← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

فإن كانا في حكمين: مثل قوله في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (١) مع قوله تعالى في كفارة القتل: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (٢) . فإنه يحمل المطلق على المقيد من طرّيق اللغة وقد حكينا أيضاً الخلاف في ذلك (٣) . وإن كانا في حكم واحد فلا يخلو الخاص من أحد أمرين: إما أن يكون له دليل خطاب، أو لا دليل له. فإن لم يكن له دليل خطاب كان الخاص داخلاً في العام، وكان ذكراً لبعض ما شمله العموم، فيكون ما تناوله الخاص ثابتاً بالخاص والعام، وما زاد على ذلك ثابتاً بالعام دون الخاص. مثاله: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: (من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر) . وقضى في الذي وقع على امرأته بتحرير رقبة (٤) فثبتت الكفارة بالخبر. وإن كان له دليل خطاب، فإنه يقضى بدليل خطابه على العام، فيخرج ما تناوله منه دليله. وقد ذكرنا مثال ذلك، والوجه فيه ما تقدم في باب الخصوص والعموم بما فيه كفاية (٥) . ومثاله: قوله: (في أربعين شاةً شاةٌ) مع قوله: (في سائمة الزكاة) فتخرج المعلوفة من قوله: (في أربعين شاةً شاةٌ) .

стр. 1717

وأما معارضة النطق بالعلة ومعارضة العلة بالنطق: فإنه ينظر في النطق: فإن كان نصاً لا يحتمل إلا معنى واحداً، فإنه يجب ترك القياس له، سواء كان النطق من القرآن أو من السنة المتواترة أو من خبر الواحد. وقد حكينا خلاف أصحاب مالك وأن القياس مقدم على خبر الواحد (١) . وإن كان النطق عاماً أو ظاهراً: فقد حكينا اختلاف الروايتين، واختلاف الفقهاء، وأن منهم من قال: يجب ترك القياس. ومنهم من قال: يخص العام به، ويصرف الظاهر عن ظاهره. وذكرنا الوجه في ذلك (٢) . وأما معارضة العلة بالعلة: فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون من أصلين، أو من أصل واحد. فإن كانت من أصلين: مثل أن يقول أصحاب أبي حنيفة: طهارة بالماء، فوجب أن لا تفتقرَ إلى النية قياساً على إزالة النجاسة. ونعارضه، فنقول: طهارة من خبث، فلا يصح بغير نية. أصله: التيمم. ومثل ذلك كثير. والجواب عن ذلك: أن [نبطل] قياس المخالف بوجه من وجوه الإِفساد التي ذكرناها، أو يرجح قياسه بوجه من وجوه الترجيحات التي نذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وإن كانت من أصل واحد فلا يخلو: من أن تكون بعلة غير علته أو بعلته، وإن تعلق عليها غير حكمها.

стр. 1718

فإن كانت بعلة أخرى فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بعلة [٢٣٤/أ] واقفة، أو علة متعدية. فإن كانت واقفة، مثل أن يقول: يصح ظهار (١) الذمي؛ لأنه زوج يصح طلاقه، فوجب أن يصح ظهاره كالمسلِم. فيقول الخصم: المعنى في الأصل أنه يصح تكفيره بالصوم فصح ظهاره، وليس كذلك الذمي، فإنه لا يصح تكفيره بالصوم فلا يصح ظهاره. فإن المبتدىء بالعلة ينظر فيه، فإن كان المعارض لا يقول بعلة واقفة لم تصح المعارضة؛ لأنه لا يجوز أن يحتج بما لا يقول به. والمعارض يقول: ليست العلة التي نصبها الله تعالى وعلَّق حكمَه عليها ما ذكره المبتدىء بالعلة، وإنما هي غيرها، فلا يجوز أن يذكر ما يقرُّ هو بفساده. وإن كان المعارض يقول بالعلة الواقفة: قد قيل إن المبتدىء بالعلة يقول: أنا أقول بالعلتين جميعاً؛ لأنهما لا يتعارضان، فإن موجب العكس في الأصل واجب في الفرع، يوجد أحدهما وهي المتعدية، ولا يوجد الأخرى وهي الواقفة، فيجب أن يحكم بالمتعدية إليه، ولا تعارضه الواقفة؛ لأنها غير موجودة فيه. وقيل: لا ينبغي أن يقول: أقول بالعلتين؛ لأنه إقرار بصحة علة الخصم والشهادة لها. ولا حاجة به إلى ذلك. ولكنه يقول: علتك لا تعارض علتي لما قدمته، وهو أن موجبهما أصل واحد، وفي الفرع توجد المتعدية، ولا توجد الواقفة، فلا يجوز أن يتعارضا في الأصل ولا في الفرع، فلا يكون الخصم بهذه العلة معارضاً. فإن قيل: العلة الواقفة تعارض المتعدية في الفرع؛ لأن زوال العلة يوجب

стр. 1719

زوال الحكم، فيوجب أن يكون الذمي لا يصح ظهاره. قيل: زوال العلة يوجب زوال الحكم المتعلق بها ولا يوجب ضد حكمها. فإذا كان الحكم متعلقاً بعلتين فزالت إحداهما زال الحكم المتعلق بها، وبقي الحكم متعلقاً بالعلة الأخرى لا تعارضها العلة الزائلة، ولا يوجب ضد حكمها. ألا ترى أن الحائض والمُحْرِمة بالحج يحرمُ وطؤها لحيضها ولإحرامها، فإذا انقطع حيضُها بقي تحريم وطئها متعلقاً بالإحرام. وإن عارضه بعلة متعدية فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون داخلة في علته أو غير داخلة فيها. فإن كانت داخلة في علته: مثل تعليل مالك تحريم التفاضل بالقوت (١) ، مع تعليل أحمد ﵀ بالكيل. والجواب عنه كالجواب عن العلة الواقفة؛ لأن القوت داخل في الكيل. وإن كانت خارجة عن علته ومتعدية إلى فروع لا يقول بها، لأنها (٢) تتعدى إلى فروع لا يجري فيها (٣) الربا عند مالك (٤) والشافعي (٥) مثل الخُضَر وغيرها (٦) . فإذا [٢٣٤/ب] كان كذلك كان الجواب عنه إفساد علته أو يرجح (٧) علته على علة خصمه، كما قلنا في العلة المعارضة من غير أصلها.

стр. 1720

وأما معارضة العلة بتلك العلة بعينها (١) ، فإنها تسمى قلباً (٢) وتسمى المشاركة في الدليل. ومثاله: أن يقول: صلاة فرض لا تقضى في السفر، فوجب أن ينفصل وقتُها عن وقت الصلاة التي بعدها قياساً على صلاة الصبي. فيقول له: وجب أن يكون لها وقتان أو وقت ممتد قياساً على صلاة الصبح. أو يقول المخالف: لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلا يكون قُرْبة بنفسه قياساً على الوقوف بعرفة. فيقال له: وجب أن لا يكون من شرطه الصوم قياساً على الوقوف بعرفة. ومثل هذا كثير. فهو صحيح (٣) . ومن أصحاب الشافعي من قال: لا يصح (٤) .

стр. 1721

والدلاله على صحته: أن هذه معارضة صحيحة؛ لأن المبتدىء بالعلة لا يمكنه أن يجمع بينهما ويعلقهما على علته. وإذا كان كذلك كانا متعارضين، وكان ذلك بمنزلة المعارضة من أصل آخر. فإنه لما تعذر الجمع بين حكم الأصلين في الفرع كانا متعارضين، كذلك هاهنا. وأيضاً: فإن المخالف استدل على المنع من نقض البناء في مسألة السَّاجَة (١) بقوله ﵇: (لا ضرر ولا إضرار في الإِسلام) (٢) وفي نقض بنائه إضرار به؛ لأنه إفساد لآلته، وإبطال لنفقته، فوجب أن يمنع منه.

стр. 1722

.................................

стр. 1723

فقال أصحاب الشافعي وجب رد ساجَتِه وما غصبه من آلته؛ لأن في منع ذلك منه إضراراً (١) به. وإذا كان هذا صحيحاً كان القلب صحيحاً؛ لأنه يشاركه في دليله. واحتج المخالف: بأنها معارضة في غير الحكم الذي علله، فلا يلزمه الجواب عنه. ألا ترى أنه إذا استأنف قياساً في حكم آخر لم يصح لهذا المعنى، كذلك لا يصح القلب. والجواب: أنه يبطل بالمشاركة في دلالة الخبر على ما بيناه في مسألة السَّاجَة، فإنه معارضة في غير حكمه وقد صح. وعلى أن مثل هذا جائز للمعارض، وإن كان من أصل آخر؛ لأنه في معنى ضد حكمه؛ لأنه لا يمكنه الجمع بينهما كما (٢) لا يمكنه الجمع بين

стр. 1724

الحكم وضده. واحتج بأن أوصاف علة المعلِّل لا تصلح للحكم الذي نقلتها فيه، فلا تكون مؤثرة في وجوده، فلم يصح القلب. والجواب أن هذا في بعضه دون بعض. ألا ترى أنه إذا قال (١) : عضو من أعضاء الوضوء، فلا يجوز في إيصال الماء إليه ما يقع الاسم عليه (٢) . فقلبه الخصم على أبي حنيفة [٢٣٥/أ] وقال: وجب أن لا يقدَّر بالربع (٣) ، كانت العلة في الحكمين سواء، ولم يكن فرق بين أن يجعل عضواً من أعضاء الوضوء علة لإِجزاء اليسير وبين أن يجعل علة لنفي التقدير. وفي القلب نوع أحسن، وهو الذي يسمى قلب التسوية (٤) . مثاله: أن يقول المخالف (٥) : إيقاع طلاق من مكلف مالك للطلاق، موجب أن يقع الطلاق. أصله: المختار. فيقلبه الخصم عليه فيقول: وجب أن يكون حكم الإِيقاع والإِقرار سواء قياساً على المختار.

стр. 1725

وهو صحيح (١) . ومن أصحاب الشافعي من منع صحته (٢) . والدلالة على صحته: أن الجمع بين الحكم المبتدىء بالعلة وبين حكم القالب لا يصح، فكان بمنزلة القلب الأول. فعلى هذا حكم الفرع موافق لحكم الأصل؛ لأن الحكم هو الاستواء، وهذا في الأصل والفرع واحد. وإنما يختلفان في كيفية الاستواء، والكيفية حكم غير الاستواء. ألا ترى أن النبي ﵇ لو قال: حكم الإيقاع والإقرار سواء، كانت التسويةُ واجبة بالنص، وكيفية التسوية غير منصوص عليها، فإذا دل الدليلُ على أنهما يستويان في الأصل في الصحة وفي الفرع في البطلان كانت الكيفية مجتهداً فيها، والاستواء منصوصاً عليه. فعلى هذا يجوز قياس أصحاب أبي حنيفة: مالان من جنس الأثمان، فوجب ضم أحدهما إلى الآخر قياساً على ضم المكسرة والصحاح، وإن كان الضم في الأصل في الأجزاء وفي الفرع في القيمة على قولهم (٣) . ومن قال: لا يصح هذا القلب لا يُجوِّز هذا القياس؛ لأنهما يختلفان، ويجب أن يكون الفرع موافقاً لحكم الأصل. واحتج في ذلك: بأن حكم الفرع في ذلك مخالف لحكم الأصل؛ لأن

стр. 1726

الاستواء [في الأصل] في الصحة وفي الفرع في البطلان عند القالب. ويجب أن يكون حكم الفرع مثل حكم الأصل؛ لأن حكم الأصل يجب أن يتعدى إلى الفرع لتعدي علة الأصل عليه. والجواب عنه ما ذكرنا، وهو أن الجمع بين حكم المبتدىء بالعلة وبين حكم القالب لا يصح، فلم يجب اعتبارهما في القلب. نوع ثالث: وهو أن يجعل المعلول علة والعلة معلولاً (١) . والمراد بالمعلول هو الحكم، فكأنه يجعل حكم المبتدىء بالعلة علة وعلته حكماً. مثاله: أن يقول (٢) : زوج يصح طلاقُه، فوجب أن يصح ظهارُه (٣) قياساً على المسلِم. فيقول المخالف: ما ينكر على من قال: إنما صح طلاقُ المسلِم؛ لأنه صح ظهارُه. قيل له: هذا القلب بمنزلة المعارضة بعلة واقفة وأصل عليه. ويكون الجواب عنه ما ذكرنا من القول بهما. أو قوله: إنهما لا يتعارضان، فلا يصح القلب. وقد قيل: يصح هذا القلب؛ لأنه لا يجوز [٢٣٥/ب] أن يثبت الحكم لما

стр. 1727

هومثبت له. فإذا كان ثبوت الظهار لثبوت الطلاق في الأصل لم يجز أن يكون كل واحد منهما أمارة على الآخر من الأمارات الشرعية (١) . فيقول (٢) صاحب الشريعة: إذا وجدتم صحة الطلاق فاحكموا بصحة الظهار، وإذا وجدتم صحة الظهار فاحكموا بصحة الطلاق، فيكون كل واحد منهما أمارة على الآخر. وقد وجد مثل ذلك؛ لأن صاحب الشريعة أمرنا إذا أعطينا الابن عطية أن نعطي الابنة، وإذا أعطينا الابنة عطية أن نعطيَ الابن أيضاً (٣) ، فصارت (٤) عطية كل واحد منهما أمارة على عطية الآخر.

стр. 1728

فصل [في ترجيحات العلل] فأما ترجيحات العلل (١) فمن وجوه: أحدها: أن ترجح إحدى العلتين على الأخرى بأن تكون موافقة لكتاب الله تعالى. والثاني: بأن تكون موافقة للخبر عن رسول ﷺ . والثالث: بأن تكون موافقة لأثر عن الصحابة. والرابع: أن تكون إحداهما منصوصاً عليها والأخرى مستنبطة. والخامس: بأن تشهد لإحداهما الأصول. والسادس: بأن تكون إحداهما مطردة منعكسة، فيدل ذلك على تعليق الحكم بهذه العلة. والسابع: بأن تكون إحداهما مؤثرة في أصلها، فيوجد الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، والأخرى تؤثر في غير أصلها. الثامن: أن يكون الفرع موجوداً بإحدى العلتين في جنسه وشكله فتكون أولى. التاسع: بأن تكون إحداهما مردودة إلى ما يكثر شبهه به، مثل اللعان، يُرَد إلى اليمين، فإن شبهه بها أكثر من شبهه بالشهادة.

стр. 1729

العاشر: بأن تكون إحداهما لا تخص الاسم المنهي عنه منه، والأخرى تخصه كتعليل أبي حنيفة تحريم التفاضل بالكيل، ويبيح تمرةً بتمرتين وبُرةً ببرتين (١) ، ونحن لا نخص الاسم، ويجرى الربا في القليل، والكثير (٢) فيكون الذي لا يخصه أوْلى؛ لأن العموم يشهد لها. ويمكن أن لا يكون ذلك من الترجيح، وتكون العلة باطلة؛ لأن المطلوب علة الحكم الذي دلَّ عليه الاسم، فلا يجوز إسقاط شىء منه بالعلة. ويخالف تخصيص اسم آخر؛ لأنه إنما يخصه بخصوص الاسم الذي انتزعت العلة منه بذلك، فيكون القضاء بالعلة عليه نقضاً للاسم الخاص عليه. والحادي عشر: بأن يكون حكم إحداهما (٣) سابقاً لها، وحكم الأخرى غير سابق لها، فالتي لا يسبقها حكمها أوْلى؛ لأن ذلك يدل على تأثيرها، كقولنا: بائن [٢٣٦/أ] فلا نفقة لها كالمطلقة قبل الدخول (٤) . وقال المخالف (٥) : معتدة من طلاق، فوجب أن تكون لها النفقة كالرجعية؛ لأن النفقة سابقة للعلة في الأصل والفرع، وعلتنا غير سابقة؛ لأن العلة هي البينونة، ولم تسبق سقوط النفقة.

стр. 1730

الثاني عشر: أن تكون إحداهما صفة ثابتة في الحال والأخرى توجد في الثاني، كقولنا [في رهن المشاع] (١) : عين يصح بيعها فصح رهنها كالمفرد (٢) . وقولهم (٣) : قارَنَ العقد معنى يوجب استحقاق [رفع] (٤) يده في الثاني، فهو تجوّز (٥) غير موجود (٦) . الثالث عشر: أن تكون إحداهما صفة محسوسة، والأخرى حكماً شرعياً، فتكون الصفة المحسوسة [أوْلى] لقوة وجودها (٧) . الرابع عشر: أن تكون إحداهما إثبات صفة، والأخرى نفيها، فيكون إثبات الصفة أوْلى. الخامس عشر: أن تكون إحداهما حكماً متفقاً عليه، والأخرى حكماً مختلفاً فيه، وإن كان الخصمان قد اتفقا عليه. السادس عشر: أن تكون إحداهما مردودة إلى أصل ثابت بكتاب أو سنة متواترة أو إجماع أو نص صريح، والأخرى بخلاف ذلك، فتكون أوْلى؛ لأن الفرع يقوى بقوة الأصل.

стр. 1731

السابع عشر: أن تكون إحداهما مفسَّرة، والأخرى مجملة، فتكون المفسر [ة] أوْلى، كقولنا (١) : أفطر بغير مباشرة. وقول أصحاب أبي حنيفة (٢) : أفطر بأعلى ما في جنسه أو بممنوع نوعه (٣) . الثامن عشر: أن يكون في إحداهما احتياط للغرض فتكون أولى. التاسع عضر: أن تكون إحداهما ناقلة عن العادة والأخرى مبقية، كانت الناقلة عن العادة أوْلى؛ لأنها تفيد حكماً شرعياً. وقال بعضهم (٤) : المبقية على حكم ما قبله [أولى] (٥) ؛ لأن النفي أمر (٦) [معتبر] عند اعتراض الشك بالبناء على ما قبله. وهذا لا يشبه ما ذكرنا؛ لأن البقاء هناك احتياط للعبادة، وأن لا يحكم

стр. 1732

ببراءة ذمته بالشك. والاحتياط هاهنا في الانتقال؛ لأنه يفيد حكماً شرعياً. العشرون: أن تكون إحداهما تزيد في الحكم، مثل أن توجب إحداهما، وتندب الأخرى، أو تندب إحداهما، وتبيح الأخرى، فتكون: الزائد [ة] أوْلى. وكذلك إذا كانت إحداهما تزيد في القدر. الحادي والعشرون: أن تكون إحداهما حاظرة، فتكون أوْلى. وقد بينا ذلك في ترجيح الأخبار. الثاني والعشرون: أن تكون إحداهما تستوعب معلولها، كقولنا (١) : من جرى بينهما القصاص في النفس جرى بينهما القصاص في الأطراف كالحُرَّين الرجلين، وهذا يستوعب [٢٣٦/ب] جميع المعلول. وقولهم (٢) : التكافؤ معتبر في الأطراف، ولا يوجد ذلك بين الرجل والمرأة لعدم التساوي في البدل. وهذا لا يعم المعلول؛ لأن العبدين لا يجري بينهما عنده، وإن تساويا في البدل (٣) . الثالث والعشرون: أن تكون إحداهما من باب الأوْلى فيجب تقديمها. الرابع والعشرون: أن تكون إحداهما متعدية إلى فرع مختلف فيه، والأخرى غير متعدية، فتكون المتعدية أوْلى، ولهذا تركنا علة الأثمان في الربا؛ لأنها لا تنعقد (٤) .

стр. 1733

الخامس والعشرون: أن يكون أصل إحداهما ما يعارضها، وهو القلب. فأما كون إحداهما أعم من الأخرى فلا تكون أوْلى. وحكي عن بعض الشافعية أن الأعم أولى (١) . ولهذا قالوا: العلة الطعم؛ لأنها أعم من الكيل، فإنها تجري فيما لا يكال. دليلنا: أن أحد العمومين إذا اشتمل على مسميات أكثر من المسميات التي اشتمل عليها العموم الآخر، لم يكن أكثرهما عددا في المسميات أوْلى بالاستعمال من أقلهما (٢) عدداً، كذلك هاهنا. يبين صحة هذا: أنه ليس في كون إحداهما (٣) أكثر من كون فروعها أكثر، وهذا لا يوجب ترجيحها، كما لم يوجب ذلك في العمومين. على أنهم قد ناقضوا في ذلك، فإنهم لم يجعلوا العلة في تحريم التفاضل في الذهب: الوزن، مع كونها أعم من الأثمان. وهذه الترجيحات قد كانت تستعمل في المناظرات، وقد عدل عنها في هذا الزمان إلى معانٍ وتأثيرات، وهو أوْلى؛ لأنه طريق الفقه واستخراج الأمارات الظاهرة المغلبة على الظن المميزة بين الصحيح منها وبين الفاسد. فإذا ثبت ما ذكرنا، فإن من عجز عن ترجيح دليله على ما عارضه خصمه به، أو إفساده بما يفسده فإنه منقطع.

стр. 1734

[معنى الانقطاع] والانقطاع في المناظرة (١) هو: العَجْز عن بلوغ الغرض المطلوب بالمناظرة (٢) . وذلك مأخوذ من قولهم: انقطع في السفر: إذا عجِز عن السير وبلوغ الغاية المقصودة به (٣) . [انقطاع المسؤول] وانقطاع المسؤول بسبعة أشياء: أحدها: العجز عن بيان المذهب. والثاني: العجز عن بيان الدليل. والثالث: العجز عن الانفصال عن المعارضة. والرابع: بجحده مذهبَه. والخامس: بجحده ما ثبت بإجماع أو نص. والسادس: بالانتقال. والسابع: بتخليط كلامه بما لا يُفهم.

стр. 1735

[انقطاع السائل] وانقطاع السائل بثمانية أشياء. [الأول] : بالعجز عن بيان السؤال. والثاني: بالعجز عن المطالبة [٢٣٧/أ] بالدليل. والثالث: بالعجز عن المطالبة بتقرير الدليل. والرابع: بالعجز عن المعارضة. والخامس: بالعجز عن المنع من الترجيح. والسادس: بالانتقال عما شرَع فيه قبل إتمامه. والسابع: بجحد ما ثبت بنص أو إجماع. والثامن: بتخليط كلامه على وجه لا يُفهم (١) . مسألة لا يجوز أن يعتدل قياسان على أصل واحد مع كون أحدهما موجباً للحظر وكون الآخر موجباً للإِباحة (٢) ، ولابد من وجود المزية في أحدهما. وقد

стр. 1736

تظهر تلك المزية وقد تخفى. فإذا خفيت وجب أن يجتهد في طلب ترجيح أحدهما والوقْف إلى أن يتبين ذلك. وكذلك الأخبار، لا يجوز أن يرد خبران متعارضان من جميع الوجوه، ليس مع أحدهما ترجيح يُقدَّم به. وقد قال أبو بكر الخلاَّل في كتاب العلم: "لم أجد عن رسول الله ﷺ حديثاً متضاداً إلا وله وجهان، أحدهما إسناد جيد، والآخر إسناد ضعيف". وإلى هذا ذهب الكرخي من أصحاب أبي حنيفة (١) وأبي سفيان. وحكاه الإسفراييني عن أصحابه أيضاً (٢) . وذهب الرازي إلى جواز ذلك وقال: إذا اعتدل قياسان في نفس المجتهد، وأحدهما يوجب الحظر والآخر يوجب الإباحة، فإن المجتهد يكون مخيراً في أن يحكم بأيهما شاء (٣) . وبه قال قوم من المتكلمين (٤) . وإليه ذهب الجرجاني أيضاً (٥) ، وحَكى قول الكرخي وقال: هذا خلاف ما قاله أبو حنيفة في سؤر الحمار: إن دليل الحظر والإِباحة

стр. 1737

تساويا، فتوقَفَ فيه (١) . دليلنا: اتفاقهم على أن الحكم في الحادثة يتبع كونها ببعض الأصول أشبه منها بغيره. وإذا كان كذلك لم يجز أن تكون الحادثة بكل واحد من الأصلين أشبه منها بالآخر. فلم (٢) يجز أن يعتدل قياسان، ولابدَّ من وجود الرجحان في أحدهما. ولأن كل واحد من القياسين لو انفرد لم يوجب التخيير، كذلك إذا اجتمعا؛ لأن التخيير معنى زائد، فلا يجوز إثباته إلا بدلالة. وإذا سقط اعتبار التخيير لم يجز للمجتهد أن يقيس الفرع عليهما، ويلزمه أن يجتهد في طلب ترجيح أحدهما، والوقف إلى أن يتبين ذلك. كما لو لم يعرف في الابتداء أصلاً يقيس الفرع عليه لزمه التوقف. ولأن هذا يوجب تكافؤ الأدلة وتعارضها، وهذا خلاف موضوع الشريعة. واحتج المخالف: بأنه لا يستحيل في العقل تكافؤ (٢٣٧/ب) جهات القياس بدلالة أنه قد يصح أن تتساوى جهات القبلة عند الخطأ.

стр. 1738

وإذا كان ذلك جائزاً وجب أن يكون المجتهد بالخيار في حمل الفروع على أي الأصلين شاء كالمكفِّر عن يمينه، لما استوت الأشياء الثلاثة في جواز التكفير، فبأيها شاء كان له أن يكفِّر بما شاء منها. والجواب: أن [هناك] فرقاً بين القبلة وبين مسألتنا، وذلك أنه لا يجوز للمجتهد أن يعدل عن حمل الحادثة على الأصل الذي هي أشبه به منها بغيره على وجه من الوجوه، ويجوز ذلك في جهات القبلة عند المسايَفَة (١) والراحلة. وأما الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين، فإنما كان المكفر مخيراً فيها؛ لأن كلاً منها منصوص عليه على طريق التخيير، وليس بينها (٢) تضاد. ألا ترى أنه يجوز ورود العبادة بوجوب التكفير بهما جميعاً، ولا يجوز ورود التعبد باعتبار الحظر والإباحة في الشىء الواحد على المكلف الواحد. واحتج: بأن القياس طريق إلى إثبات الحكم كالنص، فلما جاز ورود النص بحكمين مختلفين، كذلك القياس. والجواب: أنه لا يجوز أن يرد النص بحكمين متضادين في الشىء الواحد في الوقت الواحد على المكلف الواحد، كما قلنا في القياس فلا فرق بينهما.

стр. 1739

باب الاجتهاد مسألة المصيب واحد من المجتهدين في أصول الديانات. (١) . وقد نصَّ أحمد ﵀ في مواضع على تكفير جماعة من المتأولين، كالقائلين بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلْق الأفعال (٢) . وهذا يمنع إصابتهم في اجتهادهم. وهو قول الجماعة (٣) . وحُكي عن عبيد الله العنبري (٤) : أن المجتهدين من أهل القبلة مصيبون مع

стр. 1740

اختلافهم (١) . وهذا غلط؛ لأن إباحة الاجتهاد تجوز فيما جوَّزنا ورود الشرع، وغير جائز أن يرد الشرع بالأمرين المتضادين في صفات الباري سبحانه، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فإنه لا يجوز أن يكون يراد لا يراد، خالق لأفعال العباد غير خالق، والنبي صادق وليس بصادق. ولا يشبه هذا أحكام الفروع؛ لأن قد كان يرد بإباحة عين في حق واحد، وحظْرها في حق آخر، في حالٍ واحدة. كالحائض [٢٣٨/أ] يحل لها الأكل في رمضان، ولا تجب عليها الصلاة. والطاهر لا يحل لها الأكل في رمضان، وتجب عليها الصلاة فجاز أن يكون كل مجتهدٍ مصيباً. [الحق في أحكام الفروع] فأما أحكام الفروع: فالحق فيها في واحدٍ عند الله تعالى (٢) . وقد نصَب الله على ذلك دليلاً إما غامضاً أو جلياً، وكلف المجتهد طلبته وإصابته بذلك الدليل. فإذا اجتهد وأصابه كان مصيباً عند الله تعالى وفي الحكم، وله أجران: أحدهما على إصابته. والآخر على اجتهاده.

стр. 1741

وإن أخطأ كان مخطئاً عند الله تعالى وفي الحكم، وله أجر على اجتهاده، والخطأ موضوع عنه. والحكم بالاصابة والخطأ من طريق غلبة الظن، لا من طريق القطع. نص على هذا ﵀ في رواية بكر بن محمد عن أبيه، فقال: "إذا اختلفت الرواية عن النبي ﷺ فأخذ رجل بأحد الحديثين، وأخذ آخر بحديث آخر ضده، فالحق عند الله في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطىء" (١) . فقد نصَّ على أن الحق في واحدٍ عند الله. وقوله: "لا يقول لمخالفه إنه مخطىء". يريد به: لا يقطع على خطئه؛ لأن الله تعالى ما نصب دليلاً قاطعاً، وإنما نصب دليلاً خفياً، أو ما هو أمارة على الحكم. والذى يدل على أنه أراد بذلك ما قلنا: أنه قال بعد ذلك في رواية بكر: "وإذا اختلف أصحاب محمد (٢) ، فأخذ رجل بقول بعضهم، وأخذ آخر عن

стр. 1742

رجل منهم، فالحق في واحدٍ، وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ. وكذلك قال عمر: (والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ) . فقد نصّ على أنه يجوز الخطأ على المجتهد. وكذلك قال في رواية أبي طالب فيمن يقول: لا شفعة إذا لم يكن طريقهما واحداً، "إذا قدموه إلى هؤلاء، وحلف ماله شفعة، إنما هذا اختيار، وقد اختلف الناس فيها" (١) . وقال في رواية بكر بن محمد -في حاكم حكَم في المفلس أنه أسوة الغرماء-: "رد حكمه" (٢) . وإنما قال هذا؛ لأنه يعتقد أنه خالف النص في ذلك، لا أنه يقطع على إصابة المجتهد وخطئه. وقد علَّق القول في رواية أبي داود فيمن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مسِّ الذكر، وقد علم أنه قد مس: "يصلى خلفه" (٣) .

стр. 1743

وكذلك نقل الأثرم عنه فيمن صلى خلف من احتجم ولم يتوضأ: "فإن كان ممن يتدين بهذا وأنه لا وضوء فيه لا يعيد، وإن كان يعلم أنه لا يجوز فيعمدُ يعيد" (١) . وكذلك نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث فيمن صلى خلف من عليه جلود الثعالب، فإن تأول: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) [٢٣٨/ب] "يصلى خلفه". قيل له: أفتراه جائزاً؟ قال: "لا، ولكن إذا كان يتأول فلا بأس أن يصلى خلفه". قيل له: كيف وهو مخطىء في تأويله؟! فقال: "وإن كان مخطئاً في تأويله ليس هو كمن لم يتأول". ثم قال: "من يرى الوضوء من الدم فلا يصلِّ خلف سعيد بن المسيب ومالك، ومن سَهَّل في الدم [قال] بل يصلى (٢) ". وكذلك نقل ابن مُشيْش عنه في جلود الثعالب. وهذا لا يخالف ما رواه بكر بن محمد عنه.

стр. 1744

وإنما أجاز الصلاة خلف المتأولين؛ لأنه لم يقطع على خطئهم، ولا يقطع على أن الحق في جهته، وإنما يحكم بالخطأ والصواب من طريق غلبة الظن. وهذا فصل يجىء الكلام فيه في أثناء المسألة. ويحتمل أن يكون أجاز صلاتهم؛ لأن المأموم (١) معذور فيما جهل حالة الإمام فيه، ولهذا قلنا: إذا صلى بهم محدِثاً صحت صلاتهم (٢) . ويحتمل وجهاً آخر وهو: أنه أجاز صلاتهم؛ لأن طريق هذه المسائل خفية، يعذر الجاهل فيها. ولهذا أجاز الصلاة خلف المبتدع إذا كان عامياً، ولم يجزها خلف العالِم (٣) ؛ لأن طريق هذه المسائل خفية، فأجازه لذلك، لا لأن الحق مع كل واحدٍ. يبيِّن هذا ما قاله في رواية محمد بن أحمد بن واصل (٤) ومهنّا "لا يصلى

стр. 1745

خلف من يقول: (الماء من الماء) " (١) . وكذلك نقل جعفر بن محمد عنه في إمام صلى ولم يقرأ فاتحة الكتاب: "يعيدُ الصلاة" (٢) . "وكذلك إذا لم يقرأ في الركعتين الأخيرتين" (٣) . وكذلك قال في القبلة: "إذا اجتهد نفسان في طلبها، واختلف اجتهادهما لم يَتْبَع أحدُهما الآخر في الصلاة" (٤) . وكذلك قال في رواية أبي داود فيمن كان يتديَّن بحديث عُقْبة بن عامر في المسح أكثر من ثلاثة أيام (٥) ثم ترك؟ "يعيدُ ما كان صلى وقد مسح أكثر

стр. 1746

من ثلاث؛ أمرُ النبي ﷺ أولى (١) من قول عُقبَة بن عامر" (٢) . وهذا كله يدل على أن الحق في أحدهما، والآخر مخطىء لا يُتْبَع في اجتهاده. وبهذا قال أكثر أصحاب الشافعي (٣) . ومنهم من قال -وهو القاضي أبو الطيب الطبري- إنني أعلمُ بإصابتنا

стр. 1747

للحق، وأقطعُ بخطأ من يخالفنا، وأمنعُه من الحكم باجتهاده غير أنني لا أنقضه (١) . وحُكي مثل مذهبنا عن بِشْر المَرِّيسي والأصمِّ وابن عُلَيَّة (٢) . وقال أبو الحسن الكرخي -فيما حكاه أبو سفيان السرخسي عنه-: مذهب أصحابنا جميعاً: أن كل مجتهد مصيب لما كُلِّف من حكم الله تعالى، والحق في واحدٍ من أقاويل المجتهدين (٣) .

стр. 1748

قال: ومعنى ذلك أن الأشبه واحد عند الله تعالى إلا أن المجتهد لم يكلف [٢٣٩/أ] إصابته. قال: وهكذا حُكي عن عيسى بن أبان أن كان يقول: لابد من مطلوب هو أشبه الأشياء بالحادثة، إلا أن المجتهد لم يُكلََّف إصابته، وإنما يبعد أن يحكم فيها بحكم الأصل الذي هو أشبه به في غالب ظن المجتهد. ونحو هذا حكى أبو عبد الله الجرجاني، وفسّر الأشبه بأنه شبَه الحادثة ببعض الأصول أقرب عند الله تعالى، وأنه لو أنْزِل ذلك الحكم لكان ينزله بأحد الوجهين. وذهبت المعتزلة: إلى أن كل مجتهد مصيب (١) . واختلفوا: هل هناك أشبه مطلوب أم لا؟. فمنهم من قال: هذا أشبه مطلوب، إلا أنه لم يُكلف إصابته، كما قال أصحاب أبي حنيفة. ومنهم من قال: ليس هناك أشبه، ولا عند الله في الحادثة حكم، وإن فَرْض كل واحد ما يغلب على ظنه، وأدى إليه اجتهاده (٢) . حُكي ذلك عن أبي هاشم (٣) . واختلفت الأشعرية فقال الأكثر منهم مثل قول [ابن فُورك و] (٤) أبي إسحاق الإِسفراييني

стр. 1749

وغيرهما: مثل قولنا (١) . وقال أبو بكر بن الباقلاني: لأبي الحسن الأشعري في ذلك قولان (٢) . واختار (٣) أن كل مجتهد مصيب، وأن فَرْض كل واحدٍ ما يغلب على ظنه، ويؤديه إليه اجتهاده. وليس هناك أشبه مطلوب (٤) . والكلام في فصول أحدهما: الدلالة على أن الحق في واحدٍ من القولين. ودليله: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والاستدلال. [الدليل من الكتاب] : أما الكتاب فقوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذ يحكمانِ في الحرثِ) إلى قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًءَاتَيْنَا حُكْمَاً وعِلْمَاً) (٥) . فموضع الاستدلال أن داود قضى باجتهاده، وسليمان قضى باجتهاده؛ لأن لو كان هناك نص ما اختلفا في الحكم.

стр. 1750

فأخبر الله تعالى أنه فهَّم الحكم لسليمان. فثبت أنه كان أصاب في الحكم، وداود لم يصب. وعلى قولهم، هما جميعاً (١) ، مصيبان (٢) . فإن قيل: قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) لا يدل على أنه لم يُفَهِّم داود؛ لأن تخصيص الشىء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. ومن قوله تعالى: (وَلَقَدْءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً) (٣) ولم يدل على نفي العلم عن غيرهما من الأنبياء. وكذلك قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَك تَحْتَ الشَّجَرَةِ) (٤) لا يدل على أنه لم يرض عن غيرهم من المؤمنين الذين لم يبايعوه تحت الشجرة قيل له: تخصيص الشىء بالذكر يدل على نفي ما عداه. وهذا أصل قد سبق الكلام فيه (٥) . فإن قيل: قد رُوِيَ أنهما كانا حكما في الحرث بالنص، ثم نسخ الله تعالى

стр. 1751

الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل على لسان سليمان، فيحتمل أنه فهَّمه الناسخ، ولم يُفَهَّم ذلك داود (١) . قيل: قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) يقتضي: في تلك الحكومة. وعندهم أنه لم يخص سليمان بالفهم في تلك الحكومة. فإن قيل: فقد رُويَ أنهما كانا قد حكما من طريق الاجتهاد (٢) ، إلا أن سليمان -على نبينا وعليه السلام- قد أصاب حقيقة الأشبَه المطلوب عند الله، وداود لم يصب ذلك، فلم يخرجا بذلك من كونهما مصيبين الحق. قيل: جماعة مَن خالفنا في هذه المسألة لا تقول: إن هناك أشبه، وإنما فرضه الاجتهاد وحْدَه. فلا يصح هذا التأويل منه. ومن قال: إن هناك أشبَه قال: بأنه لم يكلفه، وإذا لم يكلفه يجب أن لا يؤثر وجوده وعدمه في حق أحدهما. وعلى أنه لولا أنه يجب طلب الأشبَه لم يمدح سليمان بفهمه. وعلى أنه الآية وردت في القضية في الحكم، ولم ترد في طلب الأشبَه، فوجب أن يكون سليمان مخصوصاً بإصابة الحكم. وجواب آخر وهو أنه رُوي في الحديث: أن سليمان نقضَ حكمَه. ولو كان داود مصيباً لم ينقض سليمان حكمه (٣) .

стр. 1752

فإن قيل: فقد قال تعالى: (وَكُلاًءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) ، وهذا يدل على أنهما جميعاً كانا مصيبين. قيل: لم يرد أنهما أوتيا الحكم والعلم في هذه المسألة؛ لأنه لو كان كذلك لما خص بالفهم أحدهما، وإنما أراد أنهما أوتيا ذلك في الجملة. فإن قيل: يجوز أن يكون في المسألة نصٌ خفي، وقف عليه سليمان ولم يقف عليه داود. قيل: لو كان هناك نص لما جاز الحكم بالاجتهاد. على أن من مذهبهم: أنه إذا كان هناك نص خفي فحكم به حاكم باجتهاده، لم يكن مخطئاً في حكمه. فإن قيل: كيف يجوز الخطأ على الأنبياء؟!. قيل: يجوز عليهم، كما يجوز على غيرهم. ولهذا قال النبي ﷺ : (إنما أنَسَّى لأسُنَّ) . وإنما الفرق بيننا وبينهم أنهم لا يقرون على الخطأ، ونحن نقرُّ عليه.

стр. 1753

[الدليل من السنة] : وأيضاً: ما روى أبو هريرة وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وغير [هم] عن النبي ﷺ [٢٤٠/أ] أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر) . وهذا يدل على أن المجتهدين بين الإِصابة والخطأ. فإن قيل: هذا خبر واحد. قيل: وإن كان خبر واحد فقد تلقته الأمة بالقبول، وأجمعوا على صحته وتأويله، فصار بمنزلة المتواتر، فوجب المصير إليه. فإن قيل: معناه: إذا أصاب الأشبَه المطلوب، فله أجران، وإن أخطأ الأشبَه كان له أجر واحد. قيل: عندك لم يكلف طلب الأشبَه ولا إصابته، وإنما فرضُه ما يغلب على ظنه. وإذا كان الأشبَه وغيره واحداً لم يختلفا في الثواب والأجر. فإن قيل: أراد بالإِصابة: إصابة النص أو الإِجماع، وبالخطأ: خطأ النص أو الإِجماع. قيل: هذا عام بما فيه نص أو إجماع وغيره، فوجب أن يحمل على عمومه. على أن استحقاق الأجر لا يختص بإصابة النص والإِجماع، بل ما فيه النص والإِجماع، ومالا نص فيه ولا إجماع في الأجر والثواب سواء. وعلى أنه لو وجب حمل الخبر على هذا لوجب تفسيق من خالفه وتأثيمه. ولمَّا حكم له النبي بأجر، لم يصح حملُه على ما قالوه. وقد قيل في جوابه: إن المجتهد إذا استقصى في طلب النص فلم يجد، فهو مصيب عندكم؛ لأنه لا يلزمه أن يحكم بما لم يبلغه. ولا يُسمى من لم يبلغه النص مخطئاً، كما لا يُسمى من لم تبلغه شريعة النبي أنه مخطىء.

стр. 1754

فإن قيل: كيف يستحق الأجر وقد أخطأ في الحكم وفي الاجتهاد؟ قيل: هو مصيب فيما فعله من الاجتهاد مخطيء في تركه للزيادة على ما فعله، فهو مأجور على ما فعله، مغفور له ترك ما ترك من الاجتهاد. فإن قيل: فقد أغْرِيَ إذاً بالترك؛ لأنه قد علم أنه لا مضرة عليه في الفعل. قيل: ليس هذا بإغراء؛ ألا ترى أنه من بشره النبي بالجنة لا يحس ضرر النار فيما يفعله؛ لأنه علم أن إما أن يسقط عنه العقاب بالتوبة، وإما بالمغفرة، ومع ذلك ليس مغرى. وعلى أن المجتهد لا يكون مغرى؛ لأنه لا يعرف المرتبة التي إذا انتهى إليها من النظر غفر له تركه النظر فيما بعد. إنما ذلك شيء يعرفه الله تعالى وحده، فجرى ذلك مجرى صغائرنا التي لا يعرفها إلا الله وحده. وأيضاً: ما رُوِيَ أن -النبي ﵇ كان إذا بعث جيشاً قال لهم: (إذا حاصرتم [٢٤٠/ب] أهل حصنِ أو مدينة فأرادوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تنزلوهم على حكم الله تعالى، فإنكم لا تدرون ما حكم الله فيهم) (١) . وهذا ينفي أن يكون حكم الله تعالى في الحادثة ما يُؤدي إليه اجتهاد المجتهد. فإن قيل: يجوز أن يكون قال لهم: لا تنزلوهم على حكم الله؛ لأنكم لا تأمنون ورود النسخ على الحكم الثابت. [قيل: هذا] لا يمنع وجوب العمل به قبل العلم بالنسخ.

стр. 1755

ألا ترى أنه لا جائز أن يقول النبي ﷺ لهم: لا تصلوا ولا تصوموا؛ لأنكم لا تأمنون أن يكون قد يصح ورودُ نسخ ذلك من الله تعالى. [الاستدلال بالإِجماع] وأيضاً: فإن المسألة إجماع الصحابة. فإنه قد ظهر منهم اختلاف في مسائل خطَّأ بعضُهم بعضاً فيها، وأنكر بعضهم على بعض. فلو كان كل مجتهدٍ في ذلك مصيباً لم يخطِّىء بعضهم بعضاً. بل كان يقول بعضُهم لبعض: أنا مصيب وأنت مصيب. فمن ذلك ما رُويَ عن عمر أنه أرسل إلى امرأة فأفْزَعَها ذلك، فأجْهَضَت. فاستشار الصحابة، فقالوا: (لاشىء عليك، إنما أنت مؤدِّب) . وكان عليٌّ: في القوم ساكتاً، فقال عمر: (عزمت عليك يا أبا الحسن لتخبرنِّي، فقال علي إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قاربوك (١) فقد غشوك. أراك قد ضمنت الدية. فقِبلَ قوله) . فقد أطلق اسم الخطأ عليهم، وإن كانوا مجتهدين. وقال عمر في قضية قضى بها: (لا أدري أصبت أم أخطأت، ولكن لم آل عن الحق) . وقال ابن عباس: (من شاء باهَلْتُه، أن الفرائض لا تعول) .
следующие страницы →