← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

والجواب: أن الحدود يثبت قدرها بالشرع لأجرام معلومة، فإذا وجدنا معنى ذلك الجرم موجوداً في غيره ألحقناه به، قياساً عليه؛ لأن المعنى قد ثبت بالدليل، وما دل عليه الدليل فهو بمنزلة التوقيف. وعلى أنهم قد أثبتوا الحد بالقياس، وكذلك الكفارات، فقالوا: تجب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب قياساً على المجامع (١) . وقالوا: الحد يجب على الرِّدْء (٢) في المحاربة (٣) قياساً على المباشِر على قتال المشركين (٤) .

стр. 1612

مسألة [قياس العكس] الاستدلال بالشىء من طريق العكس صحيح، كالاستدلال به على وجه الطرد (١) . وهو مثل استدلالنا على طهارة دم السمك بأنه يؤكل دمه، فدل ذلك على [٢١٨/ب] طهارته. ألا ترى أن سائر الحيوانات التي كانت دماؤها نجسة لم تؤكل بدمائها. ومثل استدلالنا على قراءة السورة غير مسنون في الأخريين، أنه لو كان من سنة القراءة فيها قراءة السورة لوجب أن يكون من سنته الجهر بها. ألا ترى أن الأوليين لما كان من سنتها قراءة السورة كان من سنتها الجهر. ومثل استدلالنا على أن الصلاة على النبي ﷺ غير مسنون في التشهد الأول، أنه لو كان من سنته الصلاة لكان من سنته الدعاء. ألا ترى أن التشهد الأخير، لما كان من سنته الصلاة، كان من سنته الدعاء. وقال أصحاب الشافعي: الاستدلال بالعكس غير صحيح (٢) . دليلنا: أن الأصل ليس بدليل على صحة العلة، وإنما (٣) الدليل على صحتها الكتاب

стр. 1613

والسنة وشهادة الأصول والتأثير، ودليل العكس قد أثر في الأصول فوجب أن يكون صحيحاً. ولأن عكسه يدل على صحته، يدل عليه العلة العقلية، لما اطردت وانعكست كان ذلك دليلاً على صحتها، كذلك هاهنا وجب أن يكون العكس دليلاً على صحته. ولأنه لا خلاف أنه لو عارض في الأصل بعلة ولم يعكسها، وإنما عكس بغيرها، لم يلزم الكلام على علة الأصل؛ لأنهما (١) قد اتفقا على صحتها، وإنما يلزم الكلام على علة الفرع، فدل هذا على أن العكس حجة. فصل [التقسيم] والاستدلال بالتقسيم صحيح، وهو أن يكون في المسألة قسمان أو أكثر فيدل المستدل على إبطال الجميع إلا واحداً منها ليحكم بصحته، ولا يطالب بالدلالة على صحته بأكثر مما ذكره (٢) .

стр. 1614

مثاله: أن نقول: لا يخلو إما أن يكون تحريم التفاضل في البُر متعلقاً بكونه مكيلاً، أو مأكولاً، أو مقتاتاً. فلا يجوز أن يكون مأكولاً ولا مقتاتاً لوجود التفاضل فيهما والعقد صحيح، وهو إذا باع مَكوكاً بمَكوك (١) ، وأحدهما أخف من الآخر، فإن التفاضل في القوت والطعم موجود والعقد صحيح، ولو تساويا في ذلك وتفاضلا في الكيل لم يصح العقد. فعلم أن التحريم متعلق بالكيل. ومثله ما قلنا في الإِيلاء، لا يخلو إما أن يكون صريحاً في الطلاق أو كناية، فلا يجوز أن يكون صريحاً؛ لأنه لو كان كذلك، لوقع الطلاق به منجزاً حالاً كما يقع بصريحه (٢) . ولا يجوز أن يكون كناية؛ لأنه (٢١٩/أ) لو كان كذلك لافتقر إلى النية، كسائر الكنايات. فلما بطل القسمان، امتنع أن يكون طلاقاً. ومثله ما نقوله في اللعان: لا يخلو إما أن يكون يميناً أو شهادة، فلا يجوز أن يكون شهادة؛ لأنه يصح من فاسق ومن أعمى، وشهادتهما لا تصح (٣) . لم يبق إلا أنه يمين؛ لأن أيمان هؤلاء تُسمع.

стр. 1615

ومثله ما نقوله في تحريم الخمر: لا يخلو إما أن يكون الاسم أو الشدة المطربة. ولا يجوز أن يكون للاسم؛ لأن العصير المطبوخ يحرم عندهم إذا حصلت فيه [الشدة] ، وإن لم يقع عليه اسم الخمر. وكذلك نقيع التمر والزبيب محرمان عند مخالفنا، وإن (١) لم يتناولهما الاسم. فعلم أن التحريم يُعلَّق لوجود الشدة المطربة، وهذا موجود في النبيذ. ومثل هذا كثير. والدلالة على صحة هذا: أنه لابد في الحادثة من حكم، فإذا بطل الجميع إلا واحداً، وجب أن يكون ما بقى صحيحاً؛ لأنه لا يجوز أن يبطل الكل. وأما إذا دل الدليل على صحة كل واحد منها بطلت سائر الأقسام؛ لأن الحق واحد، وما عداه باطل، فإذا صح الواحد منها، وجب أن يحكم ببطلان الباقي. فصل [الاستدلال بالأوْلى] والاستدلال بالأوْلى صحيح (٢) ، إذا بين أن حكم الأصل في الفرع يجب أن يكون آكد.

стр. 1616

مثاله: ما نقول في أن التيمم إذا لم يجز مع وجود الماء لفوت صلاة الجمعة فلأنْ لا يجوز لفوت صلاة الجنازة مع الإِمام أولى؛ لأن صلاة الجنازة فرض على الكفاية. وكذلك ما نقول في جريان القصاص بين الرجل والمرأة، وبين العبدين في الأطراف، لمَّا جرى بينهم في النفس مع عظم حرمتها وضمانها بالكفارة، فأولى أن يجري في الطرف مع خفة حرمته. وكذلك نقول في قطع الأطراف بطرف، لمَّا قُتل الجماعة بالواحد مع عِظَم حرمة الأنفس، فأولى أن يفعل ذلك في الأطراف مع خفة حرمتها. وقد احتج أحمد ﵀ بهذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه "لا يقتل الحر بالعبد" (١) .

стр. 1617

وأصحاب أبي حنيفة يقولون: يقتل (١) ، ولا يجعلون بين الحر والعبد قصاصاً في الجراح، والنفس أعظم من الجراح (٢) ، فهذا يدخل عليهم. والدليل على صحة ذلك: أن أحد أقسام الدلالة على صحة العلة التأثير وشهادة الأصول. وهذا المعنى موجود في الأوْلى؛ لأنه قد أثر. ولأن الأوْلى فيه ضرب من التنبيه، والتنبيه حجة في الشرع. وقد دل على ذلك الكتاب في قوله: (فَلاَ تُقُل لَّهُمَا أف) (٣) نبه على تحريم الضرب. وكذلك قوله: (وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأمَنْهُ بِدِينَار لا يُؤَدهِ إِلَيْك) (٤) تنبيه على الزيادة على ذلك.

стр. 1618

فصل [الاستدلال بالقِرَان] الاستدلال بالقِرَان يجوز (١) وهو: أن يذكر الله تعالى أشياء في لفظ واحد ويعطف بعضها على بعض. نحو قوله تعالى: (أوجَاءَ أحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أو لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٢) ، فيكون اللمس هاهنا يوجب الوضوء؛ لأنه عطف على المجيء من الغائط. وقد استدل أحمد ﵀ بالقرينة في باب التخصيص، فلولا أنها حجة له لم يخصص اللفظ بها، فقال في قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ) (٣) : "المراد به العلم. قال: لأنه افتتح الخبر بالعلم فقال: (ألمْ تَرَ (٤) أنَّ اللهَ يَعْلَمُ) ، وختمه بالعلم فقال: (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيم) " (٥) . وقال في رواية حرب في قوله تعالى: (وَأشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ) (٦) فإذا أمِنه فلا بأس أن لا يشهد. انظر إلى آخر الآية (فَإِنْ أمنَ بَعْضُكُم بَعْضًا) (٧) .

стр. 1619

واختلف أصحاب الشافعي: فذهب المُزَنى إلى جواز الاستدلال بذلك (١) . وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز الاستدلال به (٢) . دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: (لا يُفَرَّقُ بين مجتَمِع) (٣) . وما روي عن أبي بكر في مانعي الزكاة: (لا أفرقُ بين ما جمعَ الله) (٤) . وقول ابن عباس لما استدل على وجوب العمرة بكونها قرينة الحج [في] كتاب الله، وتلا قوله: (وأتمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (٣) .

стр. 1620

ولأن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فيجب أن يُعطى الثاني حكم الأول. ولأن صيغة الأمر تناولتهما. واحتج المخالف: بأن جمع لفظ صاحب الشريعة بينهما في حكم من الأحكام لا يدل على اجتماعهما في غيره. ألا ترى أن العلة إذا جمعت الأصل والفرع في حكم، لا يجب أن يجمع بينهما في غيره. والجواب: أن العلة إذا جمعت بين الأصل والفرع قد أفادت حكماً شرعياً وهو إلحاق الفرع بالأصل في ذلك الحكم، يجب أن يقال مثل هذا في جميع لفظ صاحب الشريعة أن يفيد، وعندهم القرينة هاهنا ما أفادت (١) شيئاً بحال. واحتج: بأنه يجوز اقتران المتضادين في الأمر والنهي، كقوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُن مِنْ حَيْثُ) (٢) وأمر بوطئهن ولم يكن واجباً، كما كان النهي واجباً.

стр. 1621

وكذلك قوله: (كُلُوا مِنْ ثَمِرِهِ إِذَا أثمَرَ وءَاتوُا حَقَهُ يَوْمَ حَصَاده) (١) والأكل غير واجب [٢٢٠/أ] . والجواب: أنا لم نقرن (٢) هاهنا لدليل منع من ذلك. (*)

стр. 1622

باب العلة الدال على صحة العلة (١) والاعتراض عليها

стр. 1623

والدلالة على صحتها (١) من وجوه خمسة: أحدها: لفظ صاحب [الشريعة] بنص (٢) أو ظاهر أو تنبيه، فإنه يدل على صحة العلة كما يدل على صحة الحكم، فلا فرق بينهما. وذلك ضربان: أحدهما الكتاب. والآخر السنة. فأما الكتاب: فمثل قوله تعالى في تحريم الخمر: (إنَّمَا يُرِيدُ الشيطَانُ أن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ في الْخَمْرِ والْمِّيْسَرِ وَيَصُدكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصلاَةِ فَهَلْ أنْتُم مُّنْتَهُونَ) (٣) وهذا عبارة عن الإسكار الذي يُحدث هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى. وقوله: (وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أتأخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإثْماً مبِيناً وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أفضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض وَأخذْنَ مِنْكُما ميثَاقاً غَلِيظاً) (٤) . والإفضاء هاهنا الوطء. فدل على أنه يقرر المهر ويمنع من سقوط نصفه بالطلاق.

стр. 1624

وقوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اْلأغْنِيَاءِ) (١) . وَالدولَة: ما يتداوله الناس. فقد جعل لهؤلاء المذكورين حقاً في الفيء كيلا يتداول المال الأغنياء دون الفقراء. وقوله تعالى: (وَإذَا بَلَغَ الأطفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأذِنُوا) (٢) وهذا يدل على تعلق الاستئذان بالبلوغ. وقوله تعالى: (وَإذَا ضَرَبْتُمْ في اْلأَرْضِ فَلَيْس عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ) (٣) . وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أوْ رُكْبَاناً) (٤) يدل على تعلق القصر بالضرب في الأرض، وصلاة الخوف بالخوف. كما إذا قال لعبده: إذا فعلتَ كذا فأنت حر، ولزوجته: إذا كان كذا فأنت طالق، فيدل على تعلق الحرية والطلاق بالمعنى الذي ذكره (٥) . وكذلك قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطرُّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ) (٦) يدل على تعلق إباحة الميتة بالضرورة. وقوله تعالى: (والْمحْصَنَاتُ مِنَ الذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (٧) والمراد

стр. 1625

به: الحرائر. وهذا يدل على اعتبار الحرية في الحلال وأن نكاح الأمة الكتابية لا يجوز؛ لأن ذكر الصفة في الحكم تعليل للحكم بها، ودليل على تعلقه بها. ومن ذلك قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النسَاءَ في الْمَحِيضِ) (١) . وقوله: [٢٢٠/ب] وَالسَّارِقُ وَالسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُمَا) (٢) . و (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَآ مِائَةَ جَلْدَةٍ) (٣) . لأن تخصيص صفة أو فعل في الحكم يدل على تعلقه بها. ولهذا قال أحمد ﵀: "إنه يدل على أن ما عداه بخلافه". وأما السنة: فمثل ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: (أيَنْقُصُ الرطبُ إذا يَبِس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذاً) . وقوله ﵇: (لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كُفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتلُ نفس بغير حق) (٤) .

стр. 1626

ونهيه عن بيع ما لم يُقبض، ورِبْح ما لم يُضمن (١) ، وعن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل (٢) . وقوله: (إنما هو دم عِرْق) . وقوله: (إنَّها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوافات) . وقوله: (لا تُمسوه طيباً؛ فإنه ييعثُ يوم القيامة ملبياً) (٣) .

стр. 1627

و (إنَّما نهيتكم من أجل الدَّافَة) يعني الجماعة الذين وفدوا (١) . وقوله للمُحْرِمين (٢) : (هل أشرتم؟ هل أعنتم؟) (٣) . وقول الرواي: سها رسول الله ﷺ فسجد. وزنا ماعز فرجمه رسول الله ﷺ . وقال الأعرابي: (هلكتُ وأهلكتُ) فقال النبي ﷺ : (اعتق رقبة) . وهذا يدل على تعلق (٤) الحكم بالسبب المذكور. وقالت عائشة: عَتَقت بَرِيرة فخيّر [ها] رسول الله ﷺ ، وكان زوجها عبداً (٥) . وذلك يدل على تعلق التخيير برقِّ الزوج. ومثل ذلك في السنة أكثر.

стр. 1628

وإذا ثبت التعليل بلفظ صاحب الشريعة، أو بلفظ الراوي عنه، فإنه ينظر فيه. فإن كان مطرداً لم يجز أن يزاد فيه، وإن انتقض أضيف إليه وصف آخر يؤثر في ذلك الحكم، وعلم بانتقاضه أنه نصَّ على بعض العلة، وجعل الباقي إلى اجتهاد أهل العلم. وهنا كما روى بعض المخالفين (١) : أن النبي ﷺ قال لبَرِيرة: (ملكْتِ بُضْعَك فاختاري) (٢) . وهذا يدلُّ على أنها إذا اعتقت تحت الحر يكون لها الخيار. فأجبنا عنه: بأن هذا اللفظ غير محفوظ (٣) . وقد استقصى الدارقطنى في [سننه] طرق هذا الحديث وألفاظه، ولم يذكر هذا اللفظ فيها (٤) . ولو ثبت لكان تقديره، ملكتِ بُضْعَك تحت العبد فاختاري. وهذا متزن. وقد أضاف إليه بعضهم مصراعاً آخر فقال: مَلَكتِ بُضْعَكِ تَحْتَ الْعَبْدِ فَاخْتَاري ... وَبَدِّلِي الدَّارَ إنْ احبَبْتِ بِالدَّارِ (٥)

стр. 1629

الثاني: إجماع الأمة فهو حجة مقطوع بها. فما أجمعوا عليه من حكم أو علة وجب المصير إليه والعمل به. ومثاله: قول النبي ﷺ : (لا يقضي القاضي وهو غضبان) أجمعوا على أن النبي ﵇ نهى عن ذلك؛ لأن الغضب [٢٢١/أ] يشغل قلبه، ويغير طبعه، ويمنعه من التوفير على النظر والاجتهاد، فكان كل داخل على قلب الإِنسان من حزن وفرح، وجوع وعطش، ونوم ومرض بمنزلة الغضب. وقد يتفق الخصمان على علة، فيلزمهما حكماً في النظر لاعترافهما بصحة ما اتفقا عليه. وقد يتفق الخصمان على أحد وصفى العلة، ويختلفان في الآخر، فيجب المصير إلى مادل المعلل عليه. منها أن المعللين اتفقوا على اعتبار الجنس في تحريم التفاضل، واختلفوا في ضم الوصف الآخر إليه. وقال بعض أهل العلم: البيع لا ينقل الملك في زمان الخيار؛ لأنه إيجاب غير لازم، إذا لم ينضم إليه القبول (١) .

стр. 1630

فيقول خصمه: المعنى في الأصل أن الإيجاب لم يصادفه القبول، وفي مسألتنا إيجاب صادفه القبول، فخالفه في الوصف الثاني، وقال: إيجاب غير لازم منتقض بمن اشترى عبداً على أنه صائغ فلم يكن صائغاً، فإن الإيجاب غير لازم، وقد انتقل الملك وكذلك إذا وجد به عيباً. وقد يختلفان في وصف، فيزيده أحدهما وينقصه الآخر. مثاله: إذا اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً لم يكن له رد أحدهما. وقال أبو حنيفة: يجوز (١) . وعلة من منع رد أحدهما: أن [فيه] تبعيض الصفقة على العاقد من غير رضاه (٢) ، فوجب أن لا يجوز قياساً على ما قبل القبض (٣) . فإن قال: المعنى في الأصل أنه تبعيض الصفقة على العاقد من غير رضاه في الإِتمام (٤) ، وليس كذلك في الفرع، فإنه تبعيض الصفقة على العاقد من غير

стр. 1631

رضاه في الفسخ، والتبعيض في الفسخ يجوز وفي الإِتمام لا يجوز. فإذا كان كذلك وجب على الزائد أن يقيم عليه الدليل؛ لأن العلة إذا استقلت بما اتفقا عليه فلا تجوز الزيادة، إنما بحسب الحاجة إليها يجب أن يبينها. الثالث: التأثير وهو أن يوجد الحكم بوجود معنى ويعدم لعدمه، فيدل ذلك على أن الحكم متعلق به وتابع له، وهذا هو العكس. وقد بينَّا فيما تقدم أنه ليس بشرط في صحة العلة، لكنه دليل على صحتها. وقد صرح أحمد ﵀ بهذا في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسَّان: "إذا أقبل به وأدبر فكان مثله في كل أحواله، فهذا ليس في نفسي منه شىء". فقد صرح بأن وجود الحكم بوجوده وعدمه بعدمه دليل واضح على صحة القياس. وهذا مثل ما نقول: إن عصير العنب حلال، فإذا وجدت فيه الشدة المطرِبة حرُم، وإذا زالت الشدة حلَّ. فلو قدَّرنا عوْد الشدة لقدرنا عوْد التحريم. وهذا يدل [٢٢١/ب] على [أن] صحة التحريم تابع للشدة المطربة، ولأن النبيذ حرام لوجود هذه العلة فيه. وكذلك قوله: (فَإِذَا أحْصِنَّ فَإِنْ أتيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (١) والعلة في نقصان أحدهما هو الرق، بدلالة أنه

стр. 1632

يوجد بوجوده ويعدم بعدمه، فإن الرق ما دام موجوداً كان حدها خمسين. فإذا اعتقت وزال رقها كملت الحد. ولم يعدم بالعتق سوى الرق. فإذا ثبت أن نقصان الحد متعلق بالرق وجب أن يكون حد العبد على النصف قياساً على الأمة لوجود علة النقصان فيه. ومثل ما نقول في سفر المعصية، إذا كان معصية (١) : إنه معنى يتعلق به تخفيف الصلاة، فإذا كان معصية لم يتعلق به كالقتال (٢) وتأثيره في الأصول أنه إذا كان طاعةً أو مباحاً جازت صلاة الخوف، وصلاة شدة الخوف مخرجة عن المعصية، فدل على أن الحكم تابع لذلك. ومثل ما قلنا: إن العلة في تحريم الربا التفاضل في الكيل دون الطعم، بدليل أن المكيلين متى تساويا من طريق الكيل جاز البيع فيهما وإن كانا مختلفين في الأكل. وحكى أبو سفيان السرخسي وأبو عبد الله الجرجاني عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يمنع أن يكون وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها دلالة على صحتها (٣) ، وخالفاه على ذلك.

стр. 1633

والدليل على أن ذلك دلالة على صحتها: أنه دلالة على صحة العلل العقلية، وأن المعنى الموجب لكون المحل أسود (١) وجود السواد فيه وارتفاعه بارتفاعه. وإذا كان ذلك دلالة العقليات مع كون العلل فيها موجبة، فاولى أن يجري ذلك في الشرعيات مع كونها غير موجبة (٢) . فإن قيل: تكفير المُستحِلِّ للخمر قد وُجد بوجود الشدة وعُدِم بعدمها، ولم يدل على أنها العلة في التكفير (٣) . قيل: هذا لا يدل على بطلان هذا الأصل؛ لأن العلل الشرعية وما هو دلالة عليها، ليست بموجبة لما يتعلق بها من الأحكام. فغير ممتنع أن يدل على شىء ولا يدل على نظيره، كخبر الواحد يجوز إثبات الحكم به فيما لم يرد القرآن بخلافه، ولا يجوز قبوله (٤) فيما يخالف القرآن، والنقل فيهما على وجه واحد (٥) فإن قيل: لو جاز ذلك لوجب أن تصح علل القائسين في تحريم التفاضل في الأشياء المنصوص عليها؛ لأن كلاً منهم يمكنه أن يبين وجود الحكم بوجود علته، وعدمه بعدمها. ولا خلاف أن جميع عللهم غير صحيحة (٦) .

стр. 1634

قيل: الجواب عنه ما تقدم. وعلى أن [٢٢٢/أ] ذلك دليل على صحتها ما لم يمنع مانع، كالعموم يدل على الحكم ما لم يمنع مانع، وقد منع هناك مانع. الرابع: شهادة الأصول فمثل قولنا: لا تجب الزكاة في إناث الخيل؛ لأنها لا تجب في ذكورها، كالبغال والحمير والفِيَلة وغير ذلك من الحيوانات، وعكسه الإِبل والبقر والغنم. وإذا كانت الأصول مرتبة على التسوية بين الذكور والإناث في وجوب الزكاة وسقوطها، ووجدنا الخيل لا زكاة في ذكورها إذا انفردت بالاجماع، لم تجب في إناثها. وكان ذلك طريقاً يقتضي غلبة الظن؛ لأن الظن يمنع وجود الحكم في الغالب. ولهذا نقول: إذا ثبت من عادة الواحد أنه إذا أعطى بناته شيئاً من أمواله أعطى بنيه مثله، وتكرر ذلك من فعله، ثم سمع أنه أعطى بناته شيئاً غلب على ظن من سمع ذلك ممن علِم عادته أنه أعطى بنيه. ومن ذلك: من صح طلاقه صح ظهاره. وما جاز بيعه جاز رهنه. ومن لزمه العُشْر لزمه ربع العُشْر. وما حرم فيه [التفاضل] حرم فيه التفرق قبل التقابض. ومثل ذلك كثير. الخامس: قيام الدلالة على بطلان ما سواها مثاله: اختلاف الفقهاء في علة فساد البيع حالة التفاضل، مع اتفاقهم أن الأصل يبطل بتعليله بإحدى العلل المذكورة. فمتى قامت الدلالة على بطلان جميعها إلا واحداً تعين الحق في الحرية في الآخر، كما لما لم يكن هناك من يستحق الحرية غيره.

стр. 1635

فصل [الطرد لا يدل على صحة العلة] وأما الطرد فليس بدليل على صحتها، لكنه شرط في صحتها (١) . وقد تقدم الكلام في ذلك، أن الطرد شرط في صحتها، وأن تخصيصها نقض لها. وهذا ظاهر قول أحمد ﵀ وأن الطرد ليس بدليل على صحتها؛ لأنه قال في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسَّان: "القياس: أن يقاس على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل به وأدبر". وقال أيضاً ﵁ في رواية الأثرم، مذكور في كتاب الصيام: "إنما يقاس الشىء على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا شبَّهته به فأشبهه في حال وخالفه في حال، فأردت أن تقيس عليه فقد أخطأت، قد يوافقه في بعض أحواله ويخالفه في بعض، فإذا خالفه في بعض أحواله فليس هو مثله". وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة: الجرجاني والسرخسي (٢) ، وأكثر أصحاب الشافعي (٣) والمتكلمين.

стр. 1636

وقال بعض الشافعية: الطرد دليل على صحتها (١) . دليلنا: أن الطرد لو كان دليلاً على العلة لجاز [٢٢٢/ب] أن يقتصر على ذكر العلة في الفرع من غير ذكر الأصل وتكون العلة صحيحةً لوجود الطرد على أصله. مثل: أن يسأل عن تحريم النبيذ فيقول: إنه شراب فيه شدة مُطرِبة، فوجب أن يكون حراماً. والدليل على أن الشدة المطربة دليل على تحريمه: أن ذلك مطرد فيه، لا ينتقض على أصل. فلما أجمعوا على أنه ليس بدليل، وأنه دعوى لا دليل عليها، دل على أن الطرد ليس بدليل على صحة العلة. يدل على ذلك أن كل ما هو دليل على صحة العلة فلا فرق بين أن يذكر في الفرع أو في الأصل، مثل قول صاحب الشريعة ونطقه به. ولأنه إذا لم يكن ذلك دليلاً في الفرع وجب أن لا يكون دليلاً إذا رده إلى الأصل؛ لأن دعواه للطرد فيهما جميعاً واحدة، ولا فرق بينهما. ولأن جريانها في معلولاتها ليس فيه أكثر من أنها جامعة لفروعها، وهذه الفروع قوله ودعواه، فيكون جامعاً بين دعوتين، فلا يكون من ذلك دليلاً على صحة علته.

стр. 1637

وقد قيل: الطرد زيادة في الدعوى؛ لأنه يقال له: ما الدليل على أن العلة ما ذكرته في الأصل؟ قال: لأني أطردها ولا أنقضها في موضع من المواضع. وهو يطالب بالدليل على صحة ما فعله في جميع المواضع، فلا يجوز أن تصح الدعوى بزيادة الدعوى. وأيضاً: فإن الطرد لو كان دليلاً على صحة العلة لم يجز وجوده مع الفساد. والعلة الفاسدة تطرد كما تطرد الصحيحة. مثل ذلك: أن يعلل فيما يخالف الإِجماع بعلة تطَّرد. ومثال ذلك في إزالة النجاسة بالمائعات: مائع لا يعقد على جنسه القناطر، أو لا تبنى عليه القناطر، أو الجسور (١) ، أو لا تكون فيه السباحة، أو لا يصطاد فيه السمك، فوجب أن لا تزال به النجاسة، كاللبن والدهن والمرق، ولا ينتقض بالماء، فإنه يعقد على جنسه الجسور وتبنى عليه القناطر. أو يقول: كلب، فوجب أن يكون نجساً كالميت. ويقول: مسَّ ذكرَه، كما لو مسَّ ذكره وبال. أو يقول في وطء الثيب: شَرَع في نافذ، فلا يمنع الرد بالعيب، كما لو مشى في الشارع وأخرج رأسه من الرَّوْزَنَة (٢) . ولا ينتقض بالبكر، فإنه إذا وطأها لم يشرع في نافذ. ويقول فيه: أدخل المُدخل في المَدخل، فلا يمنع من الرد. أصله: إذا أدخل رأسه في القَلَنْسُوَة وأدخل رجله في الخف. وقال بعضهم في القهقهة: اصطكاك الأجرام العلوية، فلا تنقض الطهارة كالرعد.

стр. 1638

ولا تنتقض بالضُّراط؛ لأنه احتكاك الأجرام السفلية [٢٢٣/أ] . وهذا مع فساده متناقض فيه إذا منعته امرأته فصفعها (١) ، فإن ذلك اصطكاك الأجرام العلوية، وهو ناقض لطهارته (٢) . وقال بعضهم في مس الذكر: إنه مس آلة الحرث، فلا ينتقض طهرُه، كما لو مس الفَدَّان (٣) . وقال: إنه طويل مشقوق، فأشبه البوق والقلم والمنارة. وقال في السعي بين الصفا والمروة: إنه سعى بين جبلين، فوجب أن لا يكون ركناً في الحج كالسعي بين جبلى نيسابور (٤) . ولا يشك عاقل أن هذا فاسد. ووجه فساده ظاهر؛ لأن المائعات لا تبنى عليها القناطر؛ لأنها لا تكون في طرق الناس. ولا تمنع الاستطراق والاجتياز، والماء الكثير يجعل (٥) في الطريق ويمنع جواز الناس، فاحتاجوا إلى بناء القناطر عليه، فلم [يكن] لذلك تعلق بالتطهير، وكذلك لمس الفَدَّان سواء كان يصلح لآلة الحرث أو لم يصلح، وكان البوق على صفته، أو كان قصيراً، أو كان مصمتاً لا شق فيه، لا يثبت الوضوء بمسه، فلم يكن له تعلق بالحكم الذي علته عليه.

стр. 1639

وفي ذلك تنبيه على فساد جميع ما يجانسه إذا كان ذلك فاسداً، وكان مع ذلك مطرداً، دلَّ على أن الطرد ليس بدليل على الصحة. واحتج المخالف: بأن عدم الطرد يفسد العلة، فوجب أن يكون وجوده دالاً على صحتها. ألا ترى أن عدم التأثير عند المخالف، لما كان دالاً على فسادها كان التأثير دالاً على صحتها. والجواب: أن الطرد شرط في صحة العلة، وليس بدليل على الصحة. وفَقْد شرط من شروط الحكم يبطله، ووجوده لا يدل على صحته. كالطهارة، فَقْدها يوجب بطلان الصلاة، ووجودها لا يدل على صحتها. واحتج: بأنها إذا اطَّردت فقد عدم ما يفسدها، فوجب أن لا تكون فاسدة. وإذا لم تكن فاسدة وجب أن تكون صحيحة؛ لأنه لا قسم بين الصحيح والفاسد، كما أنه إذا لم يكن قديماً وجب أن يكون محدثاً. والجواب: أنه قد وجد ما يفسده (١) ، وهو عدم الدليل على صحته. وعدم ما يصححه دليل على فساده. يدل على ذلك: أن من ادعى النبوة، وقال: الدليل على صحة قولي عدم ما يفسده. وإذا لم يكن ما يفسده وجب أن يكون صحيحاً. قلنا: قد وجد ما يفسده، وهو عدم ما يصححه. وكذلك من قال في كل حكم سُئل عن صحته: ليس هاهنا ما يفسده. وعدم ما يفسده دليل على أنه ليس بفاسد. وإذا لم يكن فاسداً وجب أن يكون صحيحاً. كان الجواب عنه: أن عدم ما يصححه دليل على فساده. [٢٢٣/ب] .

стр. 1640

فصل [ذكر الوصف للاحتراز من النقض] فإذا ثبت أن الطرد ليس بدليل على صحتها، (١) فإن علِّق الحكم بوصف، ولم يكن له تأثير في الأصل، لكن دخل للاحتزاز: فمن قال: الطرد لا يدل على صحتها، قال: لا يجوز تعليق الحكم به. ومن قال: يدل على صحتها، قال: يجوز ذلك (٢) . والدليل على أنه لا يجوز: أن العلة إنما تستنبط من الأصل ويُعَلَّق (٣) الحكم عليها، وإنما يعلم أن الوصف علة للحكم في الأصل، فلم يجز تعليق الحكم عليه، ورد الفرع إليه. واحتج المخالف: بأن الأوصاف تحتاج أن تكون مؤثرة ومحترزة، فلما جاز تعليق الحكم على المؤثر جاز تعليقه على المحترز [به] . والجواب: أن المؤثر فيه تأثير واحتراز، فلوجود الشرطين جُعل علة، والوصف المتحرز فُقِد فيه أحد الشرطين، فلم يصح لتعليق الحكم عليه.

стр. 1641

فصل [في الاعتراض الفاسد على العلة] وذلك من وجوه: أحدها: أن يقول المخالف: لو كان الادخار علة في وجوب العُشْر لوجب أن يكون علة في الربا، فلما لم يكن علة في الربا لم يكن علة في وجوب العُشْر (١) . وهذا غير صحيح؛ لأنه لا يجب إذا لم يكن علة في حكم أن لا يكون علة في حكم آخر مخالف له؛ لأن الأحكام المختلفة تختلف عللُها، فإنه قد يكون في أحدها مانع من ضمها ولا يكون في الآخر. ألا ترى أن نصه في الربا على المِلْح منع من أن يكون القوت علة في الربا، وليس هذا المانع في وجوب العُشْر. فإن قيل: فقد قلتم: إن ما لا يزيل الحدث لا يزيل الخبث. وإن مالا يصح الوضوء به لا يصح إزالة النجاسة [به] ، وهذه مناقضة لما قلتم (٢) ، لأنهما حكمان مختلفان. قيل: المقصود بهما الطهارة التي تستباح بها الصلاة، فكان طريقاً واحداً. فالمانع الذي لا يصح به أحدهما لا يصح به الآخر، وليس كذلك العُشْر والربا، فإنهما حكمان مختلفان متباينان يقصد بكل واحد منهما غير ما يقصد به الآخر.

стр. 1642

ولهذا قلنا للمخالف: إن ما ليس من جنس الأثمان لما لم يدل على جواز النَّسَأ فيه لم يدل على جواز التفرق قبل التقابض؛ لأن معناهما واحد، وإذا جاز أحدهما جاز الآخر، وإذا حرُم أحدهما حرُم الآخر. اعتراض ثانٍ: على قياس الوضوء على التيمم في وجوب [٢٢٤/أ] النية بأن الوضوء شُرع قبل التيمم، فلا يجوز أن يكون المتأخر أصلاً للمتقدم (١) . وهذا فاسد (٢) ؛ لأن ذلك إنما لا يجوز إذا لم يكن لوجوب النية في الوضوء طريق غير التيمم، فلا يجوز أن يكون وجوب النية في الوضوء سابقاً للتيمم الذي هو طريق ثبوتها. فأما إذا جاز أن تكون نية الوضوء ثابتة من غير جهة التيمم من آية أو سنة أو قياس على غير التيمم، ثم شرع التيمم وأوجبت النية فيه، وأودع فيه معنى يوجد في الوضوء صار طريقاً لثبوت النية ودليلاً عليها، وتأخره عنه لا يمنع صحته؛ لأن الدليل يجوز أن يَرِد بعد الدليل، وتتجدد الطريق بعد الطريق. ولهذا نقول: إن الحكم إذا ثبت بقرآن ثم ورد بعده قول النبي ﷺ دالاً عليه، كان كل واحد منهما طريقاً لثبوته، وكان المستدل بالخيار، إن شاء استدل بالقرآن، وإن شاء استدل عليه بالسنة.

стр. 1643

وكذلك معجزات الرسول ﷺ ظهرت في أوقات مختلفة من نزول القرآن عليه، وتسبيح الحصى في يديه (١) ، وحنين الجذع

стр. 1644

إليه (١) ونَبْع الماء من بين أصابعه (٢) وكلام الذراع (٣) وغير ذلك. وكل واحد منها دليل على صدقه، وطريق ثبوت نبوته.

стр. 1645

اعتراض ثالث: على القياس في العقد الموقوف (١) بأنه نكاح لا تتعلق به الأحكام المختصة به، أو لا ببعضه استباحة، فكان باطلاً، كما لو تزوجها في العدة، فإن موضوعه فاسد؛ لأن العقد متبوع والأحكام تابعة، ولا يجوز أن يستدل بعدم التابع على عدم المتبوع، وإنما يستدل بعدم المتبوع على عدم التابع. وهذا فاسد؛ لأن الشريعة قد تقررت، والأصول قد ترتبت على أن النكاح إذا كان صحيحاً تتبعه أحكامه، وإذا كان فاسداً لا تتبعه الأحكام. فإذا كان كذلك، ووجدنا عقد النكاح لا تتبعه أحكامه، وجب أن يكون (٢) فاسداً. ولأنهم (٣) ناقضوا في ذلك، وقالوا: لا يصح ظهار الذمي؛ لأنه لا يصح

стр. 1646

منه التكفير بالصوم، والتكفير من أحكامه (١) . اعتراض رابع: أن نفرق بين الأصل والفرع مع وجود العلة الموجبة للمنع بينهما (٢) . مثل: أن نقيس النبيذ على الخمر في التحريم لوجود الشدة المطربة. فيقول الخصم (٣) : لا يجوز اعتبار النبيذ بالخمر؛ لأن الخمر؛ يكفر مستحلُّها ويفسق شاربُ قليلِها، ولا يكفر مستحل النبيذ ولا يفسق شارب قليلِه. وهذا فاسد؛ لأن افتراقهما [٢٢٤/ب] في حكم لا يوجب افتراقهما في حكم آخر. واجتماعهما في علة الحكم يوجب اشتراكهما في الحكم. فكان الفرق في مقابلة الجمع بالعلة بمنزلة معارضة الدليل بما ليس بدليل. اعتراض خامس: أن يبدِّل لفظ العلة بغيره، ثم يفسده (٤) . نحو قولنا في الصائم - إذا أكره على الفطر بالأكل والشرب -: إن ما لا يفسد الصوم سهوه لم يفسده إذا كان مغلوباً عليه. أصله: القيء. فنقول: ليس في كونه مغلوباً عليه أكثر من أنه معذور، والعذر لا يمنع

стр. 1647

الإفطار، الدليل عليه: المريض والمسافر إذا أكلا. وهذا فاسد؛ لأن العذر غير (١) الغلبة، ومعناهما يختلف؛ لأن العذر [بالمرض] (٢) لا يسلب الاختيار. والغلبة تسلب الاختيار، وإذا نقل لفظ العلة إلى لفظ آخر لا يفيد معنى لفظ العلة، ثم أفسده لم ينفعه إفساده إياه، ولم يكن إفساداً للعلية. ويدل على ذلك: أن الصائم إذا استقاء عامداً لمرض به كان معذوراً وأفطر بذلك. فإذا ذرعه القيء لم يفطر. فدل هذا على الفرق بين المغلوب وبين المعذور والمختار. اعتراض سادس: قول القائل: لا يجوز أن يوجد النفي من الإثبات، والإثبات من النفي (٣) . مثاله: قول أصحاب أبي حنيفة (٤) : عبد تجب في رقبته زكاة التجارة فلا تجب عليه (٥) زكاة الفطر، كالعبد الكافر (٦) .

стр. 1648

فقال بعض من لا يُحصل: لا يجوز أن يؤخذ الحكم من ضده ونقيضه. وهذا فاسد. وقد ورد الشرع بمثل ذلك، قال النبي ﵇: (لا وصية لوارث) فجعل ثبوت الميراث علَماً على نفي الوصية. ونهى عن مهر البغي (١) فجعل كونها بَغِياً علة لنفي المهر. وقول النبي ﵇: (إنَّها ليست بنجَس، إنها من الطَّوافين عليكم) . ومثل ذلك كثير. ولأن علل الشرع أمارات بقصد صاحب الشرع وجعله إياها أمارات. فإذا كان كذلك جاز أن يجعل النفي علة للإثبات، والإثبات علة للنفي، كما يجوز أن يجعل الإثبات علة للإثبات، والنفي علة للنفي، ولا فرق بينهما.

стр. 1649

فصل إذا علَّل المسؤول، فنقض الحكم عليه، ففسر لفظ علته بما يدفع النقض، نُظِر (١) : فإن كان التفسير مطابقاً للفظ العلة قبل منه، وإن كان مخالفاً للفظ علته لم يقبل منه. وأما التفسير المطابق فمثل أن يقول (٢) في المتولِّد بين الغنم والظباء: لا زكاة فيها؛ لأنها متولدة من أصلين أحدهما لا زكاة فيه (٣) . فوجب أن لا تجب فيه زكاة. أصله: [٢٢٥/أ] إذا كان الأمهات من الظباء، وهذا على [قول] أبي حنيفة (٤) . فأما على قولنا، فإن الزكاة تجب (٥) . فيقول الخصم (٦) : هذا ينتقض بالأولاد المتولدة من المعلوفة والسائمة. فقال: أردت به لا زكاة فيها بحال. والمعلوفة فيها الزكاة بحال، وهي إذا سمنت (٧) .

стр. 1650

وهذا التفسير يقبل؛ لأن ظاهر قوله: لا زكاة فيه، أنه لا زكاة فيها بحال. أما التفسير المخالف، فهو أن يقول: مكيل، فوجب أن يحرم فيه التفاضل. أصله: الأربعة المنصوص عليها. فيناقض بالجنسين (١) . فيقول: أردت به إذا كان جنساً واحداً، فلا يقبل منه؛ لأن لفظه عام في جنس واحد وجنسين، فيريد أن يجىء بلفظه زيادة، يضيفها إليه ليخرج موضع النقض من لفظ العلة، وهذا لا سبيل له إليه بعد انتقاض ما تناوله لفظ علته. وقال بعضهم: إذا جاز لصاحب الشريعة أن يطلق لفظاً عاماً ثم يخصه جاز ذلك لمعلل. وهذا فاسد؛ لأن من يقول: لا يجوز تأخير البيان لا يُجَوِّز ذلك إلا أن يكون البيان سابقاً، ليكون دليل التخصيص بمنزلة القرينة. ومن يجوِّز تأخير البيان، فإنّما يجوِّزه إلى وقت الحاجة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. والمعلل قد أخر بيانه عن وقت الحاجة وهذا [غير] جائز (٢) . وجواب آخر: وهو أن لصاحب الشريعة النسخ، وله ذكر بعض العلة وترك الباقي. وهذا لا يجوز للمسؤول القاصد إلى تثبيت الحكم بعلته. فأما إذا نازعه الحكيم في وصف علته، وامتنع من تسليمه، ففسره بما يوافقه، ويسلم له، وكان اللفظ محتملاً لما فسره به، وتستقل العلة بذكره قُبِل منه. مثاله أن يقول: الحج لا يسقط بالموت؛ لأنه فعل تدخله النيابة، استقر عليه في حال الحياة، فلا يسقط بالموت، كالدين.
следующие страницы →