← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مسألة في ورود الأمر بعد الحظر مدخل ... مسألة ١: [في ورودِ الأمرِ بعدَ الحظرِ] : صيغة الأمر إذا وردت بعد الحظر اقتضت الإباحة وإطلاق محظور، ولا يكون أمرًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٢، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْض﴾ ٣، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُن﴾ ٤، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ٥، "كنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي ألا فادَّخروها" ونحو ذلك. وقد نص أحمد ﵁ في رواية صالح وعبد الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٦، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ٧، وقال٨ "أكثر من سمعنا: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، كأنهم ذهبوا على أنه ليس بواجب، وليس هما على ظاهرهما"٩.

стр. 317

وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه بمنزلة الأمر المبتدأ في أنه يقتضي الوجوب على قول من قال بالوجوب، والندب على قول من قال بالندب١.

стр. 318

دليلنا: أن عرف العادة في خطاب الناس ومحاوراتهم إذا أُمِرُوا بعد الحظر كان على الإباحة، كقوله لغلامه: لا تدخل بستان فلان، ولا تحضر دعوته، ولا تغسل ثيابك، ثم قال له بعد ذلك: ادخل، واحضر، واغسل، كان

стр. 319

رفعًا لما١ حظر عليه، ولم يكن أمرًا، كذلك ههنا. وكذلك قول الرجل لضيفه: ادخل، ومن أنكر هذا فقد رَدَّ المشاهدات والذي يبين هذا: أنه لا يحسن ضربه وتونيبه٢ عند مخالفة ذلك في عرف الناس وعاداتهم. فإن امتنع من تسليم هذا، كشفنا به إذا نهاه عن فعل شيء فاستأذنه العبد في فعله، فقال له: افعل، إن هذا لا يقتضي الوجوب بلا خلاف. وقد قيل: إن السيد إنما يحظر على عبده ما تميل نفسه إليه، لا ما تنفر نفسه عنه؛ لأن الحكيم لا يوجب على عبده ما [لا تميل] نفسه إليه، فعلمنا أنه إباحة لا إيجاب. فإن قيل: العادة غير هذا، ألا ترى أن يقول لعبده: لا تقتل زيدًا، فيكون حظرًا، فإذا قال: اقتله، بعد هذا كان أمرًا على الوجوب. قيل: إن الأصل حظرُ قتلِ زيدٍ، فقوله: لا تقتل زيدًا، تأكيد للحظر المتقدم، لا لأنه مستفاد به حظر، وفي مسألتنا حظر وقع بالنهي، ثم رفع النهي، فيجب أن يعود إلى ما كان إليه قبله٣. وأيضًا: فإن عرف الشرع قد ثبت أن الأمر إذا ورد بعد [٢٧/ أ] الحظر اقتضى الإباحة نحو ما ذكرناه من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ

стр. 320

فَاصْطَادُوا﴾ ١ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ ٢ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٣ "كنت نهيتكم عن زيارة القبور"، "وعن ادِّخار لحوم الأضاحي ألا فادَّخروا" و"وزوروا" فيجب أن يحمل ذلك على مقتضى عرف الشرع، وهو الإباحة كما يحمل مطلق الأمر من الأسماء على عرف الشرع، في الصلاة والزكاة والصيام والحج٤. فإن قيل: تلك المواضع حملناها على الإباحة بدليل، كما حملنا ما لم يرد بعد الحظر من أوامر القرآن على غير الواجب بدليل. قيل: ليس ههنا دليل دلَّ على إباحة ذلك سوى هذه الألفاظ، ولا يجوز أن يقال: الإجماع هو الدليل؛ لأن الإجماع حادث بعد النبي ﷺ والإباحة مستفادة بهذه الألفاظ في وقته. فإن قيل: عرف الشرع في هذا مختلف، ففيه ما يقتضي الوجوب، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ ٥، فأمر بقتل المشركين بعد الحظر، وكان على الوجوب، وكذلك قوله : ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ ٦.

стр. 321

فجعل ذلك غاية للحظر، وأمر به بعد الغاية، فكان واجبًا؛ لأن الحلق في وقت النسك واجب. قيل: لا نسلم أن وجوب قتل المشركين استفيد بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بل استفدنا [هـ] بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر﴾ ١، وغيرها من الآيات التي لم يتقدمها حظر٢. وكذلك الحلاق استفدنا وجوبه من موضع آخر، من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُم﴾ ٣، ومن فعل النبي ﷺ وقوله: "خذوا عني مناسِكَكُم". إنه قد قيل: إن المراد بهذه الآية حلق المحصر. وذلك غير واجب عند [نا] . وأيضًا فإن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ٤، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٥، بمنزلة تعليق الأمر بالغاية، كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٦، ونحو ذلك، وتعليق الأمر بالغاية يفيد زوال الحكم عند انقضائها، كذلك تعليق

стр. 322

حظر الاصطياد والانتشار في الأرض بفعل [غاية] ١ الإحرام والاشتغال بالصلاة يفيد زوال الحظر عند تقضي غاية الأمر. فإن قيل تعليق الأمر بالحظر أن يقول: امتنعوا من الفعل ما بقي الحظر، فإذا أزلته فافعلوه، هذا ٢ صورة الغاية وتعليق الأمر بالحظر. قيل: تعليق الأمر بالحظر، يفيد ما ذكرته، وما ذكرناه أيضًا، كما كان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٣، بمثابة قوله: فإذا جاء الليل أزلته. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٤، وقوله ﷺ : "إذا أمرتُكُمْ بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُم" ولم يفرِّق. والجواب: أنا لا نسلم أن هذا أمر، وإنما هو صيغة الأمر، فأما أن يكون أمرًا فلا [٢٧/ ب] ٥. واحتج: بأن صيغة الأمر قد وجدت متجردة، فوجب أن يحمل على الوجوب، كما لو لم يكن حظر سابق. والجواب: أنا لا نسلم أنها متجردة، بل نقول: تقدَّم الحظر قرينة

стр. 323

توجب صرفه عن الوجوب. فإن قيل: الحظر لا يفيد الإباحة بلفظه ولا بمعناه؛ لأن لفظه يقتضي المنع والتحريم، ومعناه لا يوجب ذلك؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء محرمًا، ثم يجعل واجبًا، فينسخ التحريم بالإيجاب. قيل: ليس نقول: إن لفظ الحظر أفاد الإباحة، وإنما حصلت الإباحة به وبما بعده من صيغة الأمر، كما إذا استأذنه عبده في فعل شيء، فقال له: افعل، حملناه على الإباحة بالأمرين جميعًا: الإذن والاستئذان. واحتج بأن النهي إذا ورد بعد الأمر اقتضى الحظر، كما لو وَرَدَ ابتداءً كذلك الأمر إذا ورد بعد الحظر، وجب حمله على الوجوب كما لو ورد ابتداءً. والجواب: أن لفظة النهي المطلقة إذا وردت بعد الأمر، يحتمل أن نقول فيها ما نقول في الأمر بعد الحظر، وأنها تقتضي التخيير دون التحريم، لا أنها تحتمل الندب والحظر، وتحتمل أن نفرق بينهما، ونقول في النهي بعد الأمر يقتضي الحظر، وفي الأمر بعد الحظر لا يقتضي؛ لأن النهي آكد، ولهذا قال مخالفونا: إن النهي يقتضي التكرار، والأمر المطلق لا يقتضي. ولأن الأمر أحد الطرق إلى الإباحة، فلهذا جاز أن يرد، ويراد به الإباحة، وليس النهي طريقًا إلى الإباحة، فلم يَجُزْ أن يُرَادَ به الإباحة١. واحتج: بأن الأمر إذا كان مقتضاه الإيجاب، فوروده بعد الحظر لا يؤثر في ذلك، ألا ترى أن وروده بعد الحظر، العقل لا يمنع وجوبه. يبين ذلك: أن فعل الصلاة والصوم من جهة العقل محظور، ثم ورد

стр. 324

الأمر بهما، لم يمنع من وجوبهما، كذلك الحظر من جهة السمع لا يمنع أن يكون الأمر الوارد بعده على الوجوب. والجواب: أنا لا نسلم أن العقل يحظر شيئًا وعلى أن من قال العقل يحظر، فنقول: إذا ورد الشرع بإباحة شيء، ثبت أن العقل لم يحظره؛ لأن الشرع لا يَرِدُ بإباحة ما كان قبيحًا في العقل، فورود الشرع بإباحة ذلك منع أن يكون قبيحًا محرمًا، وليس كذلك ههنا، فإن ورود الشرع بإباحة الصيد لم يمنع حصول تحريم سابق، فبان الفرق بينهما. واحتج بأن الأمر فيما عدا الواجب لا يكون أمرًا على الحقيقة، فلما ثبت أن هذا أمر وجب أن يكون على الوجوب. والجواب: أن الأمر فيما عدا الواجب يكون أمرًا على الحقيقة عندنا، وهو الندب، وقد بَيَّنَّا ذلك. واحتج بأن الأمر بالمباح لا يحسن؛ لكونه عبثًا؛ لأن المأمور لا يستحق عليه الثواب إذا فعله، فلا يجوز أن يكون هذا الأمر مقتضيًا للإباحة. والجواب: أن هذا ليس بأمر [٢٨/ أ] عندنا، وإنما صيغته صيغة الأمر، ومن سمَّاه أمرًا فإنما يسميه على طريق المجاز. واحتج: بأن هذا لا يخرج على قولكم؛ لأن عندكم أن أصل الأشياء على الحظر، فيقتضي أن يكون سائر الأوامر مبيحة لا يثبت بشيء منها إيجاب؛ لأنها كلها ترد بعد حظر. والجواب: أن المواضع التي حملناها على الوجوب لدليل دلَّ عليها اقتضت الوجوب.

стр. 325

الأمر المعلق على شرط هل يقتضي التكرار مدخل ... فصل: [الأمر المعلق على شرط، هل يقتضي التكرار] ؟: والدلالة على أن الأمر المعلق بالشرط جارٍ مجرى الأمر المطلق هو: أن الوجوب مستفاد من اللفظ دون الشرط، وإنما يؤثر الشرط في منع تقديم المأمور به عليه، واعتبار وجوده في وقوع الفعل عن الواجب. وإذا كان الحكم مستفادًا من اللفظ، والمذكور عقيب الشرط كالمذكور ابتداءً من غير شرط، ثم ثبت أن المعلق بالشرط يقتضي التكرار، كذلك المطلق. وأيضًا: فإن ما لا يقتضي التَّكرار، يستوي فيه المطلق والمعلق بالشرط، بدليل الأوامر فيما بينَّا، ألا ترى أنه إذا وكَّلَ غيره بطلاق امرأته إن خرجت من الدار، لم يجزْ أن يطلقها إلا مرة واحدة، عند أول خروج يوجد منها، ولو أطلق التوكيل فكذلك. وكذلك لو أمر غلامه أن يشتري طعامًا إذا دخل السوق، فاشترى مرة واحدة، لم يجزْ له أن يشتري كلما دخل السوق، وكذلك لو أطلق. وكذلك الندب الموجب بالشرط، والمطلق لا يوجب التكرار، وهو إذا قال: إن شفى الله مريضي تصدقت بدرهم،

стр. 326

فشفي مريضه، لم يتكرر، ولو أطلق فقال: لله عليَّ صدقة درهم، لم يتكرر، وما اقتضى التكرار لا فرق فيه بين المطلق والمعلق بشرط وهو النهي والاعتقاد، فإنه لا فرق بين أن يقول: لا تكلم زيدًا عند دخولك الدار، وبين أن يقول: لا تكلم زيدًا، في أن جميع ذلك يقتضي التكرار، وكذلك لا فرق بين أن يقول: إذا زالت الشمس فصلِّ، وبين أن يقول: صلِّ في أن الاعتقاد على الدوام، فلما كان الأمر المعلق منه بالشرط يقتضي التكرار، كذلك المطلق. واحتج المخالف بأن قوله: صلِّ ركعتين عند الزوال، لما تكرر الزمان الذي تكرر فيه الأمر كان ما قرن يجب أن يتكرر، ويفارق هذا المطلق. والجواب: أن المطلق يقتضي تكرار الزمان حكمًا، كما يقتضي تكراره لفظًا. واحتج بأن الأوامر المعلقة بشرط أو صفة في كتاب الله تعالى تقتضي التَّكرار كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ٢. والجواب: أن الأوامر المطلقة بهذه المثابة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣. واحتج بأن الشرط كالعلة، والحكم المعلق بالعلة يتكرر بتكرار العلة، كذلك المعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط. والجواب: أن الشرط ليس كالعلة؛ لأن العلة توجب الحكم، والشرط [٣١/ أ] لا يوجبه، ومثل الشرط لا يكون شرطًا، ومثل العلة لا يكون علة،

стр. 327

يبين هذا: أن ما كان شرطًا لطلاق أو نذر لا يكون شرطًا لطلاق آخر ونذر آخر؛ ولأن الشرط لا يجب الحكم لوجوده، وإنما يجب عدمه لعدمه، والعلة يجب وجود١ الحكم لوجودها، ويجب عدمه لعدمها، ألا ترى أن الحياة شرط في العلم، فلا يجب لوجود الجسم حيًّا أن يكون عالِمًا. ويجب عدم العلم لعدم الحياة. والطهارة شرط في صحة الصلاة لوجود الطهارة، ويجب عدمها لعدم الطهارة، وإذا كان وجود الشرط لا يوجب المشروط، وقد وجب التكرار، كذلك عدمه؛ لأن الوجوب يتعلق بالأمر لا بالشرط.

стр. 328

فصل: والدلالة على أنه لا يوجب الوقف أن قوله: افعل، تقديره: أوقع فعلا، فوجب أن يحمل على الإمكان على ما نقول نحن، أو على المرة الواحدة كما يقوله غيرنا، فمتى حملناه على الوقف أسقطنا فائدة الأمر. واحتج المخالف بأنه لما جاز أن يراد بهذه اللفظة التكرار، ويراد بها المرة الواحدة، لم يكن لِلَّفظ ظاهر١. والجواب: أن المرة الواحدة معلومة قطعًا، فكان يجب الإتيان بها عليه، ويقف فيما زاد عليه، وعلى أن احتماله لما ليس بظاهر منه لا يضر حال الإطلاق، ألا ترى أن اسم الدابة حقيقة لما يدب على وجه الأرض وإن كان حال إطلاق اللفظة لا يحمل عليه، كذلك ههنا، ويأتي الكلام في هذا الفصل مستوفى في المسألة التي بعدها.

стр. 329

إذا تكرر لفظ الأمر فهل يتقضي التكرار ... فصل: [إذا تكرر لفظ الأمر فهل يقتضي التَّكرار] : واختلف القائلون في أن الأمر لا يقتضي التكرار في لفظ الأمر إذا تكرر، هل يقتضي التكرار١؟ فقال أصحاب أبي حنيفة: إن ذكر في الثاني ما يوجب تعريف الأول، مثل أن يقول: صلُّوا ركعتين، ثم يقول: صلُّوا الصلاة، فلا يقتضي ذلك إلا ذلك الأول٢، وإن كان الثاني منكرًا كان أمرًا آخر غير الأول٣. وقد ذكر أبو حنيفة من أقر لرجل بعشرة، وكرر، أن عليه بكل إقرار مقتضاه. واختلف أصحاب الشافعي.

стр. 330

فمنهم من قال١: يكون أمرًا ثانيًا٢. ومنهم من قال: هو توكيد الأول. ومنهم من قال: هو [على] الوقف٣. فمن قال: إنه أمر ثانٍ٤، فوجهه: أنه لما تكرر المأمور به، كان الظاهر أنه أمر آخر، ألا ترى أنه لو أراد الأول لذكر ما يقتضي رجوعه إليه، والحكم يتعلق بظاهر الأمر، وليس كذلك إذا عرف من الثاني؛ لأنه لا معهود غير الأول، فوجب أن يرد إليه، مثل أن يكون بين المتخاطبين عهد في رجل، فإذا قال أحدهما: كان الرجل كذا، عرف منه المعهود٥. ومن قال: هو توكيد للأول، قال: الأمر الثاني يحتمل أن يراد به إيجاب مستأنف، ويحتمل أن يراد به تأكيد الأول، فلا يجوز تعليق الإيجاب بالشك، ومن قال بالوقف [٣١/ ب] استدل بهذا، وقال: يحتمل الإيجاب، ويحتمل التأكيد، فوجب الوقف فيه. ولا حاجة بنا إلى الكلام في هذا الفصل؛ لأن عندنا الأمر الأول اقتضى

стр. 331

التكرار، والثاني لم يُفِدْ غير ما أفاد الأول١، ولكن ذكرناه؛ لنعرف الاختلاف على مذهب غيرنا٢.

стр. 332

مسألة الأمر المطلق يقتضي التكرار مدخل ... مسألة ١: [الأمر المطلق يقتضي التكرار] : الأمر المطلق يقتضي التكرار على الإمكان، سواء كان مقيدًا بوقت يتكرر مثل قوله: إذا زالت الشمس فصلِّ، أو كان غير مقيد، مثل قوله: صلِّ٢. وقد قال أحمد ﵀ في رواية عبد الله٣: "قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾ ٤، فإن ظاهرها يدل على أنه إذا قام فعليه ما وصف، فلما كان يوم الفتح صلى النبي ﷺ بوضوء واحد ٥". فقد نصَّ ﵁ على أن الظاهر دلَّ على أن كل قائم عليه

стр. 333

الوضوء حتى خصَّه النبي ﷺ بفعله. خلافًا لأكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم: لا يقتضي التَّكرار١. وخلافًا لبعض الشافعية في قولهم: إن كان معلقًا بشرط اقتضى التَّكرار، فأما المطلق فلا يقتضي التَّكرار٢. وخلافًا للأشعرية في قولهم: هو على الوقف٣.

стр. 334

دليلنا: أن الصحابة عقلت من ظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ أنه يقتضي التكرار، ألا ترى أن النبي ﷺ لما جمع عام الفتح بطهارة واحدة بين صلوات، قال له عمر بن الخطاب ﵁: أعمدًا فعلت هذا يا رسول الله؟ فقال: "نعم"، فعقلت من إطلاق الآية التكرار، فلما خالف النبي ﷺ ذلك وجمع بطهارة واحدة سألته عن ذلك واستكشفت عن حاله. وأيضًا: فإن الأمر كالنهي في باب أن النهي أفاد وجوب ترك الشيء، والأمر أفاد وجوب فعله، ثم كان النهي أفاد وجوب الترك على الاتصال أبدًا، وجب أن يكون الأمر يفيد وجوب الإيجاب على الاتصال أبدًا. وامتنع أبو بكر الباقلاني من تسليم هذا، وقال: يقتضي الكفَّ عن مرة واحدة قدر ما إذا وقع منه من الكف. قيل: قد [ر] النهي كالأمر سواء، وهذا قول مخالف الإجماع؛ لأن الفقهاء أجمعوا على أن النهي يقتضي التكرار٢، وفرقوا بين الأمر والنهي بفروق، ونحن نذكرها، وما خالف الإجماع لا يلتفت إليه.

стр. 335

فإن قيل: كلامنا في موجب اللغة، وهذا إثبات لموجب اللغة بالقياس، واللغة لا تقاس. قيل: يجوز إثبات اللغة بالقياس. وقد ذكر هذا في باب القياس، وأنه يجوز إثبات الأسماء قياسًا. فإن قيل: البر في القسم يقتضي١ التَّكرار، وهو قوله: والله لا دخلت هذه الدار. فأمسك عن [٢٨/ ب] الدخول ساعة، ثم دخل، حنث. ومن الفعل يقتضي فعل مرة، فإنه إذا قال: والله لأدخلن هذه الدار. فدخلها مرة بَرَّ. قيل: البر والحنث من أحكام الشرع، والخلاف في موجب الأمر وموضعه في اللغة، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. فإن قيل: الشرع ورد باعتبار موجب اللفظ في اللغة فيما يتعلق به من البر والحنث، فإذا جعلناه بارًّا في الشرع؛ فلأنه فعل ما أوجبه اللفظ من طريق اللغة، وإذا جعلناه حانثًا في الشرع، فلأنه خالف ما أوجبه لفظه في اللغة. قيل: لم يرد باعتبار موجب اللغة بدليل أن الله تعالى لو حرم أكل الرءوس، حمل ذلك على مقتضى اللغة، فيحرم عليه كل ما يسمى رأسًا، ولو قال: والله لا أكلت الرءوس، تناول رءوس الأنعام عندهم. فإن قيل الترك في الخبر يقتضي التكرار، وهو قولهم: "فلان ما صلى"، وفي الفعل يقتضي مرة، وهو قولهم: "فلان صلى" يقتضي صلاة واحدة.

стр. 336

قيل: الخبر في الفعل إنما اقتضى فعل مرة واحدة؛ لأنه إخبار عن إيقاع فعل في زمان قد شاهده فيه، وهذا لا صيغة له تقتضي العموم، نظيره أن ترد لفظة الأمر قضية في عين، فلا تقتضي الصيغة العموم. فإن قيل: لو قال: افعل مرة، لم يقتضِ التكرار. قيل: لا نسلم هذا، بل نقول: يقتضي الكفَّ مرة، فإذا فعل مرة سقط النهي؛ لأن المنهي عنه قد يكون قبيحًا في وقت، حسنًا في وقت آخر، كالأمر يكون حسنًا في وقت، قبيحًا في وقت آخر. يبين صحة هذا: أنه لو قال لعبده: لا تدخل الدار، ولا تكلم زيدًا إذا قام عمرو، اقتضى ذلك الكف عند وجود الشرط، كالامر المعلق بشرط يقتضي وجوده عند وجود الشرط، ولو أطلق النهي اقتضى الكفّ على الدوام كالأمر. فإن قيل: النهي يقتضي قبح المنهي عنه، فأي وقت فعله كان فاعلا للقبيح، وفعل القبيح يستوجب عليه الذَّم، والأمر يقتضي حسن المأمور به وإيجاده، فإذا وجد كان مؤتمرًا، وإن حصل تاركًا لما عداه. قيل: قولك: "إن النهي يقتضي قبح المنهي عنه" غير مسلم؛ لأن المنهي عنه قد يكون ندبًا وفضلا، وقد بَيَّنَّا ذلك فيما تقدم، وقد يكون محرمًا كالأمر يكون ندبًا، ويكون موجبًا. وقوله: "إن الأمر يقتضي حسن المأمور به، فلم يجب تكراره"، غلط؛ لأن الحسن لا يجب فعله متكررًا أو مرة واحدة من حدث كان حسنًا؛ لأن من الحسن ما يجب الدوام على فعله، كالصلاة، ومنه ما لا يجب كالحج. فإن قيل: حمل الأمر على الدوام فيه مشقة وتكليف لما لا يطاق، وانقطاع عن المصالح، وترك العبادات والنسل، وليس في حمل النهي على التَّكرار مشقة، وتكليف لما لا يطاق وانقطاع عن المصالح.

стр. 337

قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول بمقتضى التكرار على الإمكان [٢٩/ أ] والوسع، على وجه لا يفضي إلى الانقطاع عن الفروض والمصالح. وعندهم يجب فعل مرة واحدة، وإن كان في الطوق والوُسْعِ أكثر منها. ثم يبطل به إذا قال: صلِّ على الدوام، لزمه التكرار وإن أفضى إلى ما ذكرت. وأيضًا: فإن الأمر يتضمن ثلاثة أشياء: وجوب الفعل، ووجوب الاعتقاد لوجوبه، ووجوب العزم على فعله. وقد ثبت أن الاعتقاد والعزم يجب تكررهما كذلك الفعل. وحكى الجرجاني١ عن بعض شيوخه: أنه لا يلزم تكرار الاعتقاد وإنما عليه اعتقاد حكمه والبقاء على ذلك من غير أن يحدث ما ينافيه، وبناه على الفعل، وأنه لا يلزمه تكراره، وشبهه بالإيمان، وأن من اعتقده استحق المداومة عليه، وأن لا يحدث ما ينافيه، وإن لم يكرره. وهذا القائل إن لم يسلِّم الاعتقاد، فقد سلم وجوب دوام البقاء على الاعتقاد، وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه لو أبيح له ترك اعتقاد وجوب ما كلف وجوبه، لكان قد أبيح له ترك العلم بصدق الله تعالى في أخباره، وإذا ثبت وجوب المدوامة على الاعتقاد وجب المداومة على الفعل؛ لتضمن الأمر لكل واحد منهما٢.

стр. 338

فإن قيل: هذا يبطل بالأمر المقيد بفعل مرة واحدة؛ لأنه إذا قال: حجوا في العمر مرة واحدة، وجب العزم والاعتقاد على التكرار، ووجوب الفعل مرة. قيل: إنما كان الاعتقاد في الأمر المقيد بفعل مرة على التكرار؛ لأن الأمر بالاعتقاد فيه على الإطلاق، فاقتضى التكرار، لإطلاق الأمر فيه، وهو في الفعل مقيد بمرة فلم يقتضِ التَّكرار، فنظيره أن يقول: اعتقد وجوبه مرة، فلا يقتضي التكرار. فإن قيل: المأمور١ إذا كان عالِمًا بما أمر به ذاكرًا له، لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد والعزم، ولا يخلو من أن يعتقد وجوبه أو غير وجوبه، أو يعزم على فعله أو تركه، ولا يجوز اعتقاد غير الوجوب؛ لأن اللفظ يقتضي وجوب الفعل، فإن كان كذلك، وجب اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل ما دام الفعل واجبًا عليه، وليس كذلك الفعل، فإن تركه جائز إلى أن يفعله، فدلَّ على الفرق بينهما. قيل: قولك: "إنه لا يجوز اعتقاد غير الوجوب؛ لأن اللفظ يقتضي الوجوب" لا يصح؛ لأنه كان يجب أن يعتقده مرة، ثم يقطع الاعتقاد، ولا يكون قطع الاعتقاد في الثاني مانعًا من الأول؛ لأن الأول قد صح ومضى، فاعتقاد غيره لا يمنعه طريان النسخ في الثاني، [كما] لا يمنع صحة ما تقدم. وقولك: "إن ترك الفعل لا يمنع صحة ما تقدم"، فهذا لا يمنع التكرار كالنهي، فإن مخالفته في الثاني لا تمنع صحة ما يدوم من الترك، ومع هذا تكرر. وأيضًا فإن الواحد من أهل اللغة إذا قال لعبده: احفظ هذا الفرس،

стр. 339

[٢٩/ ب] فحفظه ساعة ثم تلاه، استحسن ذمه وتوبيخه، وكذلك المودع فدلَّ على أن الأمر يقتضي التكرار. وأيضًا: فإنه لما لم يتعين بزمان، وجب حمله على العموم في الأزمان في وجوب الفعل، كما أن لفظ العموم يشمل١ جميع الأعيان؛ لأنه لم يخص ببعضها، كذلك الأزمان. واحتج المخالف: بأن الطاعة والمخالفة في الأمر والنهي بمنزلة البر والحنث في القسم؛ لأن كل واحد منهما يعتبر فيه موافقة موجب اللفظ ومخالفته، فإذا ثبت هذا وكان إذا قال: والله لأصلين، أو لأصومنَّ، أو لأحجنَّ، أو قال لغيره: والله لتصلين، أو لتصومن أو لتحجن، اقتضى فعلا واحدًا، فلا يقتضي التكرار، ويكون من فعله بَرَّ في يمنيه [و] وجب أن يكون مطيعًا لله تعالى به متمثلا لأمره. ويدل على أنهما سواء أن النهي الذي هو متعلق بالترك والقسم في الترك سواء في أن كل واحد منهما يقتضي التكرار، ويكون مخالفًا بفعل مرة واحدة، وكذلك الأمر المقيد بوقت أو بعدد أو بصفة بمنزلة القسم المقيد بذلك، فوجب أن يكون مطلق الأمر بمنزلة مطلق القسم. والجواب عنه ما تقدم وهو: أن البر والحنث من أحكام الشرع، والخلاف في موجب الأمر وموضوعه في اللغة، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر، والثاني أن التكرار ليس بمراد للحالف. وجواب آخر وهو: أن الترك في القسم إذا كان معلقًا بوقت، وهو أن يقول: والله لا دخلت الدار عند زوال الشمس، لم يقتضِ التكرار، حتى إنه إذا وجد الترك مرة عند الزوال سقطت اليمين، والترك في ألفاظ صاحب الشريعة إذا علق بوقت اقتضى التكرار٢، فإذا قال: لا تزكوا

стр. 340

إذا زالت الشمس، لم يسقط حكمه بترك مرة. وجواب آخر: وهو أن اعتقاد الفعل في القسم لا يقتضي الدوام، واعتقاد أداء الفعل في الأمر يقتضي الدوام. وجواب آخر: وهو أن الترك في اليمين إذا حصلت المخالفة بفعله مرة سقط حكم القسم، على معنى أنه إذا فعل المحلوف على تركه ثانيًا، حنث ثانيًا، وليس كذلك في ألفاظ صاحب الشريعة؛ لأنها لم يحنث، ولا تسقط بالمخالفة مرة، فبان الفرق. واحتج: بأنه إذا قال: صلى فلان، اقتضى صلاة واحدة، ولا يقتضي التكرار، وإذا كان لفظ الخبر لا يقتضي التكرار، فكذلك لفظ الأمر؛ لأن الأمرَ أمرٌ بإيقاع فعل، [و] الخبر خبر عن وقوعه؛ ولأن قوله: صلِّ، بمنزلة: افعل صلاة، ولو قال: افعل صلاة، اقتضى صلاة واحدة، ولا يقتضي التكرار، فإذا قال: صلِّ، وجب أن يقتضي صلاة واحدة. والجواب عنه ما تقدم من أن الخبر في الفعل إخبار عن إيقاع الفعل في زمان قد شاهده، وهذا لا صيغة له، والأمر المطلق له صيغة؛ ولأنه لا يجب تكرر [٣٠/ أ] الاعتقاد في الخبر. واحتج: بأن قوله لامرأته: طلقي نفسك، اقتضى طلاقًا واحدًا، وكذلك إذا قالت له: طلِّقني بألف، فطلقها تطليقة واحدة استحق الألف. وكذلك إذا قال لوكيله: طلق فلانة، اقتضى طلاقًا واحدًا، ولا يقتضي التكرار، إلا بقرينة تدل عليه. وكذلك لو قال لعبده: تزوج، لم يملك أن يتزوج إلا امرأة

стр. 341

واحدة، نص عليه١ في رواية بن بختان٢، وكذلك في سائر الأوامر. والجواب: أن هذا ثبت بالشرع، والخلاف في موجب الأمر وموضوعه في اللغة. فإن قيل: أوجب الشرع إثبات موجب اللفظ من طريق اللغة، ألا ترى أنه إذا قال: طلق، وكرر الطلاق أو ما يثبت من العدد، كان له أن يكرره؟ قيل: قد بَيَّنَّا أنه غير معتبر بموجب اللفظ من طريق اللغة من الوجه الذي بينا؛ ولأن اعتقاد الفعل هناك لا يقتضي الدوام، وفي مسألتنا يقتضي الدوام، وهو من جملة الأوامر كما بَيَّنَّا. واحتج: بأن قول القائل: صمْ، وصلِّ، أمر بما يسمى صلاة وصومًا، فإذا فعل صومًا واحدًا، أو صلاة واحدة، فقد أتى بما يتضمنه الأمر. والجواب: أنه أمر بما يسمى صلاة على التكرار، كما كان قوله: لا تزن، نهي عما يسمَّى زنا على التَّكرار، وكما كان قوله: صلِّ، أمرًا باعتقاد ما يسمى صلاة على التكرار، كذلك في الفعل. واحتج: بأن كونه على التكرار يقتضي المناقضة، إذا كان الأمر

стр. 342

بشيئين مختلفين مثل الحج والجهاد؛ لأنه لا يمكنه أن يواصل كل واحد منهما أبدًا. والجواب: أنا نثبت التَّكرار على الإمكان، وإذا كان كذلك لم يفضِ إلى المناقضة. واحتج: بأنه لو اقتضى التكرار لم يحسن الاستفهام. والجواب: أنا لا نسلم ذلك، وإن سلمناه فإنما ذلك على طريق الاستثبات، كما يقال له: جاءك الملك، فيقول: جاءني الملك؟ على طريق الاستثبات. واحتج: بأنه لو اقتضى التكرار لم يحسن تأكيده بالأبد، فيقول: صلِّ أبدًا، وصُمْ أبدًا. والجواب: أنا نقلب هذا فنقول: ولو اقتضى مرة لم يحسن تأكيده بمرة واحدة، فنقول: صلِّ مرة واحدة، لم يحسن، وعلى أن هذا يجوز على طريق التأكيد، ولقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون﴾ ١، كذلك ههنا. واحتج بأنه٢ لو قال لرجل: كُلْ، ثم قال: كُلْ، كان أمرًا بالأكل مرتين، فلو كان الأمر يقتضي الاتصال أبدًا، كان قوله: ثم كل، تأكيدًا لا عطفًا، فلما قال الكل منهم: إنه عطف أكله على أكله، ثبت أنه لا يقتضي الاتصال. والجواب: أنه لا يمتنع أن نقول: إن الثاني تأكيد، لا عطف، كما كان قوله: لا تَزْنِ، ثم قال: لا تَزْنِ، كان الثاني تأكيدًا.

стр. 343

واحتج بأنه لو قال [٣٠/ أ] لعبده: ادخل الدار، فدخل ثم استخبره فقال: قد دخلت؟ صح أن يجيبه عنه بنعم، أو يقول: قد دَخَلْت، فلولا أنه امتثل كل ما أمره به لما صح أن يخبره عنه. والجواب: أنه لا يمتنع أن يصح خبره في ذلك، ولا يكون ممتثلا للأمر، كما لو قال: ادخل الدار مائة مرة، فدخلها مرة، صح أن يخبر بالدخول ولا يكون ممتثلا، وكذلك الاعتقاد يصح أن يخبر أنه معتقد، وإن كان ذلك على الدوام.

стр. 344

مسألة الأمر المطلق يتقضي الفور مدخل ... مسألة ١: [الأمر المطلق يقتضي الفور] : الأمر المطلق: يقتضي فعل المأمور به على الفور عقيب الأمر. وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ لأنه يقول: الحج على الفور، وإنما يتصور الخلاف على قولنا إذا دلَّ الدليل على أنه أريد به مرة، فأما

стр. 345

إذا قلنا على التكرار، فلا يتصور التأخير والتقديم. وهو قول أصحاب أبي حنيفة١. وقال الأكثر من أصحاب الشافعي: هو على التراخي٢. وهو قول المعتزلة٣. وقالت الأشعرية: هو على الوقف. وكان أبو بكر الباقلاني ينصر أنه على التراخي٤.

стр. 346

وقد أَومَأَ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم١ وقد سئل عن قضاء رمضان يفرق؟ فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٢. فظاهر هذا أنه لم يحمل الأمر على الفور؛ لأنه لو حمله على الفور منع التفريق، والمذهب: ما حكينا أولا. واختلف المتكلمون في هذه المسألة: هل معرفة ذلك المعقول أم اللغة؟ فذهب بعضهم إلى أن طريق ذلك العقل؛ لأن هذا اختلاف في أحكام، فليس بمأخوذ عن أهل اللغة. وقال آخرون: معرفة ذلك اللغة؛ لأنهم يقولون: فعل ويفعل، فيدل أحدهما على زمان ماضٍ، والآخر على زمان مستقبل.

стр. 347

دليلنا: أنه لو كان على التراخي لم يَخْلُ المأمور به من أحد أمرين: إما أن يكون له تأخيره أبدًا، حتى لا يلحقه التفريط، ولا يستحق الوعيد إن مات قبل فعله. أو يكون مفرطًا مستحقًا للوعيد إذا تركه حتى مات. فإن قلنا: لا يكون مفرطًا بتركه في حياته، خرج عن حدِّ الواجب،

стр. 348

وصار في حدِّ النوافل١؛ لأن ما كان المأمور مخبرًا بين فعله وتركه، فهو نافلة أو مباح٢. وإن قلنا: يلحقه الوعيد بالموت، أدى ذلك إلى أن يكون الله تعالى ألزمه إتيان عبادة في وقت لم ينصب له عليه دليلا يوصله إلى العلم به، ونهاه عن تأخيرها عنه، ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يحوز أن يتعبده بعبادة مجهولة، فإذا بطل هذان القسمان، صح ما ذهبنا إليه، وهو كونه على الفور. ولا يلزم عليه تكليف الوصية عند الموت للأقربين٣، وإن كان وقت الموت مجهولا؛ لأن الموت عليه أمارة وعلامة، تتعلق الوصية بحضوره فلا٤ يكون تعليقًا له بوقت مجهول لا دلالة عليه؛ ولأن الوصية يمكن

стр. 349

فعلها عند حضور الموت، وفعل العبادات لا يمكن في الغالب عند حضور الموت. فإن قيل: إن غلب على ظنه في وقت أنه إن أخر عنه فإنه يضيق عليه وقته لزمه١ تعجيله، وإن لم [٣٢/ ب] يغلب على ظنه ومات فجأة، لم يعص، ويفارق هذا النوافل؛ لأنه يجب تعجيلها إذا غلب على ظنه فواتها. قيل: لا يلغب على الظن ضيق الوقت إلا في وقت لا يمكن فيه أداء العبادة بشرائطها، وهو عند المرض المتلف، وفي تلك الحال لا يمكنه أن يحج بنفسه ولا الصيام. وأيضًا فإن النهي أمر بالترك، والأمر [بالترك] أمر بالفعل، ثم كان النهي على الفور، كذلك الأمر بالفعل. فإن قيل: النهي يقتضي التكرار والدوام فاقتضى الفور، والأمر يقتضي فعلا واحدًا، فلم يقتضِ الفور. قيل: ليس إذا لم يقتضِ التكرار لم يقتضِ الفور، كالجزاء لا يقتضي التكرار ويقتضي الفور عند وجود شرطه، وعلى أنه لا فرق بينهما، وذلك أن مطلق الأمر يقتضي التكرار، ويقتضي فعل مرة بقرينة، ومثله قد حكينا في النهي. وأيضًا: فإن الأمر بالفعل يتضمن ثلاثة أشياء: الأمر بالفعل، والأمر بالاعتقاد، والأمر بالعزم عليه، ثم ثبت أن الأمر بالعزم، والأمر بالاعتقاد على الفور، كذلك الأمر بالفعل وجب أن يكون على الفور. فإن قيل: لو [قال له] : صلِّ بعد شهر، كان الاعقتاد والعزم على

стр. 350

الفور، وإن لم يجب الفعل في هذه الحال، فدل على الفرق بينهما. قيل: ليس إذا تأخر الفعل بالشرط، تأخر في حال الإطلاق، بدليل الجزاء، لو قال: إذا دخلت الدار فلك درهم، استحق الجزاء عند وجود شرطه وهو الدخول، ولو قال له: لك درهم بعد شهر، تأخر، كذلك الفعل، وعلى أن مثله يقول في الاعتقاد، وأنه يجوز تأخيره بالشرط. وقد ذكر ابن عبد الجبار١ في شرحه: أن الأمر يتعلق بأول الشروط على قول أصحاب الفور، ويتعلق بجميعها على قول أصحاب التراخي. فإن قيل: لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد والعزم مع ذكره الأمر، ولا يجوز أن يعتقد غير الواجب، ولا أن يعزم على تركه، فوجب اعتقاد وجوبه والعزم على فعله لما ذكرنا لا باللفظ. قيل: كما لا يجوز أن يعتقد غير الوجوب، كذلك لا يجوز٢ له تأخير الفعل، وإذا لم يَجُزْ له [تأ] خيره وجب فعله، كما أنه لما لم يجز اعتقاد غير الوجوب، وجب اعتقاد الوجوب. وأيضًا: فإن الأمر المطلق في الشاهد يقتضي التعجيل، وهو الواحد منا إذا أمر عبده بفعل، فأخره، فإنه يحسن توبيخه، كذلك حكم الأمر في الغائب. فإن قيل: إنما يحسن توبيخه إذا اقترن بالأمر ما دلَّ على قصد الآمر، فأما إذا لم يقترن به، فلا يحسن توبيخه. قيل: من يظهر التوبيخ والذم لا يرجع إلى القرينة، وإنما يرجع إلى اللفظ فيقول: آمره بكذا فلم يفعل.

стр. 351

وأيضًا: فإن وقوع ما يفيد الإيجاب مطلقًا يفيد الفور، دليله: التمليكات بعقود البياعات والإجارات والأنكحة وجزاء الشرط، فإن الملك يحصل بذلك في الحال [٣٢/ ب] وإنما يتأخر بدليل، وهو شرط الأجل. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ١. وروي أن عمر قال لأبي بكر وقد صُدَّ عام الحديبية: "أليس قد وعدنا الله تعالى بالدخول فكيف صددنا؟ فقال: إن الله تعالى وعد بذلك، ولم يقل في وقت دون وقت"٢. قالوا: وهذا يدل على ما قلناه؛ لأنه خبر عين بوقوع فعل مطلق لا ذكر للوقت فيه، فلم يختص بوقت، فكذلك الأمر؛ لأنه أمر بإيقاع فعل مطلق من غير توقيت، فيجب أن لا يختص بوقت. والجواب: أن ذلك وعد بالدخول، وليس بأمر، وخلافنا في لفظة الأمر؛ ولأن ذلك تعلق بشرط وهو المشيئة، فمتى لم يوجد الدخول علمنا أن المشيئة لم توجد، وخلافنا في أمر مطلق. واحتج: أن قول القائل: افعل، استدعاء للفعل، وليس فيه ذكر الوقت، حتى أي وقت فعله يجب أن يكون ممتثلا للأمر، كما أنه لم يكن فيه ذكر الحال، فعلى أي حال فعله قائمًا أو قاعدًا، مستقبلا٣ للقبلة أو

стр. 352

مستدبرها، متطهرًا أو محدثًا، كان مطيعًا، ولذلك لما لم يكن فيه ذكر المكان، ففي أي مكان فعله كان ممتثلا، كذلك الوقت. والجواب: أن الأمر استدعاء على صفة هي الفور، إلا أنه لم يكن منطوقًا فإنه مقدر١ فيه لا من طريق المعنى، كما اقتضى وجوب اعتقاد على صفة هي الفور، وكما اقتضى النهي الكفَّ على صفة هي الفور، وكذلك الجزاء والثمن في المبيع، وليس إذا لم يكن ذكر الحال والمكان مقدرًا معينًا يجب أن يكون في الزمان مقدرًا، كما قلنا في الاعتقاد والنهي والجزاء والأثمان في البياعات. واحتج: بأن الطاعة والمعصية في الأمر بمنزلة البر والحنث في القسم، ثم ثبت أنه إذا قال: والله لأفعلن كذا، أنه لا يختص بوقت، ولكنه في أي وقت فعله كان بارًّا في يمينه، كذلك يجب أن يكون مطيعًا في الأمر. والجواب: أن اليمين لا توجب على الحالف شيئًا لم يكن واجبًا عليه، وإنما هو مخبر بين الوفاء والكفارة، وبين الامتناع والكفارة، وليس كذلك ههنا؛ لأن هذا لفظ إيجاب، فنظيره النذر، وهو: أن ينذر صلاة ركعتين، أو صيام يوم ونحو ذلك، ولا يمتنع أن يقول: يجب على الفور، كما يقول في مسألتنا، على أن خلافنا في مقتضى الأمر في اللغة، والشرع قد غَيَّر النذر عن مقتضى اللغة، ولهذا لو نذر عتق عبد، لم يجزئه٢ إلا مسلمًا، وإن كان مقتضاه في اللغة يعم الجميع، وكذلك لو نذر صلاة أو صيامًا، اقتضى خلاف موجبه في اللغة. واحتج: بأنه لو كان الأمر يفيد الفور لما حسن الاستفهام. والجواب: أنه إذا كان الآمر ممن لا يضع الشيء في [غير] موضعه، لم يحسن منه الاستفهام.

стр. 353

واحتج: بأنه لو خصه بوقت متأخر، وحب تأخيره [٣٣/ أ] كما إذا خصه بوقت متقدم وجب تقديمه، فإذا لم يكن الوقت مذكورًا، فليس هو بالتعجيل أولى منه بالتأخير. والجواب: أنه ليس من حيث لو خصه بزمان متأخر وجب تأخيره، ما دل على أنه إذا أطلق لا يقتضي التعجيل ألا ترى أن الجزاء إذا شرط تأخره عن الشرط تأخر، وإذا أطلق لزم ذلك عقيب الشرط، وكذلك الأبدال في العقود إذا شرط فهيا التأجيل تأجل، ثم لا يدل ذلك على أنه إذا أطلق لم يكن البدل عقيب العقد، كذلك ههنا. واحتج: بأن الأمر بالفعل يتضمن إيقاعه في مكان وزمان، ثم ثبت أنه لا يختص بمكان بعينه، كذلك لا يختص بزمان بعينه، وعندكم يختص بزمان بعينه، وهو عقيب الأمر. والجواب: أن النهي لا يختص بمكان، ويختص بزمان، وهو عقيب النهي، وعلى أنه لا يمتنع أن يقال: يختص بالمكان الذي أمر بالفعل فيه؛ لأنه على الفور.

стр. 354

فصل: والدلالة على فساد قول من قال بالوقف: أنا نقول لهذا القائل: ما تقول في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ١، هل يجب أن يتوقفوا ويطلبوا صفات البقرة من الرسول ﵇؟!. فإن قال: لا يجب، فقد سلم المسألة، فإنه لا فرق بين البقرة، وبين سائر الأفعال؛ لأن البقرة لا تخلو من صفة ولون، كما أن الفعل لا يخلو من

стр. 355

وقت، وإذا لم يجز التوقف لاحتمال صفات البقرة، لم يجب التوقف لاحتمال أوقات الفعل. فإن قال: يجب التوقف؛ لأنها تحتمل البكر وهي الصغيرة التي لم تلد والفارض وهي المسنة، تقول العرب: فرضت البقرة، إذا أسنت. والعوان: هي بين الصغيرة والكبيرة، والصفراء الفاقع لونها، والسوداء الحالك لونها، والملمعة والتي لا شية فيها، والذلول البينة الذل، والمسلَّمة من العمل، والتي [لا] تثير الأرض ولا يستقى عليها، فتسقي الحرث. قيل: هذا خلاف الشرع؛ لأن الله تعالى خَطَّأ بني إسرائيل في هذا التوقف بطلب هذا البيان، فقال: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ ١، وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢؛ ولأن موسى ﵇ المنبَّأ عن الله تعالى لم يسأل عنها، ولو كان ذلك موضع السؤال لَسَأَلَهُ. فإن قيل: فقد سأله، فلو كان هذا خطأ لكان موسى لا يسأل ربه تعالى بعد سؤال بني إسرائيل. قيل: لم يسأل عنه، وإنما راجع ربه بما عليه بنو إسرائيل من المخالفة، والوقف في غير موضعه. ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "شدد بنو إسرائيل على أنفسهم، فشدد الله عليهم، أما إنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت عنهم"٣،
следующие страницы →