← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقيل: المعنى الذي تعلق به الحكم. وقيل: الصفة المقتضية للحكم.

стр. 212

[تعريفُ الحكمِ] : وأما الحكم: فما جلبته العلة، أو ما اقتضته [١٤/ ب] العلة، من تحريم وتحليل وصحة وفساد، ووجوب وانتفاء وجوب، وما أشبه ذلك. والعلة الواقفة: هي التي لا تتعدى إلى فرع. والعلة المتعدية: هي التي تتعدى إلى فرع أو أكثر. والمعلول: هو الحكم؛ لأن تأثير العلة فيه. وقيل: هو الذات التي حلتها العلة، مثل الخمر وسائر الأشربة، والبر والشعير وسائر المكيلات، والذهب والفضة؛ لأن الجسم التعليل، والمعلول هو الذي حلته العلة. وهذا ليس بصحيح؛ لأن تأثير العلة في الجسم، وههنا في الحكم، فالمعلول ما أثرت فيه العلة.

стр. 213

[تعريف المعتل والمعلل والمعتل به والمعتل له] : والمعتل: هو المحتج بالعلة. والمعلل: هو المعتل؛ لأنه يقال: اعتل بكذا، أو علل بكذا، فدل على أنهما سواء. وقيل: المعتل هو الناصب للعلة، مثل المحرك هو الفاعل للحركة، والمسود هو الفاعل للسواد. والمعتل به: هو العلة. والمعتل له: هو الحكم.

стр. 214

[تعريف الطرد والعكس] : والطرد: وجود الحكم بوجود العلة. والطرد شرط في صحة العلة. وهل هو دليل على الصحة؟ فيه اختلاف. ونحن نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه١. والعكس: عدم الحكم لعدم العلة. فإذا قلنا لا زكاة في الخيل؛ لأنه حيوان لا تجب الزكاة في ذكوره، فلم يجب في إناثه. أصله: البغال والحمير، وعكسه: الإبل والبقر والغنم. وسبيل العاكس أن يبدأ بموضع العلة، فيقول: فإن الزكاة لما وجبت في ذكورها، وجبت في إناثها.

стр. 215

[تعريف النقض] : وأما النقض: فهو وجود العلة مع عدم الحكم. وقد نقض أبو حنيفة٢ علته في تحريم النساء فقال: أحد وصفي علة

стр. 216

تحريم التفاضل علة لتحريم النساء، ثم أجاز إسلام الدراهم والدنانير في الموزونات مع وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل، وهو الوزن.

стр. 217

فصل: [العلة منطوق بها ومجتهد فيها] : والعلة التي يتعلق بها الحكم على ضربين: منطوق بها ومجتهد فيها. وقال بعض الخراسانية: مسطورة ومسبورة. فأما المنطوق بها فهي: التي دلَّ كلام صاحب الشريعة عليها. مثل قوله ﷺ : "أينقصُ الرطبُ إذا يبس؟ " ١، وقوله ﷺ في لحوم الأضاحي:

стр. 218

"إنما نهيتكم من أجل الدّافة" ١. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ٢، فدلّ على [أن] المنع لأجل الحيض. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ٣ قد دلّ على أن الطهارة لأجل الجنابة. وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤. وقوله ﵇: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" ٥، ونهيه

стр. 219

عن بيع ما لم يقبض١، وربح ما لم يضمن٢. و "الثيب أحق بنفسها" ٣.

стр. 220

و "ليس للولي مع الثيب أمر" ١ وقوله ﷺ [١٤/ ب] : "لا يقضي القاضي وهو غضبان" ٢، وما أشبه ذلك مما دل كلام صاحب الشريعة على علة الحكم. فإذا ثبت هذا، فإنه ينظر فيه. فإن كان مطردًا علم أنه كمال العلة، وإن انتقض وجب ضم وصف آخر إليه، وعلم أن صاحب الشريعة لم ينص على كمال العلة، وإنما نص على بعضها ووكل الباقي إلى اجتهاد أهل العلم، وهذا جائز؛ لأنه إذا جاز أن يكل الجميع إلى اجتهادهم، جاز أن

стр. 221

ينص على البعض ويكل الباقي إلى اجتهادهم. ومثال ذلك ما احتج به أصحاب أبي حنيفة وقالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال لبريرة١: "ملكت بضعك فاختاري"٢، وهذا يقتضي أن الأمة إذا أعتقت تحت حر كان لها الخيار، فقلنا لهم: إن ثبت هذا اللفظ كان معناه: ملكت بضعك تحت العبد، فضممنا إليه وصفًا آخر. وأما العلة المجتهد فيها، فمثل سائر العلل المستنبطة، وطريق ثبوتها: التأثير، أو شهادة الأصول، ويأتي الكلام على ذلك في باب: العلم الدال على صحة العلة٣.

стр. 222

فصل: [تعريف السبب] : والسبب: ما يتوصل به إلى الحكم ويكون طريقًا لثبوته، سواء كان دليلا أو علة أو شرطًا أو سؤالا مثيرًا للحكم. والدليل عليه: أن الله تعالى سمى الطريق سببًا، فقال عزَّ من قائل:

стр. 223

﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ١، أي: طريقًا. وسمي الطريق سببًا؛ لأنه يتوصل بسلوكه إلى المقصود. وسمي الباب سببًا؛ لأنه يدخل منه إلى المقصود. قال تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ الْسَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ٢ وأسباب السموات: أبوابها، قال زهير٣: ومن هاب أسباب السماء ينلنه ... ولو نال أسباب السماء بسلم٤ وسمي الحبل سببًا؛ لأنه يتوصل به إلى الماء وغيره، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٥، يعني بحبل.

стр. 224

أقسام النظر مدخل ... فصل: [أقسام النظر] : والنظر ضربان: ضرب هو النظر بالعين فهذا حدُّه: الإدراك بالبصر.

стр. 225

والثاني: النظر بالقلب، وهذا حدُّه: الفكر في حال المنظور فيه. والمنظور فيه: هو الأدلة والأمارات الموصلة إلى المطلوب. والمنظور له: هو الحكم؛ لأنه ينظر لطلب الحكم. والناظر: هو الفاعل للفكر.

стр. 226

[تعريف الجدل] : وأما الجدل: فهو تردد الكلام بين اثنين، إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه. وهو مأخوذ من الإحكام، يقال: درع مجدولة، إذا كانت محكمة النسج، وحبل مجدول، إذا كان محكم الفتل. والأجدل، هو الصقر عندهم. والجدالة: وجه الأرض، إذا كان صلبًا. ولا يصح الجدل إلا بين اثنين. ويصح النظر من واحد [١٥/ أ] . والسؤال، هو الاستخبار. والجواب: هو الإخبار. فإذا سأل السائل المسئول فقال: ما تقول في كذا؟ فإنه مستخبر عن مذهبه فيما سأله عنه، وإذا أجابه فهو مخبر عنه. والجدل كله سؤال وجواب.

стр. 227

[تعريف الرأي] : وأما الرأي: فاستخراج صواب العاقبة. فمن وضع الرأي في حقه، واستعمل النظر في وضعه، سدده إلى الحق المطلوب، كمن قصد الجامع يسلك طريقه ولم يعدل عنه أداه إليه وأورده عليه.

стр. 228

وإنما كان كذلك؛ لأن الحق عند أحمد ﵀ في واحد، وما عداه باطل. وعلى الحق دليل يوصل إليه، فإذا وصل إلى الدليل أوصله إلى الحكم.

стр. 229

الكلام وأقسامه مدخل ... فصل: [الكلام وأقسامه] : والكلام في اللغة: عبارة عن أصوات وحروف. وقد نص أحمد ﵀ على هذا في كلام الله تعالى، وأن الله تعالى تكلم بصوت، في رواية يعقوب بن بختان١ والمروذي٢ وعبد الله٣. وقال الأشعرية: الكلام معنىً قائم في النفس يعبر عنه بهذه الأصوات المقطعة. والكلام في هذا يأتي في باب الأوامر٤.

стр. 230

وإذا ثبت هذا فالكلام على ثلاثة أوجه: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. فالاسم: مأخوذ من السمة، وهي العلامة؛ وحقيقته: ما أفاد معنىً غير مقترن بزمان مخصوص، والأسماء على وجوه يأتي شرحها. والفعل -على ما يذكره النحويون- فإنه عبارة عما دلَّ على زمان محدود. والحرف: هو عبارة عن شيئين: أحدهما معنىً، والآخر عبارة. فالمعنى: هو الحرف الذي هو طرف الشيء ونهايته، ومنه: حرف الوادي. والثاني: ما يقصد به النحْويون، وهو ما أفاد معنىً في غيره. فهذا تقسيم كلام العرب. وقد ذكر بعضهم تقسيمه على المعاني، فحصره بستة عشر وجهًا، فقال: الأمر وما في معناه، وهو السؤال والطلب والدعاء، ومن ذلك النهي ويدخل فيه الإخبار والجحود والقسم والأمثال والتشبيه وما أشبه ذلك، ومنه الاستخبار، والنهي منه الإخبار والاستفهام١.

стр. 231

والأسماء على وجوه: منها: أعلام وألقاب وضعت في اللغة للتمييز بين المسمى وغيره، تقوم مقام الإشارة إلى الغير مثل: زيد وعمرو. ومنها: ما وضع لإفادة صورة وبنية مخصوصة، مثل: إنسان. ومنها: ما وضع لإفادة جنس مثل: علم وإرادة. ومنها: ما وضع لإفادة أمر تعلق بالمسمى مثل: والد وأخ، وفوق وتحت. والاسم المفيد لمعنىً يتعلق بالمسمى، قد يكون على وجه الاشتقاق، مثل قولنا: مقتول ومضروب. ومنه ما هو مشتق مثل قولنا: قاتل وضارب. وقد يتفق الاسمان في الصورة والدلالة، مثل قولنا: الوطء بالنكاح وبملك اليمين حلال. وقد يتفق الاسمان في الصورة ويختلفان في المعنى مثل: القرء، يراد به الحيض والطهر. وقد يختلفان في اللفظ والمعنى مثل قولنا: الخمر محرمة، والخل مباح. وقد يختلفان في الصورة ويتفقان [١٥/ ب] في المعنى، مثل زكاة وصدقة. والأسماء على ضربين: منه ما هو عام، ومنه ما هو خاص. فالعام على ضربين: منه ما هو عام ليس فوقه ما هو أعم منه. ومنه ما هو عام بالإضافة إلى ما هو أخص منه، وإن كان خاصًّا فبالإضافة إلى ما هو فوقه. فالعام الذي ليس فوقه أعم منه مثل معلوم ومذكور. والخاص الذي هو عام في نفسه مثل قولنا: عَرَض، هو عام في

стр. 232

جميع الأجناس، وهو خاص بالإضافة إلى قولنا: معلوم ومذكور. والخاص الذي هو في الحقيقة خاص، مثل أسماء الأعيان. وإذا كان الاسم عبارة عن شيئين متضادين جاز أن يكون حقيقة فيهما، مثل أسماء الأضداد. وكذلك إن عبَّر عن مسمين مختلفين، مثل قولنا للباري تعالى: عالم، وللمحدث: عالم. والأسماء المشتقة التي هي مقيدة على ضربين: منها ما هو مشتق من معاني متماثلة، مثل قولنا: أسود. ومنها: ما هو مشتق من معنى وصفة لا يجب تماثلها، مثل متلوّن. فالأسماء التي ليست بمشتقة منها: ما يتفق لفظه ومعناه، مثل: سواد وسواد. ومنها: ما يتفق لفظه ويختلف معناه، مثل جارية للعين المعروفة، وجارية للسفينة. والمقيد من الأسماء على ضربين: منه ما هو حقيقة في بابه، ومنه ما هو مجاز. فالحقيقة: هو اللفظ المستعمل في موضعه. والمجاز: هو اللفظ المعدول عن جهته. والاسم متى كان مشتركًا في أشياء، مفيدًا في جميعها فائدة واحدة، حمل على جميعها كاللون. فإن كان يفيد في أشياء مختلفة، فقد قيل: لا تحمل على جميعها وشبهه بعضهم به إذا قال: "أوصيت لموالي فلان"، وله مولى أعلى ومولى أسفل، لم يحمل عليهما لتنافي معناهما؛ لأن أحدهما منعِم، والآخرُ منعَمٌ عليه.

стр. 233

ولا يجوز حمل الاسم على معنيين مختلفين أحدهما حقيقة والآخر مجاز، إذ لا يحمل على الصريح والكناية. وهذا إجماع الصحابة حين لم يحملوا اسم القرء على الأمرين، ولو حمل اللفظ عليهما لم يتمنعوا منه من غير دلالة.

стр. 234

[الأسماء الشرعية] : والاسم المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في موضوع اللغة، مثل اسم المؤمن، هو في اللغة: عبارة عن كل مصدق. واختص في الشريعة من آمن بالله، حتى لا يجوز استعماله في غيره. وكذلك اسم الكافر عبارة: عن كل مغطَّى، وقد اختص ذلك الاسم في الشرع بمن كان كافرًا بالله تعالى. ومثل اسم الصلاة، فإنه في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: لأفعال حصل معها دعاء. وكذلك الزكاة في اللغة: عبارة عن النَّماء. وفي الشريعة: عبارة عن إخراج ماله. وكذلك الربا، في اللغة: عبارة عن الزيادة. وفي الشريعة عبارة عن أمور قد لا يحصل معها زيادة. وكذلك الصوم عبارة: عن الإمساك في اللغة. وفي الشريعة: إمساك بصفة، وهو عن الأكل والشرب والجماع مع النية. وكذلك الاعتكاف، في اللغة: عبارة عن اللّبث. وهو في الشرع: لبث في مكان مخصوص متى انضمت إليه النية. وكذلك الوضوء، هو [١٦/ أ] عبارة عن: الوضاءة في اللغة، وهو في الشريعة عبارة عن غسل أعضاء مع النية.

стр. 235

وكذلك الحج عبارة: عن القصد في اللغة، وهو في الشريعة: عبارة عن أفعال مخصوصة، فهو في الشريعة كما كان في اللغة، وضمت إليه شروط شرعية، ولا نقول: بأنها منقولة من اللغة إلى معاني أحكام الشريعة. وقالت المعتزلة: هي منقولة ومعدولة عن موجباتها في اللغة. وهذا قول فاسد؛ لأنه لو نقل الأسماء اللُّغوية إلى أحكام شرعية كان مخاطبًا لهم بغير لغتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ١، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢. ولأنه لو كان منقولا لحصل البيان من النبي ﷺ في ذلك، كما حصل منه في غيره من الأشياء، ولما لم ينقل ذلك، دل على أنه لم ينقل.

стр. 236

فصل: في أسماء الأشياء هل حصلت عن توقيف أم مواضعة ؟: فقيل في ذلك: يمكن أن يكون عرف ذلك بالتوقيف والوحي من الله تعالى. ويحتمل أن يكون عرف ذلك بمواضعة أهل اللغة ومواطأتهم على ذلك. ويمكن أن يكون بعضها مأخوذًا عن توقيف، وبعضها بالمواضعة. وبعضها مستعملا بقياس على ما تكلم به أهل اللغة. ويجوز أن يتفق لأهل اللغة أو لبعضهم: أن يتواطئوا على وضع اسم لشيء قد وقف اللهُ عليه بعضَ من أعلمه ذلك، فتكون المواضعة منهم موافقة للتوقيف.

стр. 237

ويجوز أن يسمُوا الأشياء بغير الأسماء التي وصفها الله تعالى لها، إذا لم يحصل منه حظر لذلك، فإن حظر ذلك لم يَجُزْ مخالفة الاسم، ومتى لم يحظر ذلك كان للشيء اسمان: أحدهما موقف عليه، والآخر متواضع عليه. وقال قوم: جميع أسماء الأشياء في كل لغة أخذ من جهة توقف الله تعالى لآدم، والتعليم له، إما بتولي خطابه، أو الوحي إليه على لسان من يتولى خطابه وإفهامه. وقال آخرون: جميع ذلك عرف من جهة مواطأة أهل اللغة. والذي نختاره: ما ذكرناه أولا، وهو كلام أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١، بما نذكره فيما بعد، ولم يحمل الآية على عمومها. فالدلالة على فساد قول من قال: إن جميعها توقيف هو: أنهم إذا كانوا أحياء ناطقين، وكان الكلام والنطق منهم صحيحًا، ويعرفون المعلومات، البعض منها ضرورة، والبعض منها نظرًا وبحثًا، ويعرفون لما يعلمونه أمثالا، وربما غاب عنهم الحاضر واحتاجوا إلى طلبه، وجب عند ذلك صحة نطقهم للحاجة لمعرفة ذلك، وجرى مجرى اجتماع الخلق على أكل الطعام عند الجوع، وشرب الماء واتقاء الحر والبرد. فإن قيل: كيف يعرف مراد النطق بالأصوات، وهو لم يسبق له التوقيف بمعرفة ذلك؟ قيل: يعرف ذلك ضرورة عند قوله: رجل وإنسان، إذا تكرر ذلك وأتبعه [١٦/ ب] بالإشارة إليه والإقبال عليه.

стр. 238

ويبين صحة هذا أنه لا يجوز أن تكون أحوال الناطقين الأصحاء العقلاء أَدْوَنَ من الخرس في تأتي المواضعة منهم على معاني رموزهم وإشاراتهم، وإن لم يتقدم لهم إشارات أُخَرُ وقفوا على معناها؛ ولأن الله تعالى إذا أراد توقيفهم للمواضعة على ذلك جمع عليها هممهم، ووفر دواعيهم، وسهل سبيل ذلك لهم. وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ : فذكر أبو بكر في كتاب التفسير فقال: وأولى بالصواب: أسماء ذريته وأسماء الملائكة، دون أسماء سائر أجناس الخلق، قال: وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ﴾ يعني بذلك: أعيان المسمين؛ إذ لا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، فأما إذا كنّت عن أسماء البهائم، وسائر الخلق، سوى من وصفها، فإنها تكني عنها بالهاء والألف أو بالهاء والنون، فقالت: "عرضهن"، أو "عرضها". وكذلك تفعل إذا كنّت عن أصناف من الخلق والبهائم والطير وسائر أصناف الأمم، وفيها أسماء بني آدم والملائكة، تكني عنها بما وصفنا من الهاء والنون والهاء والألف، لا كل بني آدم نحو قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ١، فكنى عنها بالهاء والميم؛ لأنها أصناف مختلفة، فيها الآدمي. وقيل في جواب ذلك: أن يدل على أنه علمها آدم ووقفه عليها، وذلك لا يمنع المواضعة عليها مع تعليم آدم إيَّاها، ومع بدل تعليمه لو ترك ذلك. وقيل: إنه لم يخبر تعالى أنه وقف جميع الخلق على الأسماء، وإنما أخبر أنه وقف آدم على ذلك، وليس فيه ما يمنع أن يكون قد اتفق لأهل كل اللغة تواضعهم بما في مثل ما وقفه الله عليه أو كثير منه.

стр. 239

وقيل: يحتمل أن يكون علّم آدم الأسماء كلها بلغة من اللغات مبتدأة له لم ينطق بها أحد، وأن تكون الملائكة المخلوقة قبله قد كانت تواضعت على أسماء لتلك الأشياء وتخاطب يتفاهمون به غير الأسماء المبتدأة لآدم، فتكون لها أسماء وقف الله آدم عليها، لا تعرفها الملائكة، وأسماء لها قد عرفتها الملائكة بطريق التواضع. وقيل: يحتمل أن يكون الله تعالى علّمه اسم كل شيء خلقه ذلك الوقت من الملائكة والسموات وما خلقه في الجنة، ولم يعلِّمه أسماء ما يحدثه ويخلقه من بعد، ويكون قوله: ﴿كُلَّهَا﴾ على طريق التأكيد، أو يكون قوله: ﴿كُلَّهَا﴾ في ذلك الوقت. وقيل: إنه لم يخبر كيف علمه بأن وقفه أو أنطقه أو أقدره على النطق وجميع دواعيه على مواضعة الملائكة على دلالة ما ينطبق به، فإذا أقدره على ذلك، وخلق فيه العلم به وجمع همه عليه كان له الأسماء، وإن لم يعلمه ذلك توقيفًا. وهكذا الجواب عن قوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، و ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢، معناه سمى بعضه، ودلّ على بعضه. والذي يدل على أن الملائكة [١٧/ أ] كانوا مخاطبين ومتواضعين على تخاطب أسماء يعرفونها قبل خلق آدم؛ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ٣، الآية، وقوله لما خلقه وأحياه وعلمه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٤، فلو لم يكونوا عالمين بالخطاب وبأسماء الأشياء، كيف كانوا يفهمون، ويجيبون، ويقولون؟!

стр. 240

فصل ١: في حروف تتعلق بها أحكام الفقه، ويتنازع في موجباتها المتناظران: [" الواو "] : فمنها "الواو"، وله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون في العطف مثل قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وهي توجب الجمع على قول أصحابنا، ولهذا قالوا فيمن قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق، وقع عليها تطليقتان، كما لو قال: أنت طالق طلقتين، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال: إنها توجب الترتيب. والوجه في أنها لا توجب الترتيب: أنها تستعمل فيما لا يقع فيه الترتيب، وهو قولهم: اشترك فلان وفلان، ولا يجوز أن يقولوا: اشترك فلان ثم فلان. ولأن قائلا لو قال: رأيت زيدًا وعَمْرًا، لم يفهم منه أنه رأى زيدًا قبل عمرو٣، ولو كان المفهوم منه الترتيب لوجب إذا رآهما معًا أو رأى عمرًا قبل زيد، أن يكون كاذبًا في خبره، ولوجب إذا قال: رأيت

стр. 241

زيدًا وعمرًا معًا، أن يكون مناقضًا في كلامه، كما لو قال: رأيت زيدًا ثم عمرًا، كان مناقضًا. وأيضًا روي أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: ما شاء الله وشئت، فقال: "أمثلان أنتما؟! قل: ما شاء الله ثم شئت"١، فلو كان الواو توجب الترتيب لكان قوله: وشئت، وقوله: ثم شئت- سواء، وقد فرق النبي ﷺ بينهما، وأمره بأحدهما ونهاه عن الآخر، فعلم أن أحدهما يوجب الجمع والآخر الترتيب. واحتج من قال: إنها للترتيب، بما روي عن عدي بن حاتم٢ أنه قال: خطب رجل عند رسول الله

стр. 242

صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" ١، وهذا يدل على أن الواو ترتيب؛ لأن قوله: ومن يعصهما جمع من غير شك، ولا يجوز أن يكون المنهي عنه هو المأمور [به] . والجواب: أنه إنما أمره بذلك لئلا يجمع بين ذكر الله تعالى وذكر رسوله ﷺ في كتابة واحدة؛ لأن ذلك منهي عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٢، ولم يقل يرضوهما٣. واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لعبد بني الحسحاس٤، لما أنشده [١٧/ ب] :

стр. 243

عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا١ لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، وهذا يدل على أن الواو للترتيب. والجواب: أنه لم يقل هذا لأجل الترتيب، وإنما قال ذلك؛ لأن البداية يجب أن تكون بالأهم فالأهم والأشرف، والإسلام أهم وأشرف وأولى. واحتج: بأن من أنفذ رسولين، وكتب بذكرهما كتابًا وقال: أنفذت إليك فلانًا وفلانًا، اعتقد كل عالم باللغة أن المبتدأ بذكره مقدم على الآخر في القدر والمحل. والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: إن المفهوم من هذا الجمع بينهما في الرسالة. الحال الثانية من أحوال الواو: أن يكون في القسم، فيكون بدلا من الباء؛ لأن الأصل في القسم: أَحْلِفُ، أو أقسمُ بالله، ثم حذفوا فقالوا: بالله لقد كان كذا، ثم جعلوا "الواو" بدلا من "الباء"؛ لأن مخرجهما من الشفتين، فقالوا: والله. الحال الثالثة من أحوالها: أن تكون الواو في ابتداء الكلمة مثل قولهم:

стр. 244

ومهمهٍ مغبرَّةٍ أرجاؤه١ وهذه الواو بدل من "رب"، فكأنه قال: رب مهمه، ولا يجوز هذا إلا في الشعر، ولا يجوز في غيره. وقد تكون بمعنى "أو"، قال تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢.

стр. 245

[الفاء] : وأما "الفاء" فللتعقيب، قال سيبويه١: إذا قال: رأيت زيدًا فعَمْرًا، يجب أن تكون رؤيته لعمرو عقيب رؤيته لزيد، ولأن "الفاء" تدخل في الجزاء والشرط؛ لأن مثل الجزاء أن يكون عقيب الشرط، فلما كان "الفاء" للتعقيب اختص به دون الواو، فقيل: إذا فعل فلان كذا، فافعل كذا، ولا يجوز أن يقال بالواو؛ لأن الواو لا توجب التعقيب٢.

стр. 246

[ثم] : ١ وأما "ثم" فهو للفصل مع الترتيب٢، فإذا قال: رأيت فلانًا ثم فلانًا، اقتضى أن يكون الثاني متأخرًا عن الأول في الرؤية. ولهذا يحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ٣، أن ذلك يقتضي أن يكون العود: العزم على الوطء.

стр. 247

[أو] : ١ وأما "أو" فله ثلاثة أحوال: إذا كان في الخبر والاستخبار فهو للشك، تقول: أعندك زيد أو عمرو؟ وتقول: عندي زيد أو عمرو، فيكون المخبر والمستخبر شاكين فيه.

стр. 248

وإذا كان في الأمر والطلب١ يكون للتخيير٢ كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣. وإذا كان في النهي٤ فقد قيل: يكون للجمع كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٥. وقيل: يكون للتخيير؛ لأن النهي أمر بالترك، وأينما تركه كان مطيعًا، وهو الصحيح٦. وقد تكون للإباحة، تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين.

стр. 249

[الباء] : ١ وأما "الباء" فهي للإلصاق٢ [١٨/ أ] فإذا قلت: مررت بزيد،

стр. 250

فإن الباء تلصق المرور بزيد. وإذا قلت: كتبت بالقلم، فإن الباء تلصق الكتابة بالقلم١. ولهذا منع أصحابنا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ٢ على جواز مسح بعض الرأس، وقالوا: الباء تفيد الإلصاق دون التبعيض؛ لأن الباء تستعمل فيها فيما لا يصلح فيه التبعيض وهو قولهم: استعنت بالله، وتزوجت بامرأة، ولا يجوز أن يقال: "استعنت ببعض الله"؛ لاستحالة ذلك عليه سبحانه، ولا: مررت ببعض امرأة. ومنه قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" ٣، ولا يجوز التبعيض في ذلك.
следующие страницы →