[ثم] : ١
وأما "ثم" فهو للفصل مع الترتيب٢، فإذا قال: رأيت فلانًا ثم فلانًا، اقتضى أن يكون الثاني متأخرًا عن الأول في الرؤية.
ولهذا يحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ٣، أن ذلك يقتضي أن يكون العود: العزم على الوطء.
стр. 247
[أو] : ١
وأما "أو" فله ثلاثة أحوال:
إذا كان في الخبر والاستخبار فهو للشك، تقول: أعندك زيد أو عمرو؟ وتقول: عندي زيد أو عمرو، فيكون المخبر والمستخبر شاكين فيه.
стр. 248
وإذا كان في الأمر والطلب١ يكون للتخيير٢ كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣.
وإذا كان في النهي٤ فقد قيل: يكون للجمع كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٥.
وقيل: يكون للتخيير؛ لأن النهي أمر بالترك، وأينما تركه كان مطيعًا، وهو الصحيح٦.
وقد تكون للإباحة، تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين.
стр. 249
[الباء] : ١
وأما "الباء" فهي للإلصاق٢ [١٨/ أ] فإذا قلت: مررت بزيد،
стр. 250
فإن الباء تلصق المرور بزيد. وإذا قلت: كتبت بالقلم، فإن الباء تلصق الكتابة بالقلم١.
ولهذا منع أصحابنا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ٢ على جواز مسح بعض الرأس، وقالوا: الباء تفيد الإلصاق دون التبعيض؛ لأن الباء تستعمل فيها فيما لا يصلح فيه التبعيض وهو قولهم: استعنت بالله، وتزوجت بامرأة، ولا يجوز أن يقال: "استعنت ببعض الله"؛ لاستحالة ذلك عليه سبحانه، ولا: مررت ببعض امرأة. ومنه قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" ٣، ولا يجوز التبعيض في ذلك.
стр. 251
ومن أصحاب الشافعي من قال: إذا كان الفعل يتعدى من غير الباء، فلا يحتاج إليها للإلصاق، فوجب حمله على التبعيض١؛ لأن حمل كل حرف من القرآن على ما يفيد أولى، وقد استوفينا الكلام على هذا في غير هذا الموضع٢.
стр. 252
[من، وإلى] :
وأما "من" فهي لابتداء الغاية، و"إلى" لانتهاء الغاية، تقول: سرت من الكوفة إلى البصرة، أي: ابتدأت بالسير من الكوفة وانتهيت إلى البصرة١.
وقد تستعمل من للتبعيض كقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ٢، وكقولك: اختر من هؤلاء الرجال، واقبض من هذه الدراهم، وكل من هذا الطعام، واشرب من هذا الماء.
وإذا حلف لا يأكل من هذا الرغيف، ولا يشرب من هذا الماء، حنث بالبعض.
стр. 253
وتستعمل "إلى" بمعنى "مع" كقوله١: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٢ معناه: مع المرافق. وهذا المعنى يحتاج إلى الدليل، ولهذا إذا قال: بعتك كذا على أنك بالخيار إلى الليل، أن الليل لا يدخل في الخيار، خلافًا لأبي حنيفة٣، وإحدى الروايتين عن أحمد ﵀ أنه يدخل فيه؛ لأن الظاهر من "إلى" لانتهاء الغاية٤.
стр. 254
[على] :
وأما "على" فإنه للإيجاب، فإذا قال رجل: لفلان عليَّ كذا، حكم
стр. 255
بوجوبه عليه١.
стр. 256
[في] :
وأما "في" فهو للظرف١، فإذا قال: لفلان عليّ ثوب في منديل أو تمر في جراب، لم يدخل الظرف في الإقرار٢.
стр. 257
[اللام] :
و"اللام"١ تكون للتمليك كقولك: دار لزيد٢.
وتكون للتعليل كقوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ ٣.
وتكون للعاقبة والصيرورة كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٤، ومعناه: صار في العاقبة عدوًّا وحزنًا.
стр. 258
وتكون للجهة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ﴾ ١ الآية أحكم٢ جهة للمصرف.
والنكرة في النفي تقتضي جميع الجنس، وفي الإثبات بعض الجنس، فإذا قال: والله لا آكل طعامًا، كفَّ عن جميع الجنس قليله وكثيره، فأي قدر من الطعام أكل، حنث. وإذا قال: والله لآكلن طعامًا، لم يجب أن [١٨/ ب] يأكل جميع الجنس. وإذا أكل ما يقع عليه اسم الطعام برَّ في يمينه.
стр. 259
[إنما] :
و"إنما" للحصر١. وقول النبي ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢ يقتضي أن جميع ما للمرء هو الذي نواه، وأن ما لم ينوه ليس
стр. 260
له. وكذلك قوله ﵇: "إنما الولاء لمن أعتق" ١، يقتضي أن جنس الولاء للمعتق، ومن لم يعتق فليس له ولاء.
وقال بعض أهل خراسان: "إنما" لإثبات ما اتصل به ونفي ما عداه.
ومنهم من قال: لتحقيق المتصل به، وتمحيق المنفصل عنه. ويرجع معنى الجميع إلى ما ذكرته من الحصر.
стр. 263
فصل: في قيام بعض حروف الصفات مقام بعض:
قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ١، أي: على جذوع النخل. وقال العبد٢:
هُمُ صلبوا العبدي٣ في جذع نخلة٤.
стр. 264
"الباء" مكان "عن" قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١، أي اسأل عنه. قال علقمة بن عبدة٢:
فإنْ تَسْأَلُوني بِالنِّساءِ فإِنَّني ... عليمٌ بأدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ٣
"عن" مكان "الباء" قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٤، أي: بالهوى٥، والعرب تقول: رميت بالوتر٦.
стр. 265
"اللام" مكان "على" قال تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْل﴾ ١ أي: لا تجهروا عليه بالقول. والعرب تقول: سقط فلان لِفِيهِ، أي: على فيه. قال الشاعر:
فخرَّ صريعًا لليدين وللفَمِ٢
"إلى" مكان "مع" قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُم﴾ ٣ أي: مع أموالكم. ومثله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٤. تقول العرب: "الذود إلى الذود إبل" أي: مع الذود.
"اللام" مكان "إلى" قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٥ أي: إليها.
"على" مكان "من" قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ٦، أي: من الناس. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَحَق
стр. 266
عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ﴾ ١ أي: استحق منهم.
"من" مكان "الباء" قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه﴾ ٢، أي: بأمر الله.
وقال سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ﴾ ٣، أي: بكل أمر.
"الباء" مكان "من" تقول العرب: شربت بماء كذا، أي: من ماء كذا.
قال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه﴾ ٤. معناه: يشرب منها. قال عنترة ٥:
شَرِبَتْ بِمَاءِ الدُّحرضين فَأَصْبَحَت ... زوراءَ تنفر٦ عن حياض الديلم٧
стр. 267
والديلم: الأعداء.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ ١ أي من٢ علم الله.
"من" مكان "في" قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْض﴾ ٣، أي: في الأرض.
"من" مكان "على" قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْم﴾ ٤، أي: على القوم.
"عن" مكان "من" قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ ٥، أي: من عباده.
"من" مكان "عن" [١٩/ أ] تقول: من لفلان، أي: عنه.
"على" مكان "عند" قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ ٦ أي: عندي.
"الباء" مكان "اللام" قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ٧، أي: إلا للحق.
стр. 268
فصل: في بيان أبواب أصول الفقه:
من ذلك الأمر والنهي؛ لأنه وضع للإيجاب والإلزام، وهو أبلغ منازل الخطاب؛ ولأن الأمر قد يقع خاصًّا، وأصل الكلام الخصوص، والعموم داخل عليه، كما أن أصله التخفيف، والتثقيل داخل عليه، وتقديم ما هو أصل الكلام أولى، ثم يليهما العموم، ثم الخصوص، ثم المجمل، ثم المفسر، ثم الناسخ والمنسوخ، ثم الأخبار، ثم بيان الأفعال، ثم الإجماع، ثم القياس والاجتهاد وما يتعلق بذلك من الاستخراج، ثم بيان صفة المفتي والمستفتي، ثم بيان الحظر والإباحة، فكان الواجب تقديم ما هو أهم فيما يقصد بذكر أصول الفقه، وتأخير ما يعود إلى العقول، مثل إثبات حجج العقول وإثبات أحكامها.
والأولى في هذا الباب تقديم الكلام في المعاني؛ لأن أصول الفقه إذا كانت أصول الشرع، والأقوال في الشريعة هي أصول الفقه، والمعاني مفهومة بها، إما باستخراج منها أو تنبيه.
والأولى تقديم الأصل مثل الأمور العقلية إذا وقع الكلام فيها، كان تقديم الكلام في أصولها أولى.
ولا يجوز أن يقال: لما كان الكلام متى وقع في الدليل وجب تقديم المعاني، كذلك في مسألة الأوامر؛ لأن ما يستفاد بالدليل طريقه النظر والاستدلال، فالواجب أن يعلم أولا، ثم يعبر عنها. فكان الكلام في معنى الدليل الذي هو الأصل أولى من العبارة عنه. كذلك الأصل في المعاني الشرعية، لما كان الأقوال كان تقديمها أولى.
стр. 269
باب الأوامر ١: مسألة [صيغة الأمر] :
للأمر صيغة مبينة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمرًا، إذا تعرَّت عن القرائن. وهي قول القائل لمن دونه: افعل كذا وكذا.
خلافًا للمعتزلة في قولهم: الأمر لا يكون أمرًا لصيغته، وإنما يكون أمرًا بإرادة الآمر له٢.
وخلافًا للأشعرية في قولهم: الأمر لا صيغة له٣، وإنما هو معنىً قائم
стр. 270
في النفس لا يفارق الذات، وهذه الأصوات عبارة عنه.
وخلافًا لبعض متأخري أصحاب الشافعي في قوله: الفعل يسمى أمرًا في الحقيقة.
وقد نص أحمد ﵀ على هذه الفصول، فقال في رواية حنبل١: "أمر الله العباد بالطاعة، وكتب عليهم [١٩/ ب] المعصية؛ لإثبات الحجة عليهم، وكتب الله على آدم أنه يصيب الخطيئة قبل أن يخلقه"، وهذا يدل من قوله على أن الأمر لا يعتبر فيه الإرادة للآمر؛ لأن كتبه المعصية ضد الأمر بالطاعة؛ لأن ما كتبه حتم لا بد من وجوده، فعلم أن ما أمر به من الطاعة لم يكن مريدًا له؛ لأنه كتب ضده.
وقال -في رواية يعقوب بن بختان والمروذي وعبد الله: "تكلم ربنا ﵎ بصوت، وهذه الأحاديث كلها جاءت". وذكر حديث
стр. 271
عبد الله "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء"١، وذكر الحديث. وهذا يدل من قوله على أن الأمر هو الأصوات المسموعة؛ لأنه بَيَّن أن كلام الله تعالى الذي هو الأمر والنهي كان بصوت مسموع.
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم٢: "الأمر من النبي سوى الفعل؛ لأن النبي قد يفعل الشيء على جهة القصد، وقد يفعل الشيء هو له خاص، وأمره بالشيء للمسلمين". وهذا يدل من قوله ﵁: أن الفعل ليس بأمر؛ لأنه فرق بين فعله وبين قوله الذي هو الأمر، وجعل الأمر مقتضيًا للوجوب، والفعل محتملا للخصوص.
والدلالة على أنه يكون أمرًا لصيغته لا لإرادة الآمر:
أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، ولم يرد منه الذبح؛ لأنه لو أراد منه الذبح لم يجز أن يمنعه منه عند المخالف.
وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في آخر "كتاب القدر" قصة إبراهيم، وقال: قد يأمر بما لا يريد أن يكون، أو علم أنه لا يكون، ولا يكون مغلوبًا ولا مقهورًا مع علمه به أنه لا يكون، وإنما يكون مغلوبًا لو لم يعلم أنه لا يكون.
فإن قيل: لم يأمره بالذبح، وإنما كان أمره بمقدمات الذبح من الإضجاع وغيره. قيل: هذا خلاف نص القرآن؛ لأن الله تعالى أخبر
стр. 272
عنه بقوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ ١، فدل على أنه كان مأمورًا بذبحه؛
ولأن الله تعالى قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم﴾ ٢، ولا يصح الفداء بالذبح إلا أن يكون مأمورًا بذبح الابن؛
ولأنه لو كان مأمورًا بمقدمات الذبح، لكان إبراهيم -صلى الله عليه- قد فعل ما أمر به، فلا يكون للفداء معنى؛
ولأنه ليس في المقدمات بلاء مبين، فلما عظَّم الله سبحانه البلوى به، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِين﴾ ٣، وقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ ولا يحتاج في الإضجاع إلى الصبر، دلَّ على أن المأمور به كان الذبح.
فإن قيل: نسلم أنه كان مأمورًا بالذبح، وقد فعله إبراهيم -صلى الله عليه- ولكنه كلما قطع منه جزءًا التحم واندمل، فلم يمت بالذبح.
قيل: لو كان كذلك لم يصح الفداء بالذبح؛ لأنه إذا فعل المأمور به لم يكن له فداء؛ ولأن هذا لو كان صحيحًا لوجب أن يكون قد فعل، ويكون له ذكر في القرآن؛ لأنه من الإعجاز، مثل إحياء الموتى، ويكون ذكره أهم من ذكر سائر ما ذكر في [١٢٠/ أ] القرآن، فدل على أنه لا أصل له.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ ٤ فمنها دليلان:
стр. 273
أحدهما: أنه تعالى أخبر أن "كن" بمجردها أمر.
والثاني قوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَاه﴾ وهذا يقتضي أنه قد يوجد أمر بإرادة وغير إرادة، ولولا ذلك ما كان؛ لقوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَاه﴾ معنىً.
وعند المعتزلة: ذكره الإرادة لا تأثير له؛ لأنه لا أمر يوجد إلا بإرادة الآمر.
فإن قيل: المراد بهذه ما ينشأ خلقه، ويستأنف إحداثه وإيجاده، وليس المراد ما اختلفنا فيه.
قيل: هذا عام في الجميع.
وأيضًا: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف، فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك" ١، وهذا يدل على أنه إذا قال: لأقضين دينك غدًا -إن شاء الله- ولم يقضه، أنه لا يحنث في يمينه، وكان مأمورًا بقضاء دينه، فلو كان الله تعالى قد شاء ما أمره به، وجب أن يحنث في يمينه.
وأيضًا: فإن استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه أمر، وكل أمر استدعاء، وما ليس باستدعاء من أنواع الكلام فليس بأمر، فدلَّ هذا على أن الأمر إنما كان أمرًا لكونه استدعاء، وهذا كما نقول في الخبر: إنما كان خبرًا؛ لأنه يدخله الصدق والكذب؛ لأنَّا وجدنا كل خبر يدخله الصدق أو الكذب. وكلما يدخله الصدق أو الكذب فهو خبر. وما لا
стр. 274
يدخله الصدق أو الكذب من أنواع الكلام فليس بخبر. كذلك في الأمر يجب إثباته لما ذكرته.
واحتج المخالف: بأن لفظة: الأمر، ترد محتملة لوجوه كثيرة: فمنه ما أريد به الوجوب مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ ١.
ومنه الإرشاد إلى الأحوط للعباد مثل قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم﴾ ٢.
ومنه الإباحة: مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْض﴾ ٣، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٤.
ومنه التقريع والتعجيز، مثل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ٥.
ومنه التهديد، مثل قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ ٦.
ومنه المسألة مثل قوله : ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ ٧.
ومنه الندب، مثل قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ٨، وقوله:
стр. 275
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْر﴾ ١ وقوله: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ ٢.
ومنه الحثُّ على الإكرام، مثل قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُم﴾ ٣.
ومنه ما ورد على وجه الامتنان مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ٤ الآية.
وصورة الجميع واحدة من طريق اللفظ، وإنما تختلف بالإرادة؛ لأن الله تعالى أراد فعل الصلاة والزكاة، ولم يرد فعل الصيد، والانتشار في الأرض.
والجواب: أن الحكم إنما اختلف في هذه المواضع لاختلاف الاستدعاء، فإن أحدهما استدعى الفعل، والآخر أباحه، وبعضه تحذير وتهديد، وليس باستدعاء، وبعضه قام الدليل على أنه ندب [٢٠/ ب] .
ومحصول هذا الجواب: أنه إنما عدل عن الصيغة لقرينة، ومسألة الخلاف في الصيغة إذا تجردت عن القرائن.
وجواب آخر وهو: أن هذا يبطل بأسماء الحقائق، كالأسد والحمار، حقيقة في البهيمة، وإن كان قد يعدل بها إلى الرجل البليد، والشجاع بقرينة، كذلك ههنا.
واحتج بأن الأمر لا يخلو من أن يكون أمرًا؛ لأن الآمر أراد إيجاد اللفظ وإحداثه؛ أو لأنه أراد أن يكون خطابًا لمن دونه، أو لأنه أراد فعل
стр. 276
المأمور به منه، ولا يجوز أن يكون القسمين الأولين؛ لأن ذلك موجود فيما ليس بأمر، فدل على صحة القسم الثالث.
والجواب: أن ههنا قسمًا آخر وهو كونه استدعاء. ومحصول الجواب: أنه أمر لإيجاد اللفظ، والموضع الذي عدل عنه لقرينة.
واحتج: بأن النهي إنما كان نهيًا لكراهة الفعل، فوجب أن يكون الأمر أمرًا لإرادة الفعل؛ لأن النهي ضد الأمر.
والجواب: أن حدَّ النهي كراهية أن يكون الفعل المنهي عنه حسنًا، ولا نقول: إنه كان نهيًا لكراهية الفعل، فلم يكن بينهما فرق من هذا الوجه.
وقد قيل: إن حدَّ النهي: المنع عما ينهى عنه من طريق القول، لا للكراهة التي ذكرها المخالف.
واحتج: بأن أهل اللغة أجمعوا على أنه لا فرق بين قول القائل: افعل كذا، وبين أن يقول: أريد أن تفعل كذا، ولهذا نقول: إنه لا فرق بين أن يقول لعبده: اسقني ماءً، وبين أن يقول: أريد أن تسقيني ماءً، وإذا كان قوله: أريد أن تسقيني ماءً، إخبارًا عن إرادته، كذلك قوله: افعل، وجب أن يكون إخبارًا عن إرادته الفعل.
والجواب: أن قوله: أريد أن تسقيني ماء، إخبارٌ عن إرادته، ولهذا يدخله الصدق أو الكذب، وليس كذلك قوله: افعل، فإنه ليس بخبر، وإنما هو استدعاء واقتضاء، ولهذا لا يحسن أن يقول فيه، صدقت أو كذبت.
واحتج بأنه لا يخلو إما أن يجعلوا اللفظ أمرًا لصيغته، أو لعدم القرينة، وباطل أن يجعل أمرًا لصيغته؛ لأن الصيغة موجودة مع القرينة، التي هي التهديد والإباحة، وليس بأمر. وباطل أن يجعل أمرًا لعدم القرينة؛ لأن
стр. 277
عدم القرينة قرينة، فقد صح أن الأمر إنما يصح أمرًا لقرينة.
والجواب: أنَّا نجعله أمرًا لعدم القرينة، وليس عدم القرينة قرينة، كما أن عدم الشيء ليس بشيء، ومثال هذا: أسماء الحقائق: كالحمار والسبع، يستعمل فيما وضعت له حقيقة بمجردها، وهو في البهائم، وقد يستعمل في غيرها بقرينة، وهو في الرجل البليد، والشجاع، ولا يقال: إنها إذا استعملت فيما وضعت له عند عدم القرينة، إنها مستعملة فيه بقرينة، كذلك ههنا.
стр. 278
الأمر هو الأصوات المسموعة
مدخل
...
فصل:
والدلالة على أن [٢١/ أ] الأمر هو الأصوات المسموعة: هو أن هذا كلام متعلق باللغة، فوجب أن يرجع فيه إلى أهلها، وقد وجدناهم حدُّوا الأمر بقول القائل: افعل، إذا حصل على صفة، فلم يجز العدول عما قالوه في لغتهم.
ولا يجوز أن يقال: إن ما ذكرتموه في حدِّ الأمر لم ينقل عن العرب نقل تواتر؛ لأنه أمرٌ أَجْمَعَ عليه أهل العربية، وهم قوم يقع بخبرهم العلم؛
ولأن ما طريقه اللغة لو اعتبر فيه النقل المتواتر لم يمكن إثبات غريب القرآن ولا شواذ اللغة.
قيل: علمنا أن السلف كانوا يستشهدون بالبيت من الشعر على ما يحكونه من اللغة دلالة على بطلان هذا القول.
ولأن ما تعم به البلوى من أمر الشريعة لا يعتبر فيه النقل المتواتر، فكيف يصح اعتبار ذلك فيما طريقه اللغة؟!
ولأن الإنسان يسمى آمرًا عند وجود القول منه، ومتى انتفى عنه القول
стр. 279
لم يسمِّ بهذا الاسم فدل ذلك على اعتبار الأقوال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِم﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ ٢، والعرب تقول: في نفسي كلام أقوله لك٣.
والجواب: أن هذا مجاز واتساع، والحقيقة ما ذكرنا.
стр. 280
فصل: [الفعل لا يسمى أمرًا] :
والدلالة على أن الفعل لا يسمى أمرًا: أن أهل اللغة قد ذكروا في حدِّه قول القائل: افعل إذا كان على صفة، وهو من الأعلى إلى الأدنى، فلم يجز نقله عمَّا حكموا عليه [في] الوضع، كما لا يجوز في سائر اللغات.
ولأنه لو كان حقيقة لم يصح نفيه؛ ولأنه لا يشتق لفاعله أمر، فلو كان حقيقة فيه لصار مثل الأقوال.
واحتج المخالف بأنهم يقولون: أمر فلان سديد، ويريدون به أفعاله وأقواله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ٤، ومنه قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٥، وقول الشاعر:
فقلتُ لها أمْرِي إلى اللهِ كلُّه ... وإنِّي إليهِ في الإيَابِ لرَاغِبُ٦
стр. 281
والجواب: أن هذا كله على طريق المجاز، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١، وكما قال الشاعر:
وَقَالَتْ لَهُ العَينَانِ سَمْعًا وطَاعَةً٢
والعين لا تقول.
يبين صحة هذا، وأنه مجاز أنه يصح نفيه، فنقول: فلان لم يأمر اليوم بأمر مع وقوع الفعل منه، وأسماء الحقائق لا تتنافى.
واحتج بأن الأمر مأخوذ من الأمارة، وهي العلامة التي يقتدى بها، والفعل قد يلزم الاقتداء به، فسمي لذلك أمرًا.
والجواب: أن هذه الصفة تحصل في الكتاب والإشارة، وإن لم يطلق اسم الأمر عليهما، وليس يمتنع أن يوجد ذلك من العلامة، ويخص بها الأقوال تعريفًا لها وتنبيهًا عليها.
стр. 282
مسألة: [الأمر المطلق يقتضي الوجوب] :
إذا ورد لفظ الأمر متعريًا عن القرائن اقتضى وجوب المأمور به.
وهذا ظاهر كلام أحمد [٢١/ ب]﵀ في مواضع:
فقال في رواية١ أبي الحارث٢: إذا ثبت الخبر عن النبي ﷺ وجب العمل به.
стр. 283
وقال أيضًا ﵀ في رواية١ مهنا٢ -وقد ذكر له قول مالك٣ في الكلب يلغ في الإناء لا بأس به- فقال: "ما أقبح هذا من قولة! قال رسول الله ﷺ : "يغسل سؤر الكلب سبع مرات" ٤.
стр. 284
وكذلك نقل١ صالح٢ عنه فيمن صلَّى خلف الصف وحده: يعيد الصلاة، أمر النبي ﷺ رجلا صلَّى خلف الصف أن يعيد الصلاة٣. وهذا كثير في كلامه.
стр. 285
وقال ﵁ في كتاب طاعة الرسول١: "قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ٢ والظاهر٣ يدل على أنه إذا ابتاع شيئًا يشهد٤. فلما تأول قوم من العلماء ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ٥،