والجواب: أن هذا كله على طريق المجاز، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١، وكما قال الشاعر:
وَقَالَتْ لَهُ العَينَانِ سَمْعًا وطَاعَةً٢
والعين لا تقول.
يبين صحة هذا، وأنه مجاز أنه يصح نفيه، فنقول: فلان لم يأمر اليوم بأمر مع وقوع الفعل منه، وأسماء الحقائق لا تتنافى.
واحتج بأن الأمر مأخوذ من الأمارة، وهي العلامة التي يقتدى بها، والفعل قد يلزم الاقتداء به، فسمي لذلك أمرًا.
والجواب: أن هذه الصفة تحصل في الكتاب والإشارة، وإن لم يطلق اسم الأمر عليهما، وليس يمتنع أن يوجد ذلك من العلامة، ويخص بها الأقوال تعريفًا لها وتنبيهًا عليها.
стр. 282
مسألة: [الأمر المطلق يقتضي الوجوب] :
إذا ورد لفظ الأمر متعريًا عن القرائن اقتضى وجوب المأمور به.
وهذا ظاهر كلام أحمد [٢١/ ب]﵀ في مواضع:
فقال في رواية١ أبي الحارث٢: إذا ثبت الخبر عن النبي ﷺ وجب العمل به.
стр. 283
وقال أيضًا ﵀ في رواية١ مهنا٢ -وقد ذكر له قول مالك٣ في الكلب يلغ في الإناء لا بأس به- فقال: "ما أقبح هذا من قولة! قال رسول الله ﷺ : "يغسل سؤر الكلب سبع مرات" ٤.
стр. 284
وكذلك نقل١ صالح٢ عنه فيمن صلَّى خلف الصف وحده: يعيد الصلاة، أمر النبي ﷺ رجلا صلَّى خلف الصف أن يعيد الصلاة٣. وهذا كثير في كلامه.
стр. 285
وقال ﵁ في كتاب طاعة الرسول١: "قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ٢ والظاهر٣ يدل على أنه إذا ابتاع شيئًا يشهد٤. فلما تأول قوم من العلماء ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ٥،
стр. 286
استقر حكم الآية على ذلك"١.
وقد علق القول في رواية٢ الميموني٣ وقد سأله عن قول النبي ﷺ "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ ما استطعتُم، وما نَهَيتُكُم عنه فانتَهُوا" ٤، فقال: الأمر أسهل من النهي.
وكذلك نقل٥ علي بن سعيد٦ فقال: ما أمر به النبي ﷺ فهو
стр. 287
عندي أسهل مما نهى عنه. فقد سهَّل في الأمر وغلَّظ في النهي.
ولعله قصد بهذا أن الأمر أسهل من النهي على معنى أن جماعة قالوا: إطلاق الأمر يقتضي الندب، وإطلاق النهي يقتضي الحظر، وإطلاق الأمر لا يقتضي التَّكرار، والنهي يقتضي، وهذا قول جمهور الفقهاء.
وقالت المعتزلة: هو محمول على الندب بإطلاق حتى يدل الدليل على الوجوب.
وقالت الأشعرية: هو على الوقف على ما يبينه الدليل.
وذهب قوم إلى أنه على الإباحة حتى يدل الدليل.
فالدلالة على ما قلنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١.
فوجه الدلالة: أن الله تعالى لما أَمَرَ الملائكة بالسجود لآدم تبادروا إلى فعله، فعلم أنهم عقلوا من إطلاقه وجوب امتثال المأمور به، ثم لما امتنع إبليس من السجود وبَّخَهُ وعاقبه وأهبطه من الجنة، فلولا أن ذلك واجب عليه لما استحق العقوبة والتوبيخ بتركه.
فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك الأمر معه قرينة دلت على المراد به، فلهذا عاقبه بالمخالفة.
قيل: لم يذكر في الآية إلا أمرًا مطلقًا، وعلَّق التوبيخ والعقوبة بتركه، فمن ادَّعى أن هناك قرينة احتاج إلى دليل، يبين صحة هذا أن قوله:
стр. 288
﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك﴾ مثل قوله: ما يمنعك أن لا تسجد إذ قلت لك: اسجد، فإن الذم يتعلق بمجرد مخالفة القول، كذلك ههنا. فإذا قيل: إنما عاقبه؛ لأنه استكبر وكان من الكافرين، قيل: عاقبه على الأمرين جميعًا، على مخالفة الأمر، وعلى الاستكبار والكفر.
فإن قيل: لا يجوز [٢٢/ أ] أن يكون الأمر لإبليس بالسجود؛ لأن ذلك أمر للملائكة وإبليس ليس منهم، وإنما هو من الجن؛ لقوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه﴾ ١.
قيل: إبليس من الملائكة. وقد ذكر أبو بكر هذا فيما علَّقه عنه أبو إسحاق٢.
وهو قول ابن عباس فيما ذكره أبو بكر في كتاب التفسير فقال: قال ابن حنبل: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة التي منهم قبيله، وكان خازنًا على الجِنَان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ إنما سمي الجنان: إنه كان خازنًا عليها، كما يقال للرجل عَدَني، ومَكِّي، وكُوفِي، وبَصْرِي.
стр. 289
والذي يدل على أنه منهم استثناؤه من جملتهم، وحقيقة الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى. ولأنه وبَّخَه وعاقبه على ترك السجود، والأمر بالسجود كان للملائكة، فلولا أنه منهم لم يحصل مخالفة بتركه.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ﴾ ١، فنفي التخيير في الأمر وجعله ضالا مع التخيير، ومن قال: الأمر على الندب أو الإباحة خَيَّرَه.
فإن قيل: إنما قال هذا فيما قضاه، وما قضاه واجب، وخلافنا فيما أمر به.
قيل: ما قضاه لا صيغة له تدل على أنه واجب ولا ندب وهو دون مرتبة الأمر، ومع هذا فلم يجعل له الخيرة، فأولى أن لا يجعل له ذلك في الأمر، وعلى أن تعلقنا بقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ فعاد الكلام إلى قوله: ﴿أَمْرًا﴾ .
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٢، فتوعد على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب، فلولا أن إطلاقه يقتضي الوجوب لم يتوعد عليه.
وحكي عن الحسن البصري٣، أنه لم يكن من الملائكة، يعني إبليس.
стр. 290
وهو ظاهر كلام أبي إسحاق من أصحابنا؛ لأنه قال: سمعت الشيخ يقول: إبليس من الملائكة. فقلت: أجمعنا على أن الملائكة لا تتناكح، ولا تكون لها ذرية، وإبليس له ذرية قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ ١ فدلَّ على أنه من غيرهم.
وهذا لا يدل على أنه لم يكن منهم حين الخطاب؛ لأنه لا يمتنع أن يكون منهم حين الخطاب؛ لأنه لا يمتنع أن تكون حاله تغيرت بعد المخالفة، كما تغيرت حال الملكين الذين نزلا بأرض بابل لما خالفا، فأكلا الطعام وشربا الشراب وحصلت فيهم شهوة النساء، وإن لم تكن هذه صفة الملائكة، كذلك إبليس.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي﴾ ٢، فدلَّ على أن مخالفة الأمر معصية، ولم يقل: أعصيت ما دلَّ على وجوب الأمر؟ بل علَّق المعصية [٢٢/ ب] بمخالفة الأمر، وليس له صيغة غير لفظة: افعل، ألا ترى أن هذه اللفظة هي التي ترك امتثالها إبليس، فَذُمَّ، وهو قوله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ فعلم أن هذه صيغة الأمر.
ويدلُّ عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ٣، ومعلوم أن السواك مستحب، فدل على أنه لو أمر به لوجب.
стр. 291
ويدل عليه قول النبي ﷺ لبريرة: "لو راجعتيه فإنه أبو ولدك، فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: إنما أنا شافع" ١ فموضع الدليل:
стр. 292
أن النبي ﷺ أخبر أنه شافع، وشفاعته تدل على الندب ومن قال: الأمر على الندب، يقول: هو بمنزلة الشفاعة، فلو كان الأمر والشفاعة سواء ما تبرأ من الأمر.
فإن قيل: فلا دلالة فيه؛ لأنه ما تضمن الأمر، وإنما سألها، وشفع إليها.
قيل: احتجاجنا من قولها: بأمرك، فقال: "إنما أنا شافع"، فتبرأ عن الأمر إلى الشفاعة.
وفي هذا دلالة على من قال بالوقف أيضًا؛ لأن قولها: "بأمرك" معناه: فأمتثله.
ويدل عليه أيضًا ما روي عن النبي ﷺ : أنه مر برجل يصلي فدعاه، فلم يُجِبْهُ، فلما فرغ من الصلاة قال: "ما منعك أن تجيبني؟ " قال: كنت في الصلاة، فقال عليه السلام١: "أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾ ٢ " وهذا ظاهر، فإن النبي ﷺ عاتبه على مخالفة أمر الله تعالى المطلق، وهو قوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ وإن كان في الإجابة إليه ترك فريضة عليه، هو فيها.
стр. 293
وأيضا فهو إجماع الصحابة، وذلك أنهم كانوا يرجعون إلى مجرد الأوامر في الفعل والامتناع من غير توقف. مثل احتجاج أبي بكر على عمر ﵄ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١. ورجوع ابن عمر٢ إلى حديث رافع٣ في المساقاة ٤. وغير ذلك من القصص المشهورة.
стр. 294
وما كانوا عليه عند ورود لفظ الأمر، والذي يعلم أنه كان متقررًا فيما بينهم أن إطلاق ذلك يقتضي الوجوب والامتثال.
فإن قيل: يحتمل أن يكون رجوعها إلى غير ظاهر الأمر، وإنما رجعوا إلى قرينة اقترن بها دلَّت على الوجوب.
قيل: الذي ظهر عنهم الاحتجاج بنفس الألفاظ، فلا يجوز حمله على القرائن، وليس هذا إلا مثل من سمع خبرًا فصدق المخبر، فالظاهر تعلق تصديقه به دون إخبار مخبر قبله.
وجواب آخر وهو: أن هذا الاعتبار لو صح لبطل حكم اللغة، ألا ترى أن أسامي الأشخاص والأعيان تفيد مسمياتها بأنفسها، ولا طريق إلى إثبات هذا المعنى إلا بالطريق الذي ذكرناه، فلو أن قائلا قال: إن هذه الأسامي إنما يستدل بها على مسمياتها بدلالة غير الظاهر، وكذلك سائر ألفاظ [٢٣/ أ] اللغة، مثل: أوجبت وفرضت وألزمت، وأسماء الأشخاص والأعيان، لم يمكن أن تنفصل عنه بغير ما ذكرنا في لفظ الأمر.
وجواب آخر وهو: أن دلالة الحال ليس بعلة ملازمة للأمر حتى لا تخلو منها، وإنما تقارن بعض الأوامر، فلو كان اللفظ لا يفيده لحصل من جماعة الصحابة سؤال عن مقتضى الأمر في حال من الأحوال في مدة حياته ﵇، لامتناع أن لا يكون حصل له أمر في هذه المدة غير مقترن١ بدلالة.
وجواب آخر وهو: أنه لو كان المفيد لوجوب الفعل دلالة الحال،
стр. 295
لكان نقلها أولى من لفظ الأمر، ولصار تركها تضييعًا لنقل الشريعة، وغير جائز حمل أمر الصحابة على هذا المعنى.
فإن قيل: ما ذكرتموه ليس بلفظ عنهم يقع الاحتجاج به.
قيل: استعمالهم لذلك دلالة على إثبات لغة العرب، لأنها الأصل في اللغة، يجري مجرى استعمالها للفظ الأمر كاستعمالها لسائر ألفاظ اللغة.
فإن قيل: ما رويتموه عنهم لا يقع به العلم فلم يجز إثبات مثل هذا الحكم الذي هو أصل به.
قيل: هذا القائل يجوز إثبات الأسامي الشرعية من جهة الآحاد، فكان إثبات قول يعرب وقحطان أولى بالإثبات.
فإن قيل: فالصحابة قد كانت تعتقد الإباحة في بعض الأوامر، ولم يدل هذا على أنه ظاهر اللفظ.
قيل: من أثبت غير الوجوب فإنما أثبته بدلالة.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ : دعى المصلي وهو في صلاته، فلو كان قد اعتقد وجوب الأوامر بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ لم يترك ذلك.
قيل: لا يمتنع أن يكون قد اعتقد وجوب ذلك، وقدم عليه قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ١ على إقامتها والمضي فيها، دون تركها والاشتغال بغيرها.
وجواب آخر وهو: أن الأمر في الآية متعلق بشرط، فجائز أن يكون السامع لم يعلم بوجوده، فلذلك أَخَّرَ الجواب.
стр. 296
فإن قيل يجوز أن يكون اعتقدوا وجوب أوامر رسول الله ﷺ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ١.
قيل: قد كان تقدمت على هذه الآية أوامر كثيرة، لم يسأل عن مقتضاها، فلو كان اعتقاد الوجوب لأجل هذه الآية لكان السؤال يقع عما تقدم عليها.
وأيضًا فإن القائل إذا قال لعبده: افعل كذا وكذا اليوم، فلم يفعل، حسن أن يلومه على ذلك ويعاقبه عليه، فلولا أنه كان قد لزمه واستحق عليه فعله، لما حَسُنَ عقوبته على تركه.
فإن قيل: من لم يسلم.
قيل: هذا رفع حكم المشاهدات، ورددناه في ذلك إلى العادات؛ لأن أحدًا لا يلوم سيدًا ضرب عبده [٢٣/ ب] على مخالفة أمره.
فإن قيل: هناك قرينة اقترنت بالأمر دلَّت على وجوبه.
قيل: تصور المسألة فيمن أمر عبده بأمر من وراء حجاب. وهو لا يشاهده، ولا هناك ما ينبئ عنه لفظ الأمر، فلا يجوز أن يُدَّعَى تعلُّقُ الوجوب بعده.
وأيضًا: فإن قول القائل: افعل، موضوع في اللغة للتَّفَعُّل واستدعاء الفعل، وليس يحصل ذلك إلا بحمله على الوجوب.
فأما من حمله على الوقف فإنه لا يفيد شيئًا. وإذا حمل على الندب جُوِّز تركه، وهذا ترك مقتضى ما وضع له.
فإن قيل: لا نسلم هذا.
стр. 297
قيل: المرجع في ذلك إلى مقتضى اللغة.
وأيضًا: فإن النهي يدل على وجوب الترك، كذلك الأمر يجب أن يدل على وجوب الفعل. وهذا الدليل يختص من قال بالندب. وأما من قال بالوقف فإنه يقف في النهي كما يقف في الأمر.
فإن قيل: لفظ النهي يقتضي قبح فعل المنهي عنه، فالقبيح واجب اجتنابه، والأمر يقتضي حسن ما أمر به، وحسنه لا يقتضي وجوب إتيانه، إذ ليس كل حسن يجب إتيانه.
قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن من النهي ما لا يقتضي قبح المنهي عنه، ولا يجب اجتنابه. مثل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُم﴾ ١، وقوله: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ ٢، ونهى النبي ﷺ عن القران بين التمرتين٣، وعن الزجر في الطرقات٤، فهو كالمأمور به، منه ما لا يجب فعله، ولا فرق بينهما في مطلق اللفظ.
стр. 298
فإن قيل: هذا إثبات لغة بقياس.
قيل: إنما استدللنا بما قلنا على موضوع الاسم، وهذا المعنى لا يتوصل به إلا بالاستدلال.
وأيضًا: فإن لفظ التخيير يستعمل في الأمر المطلق كما يستعمل في المقيد فيقول: افعل إن شئت، وإن شئت فاترك، كما يقول: أوجبت عليك أو فرضت عليك إن شئت، فلو كان إطلاقه لا يفيد الوجوب واللزوم لم يؤثر فيه التخيير.
يبين صحة هذا أن قول القائل: واجب، يحتمل وجوب الإرشاد، مثل قوله ﵇: "غسل يوم الجمعة واجب" ١، وقوله: "السواك
стр. 299
واجب"١. وإن شئت قلت: لو كان قوله: "افعل" يقتضي التخيير، بطل موضوع التخيير، فلما كان لفظة: التخيير، معقولة، وهو قوله: افعل إن شئت، لم يَجُزْ أن تحمل لفظة التجريد على ذلك.
وأيضًا: فإن أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام: أمر ونهي، وخبر واستخبار. ومن قال بالوقف لا يفرق بين الأمر والنهي؛ لأن كل واحد منهما لا يدل على شيء، فلا يدل الأمر على إيجاد فعل، ولا النهي على ترك فعل. فإن قيل: ما ذكرتموه من اللغة لا تثبت من جهة الآحاد.
قيل: علم الضرورة قد وقع باستعمال لفظ: افعل، في الأوامر من العرف، ولأنَّا قد بيَّنَّا أنه إذا جاز إثبات الأسامي [٢٤/ أ] الشرعية من جهة الآحاد فإثبات كلام العرب أولى.
وأيضًا: كل لفظ أفاد معنىً في اللغة عند انضمام التأكيد إليه، فإنه يفيد ذلك مع عدمه، مثل قولهم نفسه، فلما أفاد قوله صم: فقد أوجبت عليك وجب أن يفيد إطلاقه ما أفاد التأكيد.
واحتج من قال بالوقف:
стр. 300
بأن هذه الصيغة ترد مشتركة بين الوجوب، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١، وبَيْنَ النَّدب، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٢، وبين التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٣، فلم يكن حملها على الوجوب بأولى من حملها على الندب، فوجب التوقف فيها، كقوله: لون، لما لم يدل على شيء، وقف حتى يدل على المراد.
والجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الصيغة التي يختلف فيها لا ترد قط عندنا إلا وهي على الوجوب، وإنما يعدل عنها إلى الندب والتهديد بدليل أو بقرينة.
الثاني: أن هذا يبطل بأسماء الحقائق، وهو الأسد والحمار، فإنه حقيقة في البهيمة، ويراد به الرجل بقرينة، ومع هذا لم يمنع إطلاق٤ الحقيقة في البهيمة.
وكذلك: العَشَرَة، حقيقة في العَشَرَةِ، وتستعمل في الخَمْسَة بقرينة الاستثناء، وهو قوله: عشرة إلا خمسة.
الثالث: يبطل بقوله: فرضت وأوجبت وألزمت، فإن هذا يَرِدُ، والمراد به الوجوب، ويَرِدُ والمراد به النَّدب كقوله: "غُسْل الجمعة واجب على كل محتلم" ٥، ومع هذا فإن إطلاقه يُحْمَلُ على الوجوب، وكذلك: فرضت، تحتمل الوجوب، وتحتمل التقدير، وإطلاقها يُحْمَلُ على الوجوب.
وكذلك ألفاظ الوعيد تحمل على الوجوب، وإن كانت تستعمل في
стр. 301
غيره نحو قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ١، فتوعدهم على منع الماعون، وهو إعارة قماش البيت كالقر والدّلو ونحو ذلك، وكل هذا مندوب.
وكذلك قول النبي ﷺ : "من كان له إبل أو بقر فلم يؤدِّ حقها، بُطِحَ يَومَ القِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِها، كلما نفذت أخراها عادت أولاها" قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "إعارة دَلْوها وإطْراقُ فَحْلِها ومِنْحَة لبنها يوم وردها" ٢ فتوعد على هذا وهو مندوب، ومع هذا إطلاقه يقتضي الوجوب.
واحتج: بأن استعمال هذا اللفظ في النَّدب أكثر منه في الوجوب، فلا يجوز أن يكون الأقل حقيقة والأكثر مجازًا.
والجواب: أن هذا إن كان صحيحًا فيجب أن يقولوا: إنها حقيقة في
стр. 302
الندب وموضوعة له، وهم لا يقولون بذلك.
وجواب آخر وهو: أنه قد يكون اللفظ موضوعًا لشيء حقيقة، ثم يستعمل في غيره مجازًا، ويغلب المجاز على الحقيقة "كالغائط": هو اسم للموضع الواسع من الأرض، ومجاز في: العَذِرَةِ، وهو [أكثر استعمالا] ١، وكذلك: الوَطْءُ، حقيقة في الدَّوْسِ بالرِّجل، ومجاز في [٢٤/ ب] الجماع، وهو أكثر استعمالا.
واحتج: بأن اللَّفظة الواحدة لا تقتضي شيئين مختلفين، وإذا حملتم الأمر على الوجوب اقتضى وجوب فعله، والعقوبة على تركه.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه باطل بقوله: أوجبت كذا، فإنه يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
وجواب آخر وهو: أن الكلمة ما دلَّت على أمرين؛ لأن موجبها يدل على أنه يثاب على فعلها، ومخالفة موجبها يدل على العقاب، فلم يكن الثواب والعقاب مستفادًا بمعنىً واحد.
واحتج: بأنها لو كانت موضوعة للوجوب حقيقة لكان إذا استعملت في النَّدب أن يكون مجازًا، كالحمار، لما كان حقيقة في البهيمة لم يكن حقيقة في الرجل البليد، فلما قلتم: إنها حقيقة في الوجوب، حقيقة في النَّدب بطل أن يكون على الوجوب.
والجواب: أنه إنما لم يكن مجازًا في النَّدب، وكان حقيقة فيه أيضًا؛ لأن المجاز هو: أن يُحْمَلَ اللفظ على غير مقتضاه، كالرجل البليد يسمَّى حمارًا، فأما إذا حُمِلَ على بعض مقتضاه فلا يكون، كحمل العموم على الخصوص
стр. 303
هو حقيقة في الجمع فيما دخله التخصيص وفيما لم يدخله. ووجدنا أن المندوب بعض موجبات الواجب؛ لأنه مندوب إلى فعله كالواجب فهو كبعض موجبات العموم.
واحتج: بأنه لو كان يقتضي الوجوب لما اختلف باختلاف المخاطبين، ولما كانت هذه اللفظة توجد في العبد لسيده، ولا يكون أمرًا، كذلك وجودها من السيد لعبده.
والجواب: أن ذلك لم يختلف باختلاف المخاطبين، وإنما اختلف الحكم لقرينة، وهو: أنهم سموا ذلك من السيد لعبده أمرًا، ولم يسموا ذلك من العبد لسيده أمرًا.
واحتج: بأنها لو كانت موضوعة للوجوب، لما حسن فيها الاستفهام، فتقول: أمرتني به واجبًا [أو] ندبًا؟
والجواب: لا نسلم أنه يحسن الاستفهام إذا تعرى عن قرينة.
وعلى أن هذا باطل بأوجبت وفرضت، فإنه يحسن أن يقول: أوجبته إلزامًا أو إجبارًا؟ وكذلك أسماء الحقائق، إذا قال: رأيت حمارًا أو سبعًا. وكأن المعنى فيه أنه يصح استعماله في غير الواجب بدليل أو قرينة، فأراد المخاطب أن يزيل بالاستفهام كل الاحتمال١.
واحتج من قال: إطلاق الأمر يقتضي النَّدب:
بأن الأمر يدل على حسن المأمور به، وعلى أنه مراد الآمر، وحسن الشيء لا يدل على وجوبه، كالمباحات فإنها حسنة وهي غير واجبة، وكذلك النوافل مرادة له، ولا يدل ذلك على الوجوب، فصار
стр. 304
الوجوب صفة زائدة على حسن الشيء، وعلى كونه مرادًا، فلا يجوز إثباته بنفس الأمر.
والجواب: أن كونه حسنًا ومرادًا يدل على الوجوب، ما لم [٢٥/ أ] يدل دليل التخيير، وفي التخيير والمباحات قد دلَّ الدليل، فلهذا لم يقتضِ الوجوب.
وجواب آخر وهو: أنا لا نسلم أن الأمر يدل على حسن المأمور به. وإنما يدل على طلب الفعل واستدعائه من الوجه الذي بَيَّنَّا، وذلك يقتضي الوجوب١، وهذا هو الجواب المعوَّل عليه.
واحتج: بأن حَمْلَهُ على النَّدب أولى؛ لأنه أقل ما يقتضيه الأمر.
والجواب: أنه يبطل بلفظ العموم، فإنه لا يجب حمله على الخصوص وإن كان أقل ما يقتضيه.
وجواب آخر وهو: أن حمله على الوجوب أولى من وجهين:
أحدهما: أنه يتضمن الندب.
الثاني: أنه أسلم من الغرر والخطر.
واحتج بأن حمله على الوجوب يوجب العقوبة بنفس الأمر، ونفس الأمر لم يتضمن العقوبة.
والجواب: أنه يبطل بالنهي، فإن النهي يتضمن الكفَّ عن الشيء، وقد أوجبتم العقوبة، وكذلك قوله: أوجبت وفرضت يتضمن الأمر والعقوبة جميعًا.
وجواب آخر وهو: أنَّا لم نعاقبه بالأمر؛ لأن موجبه الإيجاب. وإنما عاقبناه بالتَّرك، والترك لم يتناوله الأمر.
стр. 305
واحتج: بأن من يقول: هو على الوجوب، يقول: هو نهي عن ضده، وليس في الأمر نهي عن ضده.
والجواب: أنه إذا كان الأمر مضيقًا كان نهيًا عن ضده، ولكن من حيث المعنى لا من حيث النطق، وعلى أن هذا موجود في قوله: فرضت وأوجبت.
واحتج: بأن هذه اللفظة تَرِدُ، والمراد بها الوجوب بقرينة، فإذا كانت على الوجوب مع القرينة، فإذا وردت عَرِيَّةً عن القرينة وجب أن لا يكون على الوجوب.
والجواب: أنا لم نعلم بأنها على الوجوب بالقرينة، ولكن إذا كان معها قرينة تدل على الوجوب كانت تأكيدًا.
على أنه باطل بالنهي، فإنه لو ورد مع قرينة الوعيد، كان على الوجوب، ومع هذا إذا تجرد عنها كان على الوجوب.
وباطل بقوله: أوجبت وألزمت وفرضت، فإنها على الوجوب مع القرينة، وإذا تجردت كانت على الوجوب.
واحتج: بأنه لو كان على الوجوب، كان حمله على النَّدب نسخًا له، وإذا أفضى إلى أن يكون حمله على الندب نسخًا، بَطَلَ أن يكون مطلقه على الوجوب.
والجواب: أن النسخ هو الرفع، وحمله على الندب رفع لبعض ما تناوله اللفظ، وهو الإيجاب والاحتكام، دون الندب والاستحباب، والوجوب قد تضمن المندوب، فرفع الوجوب رفع لبعض ما تناوله، فلا يوجب نسخه. والعموم إذا دخله التخصيص لا يوجب ذلك نسخه؛ لأنه رفع بعض موجباته، كذلك ههنا.
стр. 306
مسألة إذا لم يرد به الإيجاب
مدخل
...
مسألة: ١
في الأمر إذا لم يَرِد به الإيجاب [٢٥/ ب] ، وإنما أريد به الندب:
فهو حقيقة في الندب، كما هو حقيقة في الإيجاب، نص عليه أحمد ﵀ في رواية إبراهيم٢، فقال: "آمين" أمر من النبي ﷺ ، "فإذا أمن القارئ فأمنوا" ٣، فهو أمر من النبي ﷺ .
стр. 307
وكذلك نقل الميموني عنه: "إذا زنت الأَمَةُ الرَّابِعَةَ، كان عليه أن يبيعها١، وإلا كان تاركًا للأمر"٢.
وكذلك نقل حنبل عنه: "يقاد المذبوح قودًا رفيقًا، وتوارى السكين ولا تظهر [إلا] عند الذبح، أمر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم٣".
стр. 308
وقال أصحاب أبي حنيفة: الكرخي١ والرازي٢: لا يكون أمرًا في الحقيقة وحقيقة الأمر ما أريد به الوجوب٣.
واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم [من] قال مثل قول أصحاب أبي حنيفة.
стр. 309
دليلنا:
أن المندوب طاعة، فوجب أن يكون مأمورًا به كالواجب.
стр. 310
يبين صحة هذا: أن الواجب لم يكن مأمورًا به لجنسه ونفسه؛ لأن هذا المعنى موجود في غيره من المباحات، ولم يكن مأمورًا به لكونه مرادًا للمطاع؛ لأنه قد يريد المباح وما يقع من المحظورات، وليس ذلك مأمورًا به، ولم يكن مأمورًا به لحصول الثواب؛ لأن المندوب إليه من فعل النوافل مثاب عليه أيضًا.
ولأنه لا يجوز أن يكون ذلك أمرًا لهذه العلة؛ لأنه قد ثبت أنه لو أمر بطاعاته من الواجبات ولم يضمن عليها ثوابًا- وَجَبَ أن يكون طاعة؛ لأن الثواب تفضل منه، وترغيب في طاعته، فلم يبق إلا أنه طاعة، لكونه مأمورًا به.
فإن قيل: إنما كان طاعة لكونه مطلوبًا مرغبًا فيه، لا لكونه مأمورًا به، والطلب والسؤال والترغيب مخالف للأمر، وهذا كما تقول: إن قول العبد لربه: اغفر لي وتجاوز عني، سؤال وليس بأمر.
قيل: لو كان طاعة لما ذكرته، لوجب أن يكون الله تعالى مطيعًا لعبده إذا فعل ما سأله ورغب إليه.
فإن قيل: إنما لم يكن مطيعًا لعبده؛ لأن الطاعة تعتبر فيها الرتبة، كما تعتبر في الأمر، فإذا سأل من١ دونه، يقال: أطاعه، ولا يقال لمن فوقه، كما يقول في الأمر.
قيل: فالرتبة ههنا موجودة، وهو استدعاء الفعل من الأعلى إلى الأدنى فيجب أن يكون أمرًا.
وأيضًا: فإن الطاعة والمعصية مقرونتان٢ بالأمر، قال تعالى:
стр. 311
﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي﴾ ١، وقال: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ ٢ وقال الشاعر وهو الحباب بن المنذر٣ ليزيد بن المهلب٤.
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... فأصبحت مسلوبَ الإمارةِ نادما ٥
стр. 312
وقال آخر١:
ولو كنتُ ذا أمرٍ مُطاعٍ لما بدا ... تَوَانٍ٢ من المأمور في حال أمرك٣
ويقولون: فلان مطاع الأمر، ومعصيّ الأمر، وأمر فأطيع، وأمر فعصي، فلما ثبت أن المندوب [٢٦/ أ] طاعة، علم أنه مأمور به.
وأيضًا: فإن الطاعات لما انقسمت إلى واجب وندب، وكذلك النهي لما انقسم إلى حظر وتنزيه، كذلك٤ الأمر.
واحتج المخالف بقوله ﷺ : "لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كُلِّ صَلاةٍ" والسواك مستحب مندوب إليه، وقد أخبر النبي ﷺ أنه لم يأمر به.
وقال لبريرة: "لو راجعتيه فإنه أبو ولدك" فقالت: أبأمرك يا رسول الله؟ قال: "لا، إنما أنا شافع" وشفاعته تقتضي طاعته ندبًا واستحبابًا.
стр. 313
والجواب: أن قوله: "لولا أن أشُقَّ على أمتي" لأمرت أمر إيجاب.
وكذلك قوله لبريرة لم آمر أمر إيجاب بدليل ما ذكرنا، يتبين صحة هذا، وأنه أراد به أمر إيجاب؛ أنه امتنع منه لأجل المشقة، والمشقة إنما تلحق فيما يلزم من فعله.
وكذلك قول بريرة: أبأمرك، تعني الأمر الواجب حتى فعله، وإن كانت كارهة؛ لأنها كانت مبغضة له.
واحتج بأن المسلمين أجمعوا على أن من ترك المستحب لا يجوز أن يقال له: خالف أمر الله تعالى وعصاه، كما لا يجوز أن يقال ذلك لمن فعل المباح.
والجواب: أنه لا يقال خالف أمر الله وعصاه على الإطلاق، لئلا يلتبس بالواجب، فأما مع التقييد فإنه يقول: خالف أمر الله تعالى المندوب.
يبين١ صحة هذا على أصلنا قول أحمد ﵁ فيمن ترك الوتر: "هو رجل سوء". فذمَّه على ترك الوتر مع قوله: "إنه سنة وليس بواجب".
واحتج بأن أهل اللغة يفرقون بين أن يقول القائل لمن دونه: افعل كذا، أو لتفعل كذا، وبين أن يقول: أسألك أن تفعل كذا، وأرغب إليك أن تفعل كذا، ويسمون أحدهما أمرًا والآخر سؤالا وطلبًا، فدلَّ على أن المندوب إليه غير مأمور به.
والجواب: أن أهل اللغة يفرقون بينهما في باب الإيجاب، فيسمون أحدهما أمر إيجاب والآخر أمر ندب واستحباب، فأما أن يفرقوا ٢ بينهما
стр. 314
في كونه أمرًا فلا.
واحتج بأن أسماء الحقائق لا يجوز نفيها عن مسمياتها، وقد علمنا أن الندب يحسن أن ينتفي عنه اسم الأمر، فتقول: أنا غير مأمور أن أصلي الساعة ركعتين، وإن كان مندوبًا إليها، وأنا غير مأمور بصوم يوم الخميس، وإن كان مندوبًا إليه، ويحسن أن يقول: أسألك وأرغب إليك ولا آمرك به، وإذا ثبت هذا علمنا أن الندب ليس بمأمور به، ألا ترى أن الواجب لما كان حقيقة في الأمر لم يصح نفيه.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يصح نفيه على الإطلاق، وإنما تنفيه بقيد، وهو أن يقول: أنا غيرُ مأمور بصلاةِ ركعتين، وصيامِ يوم الخميس أمر إيجاب.
واحتج: بأنه قد ثبت من أصلنا وأصلكم: أن الأمر يجب حمله على الوجوب، ولو كان الندب أمرًا لم يجز حمله على غير الوجوب، ووجب التوقف فيه كما قال الأشعري١ [٢٦/ ب] .
والجواب: أن إطلاقه يقتضي الوجوب، وإنما يُحْمَلُ على الندب بدلالة، وهذا لا يمتنع كونه أمرًا فيه. كما أن إطلاق العموم يقتضي الاستغراق، ويحمل على الخصوص بدلالة، ولا يمتنع كونه عمومًا في الأصل.
стр. 315
فإن قيل: فلو كان أمرًا لاقتضى الفور إلى فعل المندوب كالأمر الواجب، قيل: هكذا نقول: هو على الفور.
стр. 316
مسألة في ورود الأمر بعد الحظر
مدخل
...
مسألة ١: [في ورودِ الأمرِ بعدَ الحظرِ] :
صيغة الأمر إذا وردت بعد الحظر اقتضت الإباحة وإطلاق محظور، ولا يكون أمرًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٢، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْض﴾ ٣، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُن﴾ ٤، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ٥، "كنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي ألا فادَّخروها" ونحو ذلك.
وقد نص أحمد ﵁ في رواية صالح وعبد الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٦، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ٧، وقال٨ "أكثر من سمعنا: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، كأنهم ذهبوا على أنه ليس بواجب، وليس هما على ظاهرهما"٩.
стр. 317
وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه بمنزلة الأمر المبتدأ في أنه يقتضي الوجوب على قول من قال بالوجوب، والندب على قول من قال بالندب١.
стр. 318
دليلنا:
أن عرف العادة في خطاب الناس ومحاوراتهم إذا أُمِرُوا بعد الحظر كان على الإباحة، كقوله لغلامه: لا تدخل بستان فلان، ولا تحضر دعوته، ولا تغسل ثيابك، ثم قال له بعد ذلك: ادخل، واحضر، واغسل، كان
стр. 319
رفعًا لما١ حظر عليه، ولم يكن أمرًا، كذلك ههنا.
وكذلك قول الرجل لضيفه: ادخل، ومن أنكر هذا فقد رَدَّ المشاهدات
والذي يبين هذا: أنه لا يحسن ضربه وتونيبه٢ عند مخالفة ذلك في عرف الناس وعاداتهم.
فإن امتنع من تسليم هذا، كشفنا به إذا نهاه عن فعل شيء فاستأذنه العبد في فعله، فقال له: افعل، إن هذا لا يقتضي الوجوب بلا خلاف.
وقد قيل: إن السيد إنما يحظر على عبده ما تميل نفسه إليه، لا ما تنفر نفسه عنه؛ لأن الحكيم لا يوجب على عبده ما [لا تميل] نفسه إليه، فعلمنا أنه إباحة لا إيجاب.
فإن قيل: العادة غير هذا، ألا ترى أن يقول لعبده: لا تقتل زيدًا، فيكون حظرًا، فإذا قال: اقتله، بعد هذا كان أمرًا على الوجوب.
قيل: إن الأصل حظرُ قتلِ زيدٍ، فقوله: لا تقتل زيدًا، تأكيد للحظر المتقدم، لا لأنه مستفاد به حظر، وفي مسألتنا حظر وقع بالنهي، ثم رفع النهي، فيجب أن يعود إلى ما كان إليه قبله٣.
وأيضًا: فإن عرف الشرع قد ثبت أن الأمر إذا ورد بعد [٢٧/ أ] الحظر اقتضى الإباحة نحو ما ذكرناه من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ
стр. 320
فَاصْطَادُوا﴾ ١ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ ٢ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٣ "كنت نهيتكم عن زيارة القبور"، "وعن ادِّخار لحوم الأضاحي ألا فادَّخروا" و"وزوروا" فيجب أن يحمل ذلك على مقتضى عرف الشرع، وهو الإباحة كما يحمل مطلق الأمر من الأسماء على عرف الشرع، في الصلاة والزكاة والصيام والحج٤.
فإن قيل: تلك المواضع حملناها على الإباحة بدليل، كما حملنا ما لم يرد بعد الحظر من أوامر القرآن على غير الواجب بدليل.
قيل: ليس ههنا دليل دلَّ على إباحة ذلك سوى هذه الألفاظ، ولا يجوز أن يقال: الإجماع هو الدليل؛ لأن الإجماع حادث بعد النبي ﷺ والإباحة مستفادة بهذه الألفاظ في وقته.
فإن قيل: عرف الشرع في هذا مختلف، ففيه ما يقتضي الوجوب، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ ٥، فأمر بقتل المشركين بعد الحظر، وكان على الوجوب، وكذلك قوله : ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ ٦.