стр. 1681
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 22793
العدة في أصول الفقه
القاضي أبو يعلى ابن الفراء
Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1682
стр. 1683
стр. 1684
قال أصحاب الحديث: بَرَكة الحَلَبي كذاب يضع الحديث (١) .
الثالث: كونه مجهولاً: وهو مثل حديث ابن مسعود [٢٣٠/أ] في الوضوء بالنبيذ، يرويه أبو زيد عن أبي فزارة، و"أبو زيد" مجهول و"أبو فزارة" ضعيف (٢) .
فإن سألنا المخالف عن هذا السؤال لزمنا أن نجيبَ عنه بما يتبين أنه معروف، وهو أن نبين أنه روى عنه رجلان عدلان، فيخرج بذلك عن حد الجهالة على شرط أصحاب الحديث (٣) .
ومثال ذلك: ما روى خالد بن أبي الصَّلْت (٤) عن عِرَاك
стр. 1685
стр. 1686
стр. 1687
стр. 1688
стр. 1689
فأما الإِرسال فلا يعترض به على الحديث؛ لأنا قد بينا أن المذهب الصحيح جواز الاحتجاج به، فإذا اعترض به المخالف علينا لم نقبله.
وكذلك لا يصح أن يُعترض عليه به.
[الاعتراض على المتن]
الاعتراض الثالث، وهو الاعتراض على متنه: فمن ثمانية أوجه:
أحدها: أن ينازعه في مقتضى لفظه وموجبه، ويدَّعي أنه لا يتناول موضع الخلاف.
مثاله: أن يَحتج حنبلي على أن العُشْر لا يجب في الخضروات (١) بقول النبي ﷺ : (ليس في الخضروات زكاة) (٢) .
فقال المخالف: لا يسمى العُشْر زكاة عندنا، فلا يتناوله الخبر.
فيجاب عنه: بأن هذا خطأ، لما روى عتََّاب بن أُسَيْد عن النبي ﷺ أنه قال: (يُخْرَصُ الكَرْمُ كما يُخرَصُ النَّخْل، ثم يؤدى زكاته زبيباً، كما يؤدى زكاة النخل تمراً) (٣) .
стр. 1690
.................................
стр. 1691
وهذا يدل على أن العُشر ليس يسمى زكاة (١) .
الثاني: أن يكون المتن جواباً عن سؤال والجواب مستقل بنفسه، فيدَّعي المخالف قَصْرَه على السؤال.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الاعتبار بجواب النبي ﷺ دون سؤال السائل وقد مضى بيانه في موضعه (٢) .
مثاله: أن يحتج حنبلي على وجوب الترتيب في الوضوء (٣) بقوله ﵇: (ابدأوا بما بدأ الله به) (٤)
стр. 1692
.................................
стр. 1693
стр. 1694
فيقول المسؤول: إنه عام في جميع ما بدأ الله به (١) .
الثالث: أن يكون الجواب غير مستقل بنفسه، ويكون مقصوراً على السؤال، ويكون السؤال عن فعل خاص يحتمل موضع الخلاف وغيره، فيلزم السائلُ المسؤولَ التوقفَ فيه حتى يقوم الدليل على المراد به.
مثاله: ما احتج به أصحابنا في وجوب الكفارة على الوطء ناسياً في رمضان (٢) بحديث الأعرابى لما قال للنبى ﷺ وقعت على امرأتي. قال: (اعتق رقبة) (٣) .
فيقول المخالف: يحتمل أن يكون عمداً بدليل أنه قال: (هَلَكْتُ وأهلَكْتُ) .
ويكون الجواب عنه أن النبي ﷺ لم يستفصل وأطلق، فوجب أن يكون وجود الوطء موجباً للكفارة على أي وجه كان.
وقوله: (هَلْكْتُ وأهلَكْتُ) لا يمنع النسيان؛ لأنه يحصل هالكاً، فوجب
стр. 1695
القضاء والكفارة وإن لم يكن آثماً.
الرابع: ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: (أُمِرَ بلال أن يشْفعَ الأذانَ ويوترَ الإِقامة) (١) .
قال المخالف: ليس فيه ذكر الآمر من هو، ويحتمل أن يكون أمر به بعض أمراء بني أمية.
وهذا غلط؛ لأنه لا يجوز أن يأمره بعض الأمراء بتغيير إقامة فعلها بأمر النبي ﷺ زماناً طويلاً وبين يدي أبي بكر وعمر، فلو أمره بذلك أحد لم يقبله بلال، ولو قبله لم يرض به سائر الصحابة ﵃.
стр. 1696
стр. 1697
الخامس: ما روي عن سمرة بن جندب أنه قال: (أما بعد: فإن رسول الله ﷺ كان يأمُرنا أن نخرجَ الصدقةَ من الذي نُعِدُّه للبيع (١)
стр. 1698
وقال المخالف: هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن الاستحباب يسمى أمراً. وقد اختلف الناس في ذلك، فيجوز أن يكون سماه أمراً على اعتقاده.
ويجاب عنه: بأنه يجب حمله على الوجوب عندنا. وقد تقدم بيانه (١) .
السادس: أن يدَّعى المخالفُ أن المتن متردد بين النبي ﷺ وبين غيره، فلا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ بغير دليل.
مثاله: ما روي عن سَهْل بن سعْد الساعِدِي (٢) أنه قال: (مضت السُّنَة: أن يُفرَّق بين المتلاعنين) (٣) .
стр. 1699
فقال المخالف: السنة قد تكون لغير النبي ﷺ كما قال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) .
فيجاب عنه: بأن السنة إذا أطلقت اقتضت سنة [٢٣١/أ] النبي ﷺ وقد تقدم بيانه (١) .
السابع: أن يدَّعي المخالفُ أن بعض لفظ الحديث من قول الراوي، أدرجه (٢) في لفظ النبي ﷺ ، فلا حجة فيه.
مثاله: ما يحتج به على أن فُرْقة اللعان فسخ بما روى عبد الله بن عباس بقصة هلال بن أميَّة (٣) إلى أن قال: (ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يُدْعى ولدُها لأب، ولا تُرْمى ولا يُرْمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد. وقضى أن لا بَيْت لها عليه، ولا قوت، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها زوجها (٤)) .
стр. 1700
وقال المخالف: هذا من قول عبد الله بن عباس أدرجه في قول النبي ﷺ وهذا نص في أن فُرْقة اللعان ليست بطلاق.
ويجاب عنه: بأن ظاهره أنه من قضاء النبي ﷺ لأنه عطفه على ما قبله من قضاء النبي ﷺ .
الثامن: أن يكون المتن فعلاً جرى في حياة النبي.
فيقول المخالف: يحتمل أن لا يكون النبي ﷺ علمه، فلا يكون حجة.
مثاله: ما روى أبو سعيد قال: (كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر، صاعاً من شعير، صاعاً من دقيق) (١) .
стр. 1701
فقال مخالفنا: يحتمل أن يكون فعلوا ذلك بغير علم النبي ﷺ بإخراجهم الدقيق.
فنجيب عنه: بأنه لا يجوز أن يخفى ذلك على رسول الله ﷺ لأن الصدقات كانت تحمل إليه.
ولأن هذا إخبار عن دوام الفعل فيقتضي زماناً طويلاً.
ومن جوز أن يخفى على النبي ﷺ مثل ذلك، فقد ادعى خلاف ما جرت به العادة.
ولأنه لا يجوز أن يسقطوا فرضاً وجب عليهم بآرائهم.
الاعتراض الرابع وهو دعوى النسخ
مثل ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: (هل هو إلا بَضْعة منك، أو مُضْغة منك) (١) .
стр. 1702
فيقول: إنه منسوخ لقول النبي ﷺ : (إذا أفضى أحدم بيده إلى ذَكَره ليس بينه وبينه شىء فليتوضأ) (١) . لأنه رواه أبو هريرة وهو متأخر.
قال أبو هريرة: (صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنوات) (٢) .
وقوله: (هل هو إلا بَضْعة منك) متقدم.
فإن قيس بن طَلْق روى عن أبيه (٣) أنه قال: (قدمت على رسول الله ﷺ وهو يؤسس مسجدَ المدينة (٤) .
فوجب أن يُنسخَ المتقدمُ بالمتأخر.
وكذلك قوله: (يستأنف الفريضة) (٥) . منسوخ بقوله: (فإذا زادت الإِبلُ
стр. 1703
على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقّة) (١) ؛ لأنه عمل به أبو بكر [٢٣١/ب] وعمر- ﵄. فدل على أنه غير منسوخ، فوجب نسخ الاستئناف لذلك.
ومثل هذا كثير.
الاعتراض الخامس وهو معارضته بغيره
ويكون الجواب عنه بأن يُسقط معارضتَه، أو يرجح خبرَه على ما تقدم بيانُه.
стр. 1704
[الاعتراض على الاستدلال بالإجماع]
فإن كان دليله الإِجماع فالاعتراض عليه بثلاثة أوجه: (١)
أحدها: بأن يطالبه ببيان ظهور القول لكل مجتهد من الصحابة.
ومثاله: ما روي عن عمر أنه كتب إلى عمّاله في خمور أهل الذمة (ولُّوهم بيعَها، وخذوا منهم عُشْر أثمانِها) (٢) .
فيحتج به أصحاب أبي حنيفة على أن الخمر مال في حق أهل الذمة، يصح
стр. 1705
بيعهم لها، وتملكهم لثمنها (١) .
فإن كان الاحتجاج بإجماعهم على ذلك طولبوا بظهور هذا القول من عمر وإنتشاره حتى عرفه كل مجتهد منهم، وسكت عن مخالفته. وإذا لم يتمكنوا من ذلك بطل دعوى الإِجماع.
الثاني: أن يبين ظهور خلاف بعضهم للقائل.
وإذا اختلفوا وجب الرجوع إلى الدليل.
وذلك مثل: دعوى المخالف إجماع الصحابة على منع صيام يوم الشك، فروي تحريمه عن علي وعائشة وابن عباس خلاف ذلك (٢) وأن بعضهم قال: (لأن أصومَ يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان) (٣) .
стр. 1706
الثالث: أن يعترض على قول المجمعين أن يكونوا صرحوا بالحكم بمثل ما يعترض على لفظ السنة.
[الاعتراض على الاستدلال بالقياس]
وإذا كان دليله الذي احتج به هو القياس، فإن الاعتراض عليه من اثني عشر (١) وجهاً:
أحدها: إنكار علة الأصل على مذهب نفسه، أو على مذهب المعلِّل.
الثاني: إنكار علة الفرع.
الثالث: إنكار العلة فيهما (٢) .
الرابع: إنكار حكم الأصل.
الخامس: أن لا يتعدى حكم الأصل إلى الفرع.
стр. 1707
السادس: أن يطالب بتصحيح العلة في الأصل.
السابع: أن يقول بموجب العلة.
الثامن: أن ينقض علته.
التاسع: أن يطالب بتفسير علته.
العاشر: أن يقول: إنه مخالف للقرآن أو السنة أو الإِجماع أو قول الصحابي على قول من يقدمه على القياس، وإذا كان يوجب زيادة في النص.
الحادي عشر: أن يقلب علته.
والثاني عشر: أن يعارضه بعلة أخرى من أصله أو بقياس مبتدأ على أصل غيره.
فأما إنكار علة الأصل، فمثل: أن يقول أصحاب أبي حنيفة في وجوب إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر. أصله: زكاة التجارة (١) .
والعلة في الأصل غير مسلَّمة؛ لأن زكاة التجارة لا يجب إخراجها عن العبد، وإنما يجب إخراجها عن قيمته [٢٣٢/أ] .
ألا ترى أن قيمته لو كانت في متاع التجارة لوجب عليه إخراج الزكاة عليها.
стр. 1708
وإن قال: يجب إخراجها بسبب العبد.
قيل: لا يجب بسبب العبد وإنما يجب بسبب قيمته.
وأما عدم العلة في الأصل على مذهب المعلِّل فإنه يقل وجوده.
وذلك مثل قول أصحاب أبي حنيفة في تحريم اللعان: فُرْقة يختص بالقول، فوجب أن لا يتأبَّدَ تحريمه. أصله: الطلاق (١) .
وعلة الأصل معدومة عنده؛ لأن عند المخالف الطلاق لا يختص بالقول، فإنه يقع بالكتابة مع النية ممن هو ناطق متمكن من القول.
وهذا الإِنكار على الأصلين جميعاً؛ لأن عندنا أن الطلاق لا يختص بالقول، ويقع بالكتابة من غير نية.
وأما إنكار العلة في الفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة في القارن إذا قتل الصيد: إنه أدخل النقصَ على إحرامين بقتل الصيد، فلزمه جزاءان (٢) .
أصله: إذا قتل صيداً في إحرام الحج، ثم قتل صيداً في إحرام العمرة.
فالعلة معدومة في الفرع؛ لأن القارن مُحرِم بإحرام واحد، ويكون ذلك بمنزلة من باع عبدين بثمن واحد، فيكون البيع واحداً وإن كان المبيع اثنين، وكذلك إذا عقَد إحراماً واحداً (٣) ، وإن كان المعقود عليه اثنين.
стр. 1709
وأما إنكار العلة في الأصل والفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة: إذا لم يصم المتمتع في الحج سقط الصوم (١) ؛ لأنه بدل موجب، فوجب أن يسقط بفوات وقته. أصله: الجمعة.
وعلة الأصل غير مسلَّمة؛ لأن الجمعة ليست ببدل عن الظهر، وإنما الظهر بدل عن الجمعة؛ لأن البدل ما وجب الانتقال إليه لتعذر غيره.
وكذلك علة الفرع غير مسلمة؛ لأن صوم الثلاثة بدل غير مؤقت؛ لأنه مأمور في الحج دون الزمان، والمؤقت ما حصر فعله بوقت بعينه.
ومثل قولهم في إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر: عبدٌ يجب إخراج زكاة التجارة عنه، فوجب إخراج زكاة الفطر عنه. أصله: العبدُ المسلم (٢) .
ووجوب زكاه التجارة عن العبد المسلم وعن العبد الكافر غير مسلَّم.
وأما إنكار الحكم في الأصل، مثل: أن يقول أصحاب أبي حنيفة في جلد الكلب: بأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فيطهر جلدُه بالدباغ (٣) . أصله: ما يؤكل لحمه.
стр. 1710
الحكم غير مسلَّم في الأصل؛ لأن ما يؤكل لحمُه لا يطهر جلدُه بالدباغ عندنا (١) .
وأما حكم الأصل إذا لم يتعدَّ إلى الفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة [٢٣٢/ب] في ضم الذهب إلى الوَرق: إنهما قِيَم المتلفات، فوجب ضمُّ أحدهما إلى الآخر (٢) قياساً على الصحاح والمكسَّرة، والضمُّ في الأصل بالأجزاء، والضمُّ عندهم بالقيمة (٣) ، وهما ضمَّان مختلفان، ولا يجوز أن يثبت في الفرع غير حكم (٤) الأصل؛ لأن علة الأصل تتعدى إلى الفرع، فيتعدى بها الحكم المتعلِّق بها، وهذا على أصلنا يصح؛ لأن الضم يحصل في الأصل والفرع بالأجزاء (٥) .
стр. 1711
وأما المطالبة بتصحيح العلة في الأصل فنقضها والقول بموجبها. وقد سبق الكلام عليه في باب العلم الدال على صحة العلة والاعتراض عليها.
وأما المطالبة بتفسير لفظ العلة، فمثل: قول أصحاب الشافعي في صوف الميتة: متصل بذي روح ينمو بنمائه، فوجب أن ينجس بنجاستِه بموته (١) .
قلنا لهم: قولك: "بموته" إما أن تريد به موت الأصل أو موت الشَّعَر.
فإن أردت به موت الشعر، لم نسلِّمه؛ لأن الشعر لا حياة فيه فيموت.
وإن أردت به موت الأصل لم يصح على أصلك؛ لأن عندك إنما ينجس بمفارقة الروح، كما ينجس العضو بمفارقة الروح له، لا بمفارقة الجملة.
فكانت المطالبة به صحيحة، والإِجابة واجبة.
وأما إذا كان مخالفاً لنص القرآن أو نص السنة أو الإِجماع فإنه غير صحيح؛ لأن ذلك كله أقوى من القياس وأولى به، فوجب تقديمها عليه، وإذا كان كذلك كان نقضاً للعلة.
وأما إذا كان موجباً للزيادة في النص، فإنه لا يصح على مذهب أبي حنيفة؛ لأن الزيادة في النص نسخ، فلا يجوز النسخ بالقياس (٢) .
стр. 1712
ومثاله: أن بعضهم سُئِل عن سهم ذوي القربى فقال: سهم من الخمس، فوجب أن يُستحق بالحاجة والفقر قياساً على سائر السهام (١) .
فقيل له: فهذا يوجب الزيادة في قوله: (وَلِذِى الْقُرْبَى) (٢) .
والزيادة في النص نسخ عندك، ولا يجوز نسخ القرآن بالقياس.
وكذلك إذا كان قياسه مخالفاً لقول الصحابي.
وأما قلب العلة على المعلِّل فيأتي بيانه، وكذلك بيان المعارضة من أصله ومن غير أصله، إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكرنا جميع الاعتراضات الصحيحة.
فأما الاعتراضات الفاسدة فقد تقدم ذكرها في باب الاعتراضات.
[المعارضة]
وأما المعارضة (٣) فعلى أربعة أضرب:
معارضة النطق بالنطق.
стр. 1713
ومعارضة العلة بالعلة.
ومعارضة النطق بالعلة.
ومعارضة العلة بالنطق.
فأما معارضة [٢٣٣/أ] النطق بالنطق فقد سبق الكلام عليه في باب الخصوص والعموم ويقيده (١) ، وذلك لا يخلو من أمرين:
إما أن يكونا سواء في العموم والخصوص، أو كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً.
فإن كانا سواء نُظِر، فإن أمكن استعمالهما وجب ذلك.
وإن استعمل المسؤول على وجه، واستعمل السائل على وجه آخر، وتعارضا في الظاهر، وجب على المسؤول أن يرجح استعماله، فإن عجز عنه كان منقطعاً.
وذلك (٢) مثل أن يحتج على المنع من الجمع بين الأختين بملك اليمين بقوله تعالى: (وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُختَيْنِ) (٣) ويعارضه المخالف بقوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُم فَإِنَهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ) (٤) .
стр. 1714
فيقول المسؤول: معناه: أو ما ملكت أيمانهم في غير الجمع بين الأختين في غير ملك اليمين.
فيحتاج المسؤول أن يرجح استعماله، ويقدمه على استعمال خصمه، بأن يقول: روي عن عثمان أنه قال: (حرمتهما آية، وأحلتهما آية) والتحريم أولى.
ولأن قوله: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ اْلأُخْتَيْنِ) قصد به بيان التحريم، وليس كذلك قول: (أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) فإنه قصد به مدح قوم. فكان ما قصد به بيان التحريم وبيان الحكم أولى بالتقديم، فيجب حمله على ظاهره وترتيب الآية الأخرى عليه.
وإن تعذر استعمالهما، فإن عرف التاريخ وجب تقديم المتأخر منهما لما روى ابن عباس أنه قال: (كنا نأخذ من أمر رسول الله ﷺ بالأحدث فالأحدث) (١) .
стр. 1715
ولأن المتأخر أقوى من المتقدم؛ لأن المتقدم يجوز أن يكون منسوخاً بالمتأخر، ولا يجوز أن يكون المتأخر منسوخاً بالمتقدم، فوجب تقديم المتأخر.
وإن جهل التاريخ وجب تقديم أحدهما على الآخر بضرب من ضروب الترجيحات التي ذكرناها في باب ترجيحات الأخبار. وقد تقدم ذلك (١) .
وأما إذا كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فلا يخلو الخاص من أحد أمرين:
إما أن يكون موافقاً للعام أو منافياً له.
فإن كان منافياً له وجب تخصيص العام به، سواء تقدم العام على الخاص، أو تأخر عنه، أو جُهل التاريخ.
وذلك مثل قوله: (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَى يُؤْمِنَّ) (٢) وقوله:
(وَالْمُحْصَنَاتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (٣) وقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُمَا) (٤) وقول النبي ﵇: (لا قطع إلا في ربع دينار) وقد حكينا الخلاف في ذلك فيما تقدم (٥) .
وإن كان الخاص موافقاً للعام فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكونا في حكمين، أو في حكم واحد.
стр. 1716
فإن كانا في حكمين: مثل قوله في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (١) مع قوله تعالى في كفارة القتل: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (٢) . فإنه يحمل المطلق على المقيد من طرّيق اللغة وقد حكينا أيضاً الخلاف في ذلك (٣) .
وإن كانا في حكم واحد فلا يخلو الخاص من أحد أمرين:
إما أن يكون له دليل خطاب، أو لا دليل له.
فإن لم يكن له دليل خطاب كان الخاص داخلاً في العام، وكان ذكراً لبعض ما شمله العموم، فيكون ما تناوله الخاص ثابتاً بالخاص والعام، وما زاد على ذلك ثابتاً بالعام دون الخاص.
مثاله: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: (من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر) .
وقضى في الذي وقع على امرأته بتحرير رقبة (٤) فثبتت الكفارة بالخبر.
وإن كان له دليل خطاب، فإنه يقضى بدليل خطابه على العام، فيخرج ما تناوله منه دليله.
وقد ذكرنا مثال ذلك، والوجه فيه ما تقدم في باب الخصوص والعموم بما فيه كفاية (٥) .
ومثاله: قوله: (في أربعين شاةً شاةٌ) مع قوله: (في سائمة الزكاة) فتخرج المعلوفة من قوله: (في أربعين شاةً شاةٌ) .
стр. 1717
وأما معارضة النطق بالعلة ومعارضة العلة بالنطق:
فإنه ينظر في النطق: فإن كان نصاً لا يحتمل إلا معنى واحداً، فإنه يجب ترك القياس له، سواء كان النطق من القرآن أو من السنة المتواترة أو من خبر الواحد.
وقد حكينا خلاف أصحاب مالك وأن القياس مقدم على خبر الواحد (١) .
وإن كان النطق عاماً أو ظاهراً: فقد حكينا اختلاف الروايتين، واختلاف الفقهاء، وأن منهم من قال: يجب ترك القياس.
ومنهم من قال: يخص العام به، ويصرف الظاهر عن ظاهره. وذكرنا الوجه في ذلك (٢) .
وأما معارضة العلة بالعلة:
فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون من أصلين، أو من أصل واحد.
فإن كانت من أصلين: مثل أن يقول أصحاب أبي حنيفة: طهارة بالماء، فوجب أن لا تفتقرَ إلى النية قياساً على إزالة النجاسة.
ونعارضه، فنقول: طهارة من خبث، فلا يصح بغير نية. أصله: التيمم.
ومثل ذلك كثير.
والجواب عن ذلك: أن [نبطل] قياس المخالف بوجه من وجوه الإِفساد التي ذكرناها، أو يرجح قياسه بوجه من وجوه الترجيحات التي نذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وإن كانت من أصل واحد فلا يخلو: من أن تكون بعلة غير علته أو بعلته، وإن تعلق عليها غير حكمها.
стр. 1718
فإن كانت بعلة أخرى فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون بعلة [٢٣٤/أ] واقفة، أو علة متعدية.
فإن كانت واقفة، مثل أن يقول: يصح ظهار (١) الذمي؛ لأنه زوج يصح طلاقه، فوجب أن يصح ظهاره كالمسلِم.
فيقول الخصم: المعنى في الأصل أنه يصح تكفيره بالصوم فصح ظهاره، وليس كذلك الذمي، فإنه لا يصح تكفيره بالصوم فلا يصح ظهاره.
فإن المبتدىء بالعلة ينظر فيه، فإن كان المعارض لا يقول بعلة واقفة لم تصح المعارضة؛ لأنه لا يجوز أن يحتج بما لا يقول به.
والمعارض يقول: ليست العلة التي نصبها الله تعالى وعلَّق حكمَه عليها ما ذكره المبتدىء بالعلة، وإنما هي غيرها، فلا يجوز أن يذكر ما يقرُّ هو بفساده.
وإن كان المعارض يقول بالعلة الواقفة: قد قيل إن المبتدىء بالعلة يقول: أنا أقول بالعلتين جميعاً؛ لأنهما لا يتعارضان، فإن موجب العكس في الأصل واجب في الفرع، يوجد أحدهما وهي المتعدية، ولا يوجد الأخرى وهي الواقفة، فيجب أن يحكم بالمتعدية إليه، ولا تعارضه الواقفة؛ لأنها غير موجودة فيه.
وقيل: لا ينبغي أن يقول: أقول بالعلتين؛ لأنه إقرار بصحة علة الخصم والشهادة لها. ولا حاجة به إلى ذلك. ولكنه يقول: علتك لا تعارض علتي لما قدمته، وهو أن موجبهما أصل واحد، وفي الفرع توجد المتعدية، ولا توجد الواقفة، فلا يجوز أن يتعارضا في الأصل ولا في الفرع، فلا يكون الخصم بهذه العلة معارضاً.
فإن قيل: العلة الواقفة تعارض المتعدية في الفرع؛ لأن زوال العلة يوجب
стр. 1719
زوال الحكم، فيوجب أن يكون الذمي لا يصح ظهاره.
قيل: زوال العلة يوجب زوال الحكم المتعلق بها ولا يوجب ضد حكمها.
فإذا كان الحكم متعلقاً بعلتين فزالت إحداهما زال الحكم المتعلق بها، وبقي الحكم متعلقاً بالعلة الأخرى لا تعارضها العلة الزائلة، ولا يوجب ضد حكمها.
ألا ترى أن الحائض والمُحْرِمة بالحج يحرمُ وطؤها لحيضها ولإحرامها، فإذا انقطع حيضُها بقي تحريم وطئها متعلقاً بالإحرام.
وإن عارضه بعلة متعدية فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون داخلة في علته أو غير داخلة فيها.
فإن كانت داخلة في علته: مثل تعليل مالك تحريم التفاضل بالقوت (١) ، مع تعليل أحمد ﵀ بالكيل.
والجواب عنه كالجواب عن العلة الواقفة؛ لأن القوت داخل في الكيل.
وإن كانت خارجة عن علته ومتعدية إلى فروع لا يقول بها، لأنها (٢) تتعدى إلى فروع لا يجري فيها (٣) الربا عند مالك (٤) والشافعي (٥) مثل الخُضَر وغيرها (٦) .
فإذا [٢٣٤/ب] كان كذلك كان الجواب عنه إفساد علته أو يرجح (٧) علته على علة خصمه، كما قلنا في العلة المعارضة من غير أصلها.
стр. 1720
وأما معارضة العلة بتلك العلة بعينها (١) ، فإنها تسمى قلباً (٢) وتسمى المشاركة في الدليل.
ومثاله: أن يقول: صلاة فرض لا تقضى في السفر، فوجب أن ينفصل وقتُها عن وقت الصلاة التي بعدها قياساً على صلاة الصبي.
فيقول له: وجب أن يكون لها وقتان أو وقت ممتد قياساً على صلاة الصبح.
أو يقول المخالف: لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلا يكون قُرْبة بنفسه قياساً على الوقوف بعرفة.
فيقال له: وجب أن لا يكون من شرطه الصوم قياساً على الوقوف بعرفة.
ومثل هذا كثير.
فهو صحيح (٣) .
ومن أصحاب الشافعي من قال: لا يصح (٤) .