← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فلما نص على تحريمه، وذكر العلة، فقد ذكر علة خاصة تقتضي ثبوت الحكم في الأصل المذكور وتعلقه به. وقد تكون العلة خاصة فيه، وقد تكون علة فيه وفي غيره، فلم يكفِ مجرد ذكرها في وجوب رد غيرها إليها، بل احتيج في ذلك إلى دليل. والجواب: أن هذا باطل بجميع العلل الشرعية، فإن أوصافها كانت موجودة قبل التعبد بالقياس، ولا يتعلق بها حكم، وبعد التعبد بالقياس تعلق بها الحكم، كذلك هاهنا لما ورد النص بها وجب أن يتعلق الحكم بها وإن لم يتعلق بها قبل ذلك. وقولهم: إن العلة قد تكون خاصة، فوجب التوقف حتى يدل الدليل على التعدي، فلا نسلمه؛ لأنه ليس عندنا علة مقصورة غير متعدية. وهذا أصل، يأتي الكلام عليه إن شاء الله. واحتج: بأنه لا يجوز أن يقول: حرمتُ السكَّر لحلاوته، وأحللتُ غيره مما (١) توجد فيه الحلاوة، فلا يكون ذلك تناقضاً. فلو كان النص على العلة يوجب أن يكون كل ما يوجد فيه مشاركاً، لما جاز أن ينص على ثبوت الحكم في بعض ما يوجد فيه العلة، وعلى ضده في بعضها، بل يكون ذلك ضرباً من المناقضة. فلما جاز هذا، ثبت؛ لأن مجرد النص على العلة والحكم لا يوجب إلحاق الغير به إلا بدليل. والجواب، أنا لا نسلِّم هذا، وهذا على أصلنا ظاهر. و (٢) أن تخصيص العلة لا يجوز، وفي هذا تخصيص لها.

стр. 1577

وفي الجملة يجوز أن تكون أحكام صاحب الشرع متناقضة (١) . فأما تعليله فلا يجوز أن يتناقض. واحتج: بأن الاعتبار باللفظ دون [٢١١/ب] المعنى. بدليل أنه لو حلف فقال: "والله لا أكلتُ السُّكر لأنه حلو"، لم يحنث بأكل ما عداه. كذلك ألفاظ صاحب الشريعة. والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن صاحب الشريعة لا تجوز عليه المناقضة، وغيره تجوز عليه المناقضة. والثاني: أن صاحب الشريعة قد أمر بالقياس، فإذا نص على العلة وجب القياس عليها، وغيره لم يأمر بذلك. فلو قال لنا قائل: "قيسوا كلامي بعضه على بعض"، ثم قال: "لا أكلتُ السُّكَر لأنه حلو"، شَرَكَه فيه كل حلو. مسألة [العلة القاصرة] العلة الشرعية إذا كانت مقصورة على موضع الوفاق لم تكن صحيحة وكان وجودها كعدمها (٢) .

стр. 1578

وهو قول أصحاب أبي حنيفة (١) . وقال أصحاب الشافعي: هي علة صحيحة كعلة الذهب والفضة (٢) . العلة في تحريم التفاضل فهما عندهم كونها قيَم المتلفات فلا تتعدى (٣) . دليلنا: أن المتفق على حكمه إنما يجب لأعيانه التي تقاس عليه؛ لأن

стр. 1579

الأصل قد استغنى بدخوله تحت الإِجماع عن التعليل. ألا ترى أن جميع الأحكام لو كانت مجْمعاً عليها، أو منصوصاً عليها لم يحتج مع ذلك إلى القياس. فإذا كان التعليل بما لا يتعدى الأصل لا يفيد إلا ما أفاده النص أو الإِجماع وجب أن يكون وجوده وعدمه سواء. وقد يُعبر عن هذا بعبارة أخرى، فيقال: الأصل معلوم من طريق القطع، فتعليله بما لا يتعدى لا يستفاد به معرفة الأصل؛ لامتناع أن يعلم بما طريقه غلبة الظن، الأمر الذي علم من جهة القطع، وصار كمن قاس القياس الشرعي في الأمور العقلية التي طريقها العلم، أو طلب أخبار آحاد، ليعلم بها ما علم من طريق القطع. وإذا بطل أن يعلم بها حكم الأصل، ولم يجز أن نعرف بها حكم فرع آخر، سقط اعتبارها. فإن قيل: هذا يبطل بالعلة العقلية والعلة النصوص (١) عليها، فإنها صحيحة وإن كانت مقصورة واستغنى الأصل عنها، فإن العلة العقلية يجوز أن تكون مقصورة، وهو قوله: "لا تسلك طريقاً تهلك فيه إلا أن يكون لك فيه نفع في الآخرة، كالأمر بالمعروف"، والعامة نحو قوله في الظلم: "لا يجوز لكونه قبيحاً" فهذه عامة في كل قبيح. وكذلك العلة المنصوص عليها، يجوز أن تكون مقصورة، وهو أن يقول الله تعالى أو رسوله: حرمت التفاضل في الدراهم والدنانير لأنها قِيَم [٢١٢/أ] الأشياء. قيل: لا يبطل ما ذكرنا. وذلك أن العلة العقلية يستفاد الموجب بها منها. وهذا المعنى يحصل بالمتعدية (٢) وغيرها، فكان لطلب كل واحد من الأمرين

стр. 1580

فائدة. فأما الشرعيات فهي علامات، ومعلوم أنها ليست بعلامة لمعرفة حكم الأصل، وإنما علامتها السمع الوارد. فإذا لم يعلم منها فائدة كانت كعدمها. أما العلة المنصوص عليها، فإنه يحمل الأمر فيها على أنها بيان لعلة المصلحة التي لأجلها أبيح أو حُظِر. وعِلَلُ المصالح لا تُعلم بالاستخراج، وإنما تُعلم بالتوقيف، وكلامنا في العلة التي تستخرج من عِلَل الأحكام، وليست بمتعدية. وجواب آخر، وهو: أن قول أصحاب الشريعة يوجب هذا المعنى، فيحصل (١) بالمتعدية (٢) وغيرها، تجرى مجرى العلة العقلية، وهذا المعنى معدوم في تعليلنا. فإن قيل: فيها فائدة، وإن كانت مقصورة، و [هي] أن يُعلم معنى الحكم (٣) ، وأنه ليس مما استأثر الله بعلمه. قيل: لا فائدة في معرفة معنى الحكم إذا لم يتعد إلى غيره، لأنه لا يفيد إلا ما أفاده النص. وقد بينَّا هذا في التي قبلها. فإن قيل: فيه فائدة أخرى، وهو أن نعلم علة المصلحة به. قيل: علة المصالح لا طريق إلى معرفتها، إلا من جهة التوقيف. ألا ترى أن موسى ﵇، أنكر ما حصل من صاحبه من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الحائط الذي أراد أن ينقضَّ، ولم يعرف وجه المصلحة في ذلك حتى وقف عليه، فلم يكن للتعليل حظ في معرفة علة المصلحة. وعلى أن الأصل إنما يعلل لطلب علة الحكم دون علة المصلحة؛ لأن علة

стр. 1581

الحكم فيما يكون عليه الأصل من الأوصاف، وعلة المصلحة إنما هي في المعبَّدين دون الحكم، من حيث إن الله تعالى قد علم أنه لو لم يتعبد المكلف بما يتعبده به فَسَد، فكانت مصلحته في التعبد. فإن قيل: فيه فائدة أخرى، وهو أن يمنع رد غير المنصوص عليه إلى المنصوص عليه، ويعلم أن الحكم مقصور عليه لا يتعداه. ويفيد أن الحكم ثبت في المنصوص عليه لهذه العلة. فربما حدث ما يوجد فيه تلك العلة فيقاس عليه. قيل: الشرع ورد في تعليل الأصول ليقاس عليها، لا للمنع من القياس، فلم يصح أن يقال: إن الفائدة منع رد غير المنصوص علمِه إلى المنصوص عليه. فإن قيل: إنما يعلم أن العلة متعدية أو مقصورة بعد استنباطها، وثبوتها، وصحتها. وقبل [٢١٢/ب] ذلك لا يعلم. والخلاف في صحتها في الأصل. وهل يجوز استنباطها وجعلها (١) علة، فكيف يجوز أن يستدل على جواز استنباطها وجعلها علة، ما لم تثبت بعد استنباطها وثبوتها؟! قيل: يجوز أن يطلق على العلة الفساد قبل استنباطها، للعلم بفسادها من جهة الشرع، كما يطلق الصحة [عليها] قبل استنباطها، وكما يطلق عليها الفساد قبل استنباطها لعدم الوصف أو الأصل، كذلك هاهنا. فإن قيل: لا يمتنع أن تكون علة صحيحة، وإن كانت [دالة] على ما دل عليه النص. كما أن خبر الواحد يكون دالاً على ما دل عليه نص القرآن، ويكون صحيحاً. قيل: نص القرآن وخبر الواحد، كل واحد منهما يدل على نفس الحكم، وما اختلفنا فيه يدل على علته، وعلة الحكم من شأنها أن تكون متعدية مفيدة. بدليل علة الربا، النص ورد على ستة أشياء، فلما طلبنا علةَ الحكم وجب تعدِّيها،

стр. 1582

فالمخالف يُعدِّيها إلى كل مطعوم. ونحن نُعديها إلى كل مكيل. كذلك هاهنا. ولهذا رجحوا علتهم بأنها أعَمُّ فروعاً. وجواب آخر، وهو: أن الآية مع الآية، والخبر مع الخبر، كل واحد منهما دليل مقطوع عليه، بدليل أنه لا يسقط أحد الأجناس. فجاز أن يكون كل واحد منهما دليلاً مع الآخر. والقياس مع الخبر بخلاف ذلك؛ لأنه غير مقطوع عليه؛ لأنه يسقط مع الخبر، فلم يكن حجة معه. يبين صحة هذا: أنه لو أقر، ثم أقر، ثبت الحق بهما جميعاً، إلا أنهما سواء في المدعي (١) ، والبينة لم تسمع؛ لأن الاقرار مقطوع به، والبينة غلبة الظن، كذلك هاهنا. واحتج المخالف: بأن هذه أمارة شرعية، فجاز أن تكون عامة وخاصة، كالنص، يكون عاماً كقوله: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، ويكون خاصاً كقوله: "اقتلوا المرتد". والجواب: أنه إنما كان حجة في العموم والخصوص؛ لأنه يفيد في الموضعين جميعاً إثبات الحكم في الموضوع المنصوص عليه. وليس كذلك في مسألتنا، فإنها تفيد في العموم، ولا تفيد في الخصوص من الوجه الذى بينَّا. واحتج: بأن كل معنى يجوز أن يكون منطوقاً به، جاز أن يكون مستنبطاً كالعلة المتعدية. وبيانه: أن صاحب الشرع لو نص على العلة المقصورة جاز، كذلك المستنبطة. والجواب عن العلة المنصوص عليها ما ذكرنا، وهو أنها أفادت علة المصلحة، وذلك لا يعلم بالاستخراج، وإنما يعلم بالتوقيف. وكلامنا في العلل التي تستخرج من الأحكام. [٢١٣/أ] .

стр. 1583

واحتج: بأن العلة الشرعية أوسع من العقلية؛ لأن الشرعية يوجد الحكم بوجودها وليس من شرطها أن يعدم بعدمها. والعقلية تحتاج أن يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها. فلما ثبت أن العلة العقلية يجوز أن تكون متعدية، وتكون مقصورة، فالشرعية أولى. والجواب عنه تقدم، وهو أن العلة العقلية يستفاد الحكم الموجب بها منها. وهذا يحصل بالمتعدي منها وغيره. والشرعيات علامات، والمقصورة ليست بعلامة لمعرفة حكم الأصل. وإنما علامتها السمع، فإذا لم تُعلم بها فائدة كانت كعدمها. واحتج: بأن القُيَّاس (١) اختلفوا في الدليل على صحة العلة: فقال بعضهم: سلامتها على الأصول. وقال بعضهم: التأثير والمُلاءَمة. وكل دليل ذكرته طائفة، فهو موجود في العلة المقصورة. والجواب: أن أحد الأدلة على صحتها، كونها مفيدة، وذلك معدوم هاهنا (٢) .

стр. 1584

مسألة [تخصيص العلة الشرعية] لا يجوز تخصيص العلة الشرعية (١) . وتخصيصُها نقضُها (٢) . وقد قال أحمد ﵀ في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسان "القياس: أن يقاس على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه في حال، وخالفه في حال، فهذا خطأ" (٣) .

стр. 1585

وهذا الكلام يمنع تخصيصها عنده. وذكر أبو إسحاق (١) في جزء وقع إلي من شرح الخِرَقي فقال: أصحابنا على وجهين: منهم من يرى تخصيص العلة. ومنهم من لا يرى ذلك (٢) . وقد ذكر أبو الحسن الجزري (٣) في جزء فيه مسائل من الأصول قال: لا يجوز تخصيصها. وهو قول الشافعي (٤) ، وجماعة من المتكلمين (٥) .

стр. 1586

وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز تخصيصها (١) . وحكي ذلك عن مالك (٢) . وقال أحمد ﵀ في القياس: يقتضي أن لا يجوز شَرْي أرض السواد؛ لأنه لا يجوز بيعها (٣) ليس بموجب لتخصيص العلة، لأن تخصيص العلة ما مَنَع من جريانها في حكم خاص. وما ذكره أحمد ﵀ إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر. دليلنا: أن هذه علة يجب وجود الحكم بوجودها. فوجب أن يكون تخصيصها

стр. 1587

نقضاً لها، قياساً على العلة العقلية. مثل الحركة والسكون، والقدرة والعجز والسواد والبياض، وغير ذلك مما هو علة في العقل للحكم الذي موجبه المحل الذي توجد فيه، فإن تخصيصها [٢١٣/ب] يكون نقضاً لها. كذلك العلة الشرعية. فإن قيل: العلة العقلية موجبة لما توجبه بنفسها. ألا ترى أنه لا يجوز وجودها في وقت من الأوقات غير موجبة لما توجبه. والشرعية أمارة للحكم بدلالة وجودها قبل الشرع، من غير أن يتعلق بها حكم. قالوا: يبين صحة هذا: أنه يجوز أن ينص الله تعالى على أن العلة الشرعية هي علة للحكم في موضع دون موضع، ولا يجوز أن ينص على أن العلة العقلية [هي علة] لما توجبه في بعض المواضع دون بعض. قيل: الشرعية بعد جعلها علة، قد صارت بمنزلة العقلية في اقتضائها للحكم وإيجابها له، ووجوب وجوده بوجودها، وكونها موجبة في زمان دون زمان لا يدل على كونها علة في مكان دون مكان؛ لأنه يجوز أن لا تكون علة ثم تصير (١) علة، فلا يجوز أن تكون علة في مكان ولا تكون علة في مثله؛ لأن وجودها مع زوال الحكم يدل على أنه نقض للعلة، وأنها مقيدة بصفة زائدة تخص ذلك الموضع الذي هي علة فيه، فبان الفرق بين الزمانين والمكانين. وقد قيل في جواب هذا: إن العلة العقلية سبب كونها علة العقلُ، وذلك السبب يوجد على الاتصال في جميع الأوقات، فلا يخرج عن كونها علة مع وجود سببها. والعلة الشرعية سببها الشرع. وذلك السبب يختص ببعض الأوقات دون بعض فكانت علة في بعض الأزمنة دون بعض.

стр. 1588

ونحن إنما اعتبرنا إحداهما بالأخرى، مع وجود سببها، وهما متساويان في هذه الحالة، وإن اختلفا في غيرها. واعترض المخالف على هذا وقال: العلل العقلية لم تصر عللاً بالعقل، وإنما هي علل بأنفسها. ألا ترى أنها قد كانت عللاً، وإن لم يكن هناك ذو عقل. وهذا غير صحيح؛ لأنه لا يصح وجود العلة العقلية قبل وجود العقل، لأنها به صارت عامة. وإنما يصح وجودها مع عدم ذي عقل؛ لأن ذلك ليس بعلة لها، وإنما علتها (١) العقل، وهو موجود. فإن قيل: العلل الشرعية، لما لم تكن موجبة لهذه الأحكام قبل ورود الشرع لم يجز أن يرد الشرع بكونها موجبة. والعلل العقلية لما كانت موجبة لم يجز أن يرد الشرع بكونها غير موجبة. قيل: لما كانت هذه العلل قبل ورود الشرع غير أمارات للأحكام، ثم لم يمتنع أن يرد الشرع بكونها أمارات [٢١٤/أ] لم يمتنع أيضاً أن تكون غير موجبة قبل الشرع ثم يرد الشرع بكونها موجبة لما تعلق بها من الأحكام. وقد قيل: إن القول بتخصيص العلة يقتضي سد باب الاستدلال على صحة العلة. فإنه لا تثبت العلة إلا بأمارة تدل على صحتها فإن وجد الحكم لوجودها، دلت الأمارة على صحتها. وإن لم يوجد الحكم لوجودها لم تكن تلك الأمارة دلالة على صحتها، فتكون علة تارة، ولا تكون علة أخرى، وتكون بعض العلة، فيجب ضم وصف آخر إليها حتى لا تنتقض. فثبت أنها لم تكن علة مع عدم الوصف الزائد. وقد قيل في المسألة: إن تخصيص العلة يؤدي إلى تكافئ الأدلة؛ لأن من

стр. 1589

قال: يحل شرب النبيذ، لأنه مائع يشتهى (١) شربه، فوجب أن يكون حلالاً، كالماء وسائر الأشربة، وقال: قام الدليل في الخمر فخصصها، لم ينفصل ممن قال: إنه مائع يشتهى (٢) شربه فوجب أن يكون حراماً كالخمر. وقد قام الدليل على الماء وسائر الأشربة فخصصها. وهذه الطريقة أصح، إذا لم يكن المعلِّل دل على صحة علته. فأما إذا دل على صحة علته بالتأثير لم يصبح القلب؛ لأن التأثير لا يوجب العلة في الحكمين جميعاً، ولا يجوز أن يؤثر إلا في أحدهما. وقيل أيضاً: بأنه لو جاز تخصيص العلة لم يوجد في شىء من العلل مناقضة؛ لأن كل واحد من أوصاف علته مع ارتفاع حكمها يمكنه أن يخصصها. ولا يلزم النقض أبداً، إذ في اتفاقنا على أن من العلل الشرعية ما يتوجه عليها النقض دليلٌ على امتناع جواز تخصيص العلة. وهذا لا يلزم المخالف؛ لأنه يقول: جواز تخصيص العلة بشرائط وهى: أن يكون مدلولاً على صحتها في الأصل. ولا تكون مدعاة. وأن يكون الموضع الذي خص العلة فيه من المواضع التي دلت الدلالة على تخصيص هذه العلة منها. ومتى أخل المستدل بشىء من هذه الشرائط، ثم أوجد العلة بجميع أوصافها مع عدم الحكم، كان دليلاً على نقضها (٣) . ولأنه لا يخلو إما أن يجب إجراء العلة في الفروع لنفسها أو بدليله. فإن

стр. 1590

وجب إجراء الحكم بها لنفسها، لم يجز تخصيصها، لأن نفسها موجودة فيما امتنعت من الحكم بها فيه. وإن احتاج إلى دليل في تعليق الحكم بها في كل فرع استغنى عن العلة، وصار الدليل على الحكم في كل فرع دليلاً على الحكم في العلة. واحتج [٢١٤/ب] المخالف: بقوله تعالى: (إنَّ لَهُ أباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أحَدَنَا مَكَانَهُ) (١) . قالوا: وكيف يأخذ أحدهم مكانه، وأبوه أيضاً شيخ كبير، لولا جواز القول بتخصيص العلة. والجواب: أن مضمونه أن أباه يخاف عليه؛ لأنه مأخوذ في جناية، وهو إذا أخذ أخوه لم يكن خائفاً (٢) . واحتج: بأن العلل الشرعية أمارة على الأحكام، وليست بموجبة لها. ألا ترى أنها كانت موجودة قبل الشرع غير موجبة. وإذا جاز أن تكون أمارة في حال دون حال، جاز أن تكون أمارة في موضع دون موضع. والجواب عنه تقدم، وهو أنه يجوز أن لا تكون علة، وتصير علة. ولا يجوز أن تكون علة في مكان ولا تكون في مثله؛ لأن وجودها مع زوال الحكم يدل على أنه نقض للعلة، وأنها مقيدة بصفة زائدة تختص ذلك الموضع الذي هي علة (٣) فيه. فبان الفرق بين الزمانين والمكانين. واحتج: بأن هذه العلل، لما كانت أمارات الأحكام، وجب أن يجوز

стр. 1591

تخصيصها، كما يجوز في أسماء العموم. لما كانت الأسماء أمارات لما علق بها من الأحكام جاز تخصيصها. يبين صحة هذا: أن العموم في الأسماء آكد حالاً وأعلا مرتبة من العلة؛ لأن رد العموم يوجب التكفير، ورد العلة المقتضية لا يوجب ذلك. فإذا جاز تخصيص العموم، فلأنْ يجوز تخصيص العلة التي هي دونه في الرتبة أولى. والجواب: أن تخصيصه لا يُسقط دلالتَه، ولا يُسقط شرطه؛ لأنه إنما كان دليلاً على الحكم لكونه قولاً لمن تجب طاعته، فإذا خص منه شىء كان ما يتناوله اللفظ مما عداه داخلاً في اللفظ. فوجب إثبات حكم اللفظ فيه، وليس كذلك في مسألتنا. فإنه إذا وجدناها مع عدم الحكم تبينا أنها ليست كمال العلة، وأن الحكم ليس بتابع لها وإنما هو تابع لها تبع زيادة صفة يجب إضافتها إليها. واحتج: بأن العلة المنصوص عليها، وهي علة صاحب الشرع يجوز تخصيصها كذلك المستنبطة. والجواب: أن العلة المنصوص عليها لا يجوز تخصيصها. وإذا وجدناها مع عدم الحكم، تبينا أنها بعض العلة، وأن الله تعالى نص على بعض العلة، ووكل الباقي إلى اجتهاد أهل العلم. وإذا كان كذلك، لم يكن بين المنصوص عليها وبين المستنبطة فرق. وقد قيل: يجب أن تكون منتقضة، ولا يقدح ذلك فيها؛ لأن الدليل على صحتها كونها منصوصاً [٢١٥/أ] عليها، وذلك موجود. واحتج: بأنه يجوز أن يوجد الحكم بوجود العلة، ثم تزول هذه العلة والحكم باق بدليل آخر وعلة أخرى. فإذا صح أن يبقى الحكم ولا هذه العلة، صح أن توجد هذه العلة ولا حكم. والجواب: أنه إذا وجد الحكم ولا علة لم يمنع أن يجري، دليل صحة العلة

стр. 1592

على معلولها. فلهذا صح أن يوجد الحكم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنا إذا وجدنا العلة ولا حكم، منع أن يجري هاهنا؛ لأنا إذا وجدنا العلة ولا حكم، منع أن يجري دليل صحة العلة في معلولاتها. ولأنه إذا وجد الحكم ولا علة لم يفضِ إلى تكافؤ الأدلة، وإيجاب الحكم وضده بعلة واحدة في مسألتنا يفضي إلى ذلك، فبان الفرق بينهما. فإن قيل: أليس قد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي، وقد قيل: "كيف تشتري ممن لا يملك (١) ؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان". واحتج: بأن أصحاب رسول الله ﷺ رخَّصوا في شَرْي المصاحف، وكَرِهوا بيعها (٢) . وهذا يدل على تخصيص العلة. قيل: تخصيص العلة ما يمنع من جريانها في حكم خاص. وما ذكره أحمد ﵀ إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر (٣) . ولأنهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس، فامتنع أن يكون معناه تخصيصاً (٤) بدليل.

стр. 1593

فصل [الطرد شرط في صحة العلة] وهذا الكلام في الطرد وأنه شرط في صحة العلة (١) . فأما العكس فليس بشرط في صحة العلة. وقد قال أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم (٢) ، وسندي: "رطل حديد برطلين، لا يجوز، قياساً على الذهب والفضة" (٣) . فقد اعتبر الطرد وإن لم ينعكس؛ لأن علتها ما لا يوزن، ومع هذا قد يجري فيه الربا في المكيلات. وإنما كان كذلك؛ لأن العلة إذا صحت بما تقدم ذكره من لفظ صاحب

стр. 1594

الشريعة، نصاً وظاهراً وتنبيهاً، ومن التأثير وشهادة الأصول، جاز أن تجتمع علتان في حكم، فتزول إحداهما، ويبقى الحكم ببقاء العلة الأخرى، كالمُحْرِمة إذا حاضت حرُم وطؤها لحيضها ولإحرامها، فإذا طهرت من حيضها واغتسلت (١) لم يحل وطؤها لبقاء إحرامها. وقد تَخْلُفُ العلةُ العلة فيبقى الحكم بالعلة التي خلفتها، كالنكاح يزول وتخلفه العدة، فتمنعها العدة من عقد النكاح كما منعها النكاح. وكذلك الرِّدة علة لإباحة الدم، والزنا مع [٢١٥/ب] الإحصان، فإذا اجتمعا تعلقت الإِباحة بهما، وإذا أسلم من الرِّدة لم تزُل الإِباحة للزنا. فإذا كان كذلك، دل على أن ليس من شرط العلة العكس، هذا إذا كان التعليل لغير الجنس. فأما إذا كان التعليل للجنس وجب أن تنعكس؛ لأن تعليل جنس الحكم يقتضي حصر الجنس، ويجري مجرى الحدود، فإذا لم ينعكس لم يكن حاصراً للجنس، ولم يكن علة له. ألا ترى أنه إذا قال: الرِّدة علة لجنس إباحة الدم لم يصح؛ لأن الزنا مع الإِحصان يبيحُه، وقتل النفس بغير النفس يبيحُه. فلا تكون الردة علة لجنس إباحة الدم، لأنها لا توجب نوعين من الإِباحة اللذين يوجبهما الزنا والقتل. ومتى كانت العلة للجنس أوجب جميع أنواع ذلك الجنس، فانعكست، ألا ترى إذا قلت: البلوغ والعقل علة لجنس التكليف انعكست.

стр. 1595

مسألة [القياس على المخصوص من جملة القياس] المخصوص من جملة القياس يقاس عليه، ويقاس على غيره (١) . أما القياس عليه، فإن أحمد ﵀ قال في رواية ابن منصور: "إذا نذر أن يذبح نفسه، يُفدي نفسه بذبح كبش" (٢) . فقاس من نَذَر ذبح نفسه على من نَذر ذبح ولده. وإن كان ذلك مخصوصاً من جملة القياس، وإنما ثبت بقول ابن عباس (٣) .

стр. 1596

وأما قياسه على غيره، فإن أحمد ﵀ قال في رواية المروذى: "يجوز شَرْي أرض السواد، ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف اشتري ممن لا يملك؟! فقال: القياس: كما تقول، ولكن استحسان" (١) . واحتج بأن أصحاب رسول الله ﷺ رخَّصوا في شَرْي المصاحف، وكَرِهوا بيعَها. وهذا يشبه ذلك (٢) . فقد قاس مخصوصاً من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس. وبهذا قال أصحاب الشافعي (٣) . وقال أصحاب أبي حنيفة: المخصوص من جملة القياس لا يقاس على غيره. ولا يقاس غيره عليه، إلا أن يكون معللاً أو مجْمعاً على جواز القياس عليه (٤) .

стр. 1597

أما المعلَّل كقوله ﵇ في الهر (١) : (إنَّها من الطَوَّافين عليكم والطوَّافات) (٢) . فقاسوا عليه كل ما وجدت فيه هذه العلة من ساكني البيوت، مثل الفأرة، والحية، ونحو ذلك.

стр. 1598

وأما المجْمع على جواز القياس عليه، فمثل التحالف (١) في الإجارة عند الاختلاف على إثباته في التبايعات (٢) ؛ لاتفاق الناس الذين أوجبوا التحالف (٣) في البيع أن حكم الإجارة حكم البيع (٤) . وما عدا ذلك لا يجوز القياس عليه، ولا قياسه على غيره. مثل إيجاب الوضوء من [٢١٦/أ] القهقهة في الصلاة، فلا تقاس عليه القهقهة في صلاة الجنازة، وفي سجود التلاوة؛ لأن الأثر ورد بإيجاب الوضوء من القهقهة في صلاة لها ركوع وسجود (٥) .

стр. 1599

ومثل إسقاط الكفارة في استدعاء القيء، فلا يقاس عليه الأكل (١) . ومثل جواز الوضوء بنبيذ التمر، فلا يقاس عليه غيره من الأنبذة للأثر الوارد (٢) . ومثل جواز البناء على الصلاة، إذا سبقه الحدث فيها (٣) ، لا يقاس عليه من احتلم في صلاته، وفكَّر فأمنى (٤) ونحو ذلك.

стр. 1600

دليلنا: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أولِى اْلأبصَارِ) (١) . وهذا عام في كل موضع إلا ما خصه الدليل. وأيضًا: فإنا إذا قسنا على الخصوص قسنا الخصوص على غيره. وحملنا النبيذ على غيره من المائعات، والقهقهة على الكلام. فإن مخالفنا يعترف بصحة القياس، وأنه يجب حمل النبيذ على غيره من المائعات، والقهقهة على الكلام، ويَدَّعي أنه استحسن تركه لما هو أولى منه (٢) . وهذا غير صحيح من وجهين: أحدهما: أنه يلزمه أن يبين الأوْلى، وإلا حكمُ القياس متوجه عليه، وهذا كما لو قال: إن القرآن يدل على كذا، ولكن تركته للسنَّة، فتكون حجة القرآن لازمة له ما لم يبين السنة التي هي أقوى من القرآن. ولا يكفى في ذلك مجرد دعواه. والثاني: أنه يدعي أن الاستحسان أقوى من القياس، فلهذا تركَه. والقياس إذا عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلاً، ولم يكن له حكم كما لو عارضه نص كتاب أو سنة أو إجماع. ولما حكم بصحة القياس هاهنا امتنع أن يكون عارضه أقوى منه ومانع من استعماله. وأيضاً: فإن المخصوص من جملة العموم يقاس عليه، فالمخصوص من جملة قياس الأصول أوْلى أن يقاس عليه؛ لأن حكم العموم أقوى من قياس الأصول

стр. 1601

له (١) ، ولهذا ترك القياس له (٢) وأيضاً: فإن ما ورد به الأثر قد صار أصلاً بنفسه، فوجب القياس عليه، كسائر الأصول (٣) . وليس رد هذا الأصل لمخالفة تلك الأصول بأوْلى من رد الأصول لمخالفة هذا الأصل، فوجب إعمال كل واحد منهما في مقتضاه وإجراؤه على حكمه. وأيضآ: فإن القياس يجري مجرى خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت بغالب الظن، ثم ثبت أنه يصح أن يرد مخالفاً لقياس الأصول، كذلك القياس قبله. وأيضاً: لما جاز القياس على الخصوص من جملة القياس إذا [٢١٦/ب] كان معللاً بتعليل صاحب الشرع جاز وإن لم يكن معللاً. دليلُه: سائرُ الأصول . فإن قيل: إذا ورد معللاً، فإن كل ما وجدت فيه تلك العلة يصير كالمنصوص عليه، كأن النبيَّ امر بالقياس عليه، ويصير [القياس] عليه أوْلى من

стр. 1602

قياس الأصول، وليست هذه حال المخصوص العاري عن علة؛ لأنه لا يوجد فيه ما يبطل قياس الأصول. قيل: لو كان الحكم عندك في المعلل لما ذكرت، لوجب أن تقيس النبيذ على الخمر في التحريم لوجود علة الخمر (١) بقوله تعالى (إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أن يُوقِعَ بِيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ في الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ) (٢) . وهذه العلة موجودة في النبيذ، ومع هذا فلم تقيسوا النبيذ على الخمر. وكذلك كان يجب قياس الخل على النبيذ في جواز الوضوء -كما حُكي عن الأصم (٣) جواز الوضوء بسائر المائعات- لوجود العلة في النبيذ بقوله ﵇: (ثمرةٌ طيبة، وماء طهور) (٤) ، وهذه العلة موجودة في الخل. وكذلك كان يجب أن تقيسوا الآكل والشارب في رمضان لمرض، على الناسي في إسقاط القضاء لوجود العلة فيه، وهو قوله: (اللهُ آطْعمكَ وسقَاكَ) (٥) . وهذا التعليل موجود في المريض. وليس لهم أن يقولوا: هذا التعليل لاسقاط

стр. 1603

المأثم، بل هو تعليل لإسقاط القضاء؛ لأنه روي في بعض الألفاظ (إنَّمَا هو رِزقٌ ساقَه اللهُ تَعَالى إليهِ، فلا قضاءَ عليه) رواه الدارقطنى (١) . فجعل هذه علة في إسقاط القضاء، ومع هذا فلمِ يقيسوا عليه غيره (٢) . وكذلك أيضاً قاسوا المجامع ناسياً على الآكل ناسياً، وإن لم يكن الأصل معللاً، ولا مجْمعاً على قياسه عليه (٣) ؛ لأن أصحابنا منعوا من ذلك، وقالوا في الآكل ناسياً: لا يفطر (٤) ، وفي المجامع يفطر (٥) ، فامتنع أن تكون العلة في

стр. 1604

جواز القياس على المعلل ما ذكروه، وإنما العلة فيه ما ذكرنا. وأيضاً: لما جاز القياس على ما ورد بخلاف القياس العقلي، وهو الطواف والسعي ورمي الجمار والوضوء (١) ، فإن العقل يخالف هذه، ومع هذا يقاس عليها. فلأنْ يجوز القياس على ما ورد بخلاف القياس الشرعي أوْلى. فإن قيل: الشرع لا يرد بما يمنع العقل منه، وإنما يرد بما يُجَوِّزه العقل. فنظيره أن يرد الأثر بما لا تمنع منه الأصول، فيجوز القياس عليه. قيل: قد ثبت أن الشرع قد ورد بما يمنع العقل منه فلا يصح هذا (٢) . فإن قيل: القياس الشرعي وخبر الواحد قد ثبت [٢١٧/أ] حكمهما في خلاف قياس العقل ولا يجوز ثبوت حكمهما (٣) في خلاف قياس النص، فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يختلف حكم القياس العقلي والقياس الشرعي في باب جواز القياس على المخصوص من جملة أحدهما، وامتناع جواز ذلك في المخصوص من جملة الآخر.

стр. 1605

قيل: لا نسلِّم هذا؛ لأنه قد ثبت الحكم بخبر الواحد في خلاف قياس النص، ولهذا حكمنا بخبر التَّصْرِية (١) والفَلَس (٢) وغير ذلك مما يرده (٣) أصحاب أبي حنيفة (٤) . وكذلك قياس النص لا يقدم على غيره من قياس، الاصول التي ليست بمنصوص على أصولها.

стр. 1606

واحتج المخالف بأن إثبات الشىء لا يصح مع وجود ما ينافيه، فلما كان القياس مانعاً مما ورد به الأثر لم يجز لنا استعمال القياس فيه؛ لأنه لو جاز ذلك لم يكن فرق بينه وبين سائر الأصول التي يمنع قياسها منه، فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصاً من جملة القياس. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلَّم أن هاهنا ما ينافيه؛ لأن المنافاة تكون بدليل خاص، وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكره من التأويل. والثاني: أن المنافاة إنما تحصل بقياسه على غيره في إسقاط حكم النص، فأما قياس غيره فلا ينافيه، لأنه لا يسقط حكم النص، وعندهم لا يصح القياس عليه. واحتج: بأن قياس الأصول أوْلى من قياس ما ورد به الأثر، وذلك لأن قياس ما ورد به الأثر يختلف فيه، وقياس الأصول متفق عليه، والمتفق عليه أوْلى من المختلف فيه (١) . ولهذا كان ما ثبت بخبر التواتر أوْلى مما ثبت بخبر الواحد. وما شهد له أصلان أوْلى مما شهد له أصل واحد، فلما كان قياس الأصول يشهد له جميع الأصول، وكان قياس ما ورد به الأثر لا يشهد له إلا أصل واحد، وهو الأثر، كان قياس الأصول أوْلى بالاعتبار من قياس ما ورد به الأثر. والجواب: أن هذه المزيَّة موجودة في مقابلة خبر الواحد، ومع هذا فإنه مقدم على قياس الأصول. وكذلك القياس الشرعي مقدم على مقتضى القياس العقلي، وإن كان للعقل مزيَّة. ويفارق هذا خبر الواحد مع التواتر؛ لأن أحدهما مقطوع عليه.

стр. 1607

مسألة يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال بالقياس (١) . ويجوز قياسها على المواضع التي أجمع على ثبوت ذلك فيها. وقد قال أحمد ﵀ في رواية الميْموني، فيمن سرق من الذهب أقل من ربع دينار: "أقطعُه. قيل: ولم؟ قال: لأنه لو سرق عروضاً قوَّمتُها بالدراهم، كذلك إذا سرق ذهباً أقل من ربع دينار قوَّمتُه بالدراهم" (٢) . فقد أثبت القطع بالقياس. وكذلك نقل الميْموني عنه في النصراني إذا زنا وهو محصَن: "يرجم. قيل له: لم؟ قال: لأنه زانٍ بعد إحصانه" (٣) . وكذلك نقل جعفر بن محمد النَّسائي أبو محمد عن أحمد ﵀ في يهودي مرَّ بمؤذن وهو [يؤذن] (٤) فقال: كذبتَ، قال: "يقتل،

стр. 1608

لأنه شتم" (١) . وهو قول أصحاب الشافعي (٢) . وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يثبت ذلك بالقياس (٣) . دليلنا: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أولِى اْلأبْصَارِ) (٤) وهذا عام. وحديث معاذ، لما قال: (أجتهد رأيي) (٥) ، صوَّبه النبي ﵇، ولم يفرق بين هذه الأحكام وبين غيرها، فوجب حمله على عمومه. ولأنه إجماع الصحابة، قال عمر: (إن الناس قد تتابعوا في شرب الخمر واستحقروا حدَّها، فما ترون فيه؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكِر، وإذا سكِر هذى، وإذا هذى افترى، حَدُّه حد المفترين) . فأجمعت الصحابة على إلحاقه بالقاذف قياساً (٦) .

стр. 1609

وأيضاً: فإنه حكم لم يثبت بما يوجب العلم ويقطع العذر، فجاز إثباته بالقياس. أصله: سائر الأحكام. ولأن ما جاز إثباته بخبر الواحد جاز إثباته بالقياس. أصله: ما ذكرنا. يبين صحة هذا: أن القياس بمنزلة خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت بالاستدلال. ثم الحدود تثبت بخبر الواحد، كذلك القياس. ولأن ما جاز أن يثبت به غير هذه الأحكام جاز أن يثبت به هذه الأحكام. أصله: الكتاب والسنة والإِجماع. ولأن القياس [على] ما أثر على الأصول، فإذا وجد هذا المعنى في مسألتنا يجب أن يحكم بصحته. واحتج المخالف: بأن موجب القياس هو حصول الشبهة من الفرع، ومن بعض الأصول (١) . وهذا العنى متى حصل في الوطء (٢) سقط الحد. ألا ترى أن الوطء إذا حصل فيه الشبهة بالوطء المباح والشبهة (٣) بالوطء الحرام، كوطء أحد الشريكين الجارية التي بينهما، صار ذلك موجباً لسقوط الحد فلما كان مقتضى القياس [٢١٨/أ] مؤثراً

стр. 1610

في سقوط الحد، لم يجز أن يكون له مدخل في إثبات الحدود. والجواب: أن الشبهة التي أسقطت الحد هناك معدومة هاهنا؛ لأن هناك الشبهة في الفعل أو الفاعل أو المفعول فأسقطت الحد، وهذه الشبهة معدومة في مسألتنا، وأكثر ما فيه أنه دليل غير مقطوع عليه. وهذا يبطل بإثباته بخبر الواحد؛ لأن ما فيه من تجويز (١) الخطأ والسهو والعمد الكذب، لا يصير شبهة في درء الحد وإسقاط الكفارة. وكذلك يجوز إثباته بشهادة شاهدين، وما فيها من تجويز ذلك على الشاهدين، لا يكون شبهة في الإسقاط. ولأنه إذا وجب إلحاقه بأحد الأصلين، لقوته ورجحانه، سقط حكم الأصل الآخر، وكان وجوده كعدمه. واحتج: بأن الحد حق لله تعالى مقدر كالصلاة والزكاة ونحوها، فلما لم يجز إثبات أعداد الركعات والنصاب في الزكوات بالقياس، كذلك لا يجوز إثبات الحدود به (٢) . والجواب: أنا لو وجدنا معنى القياس جارياً في ذلك الموضع أثبتناه. واحتج: بأن مقادير العقوبات على الأجرام لا تعلم إلا من طريق التوقيف، لأن العقوبات إنما تستحق على الأجرام بحسب ما يحصل بها من كفران النعمة. ومعلوم أن مقادير نعم الله تعالى على عباده لا يعلمها (٣) إلا الله تعالى، وكان الحد عقوبة مستحقة على الفعل، ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة مقدار العقوبة على ذلك الفعل إلا من جهة التوقيف، لمْ يجز له إثبات الحد بالقياس (٤) .

стр. 1611

والجواب: أن الحدود يثبت قدرها بالشرع لأجرام معلومة، فإذا وجدنا معنى ذلك الجرم موجوداً في غيره ألحقناه به، قياساً عليه؛ لأن المعنى قد ثبت بالدليل، وما دل عليه الدليل فهو بمنزلة التوقيف. وعلى أنهم قد أثبتوا الحد بالقياس، وكذلك الكفارات، فقالوا: تجب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب قياساً على المجامع (١) . وقالوا: الحد يجب على الرِّدْء (٢) في المحاربة (٣) قياساً على المباشِر على قتال المشركين (٤) .

стр. 1612

مسألة [قياس العكس] الاستدلال بالشىء من طريق العكس صحيح، كالاستدلال به على وجه الطرد (١) . وهو مثل استدلالنا على طهارة دم السمك بأنه يؤكل دمه، فدل ذلك على [٢١٨/ب] طهارته. ألا ترى أن سائر الحيوانات التي كانت دماؤها نجسة لم تؤكل بدمائها. ومثل استدلالنا على قراءة السورة غير مسنون في الأخريين، أنه لو كان من سنة القراءة فيها قراءة السورة لوجب أن يكون من سنته الجهر بها. ألا ترى أن الأوليين لما كان من سنتها قراءة السورة كان من سنتها الجهر. ومثل استدلالنا على أن الصلاة على النبي ﷺ غير مسنون في التشهد الأول، أنه لو كان من سنته الصلاة لكان من سنته الدعاء. ألا ترى أن التشهد الأخير، لما كان من سنته الصلاة، كان من سنته الدعاء. وقال أصحاب الشافعي: الاستدلال بالعكس غير صحيح (٢) . دليلنا: أن الأصل ليس بدليل على صحة العلة، وإنما (٣) الدليل على صحتها الكتاب

стр. 1613

والسنة وشهادة الأصول والتأثير، ودليل العكس قد أثر في الأصول فوجب أن يكون صحيحاً. ولأن عكسه يدل على صحته، يدل عليه العلة العقلية، لما اطردت وانعكست كان ذلك دليلاً على صحتها، كذلك هاهنا وجب أن يكون العكس دليلاً على صحته. ولأنه لا خلاف أنه لو عارض في الأصل بعلة ولم يعكسها، وإنما عكس بغيرها، لم يلزم الكلام على علة الأصل؛ لأنهما (١) قد اتفقا على صحتها، وإنما يلزم الكلام على علة الفرع، فدل هذا على أن العكس حجة. فصل [التقسيم] والاستدلال بالتقسيم صحيح، وهو أن يكون في المسألة قسمان أو أكثر فيدل المستدل على إبطال الجميع إلا واحداً منها ليحكم بصحته، ولا يطالب بالدلالة على صحته بأكثر مما ذكره (٢) .

стр. 1614

مثاله: أن نقول: لا يخلو إما أن يكون تحريم التفاضل في البُر متعلقاً بكونه مكيلاً، أو مأكولاً، أو مقتاتاً. فلا يجوز أن يكون مأكولاً ولا مقتاتاً لوجود التفاضل فيهما والعقد صحيح، وهو إذا باع مَكوكاً بمَكوك (١) ، وأحدهما أخف من الآخر، فإن التفاضل في القوت والطعم موجود والعقد صحيح، ولو تساويا في ذلك وتفاضلا في الكيل لم يصح العقد. فعلم أن التحريم متعلق بالكيل. ومثله ما قلنا في الإِيلاء، لا يخلو إما أن يكون صريحاً في الطلاق أو كناية، فلا يجوز أن يكون صريحاً؛ لأنه لو كان كذلك، لوقع الطلاق به منجزاً حالاً كما يقع بصريحه (٢) . ولا يجوز أن يكون كناية؛ لأنه (٢١٩/أ) لو كان كذلك لافتقر إلى النية، كسائر الكنايات. فلما بطل القسمان، امتنع أن يكون طلاقاً. ومثله ما نقوله في اللعان: لا يخلو إما أن يكون يميناً أو شهادة، فلا يجوز أن يكون شهادة؛ لأنه يصح من فاسق ومن أعمى، وشهادتهما لا تصح (٣) . لم يبق إلا أنه يمين؛ لأن أيمان هؤلاء تُسمع.

стр. 1615

ومثله ما نقوله في تحريم الخمر: لا يخلو إما أن يكون الاسم أو الشدة المطربة. ولا يجوز أن يكون للاسم؛ لأن العصير المطبوخ يحرم عندهم إذا حصلت فيه [الشدة] ، وإن لم يقع عليه اسم الخمر. وكذلك نقيع التمر والزبيب محرمان عند مخالفنا، وإن (١) لم يتناولهما الاسم. فعلم أن التحريم يُعلَّق لوجود الشدة المطربة، وهذا موجود في النبيذ. ومثل هذا كثير. والدلالة على صحة هذا: أنه لابد في الحادثة من حكم، فإذا بطل الجميع إلا واحداً، وجب أن يكون ما بقى صحيحاً؛ لأنه لا يجوز أن يبطل الكل. وأما إذا دل الدليل على صحة كل واحد منها بطلت سائر الأقسام؛ لأن الحق واحد، وما عداه باطل، فإذا صح الواحد منها، وجب أن يحكم ببطلان الباقي. فصل [الاستدلال بالأوْلى] والاستدلال بالأوْلى صحيح (٢) ، إذا بين أن حكم الأصل في الفرع يجب أن يكون آكد.
следующие страницы →