منه التكفير بالصوم، والتكفير من أحكامه (١) .
اعتراض رابع:
أن نفرق بين الأصل والفرع مع وجود العلة الموجبة للمنع بينهما (٢) .
مثل: أن نقيس النبيذ على الخمر في التحريم لوجود الشدة المطربة.
فيقول الخصم (٣) : لا يجوز اعتبار النبيذ بالخمر؛ لأن الخمر؛ يكفر مستحلُّها ويفسق شاربُ قليلِها، ولا يكفر مستحل النبيذ ولا يفسق شارب قليلِه.
وهذا فاسد؛ لأن افتراقهما [٢٢٤/ب] في حكم لا يوجب افتراقهما في حكم آخر. واجتماعهما في علة الحكم يوجب اشتراكهما في الحكم. فكان الفرق في مقابلة الجمع بالعلة بمنزلة معارضة الدليل بما ليس بدليل.
اعتراض خامس:
أن يبدِّل لفظ العلة بغيره، ثم يفسده (٤) .
نحو قولنا في الصائم - إذا أكره على الفطر بالأكل والشرب -: إن ما لا يفسد الصوم سهوه لم يفسده إذا كان مغلوباً عليه. أصله: القيء.
فنقول: ليس في كونه مغلوباً عليه أكثر من أنه معذور، والعذر لا يمنع
стр. 1647
الإفطار، الدليل عليه: المريض والمسافر إذا أكلا.
وهذا فاسد؛ لأن العذر غير (١) الغلبة، ومعناهما يختلف؛ لأن العذر [بالمرض] (٢) لا يسلب الاختيار. والغلبة تسلب الاختيار، وإذا نقل لفظ العلة إلى لفظ آخر لا يفيد معنى لفظ العلة، ثم أفسده لم ينفعه إفساده إياه، ولم يكن إفساداً للعلية.
ويدل على ذلك: أن الصائم إذا استقاء عامداً لمرض به كان معذوراً وأفطر بذلك. فإذا ذرعه القيء لم يفطر. فدل هذا على الفرق بين المغلوب وبين المعذور والمختار.
اعتراض سادس:
قول القائل: لا يجوز أن يوجد النفي من الإثبات، والإثبات من النفي (٣) .
مثاله: قول أصحاب أبي حنيفة (٤) : عبد تجب في رقبته زكاة التجارة فلا تجب عليه (٥) زكاة الفطر، كالعبد الكافر (٦) .
стр. 1648
فقال بعض من لا يُحصل: لا يجوز أن يؤخذ الحكم من ضده ونقيضه.
وهذا فاسد. وقد ورد الشرع بمثل ذلك، قال النبي ﵇: (لا وصية لوارث) فجعل ثبوت الميراث علَماً على نفي الوصية.
ونهى عن مهر البغي (١) فجعل كونها بَغِياً علة لنفي المهر.
وقول النبي ﵇: (إنَّها ليست بنجَس، إنها من الطَّوافين عليكم) .
ومثل ذلك كثير.
ولأن علل الشرع أمارات بقصد صاحب الشرع وجعله إياها أمارات.
فإذا كان كذلك جاز أن يجعل النفي علة للإثبات، والإثبات علة للنفي، كما يجوز أن يجعل الإثبات علة للإثبات، والنفي علة للنفي، ولا فرق بينهما.
стр. 1649
فصل
إذا علَّل المسؤول، فنقض الحكم عليه، ففسر لفظ علته بما يدفع النقض، نُظِر (١) :
فإن كان التفسير مطابقاً للفظ العلة قبل منه، وإن كان مخالفاً للفظ علته لم يقبل منه.
وأما التفسير المطابق فمثل أن يقول (٢) في المتولِّد بين الغنم والظباء: لا زكاة فيها؛ لأنها متولدة من أصلين أحدهما لا زكاة فيه (٣) . فوجب أن لا تجب فيه زكاة. أصله: [٢٢٥/أ] إذا كان الأمهات من الظباء، وهذا على [قول] أبي حنيفة (٤) .
فأما على قولنا، فإن الزكاة تجب (٥) .
فيقول الخصم (٦) : هذا ينتقض بالأولاد المتولدة من المعلوفة والسائمة.
فقال: أردت به لا زكاة فيها بحال. والمعلوفة فيها الزكاة بحال، وهي إذا سمنت (٧) .
стр. 1650
وهذا التفسير يقبل؛ لأن ظاهر قوله: لا زكاة فيه، أنه لا زكاة فيها بحال.
أما التفسير المخالف، فهو أن يقول: مكيل، فوجب أن يحرم فيه التفاضل.
أصله: الأربعة المنصوص عليها.
فيناقض بالجنسين (١) .
فيقول: أردت به إذا كان جنساً واحداً، فلا يقبل منه؛ لأن لفظه عام في جنس واحد وجنسين، فيريد أن يجىء بلفظه زيادة، يضيفها إليه ليخرج موضع النقض من لفظ العلة، وهذا لا سبيل له إليه بعد انتقاض ما تناوله لفظ علته.
وقال بعضهم: إذا جاز لصاحب الشريعة أن يطلق لفظاً عاماً ثم يخصه جاز ذلك لمعلل.
وهذا فاسد؛ لأن من يقول: لا يجوز تأخير البيان لا يُجَوِّز ذلك إلا أن يكون البيان سابقاً، ليكون دليل التخصيص بمنزلة القرينة.
ومن يجوِّز تأخير البيان، فإنّما يجوِّزه إلى وقت الحاجة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. والمعلل قد أخر بيانه عن وقت الحاجة وهذا [غير] جائز (٢) .
وجواب آخر: وهو أن لصاحب الشريعة النسخ، وله ذكر بعض العلة وترك الباقي.
وهذا لا يجوز للمسؤول القاصد إلى تثبيت الحكم بعلته.
فأما إذا نازعه الحكيم في وصف علته، وامتنع من تسليمه، ففسره بما يوافقه، ويسلم له، وكان اللفظ محتملاً لما فسره به، وتستقل العلة بذكره قُبِل منه.
مثاله أن يقول: الحج لا يسقط بالموت؛ لأنه فعل تدخله النيابة، استقر عليه في حال الحياة، فلا يسقط بالموت، كالدين.
стр. 1651
فيقول الخصم: الحج لا تدخله النيابة، ويكون الحج للحاج دون المحجوج عنه.
فيقول المعلل: أردت بالنيابة أن للمحجوج عنه أن يأمره بفعله، ويجوز للفاعل أن يقصد بقلبه أنه يفعله له، أو يجب عليه ذلك.
وهذا يسلمه الخصم، وهو ضرب من النيابة.
فصل
إذا كانت العلة للجواز فلا تنتقض بأعيان المسائل (١) .
مثاله أن يقول: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأن من وجب في ماله العُشْر، جاز أن يجب في ماله ربع العُشْر.
فقال: هذا ينتقض بما دون المائتين، وببنات البُدْن والحمير والبغال وسائر الأموال التي لا تجب الزكاة فيها.
أو قال [في الصبي والمجنون] : حر مسلم، فجاز [٢٢٥/ب] أن تجب الزكاة في ماله قياساً على البالغ العاقل.
فقال: ينتقض بالأموال التي ذكرناها.
وهذا ليس ينتقض؛ لأن النقض وجود العلة مع عدم الحكم، وليس حكم هذه العلة وجوب ربع العُشْر أو وجوب الزكاة في كل ماله، وإنما حكمها وجوب ربع العُشْر أو وجوب الزكاة في مال غير معيَّن.
فإذا وجبت الزكاة في مال من الأموال وأسقطها عن غيره كان حكم العلة موجوداً، ولم يكن النقض داخلاً على العلة.
стр. 1652
فصل
[التسوية بين الفرع والأصل تدفع النقض]
إذا انتقضت علة المعلل، فقال: قصدت التسوية بين الأصل والفرع (١) ، جاز (٢) .
وهو قول أصحاب أبي حنيفة (٣) .
وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز ذلك (٤) .
ومثاله: أن نقول في المسح على العمامة: عضو يسقط في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين.
فيقول المخالف: هذا ينتقض به في الغسل من الجنابة (٥) .
стр. 1653
فنقول: قصدنا التسوية بين الرأس والقدمين، والرأس والقدمان يُنْقَضان في غسل الجنابة.
وكذلك السلم، موجود عند المحل، فصح السلم فيه كما لو كان موجوداً حين العقد.
ولا يلزم عليه الجواهر؛ لأنها لو كانت موجودة حين العقد لم يجز السَّلَم فيها.
ومثاله ما قاله الحنفي: من صح قبوله البيع صح قبوله النكاح.
أصله: الحلال.
فقيل له: ينتقض بمن له أربع نسوة، فإنه يصح قبوله للبيع، ولا يصح قبوله للنكاح.
فقال: قصدت التسوية بين المحرم والمحل، والمحرم والحلال يتفقان في ذلك.
أو قال: مائع فجاز إزالة النجاسة به كالماء.
فقال خصمه: ينتقض بالمائع النجس.
فقال: قصدت التسوية بين المائع والماء، والنجس لا يجوز إزالة النجاسة به فيهما.
والدلالة عليه:
أن القصد بالعلة التسوية بين الأصل والفرع، فإذا استويا في الحكم وفي ضده، دل ذلك على قوة الشبه بينهما، وجرى ذلك مجرى قوله: بنو (١) بكر زرق كبني تميم، فبان (٢) أن في بني بكر أشهل، وفي بني تميم أشهل، لم يمتنع ذلك من صحة الشبه، كذلك هاهنا.
وأيضاً: فإن الكسر كالنقض، بدليل أن كل واحد منهما يمنع الاحتجاج بالعلة.
стр. 1654
ثم ثبت أن التسوية في الكسر بين الأصل والفرع يمنع لزومه، كذلك النقض.
ومثاله ما قاله المخالف فيمن وطىء ليلا في كفارة الظهار: إن وطأه لم يصادف صوماً فلم يفسد، كالوطء في كفارة القتل.
فقيل له: لا يمتنع أن لا يصادف الصوم ويفسد، كما لو نوى صيام تطوع أو قضاء، فإن التتابع يفسد، وإن لم يفسد [٢٦٦/أ] الصوم.
فيقول المخالف في الأصل مثله، وهو كفارة القتل، وأن ذلك يفسد، كذلك في الظهار، فيكون ذلك جواباً سديداً، كذلك هاهنا.
وأيضاً: فإنه ليس من شرط العلة جريانها في جميع المعلول.
بدليل أنه لو كان الخلاف في فصلين، فنصب العلة على أحدهما كانت صحيحة، فإذا لزم على العلة نقضاً، فقال في الأصل مثله، فأكثر ما فيه أنها لم تجر في جميع المعلومات، وذلك جائز.
واحتج المخالف:
بأن النقض، وجود العلة مع عدم حكمها.
وحكم هذه العلة صحة قبول النكاح دون التسوية. وقد وجدت العلة، وحكمها معدوم.
والجواب: أن النقض وجود العلة مع عدم حكمها، مع اختلاف الأصل والفرع في ذلك. فأما مع اتفاقهما، فليس هذا حد النقض وصفته.
واحتج: بأن هذا القائل يسقط الأصل؛ لأن حكم العلة إذا كان التسوية بين الأصل والفرع وجب أن يقيس الحلال على ما ليس بحلال لصحة قبوله للبيع، ويكون حكمهما مساوياً لحكم الحلال، وهذا لا تجده بحال.
والجواب: أنه لا يسقط الأصل؛ لأن الأصل مجمع على حكمه، ولا حاجة بنا إلى قياسه على غيره. والفرع مختلف فيه، فَبِنا حاجة إلى قياسه
стр. 1655
على غيره.
فبان أن الأصل لا يسقط، ووجود [علة] النص فيهما يدل على تأكيد شبهه به في الحكم وضده (١) .
واحتج: بأن وجود التسوية إقرار بالنقض في الأصل والفرع.
والجواب: أن هذا إقرار بالأصل والفرع لم يجريا في جميع المعلول.
وقد بينَّا أن جريانهما في جميعه ليس بشرط. ثم هذا يلزم عليه التسوية بين الأصل والفرع في الكسر.
واحتج: بأن ما أفسد إذا لم يمكن التسوية أفسد وإن أمكن التسوية، يدل عليه الممانعة وعدم التأثير.
والجواب: أنه إذا لم يمكن التسوية، فالعلة لم تجر في شىء من المعلول، فإذا أمكن جرت في شىء مثله. ثم يلزم عليه الكسر، فإنه يفسد إذا لم يمكن التسوية، ولا يفسد إذا أمكن.
مسألة
لا يجوز للمسؤول أن ينقض السائل بأصل نفسه (٢) .
стр. 1656
وحُكي عن الجرجاني أنه كان يستعمله (١) .
وسئل أبو بكر الباقلاني (٢) عن ذلك فقال: له وجه في الاحتمال (٣) .
ومثاله، أن يقول: مهر المثل يتنصَّف بالطلاق قبل الدخول؛ لأنه مهر يستقر بالدخول؛ فوجب أن يتنصَّف بالطلاق قبله. أصله: المسمى في العقد.
فيقول المسؤول من أصحاب أبي حنيفة: هذا ينتقض على أصلي بالمسمى بعد العقد، فإنه يستقر بالوطء، ولا يتنصَّف بالطلاق قبله، وإنما يسقط جميعه يسقط جميع مهر المثل (٤) . [٢٦٦/ب] .
أو يقول: لا يجب للمتوفى عنها زوجها السكنى؛ لأنه لا نفقة لها، قياساً على الموطوءة بشبهة (٥) .
فيقول المسؤول من أصحاب الشافعي: هذا ينتقض على أصلي بالمطلقة البائن الحائل (٦) ، فإنه لا نفقة لها، ويجب لها السكنى (٧) .
стр. 1657
دليلنا:
أن علل المعلل حجة عليه في المواضع التي ينقض عليه بها لوجود علة فيها. ولا يجوز أن يدفع الحجة بدعواه.
ولا يجوز أن يقول: أنا أَدلُّ عليه بدليل أقوى من القياس؛ لأنه انتقال من موضع فرض الكلام فيه إلى غيره، وهذا لا يجوز له. ويكون ذلك انتقالاً منه، كما لا يجوز إذا فرض الكلام في الدليل من الخبر أن ينقله إلى القياس، أو من القياس إلى الخبر.
وإذا لم يجز للسائل أن ينقل الكلام عن الموضع الذي فرضه المسؤول؛ لأنه تابع للمسؤول، فلأنْ لا يجوز للمسؤول أن ينقله عن الموضع الذي فرض الكلام فيه باختياره أولى.
ويخالف هذا في الابتداء، فإن للمسؤول أن يبني على أصله؛ لأنه لم يتعين عليه الكلام في موضع بعينه.
ألا ترى أن له الاختيار في الاحتجاج بما اختار من أنواع الأدلة، فإذا فرض الكلام في شىء منه وعيَّنه لم يجز أن ينتقل عنه، وإذا انتقل كان منقطعاً. فدل على الفرق بينهما.
وأما نقضها على أصل المعلل فصحيح؛ لأنه يعلمه أنها منتقضة على أصله، لوجود علته مع عدم حكمها على أصله.
وإذا بين له ذلك كانت العلة منتقضة باعتراف المعلل، فلزمه النقض.
واحتج المخالف:
بأن المسؤول له أن يبني على أصله في الابتداء، فيقول: إن سلَّمت موضع النقض فقد انتقضت العلة، وإن لم تسلِّم، دَللتُ على صحته (١) .
стр. 1658
ولأنه إذا كان للمسؤول أن ينقض علة السائل على أصل السائل، وإن كان المسؤول لا يقول به، كذلك يجوز على أصل نفسه، وإن كان السائل لا يقول به.
والجواب: ما ذكرنا (١) .
فصل
ولا يجوز لأحد أن يلزمه خصمه ما لا يقول به إلا النقض (٢) .
فأما غير النقض، من دليل الخطاب أو القياس أو المرسل أو غير ذلك، فلا يجوز له التزامه؛ لأنه يكون محتجاً بما لا يقول به، ومثبتاً للحكم بما ليس بدليل.
ويخالف الناقض؛ لأنه غير محتج بالنقض، ولا مثبت للحكم به. وإنما يعلم المعلل أصله وينبهه على وجود علته فيه مع عدم حكمها، وهو معروف أن ذلك نقض لعلته وإبطال [٢٢٧/أ] لها.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقول دليل خطابه يلزمك على أصلك؛ لأنك
стр. 1659
تعتقد صحته، وأنه طريق لإِثبات الحكم؟
قيل: لايجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يطالب خصمه بإثبات الحكم من طريق فاسد عند نفسه [فـ] كما لا يجوز أن يثبته من طريق فاسد لا يجوز أن يطالب خصمه بذلك.
ولأن له أن يقول: أنت لا تقول بدليل الخطاب، وإنما تركته لما هو أقوى منه، فكان تركه في هذا الموضع مجمعاً عليه (١) .
ومثال ذلك، أن يحتج على بطلان النكاح من غير ولي بما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: (أَيُّما امرأةٍ نَكَحَت نفسَها بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطل) .
فيقول خصمه: يجب إذا نكحت بإذن وليها أن يجوز من طريق دليل الخطاب.
والجواب عنه بما ذكرنا.
فصل
إذا لم يسلم النقض، فقال الناقض: أنا (٢) أَدِلُّ على صحته، لم يجز ذلك (٣) ؛ لأنه يريد أن ينقل الكلام عن موضع فيه إلى غيره، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز الانتقال من دليل إلى دليل، وإن لم يدل عليه، ولكنه إن أراد أن يكشف عن أصل المعلل يلغى (٤) من ذلك ولم يجز للمعلل منعه منه.
стр. 1660
مثاله: إذا قال أصحاب أبي حنيفة فيمن تيمَّم لشدة البرد وصلى: لا يعيد؛ لأنه مأمور بالصلاة، فوجب أن لا يؤمر بقضائها، قياساً على الصلاة بالوضوء (١) .
أو المريض إذا تيمَّم، فنقض ذلك عليه بالمحبوس في المِصْر عن الماء، فإنه يتيمَّم، ويصلي، ويعيد.
فقال: لا يعيد في إحدى الروايتين.
فقال له: هذا مذهب زُفَر (٢) وليس هذا بمذهب أبي حنيفة (٣) .
وذكره الطحاوي (٤) في اختلاف الفقهاء (٥) .
فصل
إذا نقض على خصمه، ثم رجع إلى مناكرتها لم يقبل منه (٦) .
стр. 1661
مثاله ما قاله بعضهم في فُرْقة اللعان: إنها فُرْقة تتعلق بسبب من جهة الزوج تختص النكاح، فوجب أن تكون طلاقاً. أصله: فُرْقة الطلاق.
فقال له خصمه: إنه منتقض بمن زوج ابن أخيه وهو صغير، فإن له خياراً [عند] بلوغه، وليس بطلاق.
فقال: قد قلت لا يختص النكاح؛ لأنه يثبت مثل ذلك في إجازة المولى عليه؛ لأن الصغير إذا أجَّره أبوه أو وليه ثم بلغ كان له فسخ الاجارة، فلا يختص بالنكاح.
فقال له خصمه: وكذلك عندي لا يختص اللعان بالنكاح؛ لأنه يجوز أن يلاعن في نكاح فاسد ووطء شبهة، إذا كان لها ولد يريد نفيه.
وهذا مناكرة بعد مناقضة.
وإنما لا يقبل منه؛ لأن النقض تسليم للعلة واعتراف بوجودها، فإذا أنكرها بعد الاعتراف بها لم يقبل رجوعه عما اعترف به.
فصل
القول بموجب (١) العلة يبطل احتجاج العلل به (٢) .
стр. 1662
لأنه إذا قال بموجبها كانت العلة في موضع الإِجماع، ولا تكون متناولة لموضع الخلاف.
ومثاله أن يقول في الاعتكاف: لُبْث في مكان مخصوص، فوجب أن لا يكون قُرْبة بمجرده، قياساً على الوقوف بعرفة.
فيقول خصمه: عندنا لا يكون اللُّبْث بمجرده قُرْبة حتى تقترن به النية.
فيكون الحكم الذي علله مجمعاً عليه.
وكذلك إذا قال: لا تجتمع زكاة الفطر وزكاة التجارة؛ لأنهما زكاتان مختلفتان، فلا تجتمعان في مال واحد، كزكاة السَّوْم وزكاة التجارة.
فيقول خصمه: أقول بموجبه؛ لأنهما لا تجتمعان في مال واحد؛ لأن زكاة الفطر تجب عن بَدَن العبد، وزكاة التجارة تجب في قيمته، وهما مختلفتان.
وأما إذا كان حكم علته عاماً، فقال بموجبها في بعض معلولاتها، لم يصح.
مثاله: أن يقول: [القيام] ركن من أركان الصلاة، فلا يكون لركوب السفينة تأثير في سقوطه، كالركوع والسجود.
فيقول الخصم: أقول بموجب العلة؛ لأن عندنا لا تأثير له في سقوطه إذا
стр. 1663
كانت السفينة واقفة، فإنه لا يجوز أن يترك القيام، وإنما يجوز إذا كانت سائرة.
فيقال: إلا أن له تأثيراً في حال السير، والعلة عامة في حال الوقوف والسير جميعاً، فلم يكن قائلاً بموجبها. وكانت العلة حجة عليه في حال السير.
وإذا ادعى أنه يقول بموجب العلة، ففسره بغير موجب العلة لم يصح، ووجب على المعلل بيانُه، فإذا بيَّنه سقط السؤال.
وبيانه أن يقول في الحُليِّ: مال تتكرر الزكاة فيه، أو تجب الزكاة فيه بشرطي النصاب والحول. فوجب أن يكون له حالان:
حال وجوب، وحال سقوط، أصله: الماشية.
فيقول خصمه، إني أقول بموجب العلة؛ لأن لها حال سقوط، وهو إذا كان لصبي أو مجنون.
فيقول المعلل: ليس ذلك حال المال، وإنما حال المالك. فليس ذلك قولاً بموجب العلة.
وإن قال: أقول بموجب العلة فيما دون النصاب لم يصح أيضاً؛ لأن الحال يجب أن يكون في النصاب مع الحول، كما يكون للماشية، فلم يكن قولاً بموجب العلة (١) [٢٢٨/أ] .
стр. 1664
باب أقسام السؤال والجواب والمعارضات
السؤال (١) على أربعة أضرب (٢) ، يقابل كل ضرب من
стр. 1665
الجواب (١) من جهة المسؤول.
أحدهما: السؤال عن المذهب، فيقول السائل: ما تقول في كذا؟ فيقابله جواب من جهة المسؤول، فيقول: هكذا.
والثاني: السؤال عن الدليل بأن يقول: ما دليلك عليه؟ فيقول المسؤول: كذا.
والثالث: السؤال عن وجه الدليل، فيبينه المسؤول.
الرابع: السؤال (٢) على سبيل الاعتراض والقدح فيه، فيجيب المسؤول عنه، ويبين بطلان اعتراضه وصحة ما ذكره من وجه دليله.
فإذا ثبت هذا، فإذا سأل سائل عن حكم مطلق، نظر المسؤول فيما سأله
стр. 1666
عنه، فإن كان مذهبه موافقاً لما سأل عنه من غير تفصيل فيه أطلق الجواب عنه.
وإن كان عنده فيه تفصيل، كان بالخيار بين أن يفصِّله في جوابه وبين أن يقول للسائل: هذا مختلف عندي، فمنه كذا، ومنه كذا، فعن أيهما تسأل؟
فإذا ذكر أحدهما أجاب عنه، وإن أطلق الجواب كان مخطئاً (١) .
مثاله: أن يُسأل حنبلي عن مس النساء هل ينقض الوضوء؟
وعنده إن كان لشهوة نقض، وإن كان لغير شهوة لم ينقض (٢) .
فيقول للسائل هذا التفصيل.
وإن شاء قال: منه ما ينقض ومنه ما لا ينقض. [فعن أيهما تساءل] ؟
ومثل: أن يُسأل شافعي عن جلد الميتة هل يطهر بالدباغ؟
وعند المسؤول أن جلد الكلب والخنزير لا يطهر، وكذلك ما تولد منهما أو من أحدهما، ويطهر ما عدا ذلك (٣) .
стр. 1667
فيقول للسائل هذا التفصيل.
وإن شاء قال: منه ما يطهر بالدباغ ومنه ما لا يطهر. فعن أيهما تسأل؟
فأمَّا إذا أطلق الجواب وقال: يطهر بالدباغ كان مخطئاً (١) .
وإذا صح الجواب من جهة المسؤول قال السائل: ما الدليل عليه؟ وهو السؤال الثاني.
فإذا ذكر المسؤول الدليل، فإذا كان السائل يعتقد أن ما ذكره ليس بدليل.
مثل: أن يكون قد احتج بدليل الخطاب، والسائل حنفي لا يقول بدليل الخطاب، أو بالقياس، والسائل ظاهري لا يقول بالقياس فقال للمسؤول: هذا ليس بدليل.
فإن المسؤول يقول له: هذا عندي دليل، وأنت بالخيار بين أن تُسَلِّمه وبين أن تنقل الكلام إليه [٢٨٨/ب] فأَدِلُّ على صحته.
فإن قال السائل: لا أسلِّم لك ما احتججت به، ولا أنقل الكلام إلى أصل كان معنتاً ومطالباً بما لا يجب عليه؛ لأن المسؤول لا يلزم أن يثبت مذهبه إلا بما هو دليل عنده، ومن نازعه في دليله، دل على صحته وقال بنصرته.
فإذا فعل ذلك فقد قام بما يجب عليه فيه، وإن عدل إلى دليل غيره لم يكن منقطعاً؛ لأن ذلك لعجز السائل عن الاعتراض على ما احتج به وقصوره عن القدح فيه.
هذا إذا كان الدليل الذي احتج به أصلاً جلياً مشهوراً. فأما إن كان دليلاً خفياً، فنازعه السائل فيه، وامتنع من تسليمه فهو بمنزلة الجلي المشهور.
стр. 1668
وقال أبو علي الطبري (١) صاحب "الإِفصاح" (٢) : يكون المسؤول منقطعاً، ولا يجوز أن يستدل بأصل خفي إلا بعد أن يستسلمه منه. فإن سلمه احتج به، وإن لم يسلمه دل عليه.
فأما إذا احتج به، ثم نازعه السائل ولم يسلمه له لم يكن له تبيينه، ويكون ذلك انتقالاً من جهته وانقطاعاً منه، ويخالف الأصل المشهور؛ لأن شهرته تغنيه عن استسلامه وتبيينه (٣) .
مثاله: أن يُسأل حنبلي عن الحج هل يسقط بالموت؟ فيقول: لا يسقط؛ لأنه حق تدخله النيابة (٤) ، استقر عليه حال الحياة، فلم يسقط بالموت كالدين (٥) .
فيقول السائل: لا أسلِّم أن النيابة تدخل الحج.
فقال له المسؤول: إما أن تسلمه، وإما أن تنقلَ الكلام إلى النيابة فأدل على جوازها، فيكون المسؤول مصيباً إلا على قول صاحب "الإِفصاح" (٦) ؛ لأنه لا
стр. 1669
يلزمه أن يثبت مذهبه إلا بما هو دليل عنده، ومن نازعه فيما هو دليل عنده لا يلزمه أكثر من إقامة الدليل على صحته.
وإذا فعل هذا فقد قام بما وجب عليه، فهو بمنزلة المحتج بدليل جلي مشهور نازعه السائل فيه.
ولأن المسؤول لا يلزمه معرفة مذهب السائل؛ لأنه لا تضره مخالفته؛ ولا تنفعه موافقته، وإنما المعوَّل على الدليل يدل على صحة العلة وأوصافها.
فإذا كان كذلك فخالفه السائل في أوصافها لا يدل على تفريطه إذا أمكنه إقامة الدليل على صحتها ووجوب اعتبارها، فلم يجز أن يكون سبباً لانقطاعه ومنسوباً إلى التقصير لأجله.
وأما السائل إذا عارضه بما هو دليل عنده، وليس بدليل عند المسؤول، مثل: أن يعارض خبره المسند بخبر مرسل، أو خبرَ المعروف بخبر المجهول، وما أشبه ذلك.
وقال المسؤول: إما أن تسلِّم ذلك لي فيكون معارضاً لما رويته، وإما أن تنقل [٢٢٩/أ] الكلام إلى مسألة المرسل والمجهول. فهذا ليس للسائل أن يقوله ويخالف المسؤول فيه؛ لأن السائل تابع للمستدل فيما يورده المسؤول ويحتج به؛ لأنه لما سأله عن دليله الذي دله على صحة مذهبه والطريق الذي أداه إلى اعتقاده لزمه أن ينظر معه فيما يورده، فإن كان فاسداً بين فساده، وإن لم [يكن] فاسداً صار إليه وسلَّمه له.
ولهذا المعنى جاز للمسؤول: أن يفرض المسألة حيث أجازه، وكان السائل تابعاً له. ولم يجز للسائل أن ينقله إلى جنبة أخرى ويفرضها فيه (١) .
стр. 1670
السؤال الثالث:
وهو السؤال عن وجه الدليل وكيفيته:
فإنه ينظر فيه فإن كان الدليل -الذي استدل به المسؤول- غامضاً يحتاج إلى بيان وجب السؤال عنه.
فإن تجاوزه إلى غيره كان مخطئاً؛ لأنه لا يجوز تسليمه (١) إلا بعد أن ينكشف وجه الدليل منه من جهة المسؤول على ما سأله عنه.
وإن كان ظاهراً جلياً (٢) لم يجز هذا السؤال، وكان السائل عنه متعنتاً أو جاهلاً.
مثاله: أن يَسأل سائل عن جلد الميتة هل يطهر بالدباغ؟
فيقول: لا يطهر، لقوله:- (لا تَنْتَفِعُوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب) (٣) (وبجلْدٍ ولا عَصَبٍ) (٤) .
стр. 1671
فيقول السائل: ما وجه الدليل فيه؟ فيكون مخطئاً لظهور ما سأله، عن بيانه ووضوحه.
وإذا قصد بيانه لم يَزِده على لفظه (١) .
السؤال الرابع:
وهو السؤال على سبيل الاعتراض والقدح في الدليل.
فإن ذلك يختلف على حسب اختلاف الدليل.
[الاعتراضات على الاستدلال بالقرآن]
فإن كان دليله من القرآن كان الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه (٢) :
أحدها: أن ينازعَه في كونه مُحْكماً، ويدعي أنه منسوخ.
مثاله: أن يَحتجَّ الحنبلي (٣) بقوله، تعالى: (فَإِمَّا مَنّاّ بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ
стр. 1672
الْحَربُ أَوْزَارَهَا) (١) .
فيدعى المخالف (٢) أنه منسوخ بقوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (٣) .
فيقول المسؤول: إذا أمكن الجمع بينهما لم يجز حمله على النسخ (٤) .
стр. 1673
والثاني: أن ينازعه في مقتضى لفظه.
مثل أن يَحتجَّ الحنبلي على وجوب الإِِيتاء (١) من مال الكتابة بقوله تعالى: (وَآتُوهُم (٢) مِّن مِّالَ اللهِ الَّذي آتَاكُمْ) (٣) .
فيقول المخالف (٤) : إنه إيتاء من الزكاة دون مال الكتابة (٥) .
стр. 1674
فيقول المسؤول: هو خطاب للسادات؛ لأنه قال: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ) فلا يصلح لإِيتاء الزكاة (١) .
وقد يحتج على أن لولي المقتول أن يعفو على مالٍ بقوله تعالى: (فَمَنْ عُفيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَىْء فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (٢) .
فيقول [٢٢٩/ب] المخالف (٣) : العفو هاهنا هو البذل من القاتل، فكأنه أمر بأخذ المال إذا بذله القاتل.
فيحتاج (٤) أن يبين أن المراد به عفو الولي بأن يقول: حقيقة العفو هو: الترك دون البذل (٥) .
стр. 1675
الثالث: أن يعارضه بغيره.
فيحتاج إلى أن يجيب عنه بأن يبين أنه لا يعارضه، أو يرجح دليلَه على ما عارضه به.
مثاله: أن يحتج بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجَّ (١)) وهذا يقتضى أن يكون جميعُها مواقيتَ للناس [والحج] (٢) .
فيعارضه المخالف (٣) بقوله تعالى: (الْحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَات) (٤) والمراد به: إحرام الحج في أشهر معلومات.
أو يحتج على تحريم الجمع بمِلْك اليمين بقوله تعالى: (وَأن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ) (٥) .
فيعارضه بقوله تعالى: (أوْ مَامَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ) (٦) .
أو يعارضه بالسنة. ويكون جواب المسؤول ما ذكرته (٧) .
стр. 1676
[الاعتراضات على الاستدلال بالسنّة]
وإن كان دليله من السنة فالاعتراض عليه من خمسة أوجه:
أحدها: أن يطالبه بإسناده (١) .
والثاني: القَدْح في إسناده.
والثالث: الاعتراض على متنه.
والرابع: أن يدعى نسخه.
والخامس: أن يعارضه.
فأما المطالبة بإسناده: فهي [صواب] (٢) ؛ لأنه لا حجة فيه إذا لم يثبت إسناده.
وقد جرت عادة المتأخرين من أهل العلم ترك المطالبة بالإِسناد، وهذا لا بأس به في الألفاظ المشهورة المتداولة بين الفقهاء.
فأما الغريب الشاذ فإنه يجب المطالبة بإسناده.
وذلك مثل ما احتج به أصحاب أبي حنيفة فقالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ربا بين المسلمين وبين أهل الحرب في دار الحرب) (٣) .
стр. 1677
وقال: (المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة) (١) .
[الاعتراض على الإِسناد]
الاعتراض الثاني هو القَدْح في الإِسناد فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: رجوع الراوي عنه.
والثاني: عدم عدالته.
والثالث: كونه مجهولاً.
فأما رجوع الراوي عنه فمثل حديث الحسن بن عُمَارة (١)
стр. 1681
روى حديث نُبَيْشَة (١) (حُجَّ عن نُبَيْشَة، ثم حُج عن نفسِك) (٢) .
ثم رجع إلى الصواب، وهو حديث شُبْرُمَة: (حُجَّ عن نفسك، ثم حُج عن شُبْرُمَة) (٣) .
стр. 1682
والثاني: عدم عدالته مثل: بَركة بن محمد الحَلَبي (١) ، روى عن يوسف ابن أَسباط (٢) عن سفيان الثوري عن خالد الحذَّاء عن ابن سيرين (٣) عن أبي
هريرة: (أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة،
قال أصحاب الحديث: بَرَكة الحَلَبي كذاب يضع الحديث (١) .
الثالث: كونه مجهولاً: وهو مثل حديث ابن مسعود [٢٣٠/أ] في الوضوء بالنبيذ، يرويه أبو زيد عن أبي فزارة، و"أبو زيد" مجهول و"أبو فزارة" ضعيف (٢) .
فإن سألنا المخالف عن هذا السؤال لزمنا أن نجيبَ عنه بما يتبين أنه معروف، وهو أن نبين أنه روى عنه رجلان عدلان، فيخرج بذلك عن حد الجهالة على شرط أصحاب الحديث (٣) .
ومثال ذلك: ما روى خالد بن أبي الصَّلْت (٤) عن عِرَاك
стр. 1685
ابن مالك (١) عن عائشة أنها قالت: (بلغ رسول الله ﷺ أن ناساً يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: أو قد فَعَلُوها؟ حولُوا مقْعَدي إلى القبلة) (٢) .