← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

هذا وقاله صار نصاً، فإذا صار الاجتهاد نصاً ثبت أن لا يتصور فيه الاجتهاد. والجواب: أنه يصير نصاً بعد حصول الاجتهاد، وخلافنا في اجتهاده. مسألة يجوز أن يقول الله تعالى لنبيه: احكم بما ترى، أو بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بصواب (١) . وهذه مبنية على المسألة التي قبلها، وأنه كان يجوز أن يجتهد فيما يتعلق بالشرع. وهو اختيار الجرجاني (٢) . وامتنع من ذلك جماعة من المعتزلة (٣) . وهو اختيار أبي سفيان السرخسي (٤) . دليلنا: أنه لا يخلو إما أن يتعين الخلاف فيما يحكم فيه باجتهاد واستدلال، أو يتعين فيما يقوله إذا خطرَ بباله من غير اجتهاد. فإن كان ذلك باجتهاد، فقد تقدم الكلامُ عليه ودليلُنا على جوازه. وإن كان فيما يخطر بباله من غير اجتهاد، فإنه غير ممتنع، إذا علم الله تعالى أنه يصيب ما هو عند الله تعالى؛ لأن التعبد قد ورد بمثله في العامي أنه مخيَّر

стр. 1787

في تقليد من شاء من العلماء، ويكون ذلك حكم الله تعالى عليه من غير أنه يرجع إلى أصل يستدل به. وكذلك ورود التعبد في الاجتهاد لإحدى الكفارات الثلاث (١) . وكذلك خُيِّر في طعام عشرة مساكين غير معينين، وصرف خمسة دراهم من مائتين إلى فقير، وفقراء الدنيا تعني عينه (٢) . ولأن الله تعالى قد قال: (إِلاَّ مَا حَرمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) (٣) . فأضاف التحريم إليه، فدلّ ذلك على جواز ذلك. قال أبو بكر (٤) في تفسير: (كُلُّ الطعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِى إسْرَائِيْلَ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَرلَ التَّوْرَاةُ) لكن إِسرائيل حرم على نفسه - من قبل أن تنزل التوراة بعضَ ذلك (٥) . واحتج المخالف: بأن الشرعيات إنما يحسن تكليفها لما فيها من المصالح، ولا طريق لأحدٍ إلى معرفة المصالح سوى الله تعالى، فلم يجز أن يقول: احكم بما ترى فإنك لا تحكم إلا بصواب. والجواب: أنا قد بينَّا فيما تقدم أن الشرعيات لا يقف (٦) تكليفها على المصلحة.

стр. 1788

ويبين [٢٤٨/أ] صحة هذا، و (١) أنه ليس من شرط جواز الحكم أن يكون الحاكم به عالماً بالمصلحة فيه. ألا ترى أن الحاكم في الحادثة من طريق الاجتهاد، لا يعلم أن ما حكم به صواب ومصلحة، بل يتبع حكمه في ذلك غالب الظن، ومع هذا قال: حكمه به كان جائزاً، ويحسن التعبد به، كذلك هاهنا. وكذلك في الكفارات وإطعام المساكين، كل ذلك مردود إلى اختيار المكلف. واحتج: بأن اتفاق الصدق في المستقبل لا يقع منا، كذلك اتفاق الصواب. والجواب: أنه غير ممتنع أن يقع في الأمرين، كما تتفق أمور كثيرة على طريق واحدة، كما تتفق في العلوم. واحتج: بأنه لو كان ذلك جائزاً لجاز أن يبعث الله تعالى رسولاً، ويجعل إليه أن يشرع الشريعة كلها. والجواب: أنه لا يمتنع ذلك فيما يمكن الوصول إليه من طريق الفكر والرأي إذا علم الله تعالى أن المصلحة فيه، كما يجوز أن يبيح له أكل ما شاء، إذا علم أنه لا يحتاج أكل الحرام. واحتج: بأنه لا يجوز أن يقع التعبد بما ذكر تموه؛ لأن المخبر لا يأمن الكذب فيما يخبر به. والجواب: أنه متى عرف أنه لا يقول إلا الصواب، زال هذا المعنى وأمن وقوع الخطأ.

стр. 1789

مسألة [الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ] يجوز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ لمن كان غائباً عنه، أو كان حاضراً (١) معه. وحُكي عن قوم: أنه لا يجوز ذلك لمن كان بحضرته (٢) . وحَكَى الجرجاني عن أصحابه: إن كان بإذنه جاز، وإن كان بغير إذنه لم يجز (٣) . دليلنا على جوازه في الجملة: قوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أولِى الأَبْصَارِ) (٤) ، ولم يفصل بين أنه يكون حاضراً عند النبي ﷺ أو غائباً، في حياته أو بعد وفاته، بإذنه وبغير إذنه. وقوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران) ولم يفرق. ولأن النبي ﷺ جعل إلى عمرو بن العاص قضية، فقال: أجتهد يا رسول

стр. 1790

الله وأنت حاضر؟! (فقال: نعم. إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأتَ فلك أجر) (١) .

стр. 1791

ورُوي أن النبي ﷺ جعل إلى أبي موسى وإلى رجل معه قضية، وقال: (إن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما خمس (١)) . ورُوي أن النبي ﵇ حكَّم سعداً (٢) في بنى قريظة قال: فكنا نكشف عن [٢٤٨/ب] مؤتزرهم فكل من أنبتَ قَتَلَه، ومن لم ينبت جعلناه في الذاري. فقال النبي ﷺ : (لقد حكمتَ بحكم الله من فوق سبع سموات) (٣) . فإن قيل: إنما جاز؛ لأنه كان بإذن النبي ﵇.

стр. 1792

قيل: المأذون فيه الحكم، فأما الاجتهاد فغير مأذون فيه؛ لأن الإذن في الحكم ليس بإذن في الاجتهاد. ألا ترى أن النبي ﷺ لما أذن لعمْرو بالقضاء بين يديه أستأذنه في الاجتهاد بحضرته، فلم يفهم الاجتهاد من الإذن بالقضاء، تبت أن الإِذن بالقضاء ليس بإذن في الاجتهاد. ولأنه ليس في الاجتهاد بحضرته أكثر من الرجوع إلى غالب الظن مع القدرة على القطع واليقين، وهذا جائز بحضرته؛ لأنه لو كان حاضراً في مجلس رسول الله ﷺ فروى بعضُ الحاضرين عنه خبراً جاز له العمل به، وهو عمل بغالب ظن مع القدرة على القطع واليقين؛ لأنه كان يمكنه أن يرجع فيما أخبره إلى النبي ﷺ ليعلمه منه قطعاً. فلما جاز هذا ولم يرجع فيه إليه، ثبت ما قلناه. ولأن ما جاز الحكم به في غَيْبة النبي ﷺ ، جاز الحكم به في حضرته كالخبر. واحتج المخالف: بأنه لا يجوز الرجوع إلى غالب الظن مع القدرة على القطع واليقين، فإذا كان النبي ﷺ حاضراً فهو قادر على معرفة الحكم من جهته قطعاً، فلا معنى للاجتهاد. والجواب: أنه باطل بما ذكرناه من قبول خبر الواحد ورسول الله ﷺ حاضر. ولأنه إذا اجتهد والنبي حاضر، فإن (١) كان صواباً فذاك، وإن أخطأ لم يقره النبي ﷺ ، كمن اجتهد ثم بان له أنه خالف النص.

стр. 1793

مسألة في صفة المفتي في الأحكام الذي يحرم عليه التقليد. منها (١) : أن يكون عارفاً بالقرآن، ناسخِه ومنسوخِه، ومجملِه ومحكمِه، وعامِّه وخاصِّه، ومطلقِه ومقيدِه. وهو المعرفة، بما قصد به بيان الأحكام الحلال والحرام. فأما ما قصد به أخبار الأولين وقصص النبيين والوعد والوعيد، فلا حاجة به إليه. وإنما قلنا هذا؛ لأنه قد يكون الأصل الذي يرد الفرع إليه من القرآن، فإذا لم يعرفه لم يمكنه الاجتهاد فيها. ويحتاج أن يعرف من السنة جملها التي [٢٤٩/أ] تشتمل الأحكام عليها. ويعرف أيضاً المتقدم والمتأخر، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والعام والخاص للمفتي الذي ذكرناه. ويحتاج أن يعرف إجماع أهل الأعصار عصراً بعد عصر؛ لأنه [قد] يكون الأصل ما أجمعوا عليه، فيرد الفرع إليه. ويحتاج أن يعرف من لغة العرب والإعراب ما يفهم عن الله تعالى وعن رسوله معنى خطابهما. وأن يكون عارفاً باستنباط معاني الأصول والطرق الموصلة إليها ليحكم في الفروع بحكم أصولها.

стр. 1794

ويكون عارفاً بمراتب الأدلة، وما يجب تقديمه منها. وإذا كان بهذه الصفة وجب عليه أن يعمل في الأحكام باجتهاده، وحرام عليه تقليد غيره، إلا أن يكون حكماً يجب له أو لغيره، فيحتاج في فصله إلى حاكم يحكم بينهما باجتهاد. وإذا صار من أهل الاجتهاد بما ذكرنا، لم يجب قبول قوله فيما يفتي به إلا أن يكون ثقة مأموناً في دينه. فإذا كان بهذه الصفة وجب على العامة الرجوع إلى قوله وقبول فتياه. وقد نُقل عن أحمد ﵀ ألفاظ في المفتي (١) ترجع إلى ما ذكرنا. فقال في رواية صالح: "ينبغي على الرجل إذا حملَ نفسَه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن" (٢) . وكذلك نقل أبو الحارث عنه: "لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة" (٣) . وكذلك نقل حنبل عنه: "ينبغي لمن أفتاه أن يكون عالماً بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي" (٤) . وكذلك نقل يوسف بن موسى: "واجب أن يتعلم كل ما يكلم الناس فيه (٥) ". وقد ذكر أبو حفص بن شاهين في "الجزء الثامن من أخبار أحمد"، فقال:

стр. 1795

حدثنا إسماعيل بن علي (١) حدثنا عبد الله سألت أبي عن الرجل يريد أن يسأل عن الشىء من أمر دينه مما يبتلى به، من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مِصْرِه من أصحاب الرأي، ومن أصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف، ولا الإِسناد القوي فمن يسأل؟ لأصحاب الرأي أو لهؤلاء؟ أعني أصحاب الحديث على ما كان من قدر معرفتهم، قال: "يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة" (٢) . وظاهر هذا أنه أجاز تقليدهم، وإنه لم تكمل فيهم الشرائط التي ذكرنا. وذكر أبو حفص في "تعاليقه" فقال: حدثنا يحيى بن سهل، حدثنا بعض أصحابنا [٢٤٩/ب] ، حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد الأطروش، قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي (٣) يقول: سألت جدي كم كان يحفظ يحيى ابن معين؟ قال: "زهاء مائتي ألف. قلت فعثمان أخوه؟ (٤) قال: مائة ألف"

стр. 1796

وسألت عن أحمد بن حنبل فقال: "سمعت رجلاً يسأله إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيهاً؟ قال: لا. قال: فمائتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟ (١) قال: لا. قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحرَّك يده. فقلت: كم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أجاب عن ستمائة ألف" (٢) . وظاهر هذا الكلام منه أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره. وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا. ويحتمل أن يكون أراد بذلك وصف أكمل الفقهاء، فأما ما لابد منه فالذي وصفنا. قال أبو حفص (٣) : قال أبو إسحاق (٤) : لما جلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة فقال لي رجل: "فأنت هو ذا تحفظ هذا المقدار حتى هو ذا تفتي الناس؟! فقلتُ له: عافاك الله، إن كنتُ أنا لا أحفظ هذا المقدار، فإني هو ذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه" (٥) . وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلِّد أحمد فيما يفتي

стр. 1797

به؛ لأنه قد نص في بعض "تعاليقه" على كتاب "العلل" الدلالة على منع الفتيا بغير علم: قوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَاَ لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (١) . وقوله: (فَلِمَ تُحَاجوَن فِيْمَا ليس لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) (٢) . وذكر ابن بطة في مكاتباته إلى البرمكي "لا يجوز له أن يفتي بما يسمع ممن (٣) يفتى، إنما يجوز أن يقلد نفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا" (٤) . وذكر أبو حفص في "تعاليقه" قال: "سمعت أبا علي الحسن (٥) بن عبد الله النجاد (٦) يقول: سمعت أبا الحسن بن بشار (٧) يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد خمس مسائل، يستند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناس بها" (٨) .

стр. 1798

وهذا منه مبالغة (١) . وذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الرد على من أفتى في الخلع" أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء، حدثنا أبو نصر عصمة بن أبي عصمة (٢) ، حدثنا العباس بن الحسين العيطوي حدثنا محمد بن الحجاج قال: كتب أحمد بن حنبل ﵀ عني كلاماً، قال العباس وأملاه علينا قال: "لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه، يعني للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال. أما أولها: أن تكون له نية، فإنه إن لم تكن له نية [٢٥٠/أ] لم يكن على كلامه نور، ولم يكن عليه نور. وأما الثانية: فيكون له حلم ووقار وسكينة. وأما الثالثة: فيكون قوياً على ما هو فيه، وعلى معرفته. وأما الرابعة: فالكفاية، وإلا مَضَغَه الناس. والخامسة: فمعرفة الناس" (٣) ورأيت في أخبار بِشْر بن الحارث رواية أبي عبد الله محمد بن مُخْلِد

стр. 1799

العطار (١) قال: حدثني عيسى بن جعفر أبو موسى الوراق (٢) قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ وذاكره دُحَيم (٣) بالأصول عن النبي ﵇ قال أحمد ﵁: "أما الأصول التي يدور عليها العلم عن النبي فينبغي أن تكون ألفاً أو ألفاً ومائتين" (٤) . وهذه الرواية تؤيد صحة التأويل لقول أحمد ﵀ "لا يفتي [إلا] وقد حفظ مائة ألف ومائتي ألف"، على طريق الاحتياط؛ لأنه قد حَرَّر الأخيار التي يدور عليها العلم، يعني الحلال والحرام، بألف أو ألف ومائتين.

стр. 1800

فصل وأما صفة المستفتي فهو العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد (١) . وذكر أبو حفص في كتاب "أخبار أحمد" ﵀ عن إسماعيل ابن علي عن عبد الله قال: "سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإِسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء، ويتخيَّر ما أحب منها، فيفتى به ويعمل به، قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم" (٢) . وظاهر هذا أن فرضه التقليد والسؤال، إذا لم تكن له معرفة بالكتاب والسنة. وقال قوم من المعتزلة البغداديين: لا يجوز للعامي أن يقلد في دينه، ويجب عليه أن يقف على طريق الحكم. وإذا سأل العالِم، فإنما يسأله أن يعرِّفه طريق

стр. 1801

الحكم، وإذا عرفه ووقَفَ عليه عَمِلَ به (١) . وهذا غير صحيح؛ لقوله تعالى: (فَاسْألوا أهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بَالْبَيناتِ وَالزُّبُرِ) (٢) . وقول النبي ﵇: (ألا تسألوا إذْ لم تعلموا، فإنما شفاء العِي السؤال) (٣) .

стр. 1802

ولأنه ليس من أهل الاجتهاد، فكان فرضُه التقليد كالأعمى في القبلة؛ فإنه لمَّا لم يكن معه آلة الاجتهاد في القبلة، كان عليه تقليد البصير فيها. والحاكم إذا لم يكن معه حكم القِيافة وقِيَم المتلفات، قلَّد فيها من هو من أهل العلم والبصر فيها. فأما قولهم [٢٥٠/ب] إنه يقف على طريق الحكم. فالجواب: أنه لا سبيل إلى الوقوف على ذلك إلا بعد أن يتفقه سنين. ونرى من تفقه المدة الطويلة، ولا يتحقق طريق القياس، ولا يعلم ما يصححه وما يفسده، وما يوجب تقديمه على غيره. وفي تكليف ذلك العامة تكليف ما لا يطيقونه، ولا سبيل لهم إليه.

стр. 1803

مسألة [الاستحسان] قد أطلق أحمد ﵀ القول بالاستحسان في مسائل (١) . فقال في رواية صالح في المضارِب، إذا خالف فاشترى غير ما أمره به صاحب المال: "فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، وكنتُ أذهبُ إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت" (٢) . وقال في رواية الميموني: "استحسنُ أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يُحْدِث، أو يَجِدَ الماء" (٣) . وقال في رواية المروذي: "يجوز شَرْي أرض السواد، ولا يجوز بيعها، فقيل له: كيف يشترى ممن لا يملك؟! فقال: القياس كما تقول، ولكن هو.

стр. 1804

استحسان. واحتج: بأن أصحاب النبي ﵇ "رخَّصوا في شَرْي المصاحف، شَرْي المصاحف، وكرهوا بيعها" (١) . وهذا يشبه ذلك. وقال في رواية بكر بن محمد -فيمن غصب أرضاً فزرعها-: "الزرعُ لرب الأرض وعليه النفقة، وليس هذا بشىء يوافق القياس، استحسنُ أن يدفع إليه نفقته" (٢) . ونقل أبو طالب عن أحمد ﵀ أنه قال: "أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئاً خلاف القياس، قالوا: نستحسنُ هذا وندع القياس، فيَدَعون الذي (٣) يزعمون أنه الحق بالاستحسان، وأنا أذهبُ إلى كل حديث جاء، ولا أقيس عليه" (٤) . وظاهر هذا: إبطال القول بالاستحسان. وقد أطلقه أصحاب أبي حنيفة في مسائل (٥) . واعترض عليهم أصحاب الشافعي، وحملوا ذلك على أنهم قالوا ذلك على طريق الشهوة والهوى، من غير حجة (٦) .

стр. 1805

ونحن نبين صحة هذه العبارة، ونوضح الغرض منها، ونقيم الحجة عليها. فالدليل (١) على صحة هذه العبارة: وجود استعمالها في الكتاب والسنة وإطلاق من تقدم من علماء السلف وفقهاء الأمصار. أما الكتاب: فقوله تعالى: (فَبَشر عِبَادِ الذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَبِعُونَ أحْسَنَهُ أوْلَئِكَ الذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأوْلَئِكَ هُمْ أوْلُوا الألبَابِ) (٢) . والسنة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما رآه المسلمون حسناً، فهو [٢٥١/أ] عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً، كان عند الله سيئاً) . وروي مثله عن ابن مسعود (٣) . وأما إطلاق ذلك من السلف وفقهاء الأمصار: فما روي عن إياس بن معاوية (٤) أنه كان يقول: "قيسوا للقضاء ما صلح الناس، فإذا فسدوا فاستحسنوا" (٥) .

стр. 1806

وكتُبُ مالك بن أنس مشحونة بذكر الاستحسان في المسائل (١) . وقد قال الشافعي "استحسنُ أن تكون المتعةُ ثلاثين درهماً" (٢) . فإذا كان كذلك وجب أن تكون هذه العبارة صحيحة. وأما الغرض في إطلاق هذه العبارة فهو: ترك الحكم إلى حكم هو أولى منه (٣) . وقيل: هو أولى القياسين. والحجة التي يرجع إليها في الاستحسان فهي الكتاب تارة، والسنة أخرى، والإجماع ثالثة. والاستدلال يرجح شَبَهَ بعض الأصول على بعض.

стр. 1807

فمما قلنا بالاستحسان فيه لاتباع الكتاب: شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر إذا لم نجد مسلماً لقوله تعالى: (شَهَادَةُ بَيْنِكُم إذَا حَضَرَ أحَدَكُم الْمَوْتُ حِيْنَ الْوَصَيةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَأصَابَتْكُم مصيبَةً الْمَوْتِ) (١) الآية. ومما قلنا فيه بالاستحسان بالسنة: فيمن غصب أرضاً وزرعها، فالزرع لرب الأرض، وعلى صاحب الأَرْض النفقة لصاحب الزرع، لحديث رافع بن خديج عن النبي ﷺ : (من زرع في أرض قوم، فالزرع لرب الأرض، وله نفقته) (٢)

стр. 1808

وإن كان القياسُ أن يكون الزرعُ لزارعه. ومما قلنا فيه بذلك للإجماع: جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات، وبأن القياس أن لا يجوز ذلك، لوجود الصفة المضمومة إلى الجنس، وهي الوزن، إلا أنهم استحسنوا فيه الإجماع. فإن قيل: فما الفرق بين المستحسن وبين المشتهى؟ وهلا أجزتم إطلاق المشتهى على ما سميتموه مستحسناً؟. قيل: الفرق بينهما: أن الشهوة لا تتعلق بالنظر والاستدلال. ألا ترى أنها لا تختص من كمل عقله وعرف الأصول وطرق الاجتهاد في أحكام الشريعة، دون من ليست هذه صفته. وأما الاستحسان: فإنه يختص النظر والاستدلال على حسب ما بينَّا. يُبَيِّن صحة الفرق بينهما: أنه قد يصح وصف الشىء بأنه مستحسن عند الله، ولا يصح وصفه بأنه مشتهى عنده، تعالى الله على أن يوصف بذلك.

стр. 1809

فإن قيل: لا يخلو القول بالاستحسان من أن يكون عن حجة أو عن غير حجة. فإن كان عن [٢٥١/ب] حجة، فلا فرق إذاً بينه وبين القياس. وإن كان عن غير حجة فهو مردود. قيل: قد بينا أنه قول بحجة، وأنه أولى القياسين، إلا أنهم سموه استحساناً، ليفصلوا بهذه التسمية بينه وبين ما لم يكن معدولاً إليه لكونه أولى مما عدل إليه عنه. فإن قيل: فإذا كان الاستحسان أقوى الدليلين، فيجب أن يكون مذهبكم كله استحساناً؛ لأن كل مسألة فيها خلاف بين الفقهاء، فإنه قد ذهبتم فيه إلى أقوى الدليلين عندكم. قيل: الاستحسان أقوى الدليلين فيما حكمنا فيه بصحة كل واحدٍ من الدليلين، ومسائل (١) الخلاف بين الفقهاء لا نحكم بصحة أدلة مخالفنا، بل نعتقد فسادها؛ فلهذا لم نطلق اسم الاستحسان على جميع ذلك. مسألة لا يجوز أن يقال في الحادثة الواحدة بقولين في وقت واحد (٢) . وما نقوله من ذكر الروايتين، فهو محمول على أنه قاله (٣) في وقتين، كالخبرين، على ما نبينه. وقد أطلق الشافعي القولين في المسألة الواحدة في وقت واحد في مواضع

стр. 1810

من كتبه (١) . فالدلاله على منع هذا الإطلاق أشياء، منها: أن الصحابة تكلمت بالفقه، وكثرت، فلم تحك عن واحد منهم أن المسألة على قولين؛ فمن أحدث هذا فقد خالف الإجماع. فإن قيل: فالصحابة لم يفرعوا (٢) ، كما فرَّع (٣) غيرهم. قيل: قد فرَّعوا (٥) . قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: (أرأيت لو رأيت رجلاً على فاحشة، أكنت تقيم عليه الحد؟ قال: لا، حتى يكون معي غيري) (٥) . وهذا تفريع؛ لأنه سأله عما لم يوجد. وقد قال النبي ﷺ لمعاذ: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو) . وهذا تفريع. ولأن قوله: فيها قولان، لا يخلو: إما أن يحكي مذهب غيره، أو مذهب نفسه.، أو أن الدليل ما دلّ إلا على هذين القولين، وما عداهما باطل. فبطل أن يحكي مذهب غيره لوجوه:

стр. 1811

أحدهما: أن قول غيره أكثر من قولين، فما استوفى الخلاف. ولأنه لو كان حاكياً مذاهب الغير لزمه أن يسمى كتابه كتاب الخلاف، وما سماه بذلك. ولأنه إذا كان حاكياً مذهب غيره فما أضاف مذهباً إلى نفسه، فلا قول له فيها، وما قصد هذا. ولأنه حكى قولين فيما لم يعرف فيه قول لغيره، فبطلت الحكاية. وبطل أن يحكيهما قول نفسه؛ لأن الشىء الواحد لا يكون في [٢٥٢/أ] حالة واحدة حلالاً حراماً، ولا موجوداً معدوماً، ولا واجباً ندباً. وبطل أن يقال: ما دلَّ الدليل إلا على هذين؛ لأن الدليل الذي دل عليها لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يتقاوم الدليلان عنده ويتقابلا، أو يُرجح أحدُهما. فبطل التقاوم؛ لأن أدلة الشرع لا تتقاوم؛ لأن في تقاومها [ما] يفيد إحلال حرام.

стр. 1812

وبطل أن يُرجح أحدُهما؛ لأنه إذا رجح سقط الآخر، فلا يكون فيها قولان. فلم يبق إلا أن القول بالقولين باطل. ولأن القول بالقولين لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا صحيحين، أو باطلين، أو أحدهما صحيحاً والآخر باطلاً. فبطل أن يكونا صحيحين؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشىء الواحد حلالاً حراماً. وبطل أن يكونا عنده باطلين؛ لأنهما لو كان كذلك ما حكاهما. وبطل أن يكون أحدُهما صحيحاً؛ لأنه لو كان الأمر على هذا لما حكى قولين. وإذا بطل الكل، بطل القول بالقولين. ولأنه إذا قال: فيها قولان، لا يخلو من أحد أمرين: أما أن يعلم أن أحدهما صحيح، أو يجهل ذلك. فإن كان يعلم أن الصحيح أحدهما، فلا يحل له أن يكتمه لقوله تعالى: (إن الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزلْنَا مِنَ الْبيناتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيناهُ لِلناسِ في الْكِتَابِ أولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُم اللاعِنُونَ) (١) . وقال ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) (٢) .

стр. 1813

وإن كان جاهلاً بذلك، فما كان يحل له أن يحكيه لقوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم) (١) . وقال تعالى: (وَأنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (٢) . فلم يبق إلا أن القول باطل. فإن قيل: ذكر القولين ليعلم أصحابه طرق الاجتهاد، واستخراج العلل، وبيان ما يصححها ويفسدها؛ لأنه يحتاج إلى أن يبين طريق الأحكام، فكانت فائدة ذكر القولين هذا، دون أن يكون القولان مذهباً له. قيل: لو كان كذلك لوجب أن يحكي جميع الخلاف في ذلك، فيحصل التحريض والتجريح، وقد حكى في مسألة قولين وفيها أقوال. فإن قيل: أراد التخيير بين القولين؛ لأنه لم يظهر له مزيَّة لأحدهما على الآخر. قيل: هذا يفضي إلى أن يتقاوم الدليلان ويتقابلا، وأدلة الشرع لا تتقاوم؛ لأن في تقاومها [ما] يفيد إحلال حرام، وهذا لا يجوز. فإن قيل: إذا ذَكَر القولين ولم يبين الحق منهما، فقد أفاد بذكرهما أن ما عداهما باطل عنده، وأن الحق أحدهما.

стр. 1814

قيل: [٢٥٢/ب] فإذا كان الحق أحدهما، فلا يجوز أن يطلق القول فيهما؛ لأن الإطلاق يمنع تعلق الحق في أحدهما، ولا يجوز أن يطلق لفظاً من غير معنى [فذلك] فاسد، وإن لم يرد به ما يقتضيه ظاهره، كما لا يجوز أن يعتقد صحة ذلك المعنى. ألا ترى أن من ليس في تقيَّة، لا يجوز له أن يظهر كلمة الكفر، وإن لم يرد بها ما يقتضيه ظاهرها، كما لا يجوز له أن يعتقد ما يبين ظاهرها عنه. وإذا كان كذلك، واتفقنا على فساد اعتقاد ما أطلقه من القولين المتضادين في المسألة الواحدة في الوقت الواحد، وجب أن يكون إطلاقه ذلك فاسداً، وإن لم يرد به ما يقتضيه ظاهره. فإن قيل: فالخبر عما هو متوقف فيه حسن مفيد. قيل: الخبر عما هو متوقف فيه حسن إذا كان اللفظ لا يُنبىء عن معنى فاسد، وقد بينَّا أن هذا يُنبىء إطلاقه عن معنى فاسد، فلم يصح. فإن قيل: أمور الناس محمولة على الصحة والسلامة، فوجب أن يحمل ما ذهب إليه الشافعي في ذلك على وجه يجوز حمله عليه دون ما لا يجوز. قيل: لو جاز هذا الاعتبار لوجب أن تحمل كل لفظة منكرة الظاهر على وجه يصح حملها عليه، ولا يكون المتكلم بها ممنوعاً من إطلاقها. فكان يجوز للقائل أن يقول "لا إله" ويسكت على ذلك، فيكون ذلك محمولاً على أنه إنما أراد به "لا إله إلا الله". وكذلك، إذا قال: (وَيْل لِلْمُصَلينَ) (١) وسكت عليه يجب أن يحمل على أنه إنما أراد به (المُصَلينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) .

стр. 1815

فإن قيل: أليس قد جعل عمر ﵁ الأمر شورى في ستة (١) ، ولم ينص على واحد مما أنكرتم مثله هاهنا. قيل: عمر لم يقل إن الإمام فلان وفلان، كما قال الشافعي ﵀ في المسألة قولان وأكثر من ذلك، فكيف يشتبهان؟!. فإن قيل: فقد دخل أحمد ﵀ فيما أنكرتموه على الشافعي، فإنه رُوي عنه في مسِّ الذكر روايات (٢) ، وفي غيرها الروايتان والثلاث (٣) . قيل: الروايتان لم يقلهما أحمد في حال واحد، فيؤدي ذلك إلى أن يكون

стр. 1816

الشىء الواحد حلالاً حراماً، وإنما قال ذلك في وقتين مختلفين، رجع عن الأول منهما. ولو علمنا المتأخر منهما صرنا إليه، وجعلناه رجوعاً عن الأول. فلما لم نعرف المتقدم من المتأخر، جعلنا الحكم فيها مختلفاً [٢٥٣/أ] ؛ لأنه ليس تقديم أحدهما أولى من تأخيره؛ ولهذا قلنا -في مسائل عرفنا الثاني من قوله فيها-: إنه رجوع عن الأول. من ذلك قوله في رواية ابن إبراهيم: "إذا رأى الماء في الصلاة يمضي فيها، ثم تبينتُ، فإذا الأخبار: إذا رأى الماء يخرج من صلاته" (١) . ونقل أبو زرعة (٢) عنه: "كنتُ أتهيبُ أن أقول: لا تبطل صلاة من لم يصلِّ على النبي ﷺ ، ثم تبينتُ، فإذا الصلاة على النبي ﷺ واجبة، فمن تركها أعاد الصلاة" (٣) .

стр. 1817

وقال قوران (١) رجع أبو عبد الله عن هذه المسألة وقال: "يعطى كل واحد منهم نصف صاع" (٢) ، وقال: لا يحكى عن أبي عبد الله. وقال إسحاق بن إبراهيم: رجع أبو عبد الله عن هذه المسألة في الزكاة وقال: "يضم الذهب إلى الفضة وتزكى" (٣) . و"كذلك الحنطة إلى الشعير" (٤) . وهذا ظاهر كلام أبي بكر الخلال وصاحبه أبي بكر عبد العزيز، وأن ذلك رجوع عن الأول، وذكرا ذلك في مواضع من كتبهما. فمن ذلك: ما رواه مهنا عنه أنه كره العقيقة يوم سابعه، فقال: "ذلك قول قديم، والعمل على ما رواه حنبل عنه وغيره" (٥) .

стр. 1818

ونقل أبو الحارث: (إذا لم يجد إلا الثلج مسح به أعضاء الوضوء، ولا يعيد) . فقال: كان ذلك من أبي عبد الله في ذلك الوقت، والعمل على ما رواه المروذي (١) . فهذا كلام أبي بكر الخلال. وكذلك لصاحبه أبي بكر عبد العزيز في مواضع منها: ما رواه ابن منصور عن أحمد ﵀ "يستحلف في حد القذف"، فقال: قول قديم، والعمل على ما رواه حرب وصالح: "لا يمين في شىء من الحدود" (٢) .

стр. 1819

ونقل المروذي عنه فيمن قال: "يا لوطي، يسأل عما أراد، فإن قال: إنك من قوم لوط حُد، فهو قول قديم، والعمل على ما رواه مهنا وغيره: أن عليه الحد" (١) . ومن أصحابنا من حمل ذلك على ظاهره، ولم يسقط أحدهما بالآخر؛ لأنه لا يعلم المتقدم منهما إلا بالتاريخ (٢) . فإن قيل: فقد قال في موضع واحد في المسألة الواحدة قولين. نقل ذلك أبو الحارث عنه: "إذا أخرت المرأةُ الصلاة في آخر وقتها، فحاضت قبل خروج الوقت ففيها قولان: أحدهما (٣) : لا قضاء عليها؛ لأن لها أن تؤخر إلى آخر الوقت.

стр. 1820

والقول الآخر: أن الصلاة قد وجبت عليها بدخول وقتها فعليها القضاء، وهو أعجب القولين إليّ". وكذلك نقل الفضل بن زياد عنه في هذه المسألة. ونقل أبو داود عنه [٢٥٣/ب] في البكر إذا استحيضت: عندنا فيه قولان: أن تقعد أدنى الحيض يوماً، ثم تغتسل وتصوم وتصلي. أو تقعد أكثر حيض النساء ستاً أو سبعاً. قلت لأحمد ﵀: فما تختار أنت؟ قال: "من قال يوماً، فهو احتياط" (١) .

стр. 1821

وكذلك نقل المروذي عنه هذه المسألة. قيل: أحمد ﵀ لم يطلق القولين حتى ينبئ عن اختياره، والصحيح منهما، فقال في مسألة أبي الحارث: "أعجب القولين إليّ القضاء". وكذلك في مسألة أبي داود: "من قال يوماً هو احتياط". فصل في معنى اللفظ المحتمل من كلام أحمد رحمه الله تعالى [جوابه بأخشى] إذا سئل عن حكم فقال: أخشى أن يكون كذا، أو أخشى أن لا يكون كذا، فهو مثل قوله: يجوز، ولا يجوز ذلك (١) . فدل في رواية صالح وقد سئل عن صلاة الجماعة فقال: "أخشى أن تكون فريضة" (٢) .

стр. 1822

وكذلك نقل مهنَّا عنه فيمن حلف لا يلبس من غزلها، فلبس ثوباً فيه من غزلها الثلث: "أخشى أن يكون قد حنث" (١) . وكذلك نقل الأثرم عنه في إعطاء القِيَم لكل مسكين في الزكاة: "أخشى أن لا يجزىء" (٢) . وكذلك نقل ابن إبراهيم فيمن قال: حلفت، ولم يحلف: "أخشى أن يكون قد حنث" (٣) .

стр. 1823

وكل ذلك قد ورد عند النص الصريح بالحكم الذي ذكرنا (١) ؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الامتناع من فعل (٢) الشىء خوف الضرر منه (٣) ، ومنه قوله تعالى: (يَقُولُونَ نَخْشَى أنْ تُصيبَنَا دَائِرة) (٤) معناه: نخاف. وكذلك قوله: (إنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (٥) . [جوابه بأخاف] وكذلك إذا قال: أخاف أن لا يكون أو يكون، فإن يجري مجرى الصريح (٦) .

стр. 1824

وقد قال في رواية الميموني: "إذا أعطى القيمة، أخاف أن لا يجزىء" (١) . فنقل مُهنا: إذا قال لعبده: لا مُلكَ لي عليك،: "أخاف أن يكون قد عتق" (٢) . وقد نقل صالح في ذلك الحكم الذي ذكرنا، والمعنى فيه ما ذكرنا، وهو: أنها تستعمل في الامتناع. ومنه قوله تعالى، (إني أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبي) (٣) معناه: إنني أمتنع خوفاً من ربي. وقوله تعالى: (فَأخافُ أنْ يقْتُلُونِ) (٤) . [جوابه بأن هذا يشنع عند الناس] وكذلك إذا قال: "هذا شنع عند الناس، فإن يقتضى المنع (٥) .

стр. 1825

قال في رواية الميموني في شهادة العبيد في الحدود: "كأنه شنع، وإنما ذلك عنده أتهيب الناس" (١) . وهذا ظاهر كلام أبي بكر عبد العزيز؛ لأنه لما ذكر هذه المسألة قال: "لا يختلف القول عنه أن شهادته في الحدود لا تجوز" (٢) . وخرَّج شيخُنا أبو عبد الله (٣) وجهاً آخر: أنه لا يقتضي المنع؛ لأنه امتنع من الصلاة قبل المغرب [١٥٤/أ] لأجل أن العامة تشنع ذلك، ولم يقتض ذلك التحريم؛ لأن هذه اللفظة محتملة؛ لأنها تُستعمل في الامتناع فيما يخرج عن العادة، وتُستعمل فيما كان قبيحاً عند الله (٤) .
следующие страницы →