الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل على لسان سليمان، فيحتمل أنه فهَّمه الناسخ، ولم يُفَهَّم ذلك داود (١) .
قيل: قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) يقتضي: في تلك الحكومة.
وعندهم أنه لم يخص سليمان بالفهم في تلك الحكومة.
فإن قيل: فقد رُويَ أنهما كانا قد حكما من طريق الاجتهاد (٢) ، إلا أن سليمان -على نبينا وعليه السلام- قد أصاب حقيقة الأشبَه المطلوب عند الله، وداود لم يصب ذلك، فلم يخرجا بذلك من كونهما مصيبين الحق.
قيل: جماعة مَن خالفنا في هذه المسألة لا تقول: إن هناك أشبه، وإنما فرضه الاجتهاد وحْدَه. فلا يصح هذا التأويل منه.
ومن قال: إن هناك أشبَه قال: بأنه لم يكلفه، وإذا لم يكلفه يجب أن لا يؤثر وجوده وعدمه في حق أحدهما.
وعلى أنه لولا أنه يجب طلب الأشبَه لم يمدح سليمان بفهمه.
وعلى أنه الآية وردت في القضية في الحكم، ولم ترد في طلب الأشبَه، فوجب أن يكون سليمان مخصوصاً بإصابة الحكم.
وجواب آخر وهو أنه رُوي في الحديث: أن سليمان نقضَ حكمَه. ولو كان داود مصيباً لم ينقض سليمان حكمه (٣) .
стр. 1752
فإن قيل: فقد قال تعالى: (وَكُلاًءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) ، وهذا يدل على أنهما جميعاً كانا مصيبين.
قيل: لم يرد أنهما أوتيا الحكم والعلم في هذه المسألة؛ لأنه لو كان كذلك لما خص بالفهم أحدهما، وإنما أراد أنهما أوتيا ذلك في الجملة.
فإن قيل: يجوز أن يكون في المسألة نصٌ خفي، وقف عليه سليمان ولم يقف عليه داود.
قيل: لو كان هناك نص لما جاز الحكم بالاجتهاد.
على أن من مذهبهم: أنه إذا كان هناك نص خفي فحكم به حاكم باجتهاده، لم يكن مخطئاً في حكمه.
فإن قيل: كيف يجوز الخطأ على الأنبياء؟!.
قيل: يجوز عليهم، كما يجوز على غيرهم.
ولهذا قال النبي ﷺ : (إنما أنَسَّى لأسُنَّ) .
وإنما الفرق بيننا وبينهم أنهم لا يقرون على الخطأ، ونحن نقرُّ عليه.
стр. 1753
[الدليل من السنة] :
وأيضاً: ما روى أبو هريرة وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وغير [هم] عن النبي ﷺ [٢٤٠/أ] أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر) .
وهذا يدل على أن المجتهدين بين الإِصابة والخطأ.
فإن قيل: هذا خبر واحد.
قيل: وإن كان خبر واحد فقد تلقته الأمة بالقبول، وأجمعوا على صحته وتأويله، فصار بمنزلة المتواتر، فوجب المصير إليه.
فإن قيل: معناه: إذا أصاب الأشبَه المطلوب، فله أجران، وإن أخطأ الأشبَه كان له أجر واحد.
قيل: عندك لم يكلف طلب الأشبَه ولا إصابته، وإنما فرضُه ما يغلب على ظنه.
وإذا كان الأشبَه وغيره واحداً لم يختلفا في الثواب والأجر.
فإن قيل: أراد بالإِصابة: إصابة النص أو الإِجماع، وبالخطأ: خطأ النص أو الإِجماع.
قيل: هذا عام بما فيه نص أو إجماع وغيره، فوجب أن يحمل على عمومه.
على أن استحقاق الأجر لا يختص بإصابة النص والإِجماع، بل ما فيه النص والإِجماع، ومالا نص فيه ولا إجماع في الأجر والثواب سواء.
وعلى أنه لو وجب حمل الخبر على هذا لوجب تفسيق من خالفه وتأثيمه.
ولمَّا حكم له النبي بأجر، لم يصح حملُه على ما قالوه.
وقد قيل في جوابه: إن المجتهد إذا استقصى في طلب النص فلم يجد، فهو مصيب عندكم؛ لأنه لا يلزمه أن يحكم بما لم يبلغه. ولا يُسمى من لم يبلغه النص مخطئاً، كما لا يُسمى من لم تبلغه شريعة النبي أنه مخطىء.
стр. 1754
فإن قيل: كيف يستحق الأجر وقد أخطأ في الحكم وفي الاجتهاد؟
قيل: هو مصيب فيما فعله من الاجتهاد مخطيء في تركه للزيادة على ما فعله، فهو مأجور على ما فعله، مغفور له ترك ما ترك من الاجتهاد.
فإن قيل: فقد أغْرِيَ إذاً بالترك؛ لأنه قد علم أنه لا مضرة عليه في الفعل.
قيل: ليس هذا بإغراء؛ ألا ترى أنه من بشره النبي بالجنة لا يحس ضرر النار فيما يفعله؛ لأنه علم أن إما أن يسقط عنه العقاب بالتوبة، وإما بالمغفرة، ومع ذلك ليس مغرى.
وعلى أن المجتهد لا يكون مغرى؛ لأنه لا يعرف المرتبة التي إذا انتهى إليها من النظر غفر له تركه النظر فيما بعد. إنما ذلك شيء يعرفه الله تعالى وحده، فجرى ذلك مجرى صغائرنا التي لا يعرفها إلا الله وحده.
وأيضاً: ما رُوِيَ أن -النبي ﵇ كان إذا بعث جيشاً قال لهم: (إذا حاصرتم [٢٤٠/ب] أهل حصنِ أو مدينة فأرادوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تنزلوهم على حكم الله تعالى، فإنكم لا تدرون ما حكم الله فيهم) (١) .
وهذا ينفي أن يكون حكم الله تعالى في الحادثة ما يُؤدي إليه اجتهاد المجتهد.
فإن قيل: يجوز أن يكون قال لهم: لا تنزلوهم على حكم الله؛ لأنكم لا تأمنون ورود النسخ على الحكم الثابت.
[قيل: هذا] لا يمنع وجوب العمل به قبل العلم بالنسخ.
стр. 1755
ألا ترى أنه لا جائز أن يقول النبي ﷺ لهم: لا تصلوا ولا تصوموا؛ لأنكم لا تأمنون أن يكون قد يصح ورودُ نسخ ذلك من الله تعالى.
[الاستدلال بالإِجماع]
وأيضاً: فإن المسألة إجماع الصحابة.
فإنه قد ظهر منهم اختلاف في مسائل خطَّأ بعضُهم بعضاً فيها، وأنكر بعضهم على بعض. فلو كان كل مجتهدٍ في ذلك مصيباً لم يخطِّىء بعضهم بعضاً.
بل كان يقول بعضُهم لبعض: أنا مصيب وأنت مصيب.
فمن ذلك ما رُويَ عن عمر أنه أرسل إلى امرأة فأفْزَعَها ذلك، فأجْهَضَت.
فاستشار الصحابة، فقالوا: (لاشىء عليك، إنما أنت مؤدِّب) . وكان عليٌّ: في القوم ساكتاً، فقال عمر: (عزمت عليك يا أبا الحسن لتخبرنِّي، فقال علي إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قاربوك (١) فقد غشوك. أراك قد ضمنت الدية. فقِبلَ قوله) .
فقد أطلق اسم الخطأ عليهم، وإن كانوا مجتهدين.
وقال عمر في قضية قضى بها: (لا أدري أصبت أم أخطأت، ولكن لم آل عن الحق) .
وقال ابن عباس: (من شاء باهَلْتُه، أن الفرائض لا تعول) .
стр. 1756
وقال: (ألا يتقى الله زيد: يجعل ابن الابن بمنزلة الابن، ولا يجعل أبا الأب بمنزلة الأب) .
وقال: (من شاء باهَلْتُه عند الحجر الأسود أن الجَد أب) (١) .
وقال ابن مسعود: (من شاء باهَلْتُه أن سورة النساء القصرى (٢) نزلت بعد قوله تعالى: (أربَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً) (٣) .
وقالت عائشة: (أبلغي زيد بن أرقم أن الله أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب) .
فإن قيل: يحمل قول علي: (أخطؤوا) (٤) حقيقة الأشبَه المطلوب.
стр. 1757
وكذلك قول ابن عباس: (من شاء باهلته) ثقة من نفسه أنه أصاب الأشبه.
قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا:
إن عندك لم يكلف طلب الأشبَه ولا إصابته، وإنما فَرْضُه ما يغلب على ظنه، فحكمه وحكم غيره سواء.
ولا يجوز حمل ذلك على أنه كان هناك نص؛ لأن القوم صرحوا بالرجوع إلى الرأي. فقال علي: (إن اجتهدوا فقد أخطؤوا) .
وكذلك [٢٤١/أ] ابن عباس (ألا يتقى الله زيد يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أبا الأب أباً) .
وهذا رجوع إلى الرأي.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون عدولُه عما ثوابه أكثر إلى شىء ثوابه أقل من الشيطان. وقد أضافت الصحابة الخطأ في ذلك إلى الشيطان.
وأيضاً فإنهم إذا اختلفوا على قولين متضادين مثل تحريم وتحليل، وتصحيح وإفساد، وإيجاب واسقاط، فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يكونا صحيحين، أو فاسدين، أو أحدهما صحيحاً والآخر فاسداً.
ولا يجوز أن يكونا فاسدين؛ لأنه يؤدي إلى إجماع الأمة على خطأ فاسد، وهذا لا يقوله أحد.
ولا يجوز أن يكونا صحيحين؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشىء الواحد حراماً حلالاً، واجباً غير واجب، وصحيحاً باطلاً.
ولهذا قلنا في الفرُوج، وهو إذا تزوج حنبلي امرأة من وليها، بعد أن تزوجها حنفي بغير ولي، فالحنبلي يقول: الأول باطل ونكاحي صحيح، وهي حلال لي دونه.
стр. 1758
والحنفي يقول: نكاحي صحيح، والثاني باطل.
فلو كان كل مجتهد مصيباً كانت حلالاً لكل واحد منهما. وهذا لا يجوز بالإِجماع.
فإذا بطل هذان القسمان، ثبت أن أحدهما صحيح والآخر فاسد.
فإن قيل: إنما لم يصح استباحتها لشخصين؛ لأن الإِجماع دال على أنه لا يجوز الجمع بينهما.
قيل: الإِجماع يحصل على أن أحدهما مباح والآخر حرام.
فإن قيل: المجتهدان (١) إذا أفتى أحدهما بحظر الوطء، والآخر بإباحته، وتساوى فتواهما عند المستفتي، فإن المستفتي يكون مخيراً في الأخذ بأي القولين شاء.
فإذا اختار الأخذ بأحدهما تعَيّن (٢) عليه الحكم الذي اختاره من حظر أو إباحة، فلا يكون قد اجتمع الحظر والإِباحة في الوطء الواحد.
كما يقول في المكفر عن يمين: هو مخيرَّ بين الأشياء الثلاثة، فإذا اختار أحدها (٣) تعَيّن (٤) عليه ما اختاره.
قيل: لو كان هذا يجري مجرى الكفارة لجاز لأحد المجتهدين أن يقول له أنت مخيَّر بين الحظر والإِباحة، كما يقول له: أنت مخيَّر بين العتق والإِطعام.
فإن قيل: الحكم بصحتها لا يؤدي إلى التضاد في حق شخص (٥) ، إنما
стр. 1759
يؤدي إلى ذلك في حق شخصِ واحدٍ في وقت واحدٍ، فأما على شخصين أو فريقين فلا يستحيل، كما ورد الشرع بإيجاب الصلاة على الطاهر، وأسقطها عن الحائض.
ووجوب الإِتمام على المقيم، والرخصة في القصر (١) للمسافر.
قيل: [٢٤١/ب] الأدلة إذا كانت عامة لم يجز أن يكون مدلولها خاصاً، والدلالة على كل واحدٍ منهما عامة في الجميع؛ فلا يجوز أن يكون حكمها خاصاً. وإذا كانت عامة ثبت التضاد ولم يجز أن يكون الجميع صحيحاً (٢) .
فإن قيل: الأمارة على الحكم خاصة وليست بعامة؛ لأن الأمارة على الحكم ظن المجتهد، وذلك يخصه، فكان الحكم خاصاً فيه.
يدل على ذلك: أن الأمارات التي فيها متكافئة ليس بعضها أقوى من بعض فلا طريق أولى من طريق.
قيل [طريق] الاحكام هو الكتاب والسنة، دون الظن، وذلك عام.
يدل على صحة هذا قوله: (فَإنْ تَنَازَعْتُمْ في شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى الله وَالرَّسُولِ) (٣) والرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله دون الظن.
فإن قيل: فالقياس طريق الأحكام، وهو ظن القياس.
قيل: القياس يرجع إليهما؛ لأن القياس يقع على ما ثبت بالكتاب والسنة، ويتعدى الحكم من الأصل الثابت بالكتاب والسنة (٤) .
وجواب آخر وهو: أن المجتهد يرجع إلى أدلة من الكتاب والسنة والقياس.
وقوله: "إن الأمارة هي الظن" مخالف لإجماع الأمة (٥)
стр. 1760
جواب آخر وهو أنه لو كان الظن (١) هو الأمارة لوجب إذا كانت أمارات المجتهدين متكافئة، فظن بعضهم أن بعضهما أولى من بعض أن يكون خطأ، كمن ظن أن الثور سبُع، والحدأة باز، والحمار بغل.
وقد علمنا أن أهل العلم فريقان في هذه المسائل (٢) فيعتقد فريق قوة أمارة التحليل. والآخر قوة أمارة التحريم فيجب أن يكون الكل على خطأ (٣) ، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على خطأ (٤) .
وجواب [آخر] وهو أنه لو كانت الأمارة هي الظن، وأنه لا طريق له لوجب أن يشاركهم العامة في ذلك؛ لأن العامي يظن كما يظن العالم.
ألا ترى أن العامة لما شاركت أهل العلم في العقليات في طريق الظن وجب عليهم أن يعلموا منه ما يعلم أهل العلم، ويجب عليهم التقليد (٥) ، لم يصح ما قالوه.
وجواب آخر وهو: أن الظن يتبع وجود الشىء في الأكثر الأغلب، كما نقول في الغيْم الأسود يغلب على الظن وجود المطر معه.
وكذلك التنفق (٦) في عُرْض الحائط يغلب على الظن وقوعه.
стр. 1761
وكذلك إذا كان لرجل عادة في الجلوس بالغداة للتدريس، أو في يوم من الأسبوع لمجلس النظر، واستمرت عادته على ذلك [٢٤٢/أ] في الأغلب الأكثر غلب على ظن كل من عرف ذلك منه في وقته.
وكذلك إذا كانت عادة الإِنسان تَفْرقة صدقاته في شهر رمضان، وكثر ذلك من فعله واتصل، غلب على ظن كل من عرف ذلك أنه يفعل ذلك إذا أهلّ (١) شهر رمضان.
وكذلك إذا كانت عادة الرجل أنه إذا أعطى ابنه أعطى ابنته، ثم ثبت بخبر الصادق أنه أعطى ابنه، غلب على ظن السامع أنه أعطى بنته.
وإذا كان الظن يتبع وجود الشىء في الأغلب، تميز الحق من الباطل من طريق العلم وطريق الظن.
وعلى قولهم: الأمارات متكافئة (٢) .
فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرت، وأن الأمارة في الاجتهاد في ترتيب الأدلة لوجب أن يعلم أو يظن مخالفك إذا نظر (٣) [و] اجتهد فيما نظرت فيه.
قيل: ويجب إذا نظر مخالفك في مسائل الكلام أن يعلم مثل ما تذكر علمته أو ظننتَه.
فإن قيل: لم ينظر فيما نظرت فيه، ولا رتب الدليل على ما رتبته عليه.
قيل: وكذلك مخالفنا لم يرتب الدليل على وجهه ولم يضعه في حقه.
стр. 1762
وجواب آخر وهو: أنه قد ينظر في دليل وفيما نظرت فيه على ممر الأيام في مجالس النظر والتدريس والقراءة من كتابك، أو سمعه من لفظك فلم يصح قولك: "إنه لم ينظر فيما نظرت فيه".
فإن قيل: تسبق إلى اعتقاده الشبهة فيمنعه ذلك، ويسوغ العلم بالدليل ومعرفة الطريق الصحيح.
قيل: وكذلك مخالفنا في هذه المسائل، فلا فرق بينهما.
وأيضاً: لو كان كل مجتهد مصيباً لكانت المناظرة بين أهل العلم خطأ وهوساً؛ لأن كل واحدٍ منهم عند صاحبه على حق، فلم يكن لمناظرتهم معنى، وكان بمنزلة مناظرة المتفقين فيما اتفقا فيه.
فلما وجدنا أهل العلم في كل عصرٍ يتناظرون، ويحتج بعضهُم على بعض دلّ على أن ليس كل مجتهد مصيباً.
فإن قيل: إنما يتناظرون حتى يغلب على ظن مخالفة ما (١) أدى إليه اجتهاده، فرجع إلى قوله.
قيل: لا فائدة في رجوعه من حق. وكونه على ما هو فيه وانتقاله إلى ظن آخر سواء، بل في ذلك محمل الكلفة والعبث (٢) والتنازع والتخاصم، وليس هذا من عمل العقلاء.
فإن قيل: إنما حسُنت المناظرة في طلب الأشبَه.
قيل: عندك لم يُكلف طلب، فلا فائدة في المناظرة فيما لم يُكلَّف طلبُه.
وأيضاً: فإنه لا خلاف [٢٤٢/ب] أن المجتهد في الحادثة كلف الاجتهاد
стр. 1763
في حكمها ليُميز الجائز من غير الجائز والصحيح من الفاسد. فلو كان الصواب في الجهتين لم يحتج إلى ذلك، فعلمنا أن هناك جائزاً (١) وغير جائز وصحيحاً وفاسداً (٢) .
فإن قيل: إنما يجتهد ليطلب النص أو الإِجماع.
قيل: إذا كان هناك نص أو إجماع سقط الاجتهاد.
وأيضاً فإنه لا يخلو: إما أن يكون كُلِّف الاجتهاد لطلب الحكم، أو لأن فَرْضه الاجتهاد.
ولا يجوز أن يقال: كُلِّف الاجتهاد. لأن فَرْضه الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد لا يراد لنفسه، وإنما يراد لغيره؛ لأن الانسان لا يكلف الاجتهاد ليصير مجتهداً.
فثبت أن الاجتهاد لطلب الحكم.
وإذا ثبت أن هناك حكماً مطلوباً (٣) صح قولنا، وبطل قولهم: إن فرضه الاجتهاد فقط، وليس هناك حكم مطلوب.
ولا يصح قول من قال بالأشبَه: إنه كلف الاجتهاد لإِصابة الأشبه لما بينَّا، وهو: أنه لم يكلف طلب الأشبه، ولا إصابته، فلا معنى للاجتهاد في طلبه.
فإن قيل: إنه كُلِّف الاجتهاد ليغلب على ظنه أن الحكم بهذا أولى من غيره.
قيل: من كُلف طلب شىء يحتاج أن يكون ما كلفه (٤) موجوداً حال الطلب، فلا يكلف طلب شىء ربما حدث بعد الطلب، وربما لم يحدث.
стр. 1764
ألا ترى أن من كُلف طلب عبد آبق أو جمل شارد فإنه يصح؛ لأن ما كُلفه موجود.
وما يذهبون إليه من غلبة الظن أمر يحدث بعد الطلب، فلا يصح أن يكون الأمر بالاجتهاد لأجله.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: (مَا قَطَعْتُم من لينةٍ أو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة عَلَى أصولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ) (١) .
فأخبر أن القطع والترك جميعاً من الله، وأحدهما ضد الآخر.
والجواب: أن هذه الآية وردت على سبب، وهو: أن رسول الله ﷺ لما قطع نخل بني النضير وحرقها، قالت بنو النضير لرسول الله ﷺ : إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا وتحرقها؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبرهم أن ما قطَع أو ترَك فبأمر الله تعالى (٢) .
وهذا يدل على أن الأمر في ذلك كان على التخيير في القطع والترك، فيجري مجرى التخيير في الكفارات، والحق في كل واحد منها.
واحتج بقول النبي ﷺ : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وهذا عام في حال الانفراد والاختلاف.
والجواب: أنا نحملُه على أن كل [٢٤٣/أ] واحد حجة حال الانفراد، ويكون القصد به أن قول الواحد حجة.
واحتج: بأن الصحابة اختلفوا ولم ينكر بعضُهم على بعض، بل أقره عليه،
стр. 1765
وسوَّغ للعامي أن يستفتيَه ويعملَ بقوله.
من ذلك:
اختلافهم في الجد، هل يقاسم؟ (١) .
وفي المُشركة (٢) ، وغير ذلك.
وقال عكرمة: (بعثني ابن عباس إلى زيد بن ثابت ليسأله عن زوج وأبوين فقال: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقى، وما بقى للأب. قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال ابن عباس: عُدْ إليه فقل له: للجد (٣) في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي؟! فمن أعطى ثلث جميع المال أخطأ؟! قال: فأتيته، فقلت له. فقال لم يخطىء، ولكنه شىء رأيناه وشىء رآه) (٤) .
стр. 1766
وقيل لعمر بن الخطاب في المُشَرَّكَة (١) : لم تُشرك عام أول، وشَركْت العام؟ فقال: (ذاك على ما فرضناه، وهذه على ما فرضنا) (٢) .
ولأن بعضهم ولَّى بعضاً مع اختلافهم في الأحكام. فروي عن أبي بكر أنه ولى زيد بن ثابت القضاء، وكان يخالفه في الجد وغيره. وولى عمر أبَّي بن كعب وشريحاً القضاء، وكانا يخالفانه.
وكذلك ولى علي شريحاً وابن عباس.
والجواب عن قولهم: "إنه لم يخطىء بعضهم بعضاً" غلط؛ لما روينا عن علي في قصة المرأة التي أجْهَضَت ذا بطنِها: (إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأا) .
وقول ابن عباس: ألا يتقي (٣) الله زيد.
وجواب آخر وهو: أنه لم يخطىء بعضهم بعضاً؛ لأن الخاطىء فيه معذور، له على قصد الصواب أجر، وقد ورد الشرع بذلك.
جواب آخر وهو: أنه إنما لم ينكر بعضهم على بعض لوجهين:
أحدهما: أن الشرع منع من ذلك، وهو أنه ليس على هذه الأحكام
стр. 1767
أدلة مقطوع (١) عليها، وإنما طريقها غالب الظن.
والثاني: أن الإِنكار في ذلك ربما أفضى إلى الفتنة والفساد والاختلاف.
وقولهم: "إن بعضهم ولى بعضاً"، فلا يلزم:
[أولاً] : لأنه يبطل بكل عصر بعد الصحابة، فإنهم فعلوا هذا، ومنهم من يذهب إلى أن الحق في واحد من القولين.
الثاني: أنه وإن كان على خلاف مذهبه، فإنه لا يعلم أنه يبقى على اعتقاده إلى حين الحكم لجواز أن يغلب على ظنه حين الحكم في الحادثة على موافقة (٢) .
الثالث: أنه وإن كان مخالفاً له، فإنه لا يقطع على خطئه، بل يُجَوز على نفسه الخطأ والصواب لصاحبه، فلهذا استخلفه ورضي بحكمه.
واحتج: بأنه لو كان الحق في واحد من القولين، وقد نصب الله تعالى عليه دليلاً، وجعل إليه (٣) طريقاً، وكلف المجتهدين [٢٤٣/ب] إصابته، لوجب أن يكون المصيب عالماً به قاطعاً (٤) بخطأ من خالفه.
ويكون المخالف آثماً فاسقاً، ويمنع من العمل بما أدى اجتهاده إليه، ووجب نقص حكمه إذا حكم به، وأن لا يسوغ للعامي أن يقلِّد من شاء من المجتهدين، ويكون بمنزلة من خالف الإِجماع والنص ودليل مسائل الأصول من الصفات
стр. 1768
والقدر والإِمامة ونصب إمامين ونصب إمام من غير قريش، وما أشبه ذلك.
ولما أجمعوا على أن المصيب غير عالم فلا قاطع بخطأ من خالفه، ولا إثم عليه فيه، ولا ينقض حكمه إذا حكم به، ويُخيَّر العامي في تقليد من شاء، دلَّ على أن كل مجتهد مصيب.
والجواب: أنا إنما لم نعلم إصابته للحق، ونقطع بخطأ من خالفنا؛ لأن الدليل على الأحكام غير مقطوع عليه، وإنما هو بأن [يكون] مقطوعاً (١) عليه، كنص القرآن ونص السنة المتواترة والإِجماع.
وبأن يكون غلبة الظن بخبر الواحد والقياس وشهادة الأصول فما (٢) كان دليله مقطوعاً عليه: علمنا إصابته، وقطعنا بخطأ من خالفنا، ونقضنا حكمه، وحكمنا بإثمه، ولم نُخَير العامي في تقليده.
وما كان غلبة ظن: لم نقطع بإصابة الحق وخطأ من خالفنا؛ لأن دليله غير مقطوع عليه.
فإن قيل: فكان يجب أن ينصب عليه دليلاً مقطوعاً عليه ليتوصل به إلى الحق، كما نصب على مسائل الأصول.
قيل: لا يجب هذا كما لم يجب في حكم الحاكم بشهادة شاهدين، فإنه يحكم به، وإن لم يقطع على صدقهما.
وكالقِبلة، كُلف الاجتهاد في طلبها، وإن لم يكن دليلاً قاطعاً عليها.
وقد قيل: إن الله تعالى دلنا على الحكم بدلالة قاطعة، وإن لم يدلنا على علة الحكم في الأصل؛ لأنه كلَّفنا العمل على أوْلى العلل وأقواها، وقد جعل لنا طريقاً نقطع معه.
стр. 1769
فإن إحدى العلتين أوْلى أن يتعلق الحكم بها وأنها موجودة في الأصل والفرع، وأنه يلزمنا العمل بها في الفرع.
والطريق إلى ذلك هو وجوه الترجيح، وهي محصورة، فإذا وجدها أو أكثرها أو أقواها تختص إحدى العلتين، قطعنا على أنها أولى بأن تكون علة الحكم في الأصل من غيرها.
كما أنا إذا رأينا أمارات الغَيْم الرطب، في بعض الغيوم، نحو كونه في الشتاء، وكونه كثيفاً قطعنا على أنه أولى أن يكون مطراً.
وأمَّا التأثيم والتفسيق: فلا يجوز عليه ما ذكرنا، وهو أنا لا نقطع على خطئه، ولأن الشرع ورد بالعفو عن ذلك [٢٤٤/أ] ، كما ورد بالعفو عن الخاطىء والناسي والمكره.
يدل عليه قول الله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ في الْحَرْثِ) إلى قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ولم يؤثم داود.
وكذلك قال النبي ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) فلم يؤثمه، بل جعل له الأجر مع الخطأ.
وأمّا منعه من العمل بما أدى اجتهاده إليه فلا يمنع منه؛ لأن فرضه أن يحكم باجتهاده وبما يصح عنده، فلا يصح منعه منه.
ولكن نقول إذا تزوج بغير ولي: "إنه نكاح فاسد". وإذا اشترى النبيذ "إنه شراء فاسد". وإذا شرب النبيذ: "إنه شَرِب حراماً"، وما أشبه ذلك من طريق غلبة الظن والظاهر.
وأما إذا حكم باجتهاده فإننا لا ننقض حكمه لما بينَّا، وهو: أن الدليل غير مقطوع عليه، فلا يجوز نقضُه.
стр. 1770
وقد قيل: إن في نقض الحكم فساداً؛ لأنه يكون ذريعة إلى تسليط الحكام بعضُهم على بعض، فلا يشاء حام يكون في قلبه من حاكم شىء إلا وتعقب حكمه بنقض، فلا يستقر حكم، ولا يصح لأحد ملك، وفي ذلك فساد عظيم.
وقد قيل: لا يمتنع أن يمنع من الحكم، وإذا حكم لم ينقض.
كما منع من البيع عند النداء، والسَّوْم على سَوْم أخيه، والصلاة في الدار المغصوبة، ومع هذا فلا يبطل العقد (١) والصلاة (٢) .
والجواب الصحيح على أصولنا: ما ذكرناه أولاً، وأنه غير مقطوع عليه.
وأما تسويغ العامي تقليد من يشاء من المجتهدين فلعمري انه كذلك.
وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية الحسين بن بشار المخرمي وقد سأله عن مسألة من الطلاق فقال: "إن فعل حنث. فقال له: يا أبا عبد الله إن أفتاني إنسان، يعني: لا يحنث؟ فقال له: تعرف حلقة المدنيين بالرَّصافة؟ قال له: فإن أفتوفي يحل؟ قال نعم" (٣) .
وهذا يدل على أنه لا يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتيين؛ لأنه أرشده إلى حلقة المدنيين، ولم يأمره بالاجتهاد في ذلك.
стр. 1771
ويدل أيضاً على أن العامي إذا سأل عالِميْن، فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة أنه يجوز له أن يأخذ بقول من أفتاه بالإباحة.
وكذلك نقل ابن القاسم الحنبلي (١) أنه قال لأحمد ﵀: ربما اشتدَّ علينا الأمر من جهتك فمن نسأل؟ فقال: "سلوا عبد الوهاب" (٢) .
وكذلك نقل الحسن بن محمد بن الحارث عن أحمد ﵀ أنه سئل عن مسألةٍ فقال: "سل إسحاق بن راهويه" (٣) . [٢٤٤/ب] .
وكذلك نقل أحمد بن محمد البُرَاثي (٤) عن أحمد أنه سئل عن مسألة فقال: "سل غيرنا، سل العلماء، سل أبا ثور".
стр. 1772
وكأن المعنى في ذلك أنه لا سبيل له إلى معرفة الحق والوقوف على طريقه.
وكل واحد من المجتهدين يفتيه بما أدى اجتهاده إليه، فيؤدي ذلك إلى حيرته، فجعل له أن يقلد أوثقهما في نفسه.
ويخالف المجتهد؛ لأنه يمكن موافقته على طريق الحق ومناظرته فيه.
واحتج: بأنه لو أداه اجتهاد [هُ] في وقت إلى جواز النكاح بلا وليِّ فقضى به، ثم أداه اجتهاده في وقت آخر إلى خلافه لزمه أن يقضي بذلك، فلو كان الثاني خطأ ما لزمه الحكم به.
والجواب: أنه (١) حينما أداه اجتهاده إلى الحكم بجوازه كان يعتقد أن ضده خطأ، وإنما صار صواباً في وقت آخر، فما (٢) اجتمع الجواز وضده في وقت واحد.
واحتج: بأن اختلاف الفقهاء في مسائل الحوادث كاختلاف القُراء في الحروف، ثم ثبت أن كل من قرأ بحرف فهو مصيب، كذلك في الأحكام.
والجواب: أن اختلاف القُرَّاء لا يفضي إلى مناقضة.
ألا ترى أن كل من خالف في قراءة جاز له أن يقرأ بحرف غيره، فلهذا كان الكل صواباً، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه اختلاف في أحكام، ومن ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب أفضى إلى المناقضة.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يأخذ بالقولين معاً، فبانَ الفرق بينهما.
стр. 1773
فصل
[الدلالة على أن ذلك غير مقطوع به]
والدلالة على أن ذلك غير مقطوع عليه (١) أنه لو كان مقطوعاً عليه لم يلزمه أن يجتهد دفعة ثانية في تلك الحادثة، ولا يجتهد في صلاة ثانية في الجهة.
ولما أجمعنا على أنه يحدث اجتهاداً علمنا أنه غير مقطوع عليه.
وليس لأحد أن يمتنع من هذا ويقول: إنه لا يلزمه أن يجتهد ثانياً؛ لأن هذا مخالف الإِجماع السابق، ولأنه لو كان مقطوعاً عليه لوجب أن ينقض بحكم الحاكم إذا خالفه، كما ينقض بمخالفة النص.
وليس لهم أن يقولوا: إنما لم ينقض؛ لأنه يكون ذريعة إلى تسليط الحكام بعضهم على بعض؛ لأن هذا لا يمتنع، كما لم يمتنع عند مخالفة النص والإِجماع.
فإن قيل: أحد الحكمين يتميز عن الآخر بالتأثير الموجب للعلة وبكثرة الأصول.
قيل: فيجب أن يؤثر في نقض الحكم [٢٤٥/أ] وإسقاط الاجتهاد دفعة ثانية، كما كان ذلك في المنصوص عليه.
فإن قيل: قد وجدنا أن الحكم يتعلق بالعلة الشرعية كتعلقه بالعلة العقلية، فإنه ما دام عصيراً هو مباح، فإذا حدثت الشِّدة حُرم، فإذا زالت أبيح، فإذا عادت حُرم، فدل على أنها موجبة، كما أن الحركة لما كانت دلالة على كون المتحرك متحركاً [كانت موجبة] .
стр. 1774
قيل: وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على أنها معلومة، كالنبيذ والاجتهاد في طلب القبلة، فإن ثبوت الحق يحصل لوجود [الشدة في] النبيذ ويعدم بعدمها، وليس شهادتهم مقطوعاً عليها، وكذلك الاجتهاد في القبلة غير مقطوع على إصابته.
فصل
[الدلالة على أن هناك حكماً مطلوباً]
والدلالة على أن هناك حكماً مطلوباً (١) خلاف (٢) من قال: ليس هناك شىء سوى ما يغلب على ظنه: ما تقدم من الدلائل على أن الحق في واحد من القولين، فلولا أن هناك حكماً مطلوباً (٣) لم يكن الحق في أحدهما.
وأيضاً: لما كان مأموراً بالاجتهاد وجب أن يكون هناك حكم مطلوب، كالاجتهاد في طلب النص، والاجتهاد في طلب القبلة، والاجتهاد في عدالة الشهود.
فإن قيل: القبلة يجوز ترك التوجه إليها مع العلم بها في الخوف وفي السفر، ولا يجوز مثل ذلك في أحكام الحوادث، مثل الطلاق والعتق والنكاح.
قيل: حال الخوف والسفر هو غير مأمور بالتوجه إلى القبلة، وإنما جاز تركها مع العلم للضرورة، ولا ضرورة بنا إلى ترك النص في غيرها من الأحكام.
стр. 1775
فإن كان هناك ضرورة جاز، كاستباحة طعام الغير للضرورة.
فإن قيل: القبلة عين متوصل إليها، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأن المطلوب ليس بعين.
قيل: في حال الغيبة لا يتوصل إليها، ويجري حكمها مجرى سائر الأحكام.
وأيضاً: قد بينَّا أن المجتهد كُلِّف الاجتهاد، والاجتهاد لا يراد لنفسه، وإنما يراد لغيره.
ولأن الاجتهاد في طلب ما ليس بشىء ليحققه: لا يصح.
ألا ترى أنه لا يصح أن يقول المجتهدُ: في غالب ظن هو مصيب للظن، وإنما يقول [في] غالب ظن: إنه مصيب الحقيقة.
فعلم أن هناك مطلوباً (١) غير الظن.
يبين هذا: أن الظن لابد أن يتعلق بمظنون ثابت على الحقيقة.
فصل
[إذا ثبت أن هناك حكماً مطلوباً فإنه قد كلف إصابته]
وإذا ثبت أن هناك حكماً مطلوباً (٢) [٢٤٥/ب] فإنه قد كلف إصابته (٣) خلاف من قال: هناك أشبه مطلوب، لكن لم يكلف إصابته.
والدلالة عليه:
ما تقدم من الدلائل على أن الحق في واحدٍ، وأن أحد المجتهدين مخطىء.
стр. 1776
وإذا ثبت خطؤه علمنا أن هناك معنى قد كُلف إصابته، فأخطأه.
فإن كان ذلك المعنى الحكم على ما نقوله نحن فيجب طلبه.
وإن كان الأشبَه (١) بالحادثة فيجب أيضاً طلبه.
ولأن الأشبَه لا يُراد لنفسه، وإنما يُراد لغيره، وهو إثبات الحكم الحادث، فعلم أن هناك حكماً مطلوباً (٢) .
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون هناك مطلوب ولم يكلف إصابته، كالقبلة والفَقْر ويوم عَرَفَة.
قيل: هناك كُلِّف الإصابة، ولكن سقطت الإعادة لدلائل شرعية، ذكرناها في مواضعها، وهو: أن جهات القبلة تثبت بالاجتهاد.
فإذا اجتهد ثم أخطأ، فلو أمرناه بالإعادة لنقضنا اجتهاد [هـ] أولاً باجتهاد [هـ] ، آخر، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وكذلك الفقر ثبت بالاجتهاد والغنى أيضاً، فلو قلنا: يعيدُ نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد.
وعَرَفَة لا نأمن أن يُخطِىء في القضاء كما أخطأ في الأداء.
وغير ذلك مما يذكر [في] مواضعه.
يبين صحة هذا: أن في الشرع مواضع إذا أخطأها أعاد.
مثل: أن يصلي ثم يتبين أن الوقت لم يدخل.
أو توضأ بماء يظنه طاهراً فبان نجساً.
وغير ذلك.
стр. 1777
لأنه لم يدل الدليل على سقوط الإعادة، فثبت أن القبلة وعرفة والفقر كُلف إصابته، وإنما سقطت إصابته لدليل.
مسألة
قد كان يجوز لنبينا ﵇ الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع عقلاً وشرعاً (١) .
وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة (٢) هذا فيما كتب به إلى أبي إسحاق بن شاقْلاَ في جوابات مسائل، وقال:
الدليل على أن سنته وأوامره قد كانت (٣) بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره: أنه قد عوتب على بعضها، ولو أمِر بها لما عوتب عليها.
من ذلك: حكمه في أسارى بدر، وأخذ الفدية، فقيل له: (مَا كَانَ لِنَبِي أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأرضِ) (٤) .
ومنه: إذنه في غزوة تبوك للمخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، حتى قيل له: (عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أذنْتَ لَهُمْ) (٥) .
стр. 1778
ومنه: قوله: (وَشَاورْهُمْ في الْأمرِ) (١) . فلو كان وحياً لم يشاورهم فيه (٢) وقد أومأ أحمد ﵀ إلى صحة ما قاله [٢٤٦/أ] أبو عبد الله بن بطة في رواية الميموني لما قيل له: "ها هنا قوم يقولون: ما كان في القرآن أخذنا به، [قال] (٣) : ففي القرآن تحريم لحوم الأهلية؟! والنبي ﷺ يقول: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) (٤) وما علمهم بما أوتي".
стр. 1779
وذكر أبو حفص (١) في الجزء السابع من البيوع في باب التسْعير: حدثنا بإسناده عن أبي فضلة (٢) قال: أصاب الناس على عهد رسول الله ﷺ سَنَة.
فقالوا: يا رسول الله سَعِّر لنا. فقال: (لا يسألني الله عن سُنَة أحدثتها فيكم (٣) لم يأمر الله تعالى بها) (٤) .
قال أبو حفص: هذا دليل على أن كلِ سُنَّة سَنَها النبي ﷺ لأمته فبأمر الله تعالى، بقوله: (لا يسألني الله عن سُنّة أحدثتها) .
واعلم أنه لا يحدث سنة إلا بأمر الله (٥) ، وبهذا نطق القرآن، فقال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) (٦) .
والأول أصح، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه الجرجاني والسرخسي (٧) .
стр. 1780
واختلف أصحاب الشافعي:
فمنهم من قال بهذا (١) .
ومنهم من منع من ذلك (٢) .
وهو قول المتكلمين من المعتزلة (٣) ، والأشعرية (٤) .
دليلنا:
قوله تعالى: (فَاعْتَبرُوا يَا أولِى الْأبْصَارِ) (٥) . فأمر أهل البصائر بالاعتبار، ورسول الله ﷺ أعلى أهل البصائر رتبة وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى.
стр. 1781
وقوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران) . وهو حاكم، فوجب أن يكون داخلاً فيه.
وذكر أبو عبيد (١) في "كتاب أدب القضاء" بإسناده عن الشعبي قال: (كان ﷺ تنزل به القضية، وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى، فيمضي ما كان قضى على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآن) (٢) .
ولأن ما يستنبط من المعاني طريق لأمته في الحكم، فوجب أن يكون طريقاً له، أصله القرآن ظاهرُه وعمومُه.
ولأن الاجتهاد طاعة لله تعالى وقربة ينال بها رضاه وثوابه، فوجب أن يكون للنبي ﵇ فيه مدخل، قياساً على سائر الطاعات.
ولأن المجتهد إنما سُوِّغ له الاجتهاد متى كان عالماً بالأصول وطرق القياس، فيجتهد فيما لا نص فيه ليعرف حكمه بالوجود (٣) ، ورسول الله ﷺ في أعلى المنازل لمعرفة الأصول وطرق القياس، فهو أولى بالاستعمال.
ولأن جواز الاجتهاد لا يخلو أن يتعلق بعدم النص حال وجود الحادثة، أو عدمه [٢٤٦/ب] في الثاني.
ولا يجوز اعتبار الثاني؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز الاجتهاد فيما يجوز أن يحصل عليه إجماع وأمر قاطع، فبقي أن يعتبر عدمه في الحال.
وهذا الشرط يوجد مما يعرض لرسول الله ﷺ من الحوادث ولا نص أنزل عليه فيها من قبل.
стр. 1782
وقد استدل أبو عبد الله بن بطة بدليلين (١) جيديْن:
أحدهما: قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (٢) ، فلو كان ذلك عن وحي لم يحتج إلى مشاورتهم.
والثاني: أنه قد حكم باجتهاده في مواضع، بدليل أنه عوتب عليها.
من ذلك:
أخذ الفدية من أسارى بَدْر، [كما في] قوله: (مَا كَانَ لِنَبِيِّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأَرْضِ) (٣) .
وغير ذلك مما ذكرنا في رأس المسألة.
وربما احتج من نصر جواز الاجتهاد بأشياء منها:
أن السنة مضافة إلى النبي ﷺ ، وحقيقة الإضافة تقتضي أنها من قِبَلِه.
والجواب: أنه إنما أضيف إليه؛ لأنها بقوله وجبت، وهو السفير.
ولهذا يضاف إليه جميعُ السنن، ومعلوم أن ليس جميعها باختياره.
ومنها: أن النبي ﷺ قال في مكة: (ولا يُخْتَلَى خَلاَهَا) (٤) قال العباس:
стр. 1783
(إلا الإذْخِر) (١) فقال النبي ﷺ (إلا الإذْخِر) ، ومعلوم أن الوحي لم يرد في تلك الحال.
والجواب: أنه قد قيل: إن "الإذْخِر" ليس من الخلا، وإنما استثناه العباس تأكيداً (٢) .
أو لأنه لا يمتنع أن يكون النبي ﷺ أراد استثناءه، فسبق العباس إلى سؤال النبي ﷺ ذلك.
ومنها قول النبي ﷺ : (لو قلتُ نعم لوجبت) يعني الحج، فعلق وجوبها بقوله.
الجواب: أنه لو قال: (نعم لوجبت) من حيث كان قوله دليلاً على وجوبه، وليس في الكلام ما يدل على أن قوله صادر عن اختياره أو من وحي.
ومنها قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) .
وقوله: (لولا أن أخشى أن يفرض السواك لاستكتُ) (٣) فبين أن أمره بالسواك موقوف على اختياره.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون عنى أنه (لولا أن أشُق لأمرتهم) على طريق التنظيف.
ولا يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه لا ينبغي أن يأمرهم به لأجل المشقة.
стр. 1784
ومنها قولهم: إن موسى ﵇ أثبت الأحكام من جهته إلا تسع آيات أنزلها الله عليه.
والجواب: [٢٤٧/أ] أنا لا نعلم ذلك، ولو علمنا ذلك لم نعلم أن ما عدا تسع آيات لم يوح إليه.
ومنها قوله ﵇: (عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق) .
والجواب: أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه؛ لأنه هو الذي يتولى أخذها، وهو الذي لم يأخذها الآن، وإن كان ذلك بوحي.
ومنها: أن الصحابة قد حكمت في الحوادث وأضافت ذلك إلى اجتهادها، ولو كان ذلك عن دلالة لما أضيف ذلك إليها، وقد قالوا في حكمهم: (إن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنى ومن الشيطان) (١) ، ولو كان عن دليل لم يقولوا ذلك.
والجواب: أنه لو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به لما شكوا في كونه صواباً، على أن من يقول الحق في واحد يقول: يجوز أن يخطئوا.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) (٢) .
والجواب: أن الاجتهاد ليس من الهوى، وإنما هو من الوحي الذي أوحي إليه؛ لأن الله تعالى أمره به كما أمر أمته، وقوله: (إِن هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) ، وكذا نقول؛ لأن القول بالقياس عن وحي وتنزيل.
стр. 1785
وأجاب أبو عبد الله بن بطة عن هذه الآية: بأن المراد به القرآن؛ لأن كفار قريش قالوا: قد ضل محمد عن دين قريش وغوى، وما يأتى به من هذا القرآن من تلقاء نفسه. وأقسم الله تعالى بنجوم القرآن ونزوله في أوقاته، فقال: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) من السماء (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) .
وقد ذكر أحمد ﵀ هذا فيما خرَّجه في الرد على الزنادقة في متشابه القرآن (١) .
واحتج: بأن الاجتهاد يؤدي إلى غلبة الظن، وهو قادر على الحكم بالعلم من طريق الوحي، وإنما يجوز الحكم بغالب الظن إذا تعذر طريق العلم.
والجواب: أن النص من الله تعالى مفقود في الحال.
وعلى أنه يجوز أن يحكم بالنص، وأن يوقع نصاً ينسخه، وكذلك يجوز لغيره أن يحكم باجتهاده، وإن يئس من انعقاد الإِجماع الذي هو في معنى النص، على أنه معصوم في اجتهاده كالأمة، فلا نقول: إن طريقه غالب الظن.
واحتج: بأن من ردَّ قول النبي ﷺ كَفَرَ، فلو جاز أن يحكم بالاجتهاد لم يجز تكفيره؛ لأن الاجتهاد حكم من طريق الظن، وهذا لا يجوز لإجماع المسلمين على كفره، فدل على أنه لا يجوز أن [٢٤٧/ب] يكون في حكمه ما هو اجتهاد.
والجواب: أنه يكفر لكونه مكذباً للرسول في خبره.
وقولهم: إن الاجتهاد يؤدي إلى غالب الظن، فلا يصح؛ لأن النبي معصوم في اجتهاده من الخطأ والزلَل، مقطوع بإصابة الحق ودرك الصواب.
واحتج: بأن الاجتهاد ردُّ الفرع إلى الأصل بضرب من الشبهَ، ومتى فعل
стр. 1786
هذا وقاله صار نصاً، فإذا صار الاجتهاد نصاً ثبت أن لا يتصور فيه الاجتهاد.
والجواب: أنه يصير نصاً بعد حصول الاجتهاد، وخلافنا في اجتهاده.
مسألة
يجوز أن يقول الله تعالى لنبيه: احكم بما ترى، أو بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بصواب (١) .
وهذه مبنية على المسألة التي قبلها، وأنه كان يجوز أن يجتهد فيما يتعلق بالشرع.
وهو اختيار الجرجاني (٢) .
وامتنع من ذلك جماعة من المعتزلة (٣) .
وهو اختيار أبي سفيان السرخسي (٤) .
دليلنا:
أنه لا يخلو إما أن يتعين الخلاف فيما يحكم فيه باجتهاد واستدلال، أو يتعين فيما يقوله إذا خطرَ بباله من غير اجتهاد.
فإن كان ذلك باجتهاد، فقد تقدم الكلامُ عليه ودليلُنا على جوازه.
وإن كان فيما يخطر بباله من غير اجتهاد، فإنه غير ممتنع، إذا علم الله تعالى أنه يصيب ما هو عند الله تعالى؛ لأن التعبد قد ورد بمثله في العامي أنه مخيَّر
стр. 1787
في تقليد من شاء من العلماء، ويكون ذلك حكم الله تعالى عليه من غير أنه يرجع إلى أصل يستدل به.
وكذلك ورود التعبد في الاجتهاد لإحدى الكفارات الثلاث (١) .
وكذلك خُيِّر في طعام عشرة مساكين غير معينين، وصرف خمسة دراهم من مائتين إلى فقير، وفقراء الدنيا تعني عينه (٢) .
ولأن الله تعالى قد قال: (إِلاَّ مَا حَرمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) (٣) . فأضاف التحريم إليه، فدلّ ذلك على جواز ذلك.
قال أبو بكر (٤) في تفسير: (كُلُّ الطعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِى إسْرَائِيْلَ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَرلَ التَّوْرَاةُ) لكن إِسرائيل حرم على نفسه - من قبل أن تنزل التوراة بعضَ ذلك (٥) .
واحتج المخالف:
بأن الشرعيات إنما يحسن تكليفها لما فيها من المصالح، ولا طريق لأحدٍ إلى معرفة المصالح سوى الله تعالى، فلم يجز أن يقول: احكم بما ترى فإنك لا تحكم إلا بصواب.
والجواب: أنا قد بينَّا فيما تقدم أن الشرعيات لا يقف (٦) تكليفها على المصلحة.
стр. 1788
ويبين [٢٤٨/أ] صحة هذا، و (١) أنه ليس من شرط جواز الحكم أن يكون الحاكم به عالماً بالمصلحة فيه.
ألا ترى أن الحاكم في الحادثة من طريق الاجتهاد، لا يعلم أن ما حكم به صواب ومصلحة، بل يتبع حكمه في ذلك غالب الظن، ومع هذا قال: حكمه به كان جائزاً، ويحسن التعبد به، كذلك هاهنا.
وكذلك في الكفارات وإطعام المساكين، كل ذلك مردود إلى اختيار المكلف.
واحتج: بأن اتفاق الصدق في المستقبل لا يقع منا، كذلك اتفاق الصواب.
والجواب: أنه غير ممتنع أن يقع في الأمرين، كما تتفق أمور كثيرة على طريق واحدة، كما تتفق في العلوم.
واحتج: بأنه لو كان ذلك جائزاً لجاز أن يبعث الله تعالى رسولاً، ويجعل إليه أن يشرع الشريعة كلها.
والجواب: أنه لا يمتنع ذلك فيما يمكن الوصول إليه من طريق الفكر والرأي إذا علم الله تعالى أن المصلحة فيه، كما يجوز أن يبيح له أكل ما شاء، إذا علم أنه لا يحتاج أكل الحرام.
واحتج: بأنه لا يجوز أن يقع التعبد بما ذكر تموه؛ لأن المخبر لا يأمن الكذب فيما يخبر به.
والجواب: أنه متى عرف أنه لا يقول إلا الصواب، زال هذا المعنى وأمن وقوع الخطأ.
стр. 1789
مسألة
[الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ]
يجوز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ لمن كان غائباً عنه، أو كان حاضراً (١) معه.
وحُكي عن قوم: أنه لا يجوز ذلك لمن كان بحضرته (٢) .
وحَكَى الجرجاني عن أصحابه: إن كان بإذنه جاز، وإن كان بغير إذنه لم يجز (٣) .
دليلنا على جوازه في الجملة:
قوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أولِى الأَبْصَارِ) (٤) ، ولم يفصل بين أنه يكون حاضراً عند النبي ﷺ أو غائباً، في حياته أو بعد وفاته، بإذنه وبغير إذنه.
وقوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران) ولم يفرق.
ولأن النبي ﷺ جعل إلى عمرو بن العاص قضية، فقال: أجتهد يا رسول
стр. 1790
الله وأنت حاضر؟! (فقال: نعم. إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأتَ فلك أجر) (١) .