أحكام مختلفة ثابتة من جهة التوقيف والنص.
واحتج: بأنه لمَّا لم يجز إثبات الاسم الَّلقب قياساً، كذلك الاسم المشتق.
стр. 1550
والجواب: أن الاسم اللقب ليس له معنى يوجد في غيره حتى يلحق به ويجري عليه اسمه، والاسم المشتق له معنى، ويوجد في غيره، فجاز إجراء اسمه عليه.
واحتج: بأن القياس [٢٠٧/ب] لا يثبت في اللغة إلا بأن يثبت أن أهل اللغة وضعوها على المعاني، وأذنوا في القياس فيها. ولم يثبت واحد منها عنهم، فلم يصح القياس.
والجواب: إن لم يثبت ذلك فيه، لم يصح القياس. وإنما يصح فيما ثبت أنهم وضعوه على الشىء. وهذا كما نقول في الشرع: إن ما ثبت له موضوع على المعنى يوجب القياس عليه.
فإن قيل: بأي طريق تثبت أنهم وضعوه على المعنى؟
قيل: يعلم ذلك باستقراء كلامهم والاستدلال على مقاصدهم بمخارج كلامهم، فإذا قيل رأينا الاسم أو الإعراب تابعاً لمعنى على استقرار واطراد، استدللنا على أنهم جعلوه تابعاً له ومتعلقاً به، كما يستدل على قصد صاحب الشريعة بمثل ذلك.
وقد حُكي عن سيبويه أنه قال: استقرأنا كلامهم، فوجدناهم يرفعون كل فاعل، وينصبون كل مفعول. فدل ذلك على أنهم اعتبروا هذين المعنيين. وإذا وجدناهم يقولون: فاعِل من فَعَل، ومنفَعِل من أفعَل. ويُصيِّرون الاسم الثلاثي "تفعيل"، على استقرار، من غير مخالفة، دلنا ذلك على قصدهم.
وكذلك إذا سموا عصير العنب إذا وجدت فيه الشدة خمراً. وإذا زالت لم يسموها خمراً، وإن عادت الشدة المطربة في سموها بتلك، دلنا على أنهم جعلوا الاسم تابعاً لهذا المعنى، وسمينا النبيذ خمراً لوجوده.
وقولهم: "إنهم لم يأذنوا في القياس، على ما وضعوه على المعنى" فهو أن وضعهم على المعنى إذن في القياس، لأنه لا فرق عندنا بين أن يقولوا:
стр. 1551
سميناه خمراً للشدة المطربة، وبين أن يقولوا: كل شديد مطرب خمر، وأحد اللفظين قائم مقام الآخر.
ولأنه لو قال: سميناه خمراً لما فيه من الشدة الطربة، صارت الشدة المطربة علامة ودلالة على كونه خمراً. فكل موضع وجدت هذه الدلالة، يجب أن يتبعها الاسم.
ولأن تسميتهم لجميع ما حدث من الأعيان بأسامي أمثالها، دلالة على أن القياس مأذون فيها.
واحتج: بأنهم لم يضعوها على القياس؛ لأنهم سموا الفرس الأبيض: أشهب، ولا يسمون الحمار الأبيض: أشهب. وسموا الفرس الأسود: أدهم، ولا يسمون الحمار الأسود: أدهم، فقد شاركه في معناه.
وكذلك الحموضة، إذا كانت في عصير العنب سموه خلاً، وإذا وجدت في اللبن وغيره لم يسموه خلاً.
وقالوا للفرس: أبلَق، لاجتماع اللَّونين، والآدمي أبيض، وللغراب أبْقَع، وللجِلد مُلَمَّعاً.
والجواب: أنهم اعتبروا الجنس مع الصفة في ذلك. فكانت العلة ذات وصفين، ولم يمكن القياس عليه؛ لعدم أحد الوصفين، وهو الجنس [٢٠٨/أ] فتكون العلة واحدة.
واحتج أبو سفيان (١) :
بأن الأسماء اللغوية طريقها اصطلاح أهل اللغة عليها.
ألا ترى أن إنساناً لو سمى الماء خبزاً، والخبز ماءً، والفرس حائطاً، والحائط
فرساً، لم يصر ذلك اسماً لما سماه في اللغة، بل كان منسوباً إلى الهذيان،
стр. 1552
ومتجاهلاً عند أهل اللسان. فلم يكن للقياس حظ في إثبات الأسماء اللغوية. والجواب: أنه إنما لم يجز القياس هاهنا؛ لأنه يخالف نص اللغة، فلهذا لم يجز.
كما لم يجز القياس إذا خالف نص الكتاب والسنة. وليس كذلك فيما اختلفنا فيه؛ لأن قياس اللغة يقتضيه فجاز، كما جاز في الشرع.
واحتج الجرجاني:
بأن الأخفش قال: الأسماء توجد توقيفاً، وهم ينقلون هذا عن أهل اللغة.
والجواب: أن هذا يعارضه ما حكينا عن أهل اللغة من حمل الاسم على غيره إذا وجد فيه معناه اعتبر ذلك.
مسألة
[ضوابط رد الفرع إلى الأصل]
لا يجوز رد الفرع إلى الأصل حتى تجمعهما علة معينة تقتضي إلحاقه به (١) .
وقد قال أحمد ﵀ في رواية [أحمد بن] (٢) الحسين بن حسان: "إنما يقاس الشىء على الشىء، إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فلا" (٣) .
стр. 1553
وحُكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لا تعتبر في ذلك علة معينة. ويجوز الاقتصار على ضرْب من الشبه (١) .
стр. 1554
دليلنا:
قوله تعالى: (مِنْ أجلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إسْرَائِيْلَ) (١) .
وقال: (كَي لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اْلأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) (٢) .
وقال في تحريم الخمر (وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ) (٣) .
فنصَّ على علة الحكم في ذلك.
وكذلك قول النبي ﷺ : (إنَّما منعتُكم من أجْلِ الدَّافَّة) .
وقال: (إنَّما جُعِل الاستئذانُ مِن أجْلِ البصَر) .
فنصَّ على العلة.
وقال في بيع الرطب بالتمر: (أينقصُ الرطبُ إذا يَبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذا) .
وقال لابن مسعود حين أتاه بحجرين ورَوْثة، فأخذهما وألقى الرَّوْثة وقال: (إنَها رِجْس) (٤) .
стр. 1555
فإن قيل: فلسنا نمنع المنصوص عليها.
قيل: إذا ثبت أن الله تعالى ورسوله نصَّا على العلة، وعلقا الحكم بها، ثبت أن استنباطها، وتعليق الحكم بها شرط.
стр. 1556
وأيضاً: فإنه لو لم يفتقر الجمع بينهما إلى معنى معين يجمع بينهما، لما افتقر إلى تفكر، وتأمل، واجتهاد؛ لأن العامي والعالِم يشتركان في رد الفرع إلى الأصل.
ولأنه لا خلاف أنه لايجمع بينهما بغير شَبَه. وإذا لم يكن بد من الشَّبه بينهما، فهو الذي نقوله، فزال الخلاف.
واحتج المخالف:
بأن الصحابة ما اعتبرت في إيجاب الفرع بالأصل علة معينة، وإنما اعتبرنا مجرد [٢٠٨/ب] الشبه.
فقال أبو بكر: (أقولُ في الكَلالَةِ برأيي) . ولم يذكر معنى.
وقال عمر: (هذا ما أرَى الله عمر) (١) .
وكتَب إلى أبي موسى الأشعري: (قِس الأمورَ بعضَها ببعض) . ولم ينص له على معنى.
стр. 1557
والجواب: أنهم قد نصُّوا على علة معينة، وصرحوا بذلك. منه: قول عمر لأبي بكر: (رضيك رسولُ الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا) (١) .
ولما استشار عمر الصحابة في حد الشارب، قال علي: (إنه إذا شرب سكِر، وإذا سكِر هذى، وإذا هذى افترى، وحده حد المفتري) (٢) .
стр. 1558
وقال عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب في التي أرسل إليها عمر، وقد ذكرت عنده بسوء، فأجهضت ذا بطِنها، (إنما أنت مؤدبٌ، ولا شىء عليْك) .
وقال علي: (إن اجتهدوا (١) فقد أخطأوا، وإن عمدوا فقد غشوك، عليك الدية) .
стр. 1559
فعبد الرحمن قال: (إنَّما أنت مؤدِّبٌ) ، فرفع الضمان عنه لهذه العلة.
والقصص في هذا كثيرة. فثبت أنهم أجمعوا على اعتبار العلة.
مسألة
[القياس على ما ثبت بالقياس]
ما ثبت بالقياس، يجوز القياس عليه (١) ، مثل حمل الذُّرة على الأرز.
стр. 1560
وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: "لا بأس بدفع الثوب إلى من يعمله بالثلث والربع، كالمزارعة" (١) .
وقال في رواية المروذي: "لا يجوز بيع أرض السواد، ويجوز شراؤها كالمصاحف" (٢) .
стр. 1561
فقد قاس الفرع على أصل مختلف فيه.
وهو قول الرازي (١) والجرجاني من أصحاب أبي حنيفة. وقول أصحاب الشافعي.
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز القياس إلا أن يثبت حكم الأصل بدليل مقطوع عليه من كتاب أو سنة أو إجماع.
وقال الكرخي: لا يجوز حمل الذُّرة على الأرز، ويكون حملهما جميعاً على البُر أولى، وليس أن يحمل أحدهما على الآخر بأولى من حمل الآخر عليه لتساويهما في أن حكمهما يعرف من جهة واحدة (٢) .
دليلنا:
قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي اْلأَبصَارِ) (٣) . وهذا عام في جميع الأصول.
ولأن عمر قال لأَبي بكر: (رضيك رسولُ الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا) ، فاعتبر المعنى.
стр. 1562
ولأن الحكم ثبت ابتداء في الشرع بدليل مقطوع عليه، ودليل غير مقطوع [عليه] ، وطريقه غلبة الظن، وهو خبر الواحد، في أن استعمال القياس في الموضع المقطوع عليه، وفيما طريقه غلبة الظن.
ولأن العلة تصير علة؛ لقيام الدلالة على صحتها، لا لوجودها في أصل متفق عليه، بدلالة أن ما دل على صحتها لا يفرق بين عين دون عين، وإذا اعتبرت العلة، فلا فرق بين حمل فرع على نظيره، وبين اعتبارهما جميعاً [٢٠٩/أ] ؛ لأن ما ثبت بدليل، يجوز أن يجعل أصلاً، يرُد إليه غيرُه، وإن لم يكن ثابتاً بالاتفاق.
وقول الكرخي: إنهما تساويا في أن حكمهما يعرف من جهة واحدة، فهو صحيح. وله أن يقيس كل واحد على صاحبه، كالأمرين إذا تساويا، فتساويهما لا يوجب سقوطهما، وإنما يخير المجتهد فيهما.
فصل
[عدم اشتراط الاتفاق على تعليل الأصل]
ويجوز القياس على أصل بعلة، وإن لم يتفق على تعليله (١) ، مثل قياس النبيذ على الخمر لعلة وجود الشدة المطربة (٢) .
فإن أبا حنيفة يمنع من أن تكون الخمر معللة (٣) ، ويقيس غير المأكول عليه
стр. 1563
فِي الربا (١) .
وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في المسألة التي قبلها.
خلافاً لما حُكي عن بِشْر بن غِياث في قوله: "إذا لم يكن الأصل منصوصاً عليه، أو مجمعاً على تعليله، لم يجز قياس الفرع عليه" (٢) .
стр. 1564
دليلنا:
ما تقدم في التي قبلها من قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُو يَا أولِي اْلأبصَارِ) (١) ، وهذا عام في جميع الأصول.
ولأن طريق إثبات العلل، دلالة الأصول عليها، وقد توجد دلالتها في تعليل أصل مجمع عليه، كما تدل على تعليله، مع الخلاف، فوجب اعتبار دلالة الأصول عليها.
ولأنه لما أمكن استخراج المعنى فيه، ورد الفرع إليه، لم يعتبر بالاتفاق فيه، كخبر
стр. 1565
الواحد، متى أمكن أن يستفاد منه حكم، حمل عليه، وإن لم يتفق على قبوله.
واحتج المخالف:
بأن الأصول، لما كان فيها ما هو معلل، وفيها ما ليس بمعلل، وجب أن يكون طريق (١) التفريق بينهما الإجماع الدال عليه، إذا لم يكن طريق إليه (٢) غير ذلك.
والجواب: أن الأصل هو تعليل الأصول. وإنما تَرْكُ تعليلها نادر، فصار الأصل هو العام الظاهر، دون غيره (٣) .
واحتج: بأنه لما لم يجز القياس على الصلوات الخمس؛ لكونها غير متفق على تعليلها وعدم ورود النص بذلك فيها، كذلك كل ما هذه حاله.
والجواب: أن الصلوات إنما لم يجز القياس عليها، لحصول الإجماع على أن ذلك لا يجوز. وقد عدم هذا المعنى في غيرها، فلم يجز أن يكون بمثابتها.
فصل
[جواز القياس فيما لم ينص على حكمه]
ويجوز القياس فيما لم ينص على حكمه، مثل قياسنا على تشبيهه بظهر الأم في أنه ظهار (٤) .
стр. 1566
خلافاً لبعض المتكلمين (١) أن القياس لا يجوز إلا فيما نص على حكمه في الجملة، وقال: لو لم ينص الله تعالى على ميراث الأخ في الجملة، لم أجوز إثبات مشاركته مع الجد بالمقايسة، ويكون حظ القياس في الإبانة عن تفصيله، والكشف عن موضعه (٢) .
دليلنا [ ٢٠٩/ب] :
أن القياس لما كان طريقاً إلى معرفة الأحكام بخبر الواحد، لم يعتبر أن يكون الحكم الذي ثبت في أحدهما منصوصاً عليه في الجملة، كما لا يعتبر في الآخر.
ولأن الصحابة قد تكلمت في مسائل من جهة القياس، وإن لم يكن منصوصاً عليها في الجملة.
واستدل عمر على إمامة أبي بكر بضرب من الاستدلال (٣) ، وإن لم يكن
стр. 1567
ذلك منصوصاً عليه، كذلك هاهنا.
وكذلك تكلموا في مسألة الحرام (١) ، والبَتَّة، والخَلِيَّة، والبَرِيّة (٢) ، والتسوية والتفاضل في العطاء (٣) .
مسألة
[كل مقيس كل الأصل النصوص على علته مراد بالنص]
جميع ما يحكم به من جهة القياس على أصل منصوص عليه، فهو مراد بالنص الذي أوجب الحكم في الأصل (٤) .
стр. 1568
خلافاً لبعض المتكلمين في قولهم: لا يصح أن يحكم في جميع ذلك أنه مراد بالنص (١) .
دليلنا:
أن ما يحكم به المجتهد من طريق الاجتهاد مراد منه، إذ لو لم يكن كذلك، لم يكن مطيعاً لله تعالى فيه. ولا خلاف أنه مطيع لله تعالى فيما يحكم به مما يؤديه اجتهاده إليه. فإذا كان كذلك، وكان الحكم في الأصل المنصوص عليه مراداً (٢) بالنص، وجب أن يكون الحكم في الفرع مثله.
فإن قيل: فهذه العلة بعينها موجودة فيما يحكم به من طريق القياس على أصل غير منصوص عليه؛ لأن المجتهد مطيع لله تعالى فيه، ومع ذلك فلا يحكم
стр. 1569
بأن ما حكم به مراد بالنص، كذلك هاهنا.
قيل: إنما وجب ذلك فيما ذكرت؛ لأنه لا نص (١) هنا يوجب الحكم في الأصل، وإنما أوجب الحكم فيه بالإجماع، أو ما يجري مجراه من الأدلة، مثل فحوى الخطاب كقوله ﵇ في السَّمن الذي ماتت فيه الفأرة: (إن كان جامداً، فألقوها وما حولها، وإن كان معائعاً، فأهريقوه) ، وليست هذه سبيل الأصل المنصوص عليه، لأن الحكم إنما وجب فيه بالنص الوارد به.
يبين صحة ذلك، أن الحكم المجمع عليه، إذا كان له ذكر في الكتاب أو في السنة، صار الإِجماع صادراً عن ذلك النص، وإن كان لو لم يكن له ذكر فيهما لم يكن الإجماع صادراً عن نص، كذلك القياس، إذا كان على أصل منصوص عليه، صار الحكم الذي حكم به من طريق القياس، مراداً بذلك النص. وإن لم يجب أن يكون مراداً بالنص، لو لم يكن الأصل منصوصاً عليه.
واحتج المخالف:
بأنه لما لم يجز أن يراد بالعبادة الواحدة، معنيين مختلفين في حالة واحدة، وكان الحكم المحكوم به من طريق القياس مخالفاً في المعنى لحكم الأصل [٢١٠/أ] المنصوص عليه، كقياس الجص على البُر، والزعفران والقطن على الذهب والفضة، لم يجز أن يحكم بأنه مراد بالنص الموجب لحكم الأصل.
والجواب: أن المعنيين إذا كانا مختلفين، جعل النص كأن الله تعالى أمر به في وقتين، فأراد به أحد المعنيين في وقت، والمعنى الآخر في الوقت الآخر.
كما قلنا في آية الصلاة: أنه أريد بها الفرض والنافلة، فقدرناها على هذا الوجه.
стр. 1570
مسألة
[طريق الإلحاق بالعلة المنصوص عليها]
إذا ورد النص بحكم شرعي معللاً، وجب الحكم في غير المنصوص عليه، إذا وجدت فيه العلة المذكورة في النص سواء ورد النص بذلك قبل ثبوت حكيم القياس أو بعد ثبوته، مثل قوله: حرم الخمر لحموضته، وأبحتُ السكَر لحلاوته (١) .
وإلى هذا أومأ أحمد ﵀ في رواية الميموني فقال: "إذا كانت الثمرة واحدة فلا يجوز رطب بيابس" واحتج بالرطب بالتمر لحديث النبي (٢) .
فجعل أحمد ﵀ العلة عامة في جميع ما توجد فيه تلك العلة. وبهذا قال إبراهيم بن سيَّار (٣)
قال أبو سفيان: وإلى هذا كان يشير شيخنا أبو بكر، يعني الرازي في احتجاجه بقول النبي ﷺ : (إنَّما هو دمُ عِرْق، وليست الحيضة، فتوضَّئي لكل صلاة) في إيجاب الوضوء من الرُّعاف ونحوه. ويجعله بمنزلة أمر النبي ﵇ بالوضوء من كل دم عِرْق (١) .
وكان يحكيه عن الكرخي (٢) . ولم يفرق بين ورود النص بذلك قبل ثبوت حكم القياس، أو بعد ثبوته.
وقال أبو سفيان: وذهب بعض شيوخنا (٣) إلى أنه لا يجب أن يحكم فيما وُجِدت فيه تلك العلة بحكم المنصوص عليه، قبل ثبوت حكم القياس.
واختار أبو سفيان ذلك (٤) .
стр. 1573
هو قول جعفر بن حرب، وجعفر بن مُبَشِّر (١) .
واختلف أصحاب الشافعي. فمنهم من قال مثل قولنا.
ومنهم من قال: لا يجب الحكم بذلك فيما وجدت فيه تلك العلة. وهو اختيار الاسفراييني (٢) .
دليلنا:
ان النص معلل، فوجب الحكم في غير المنصوص عليه إذا وجدت علته.
أصله: إذا ورد النص بعد ثبوت حكم القياس.
ولا يلزم عليه قوله تعالى: (إِنَ الصلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ... ) (٣) .
ولم يكن النص موجباً لحمل غيرها عليها مما ينهى (٤) ؛ لأننا لو تُرِكْنا وظاهر هذه الآية لقلنا: أي موضع وُجِدت هذه العلة، تعلق الحكم بها، لكن منع منه [٢١٠/ب] الدليل في الموضع الذي لا يجب.
فإن قيل: إنما وجب الحمل هناك لأجل أنه أمر بالقياس، فإذا نص على العلة، وجب القياس عليها، وهذا معدوم قبل ورود التعبد بالقياس.
стр. 1574
قيل: لو كان الحمل هناك، كما ذكرت، لوجب أن يختص التعدي هناك بهذه العلة، ولجاز أن يتعدى الحكم إلى غير السُّكَّر بعلة هو غير الحلاوة؛ لأن الأمر بالقياس يعم هذه العلة وغيرها. ولما قالوا بأن التعدي يحصل بهذه العلة، دل على أن التعدي كان لأجلها، لا لأجل الأمر بالقياس.
وأيضاً: فإن قوله: "حرَّمتُ السُّكر" قد أفاد الحكم [و] قوله بعد هذا: "لأنه حلو" إنما ذكره (١) لفائدة، وليس فائدته إلا القياس عليها. فلو قلنا: لا يقاس عليها بطلت فائدتها، وهذا لايجوز.
فإن قيل: فائدتها بيان العلة التي ثبت الحكم لأجلها، ولو لم يذكر العلة لكان يكون الحكم ثابتاً بغير علة.
قيل: لو كان التعليل لا يفيد إلا إفادة النص أو الإِجماع، كان وجوده كعدمه، لا يفيد فائدة، فوجب تعديته لتحصل الفائدة.
فإن قيل: فائدته (٢) عِلْمُنا بالوجه الذي لأجله صار الفعل مصلحة للمكلف، وإن لم يجب حمل غيره عليه إذا شاركه في العلة.
قيل: فلا فائدة في معرفة ذلك إذا لم يتعد إلى غيره؛ لأنا قد استفدنا الحكم بالنص، وإنما يستفيد المكلف معرفة الوجه بالمصلحة ليعمل عليه، فإذا كان مقصوراً لم يفد؛ لأن ذلك مستفاد بالنص، وهذه طريقة أجود شىء في المسألة.
وأيضاً: فإن العلة وضعت للحكم تنبيهاً على غيره من الأحكام، كالنهي عن الأدنى، تنبيهاً على المنع من الأعلى، نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لهُمَا أف) (٣) ، كان فيه تنبيه على المنع من الضرب، ونحو ما يجب أن يكون ذكر العلة ها هنا تنبيهاً على نظيره قبل ورود التعبد بالقياس وبعده، كما قلنا ذلك
стр. 1575
في لفظ التنبيه.
فإن قيل: لا نسلم أن العلة وضعت للتنبيه على غيرها من الأحكام.
قيل: لا خلاف أنها بعد ورود التعبد بالقياس [تكون] تنبيهاً على غيرها، فيجب أن تكون قبله تنبيهاً كالتنبيه باللفظ.
فإن قيل: إنما كان النهي عن التأفيف موجباً لما ذكرت؛ لأن هذه اللفظة موضوعة في اللغة لذلك، فليست هذه حال التعليل؛ لأن تعليل الحكم غير موضوع في اللغة يحمل غيره عليه.
قيل: بل هو موضوع يحمل غيره عليه بدليل بعد ورود التعبد بالقياس.
واحتج [٢١١/أ] المخالف:
بأن هذه الشرعيات، إنما حَسُن التعبد بها، لما فيه من المصلحة الداعية، وقد بيَّن الله تعالى ونبَّه على ذلك بقوله: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) . فإذا كان كذلك، وكان ما يدعو إلى فعل الشىء قد لا يدعو إلى فعل أمثاله، بدلالة أن العاقل إذا أكل شيئاً لأنه حلو، لم يأكل جميع ما يشاركه في الحلاوة في تلك الساعة. فلا يمنع أيضاً أن يكون الحكم المنصوص عليه مصلحة للمكلف، ولا يكون ما شاركه في تلك العلة مصلحة له.
والجواب: أن حُسْن التعبد لا يقف عندنا على ما فيه وقد بيَّنا ذلك فيما تقدم.
وعلى أن العلة هاهنا موجودة ممن هو عالم بالمصالح، فوجب تقديمها لوجود المصلحة فيها.
واحتج: بأن مجرد الوصف لا يدل على شىء. ألا ترى أن الحلاوة كانت موجودة في السكَّر قبل (١) أن ينص على تحريمه، ولم تكن دلالة على التحريم.
стр. 1576
فلما نص على تحريمه، وذكر العلة، فقد ذكر علة خاصة تقتضي ثبوت الحكم في الأصل المذكور وتعلقه به. وقد تكون العلة خاصة فيه، وقد تكون علة فيه وفي غيره، فلم يكفِ مجرد ذكرها في وجوب رد غيرها إليها، بل احتيج في ذلك إلى دليل.
والجواب: أن هذا باطل بجميع العلل الشرعية، فإن أوصافها كانت موجودة قبل التعبد بالقياس، ولا يتعلق بها حكم، وبعد التعبد بالقياس تعلق بها الحكم، كذلك هاهنا لما ورد النص بها وجب أن يتعلق الحكم بها وإن لم يتعلق بها قبل ذلك.
وقولهم: إن العلة قد تكون خاصة، فوجب التوقف حتى يدل الدليل على التعدي، فلا نسلمه؛ لأنه ليس عندنا علة مقصورة غير متعدية.
وهذا أصل، يأتي الكلام عليه إن شاء الله.
واحتج: بأنه لا يجوز أن يقول: حرمتُ السكَّر لحلاوته، وأحللتُ غيره مما (١) توجد فيه الحلاوة، فلا يكون ذلك تناقضاً. فلو كان النص على العلة يوجب أن يكون كل ما يوجد فيه مشاركاً، لما جاز أن ينص على ثبوت الحكم في بعض ما يوجد فيه العلة، وعلى ضده في بعضها، بل يكون ذلك ضرباً من المناقضة.
فلما جاز هذا، ثبت؛ لأن مجرد النص على العلة والحكم لا يوجب إلحاق الغير به إلا بدليل.
والجواب، أنا لا نسلِّم هذا، وهذا على أصلنا ظاهر. و (٢) أن تخصيص العلة لا يجوز، وفي هذا تخصيص لها.
стр. 1577
وفي الجملة يجوز أن تكون أحكام صاحب الشرع متناقضة (١) . فأما تعليله فلا يجوز أن يتناقض.
واحتج: بأن الاعتبار باللفظ دون [٢١١/ب] المعنى. بدليل أنه لو حلف فقال: "والله لا أكلتُ السُّكر لأنه حلو"، لم يحنث بأكل ما عداه.
كذلك ألفاظ صاحب الشريعة.
والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن صاحب الشريعة لا تجوز عليه المناقضة، وغيره تجوز عليه المناقضة.
والثاني: أن صاحب الشريعة قد أمر بالقياس، فإذا نص على العلة وجب القياس عليها، وغيره لم يأمر بذلك. فلو قال لنا قائل: "قيسوا كلامي بعضه على بعض"، ثم قال: "لا أكلتُ السُّكَر لأنه حلو"، شَرَكَه فيه كل حلو.
مسألة
[العلة القاصرة]
العلة الشرعية إذا كانت مقصورة على موضع الوفاق لم تكن صحيحة وكان وجودها كعدمها (٢) .
стр. 1578
وهو قول أصحاب أبي حنيفة (١) .
وقال أصحاب الشافعي: هي علة صحيحة كعلة الذهب والفضة (٢) . العلة في تحريم التفاضل فهما عندهم كونها قيَم المتلفات فلا تتعدى (٣) .
دليلنا:
أن المتفق على حكمه إنما يجب لأعيانه التي تقاس عليه؛ لأن
стр. 1579
الأصل قد استغنى بدخوله تحت الإِجماع عن التعليل. ألا ترى أن جميع الأحكام لو كانت مجْمعاً عليها، أو منصوصاً عليها لم يحتج مع ذلك إلى القياس.
فإذا كان التعليل بما لا يتعدى الأصل لا يفيد إلا ما أفاده النص أو الإِجماع وجب أن يكون وجوده وعدمه سواء.
وقد يُعبر عن هذا بعبارة أخرى، فيقال: الأصل معلوم من طريق القطع، فتعليله بما لا يتعدى لا يستفاد به معرفة الأصل؛ لامتناع أن يعلم بما طريقه غلبة الظن، الأمر الذي علم من جهة القطع، وصار كمن قاس القياس الشرعي في الأمور العقلية التي طريقها العلم، أو طلب أخبار آحاد، ليعلم بها ما علم من طريق القطع. وإذا بطل أن يعلم بها حكم الأصل، ولم يجز أن نعرف بها حكم فرع آخر، سقط اعتبارها.
فإن قيل: هذا يبطل بالعلة العقلية والعلة النصوص (١) عليها، فإنها صحيحة وإن كانت مقصورة واستغنى الأصل عنها، فإن العلة العقلية يجوز أن تكون مقصورة، وهو قوله: "لا تسلك طريقاً تهلك فيه إلا أن يكون لك فيه نفع في الآخرة، كالأمر بالمعروف"، والعامة نحو قوله في الظلم: "لا يجوز لكونه قبيحاً" فهذه عامة في كل قبيح.
وكذلك العلة المنصوص عليها، يجوز أن تكون مقصورة، وهو أن يقول الله تعالى أو رسوله: حرمت التفاضل في الدراهم والدنانير لأنها قِيَم [٢١٢/أ] الأشياء.
قيل: لا يبطل ما ذكرنا. وذلك أن العلة العقلية يستفاد الموجب بها منها.
وهذا المعنى يحصل بالمتعدية (٢) وغيرها، فكان لطلب كل واحد من الأمرين
стр. 1580
فائدة.
فأما الشرعيات فهي علامات، ومعلوم أنها ليست بعلامة لمعرفة حكم الأصل، وإنما علامتها السمع الوارد. فإذا لم يعلم منها فائدة كانت كعدمها.
أما العلة المنصوص عليها، فإنه يحمل الأمر فيها على أنها بيان لعلة المصلحة التي لأجلها أبيح أو حُظِر. وعِلَلُ المصالح لا تُعلم بالاستخراج، وإنما تُعلم بالتوقيف، وكلامنا في العلة التي تستخرج من عِلَل الأحكام، وليست بمتعدية.
وجواب آخر، وهو: أن قول أصحاب الشريعة يوجب هذا المعنى، فيحصل (١) بالمتعدية (٢) وغيرها، تجرى مجرى العلة العقلية، وهذا المعنى معدوم في تعليلنا.
فإن قيل: فيها فائدة، وإن كانت مقصورة، و [هي] أن يُعلم معنى الحكم (٣) ، وأنه ليس مما استأثر الله بعلمه.
قيل: لا فائدة في معرفة معنى الحكم إذا لم يتعد إلى غيره، لأنه لا يفيد إلا ما أفاده النص. وقد بينَّا هذا في التي قبلها.
فإن قيل: فيه فائدة أخرى، وهو أن نعلم علة المصلحة به.
قيل: علة المصالح لا طريق إلى معرفتها، إلا من جهة التوقيف. ألا ترى أن موسى ﵇، أنكر ما حصل من صاحبه من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الحائط الذي أراد أن ينقضَّ، ولم يعرف وجه المصلحة في ذلك حتى
وقف عليه، فلم يكن للتعليل حظ في معرفة علة المصلحة.
وعلى أن الأصل إنما يعلل لطلب علة الحكم دون علة المصلحة؛ لأن علة