وأيضًا: فإن وقوع ما يفيد الإيجاب مطلقًا يفيد الفور، دليله: التمليكات بعقود البياعات والإجارات والأنكحة وجزاء الشرط، فإن الملك يحصل بذلك في الحال [٣٢/ ب] وإنما يتأخر بدليل، وهو شرط الأجل.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ١.
وروي أن عمر قال لأبي بكر وقد صُدَّ عام الحديبية: "أليس قد وعدنا الله تعالى بالدخول فكيف صددنا؟ فقال: إن الله تعالى وعد بذلك، ولم يقل في وقت دون وقت"٢.
قالوا: وهذا يدل على ما قلناه؛ لأنه خبر عين بوقوع فعل مطلق لا ذكر للوقت فيه، فلم يختص بوقت، فكذلك الأمر؛ لأنه أمر بإيقاع فعل مطلق من غير توقيت، فيجب أن لا يختص بوقت.
والجواب: أن ذلك وعد بالدخول، وليس بأمر، وخلافنا في لفظة الأمر؛ ولأن ذلك تعلق بشرط وهو المشيئة، فمتى لم يوجد الدخول علمنا أن المشيئة لم توجد، وخلافنا في أمر مطلق.
واحتج: أن قول القائل: افعل، استدعاء للفعل، وليس فيه ذكر الوقت، حتى أي وقت فعله يجب أن يكون ممتثلا للأمر، كما أنه لم يكن فيه ذكر الحال، فعلى أي حال فعله قائمًا أو قاعدًا، مستقبلا٣ للقبلة أو
стр. 352
مستدبرها، متطهرًا أو محدثًا، كان مطيعًا، ولذلك لما لم يكن فيه ذكر المكان، ففي أي مكان فعله كان ممتثلا، كذلك الوقت.
والجواب: أن الأمر استدعاء على صفة هي الفور، إلا أنه لم يكن منطوقًا فإنه مقدر١ فيه لا من طريق المعنى، كما اقتضى وجوب اعتقاد على صفة هي الفور، وكما اقتضى النهي الكفَّ على صفة هي الفور، وكذلك الجزاء والثمن في المبيع، وليس إذا لم يكن ذكر الحال والمكان مقدرًا معينًا يجب أن يكون في الزمان مقدرًا، كما قلنا في الاعتقاد والنهي والجزاء والأثمان في البياعات.
واحتج: بأن الطاعة والمعصية في الأمر بمنزلة البر والحنث في القسم، ثم ثبت أنه إذا قال: والله لأفعلن كذا، أنه لا يختص بوقت، ولكنه في أي وقت فعله كان بارًّا في يمينه، كذلك يجب أن يكون مطيعًا في الأمر.
والجواب: أن اليمين لا توجب على الحالف شيئًا لم يكن واجبًا عليه، وإنما هو مخبر بين الوفاء والكفارة، وبين الامتناع والكفارة، وليس كذلك ههنا؛ لأن هذا لفظ إيجاب، فنظيره النذر، وهو: أن ينذر صلاة ركعتين، أو صيام يوم ونحو ذلك، ولا يمتنع أن يقول: يجب على الفور، كما يقول في مسألتنا، على أن خلافنا في مقتضى الأمر في اللغة، والشرع قد غَيَّر النذر عن مقتضى اللغة، ولهذا لو نذر عتق عبد، لم يجزئه٢ إلا مسلمًا، وإن كان مقتضاه في اللغة يعم الجميع، وكذلك لو نذر صلاة أو صيامًا، اقتضى خلاف موجبه في اللغة.
واحتج: بأنه لو كان الأمر يفيد الفور لما حسن الاستفهام.
والجواب: أنه إذا كان الآمر ممن لا يضع الشيء في [غير] موضعه، لم يحسن منه الاستفهام.
стр. 353
واحتج: بأنه لو خصه بوقت متأخر، وحب تأخيره [٣٣/ أ] كما إذا خصه بوقت متقدم وجب تقديمه، فإذا لم يكن الوقت مذكورًا، فليس هو بالتعجيل أولى منه بالتأخير.
والجواب: أنه ليس من حيث لو خصه بزمان متأخر وجب تأخيره، ما دل على أنه إذا أطلق لا يقتضي التعجيل ألا ترى أن الجزاء إذا شرط تأخره عن الشرط تأخر، وإذا أطلق لزم ذلك عقيب الشرط، وكذلك الأبدال في العقود إذا شرط فهيا التأجيل تأجل، ثم لا يدل ذلك على أنه إذا أطلق لم يكن البدل عقيب العقد، كذلك ههنا.
واحتج: بأن الأمر بالفعل يتضمن إيقاعه في مكان وزمان، ثم ثبت أنه لا يختص بمكان بعينه، كذلك لا يختص بزمان بعينه، وعندكم يختص بزمان بعينه، وهو عقيب الأمر.
والجواب: أن النهي لا يختص بمكان، ويختص بزمان، وهو عقيب النهي، وعلى أنه لا يمتنع أن يقال: يختص بالمكان الذي أمر بالفعل فيه؛ لأنه على الفور.
стр. 354
فصل: والدلالة على فساد قول من قال بالوقف:
أنا نقول لهذا القائل: ما تقول في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ١، هل يجب أن يتوقفوا ويطلبوا صفات البقرة من الرسول ﵇؟!.
فإن قال: لا يجب، فقد سلم المسألة، فإنه لا فرق بين البقرة، وبين سائر الأفعال؛ لأن البقرة لا تخلو من صفة ولون، كما أن الفعل لا يخلو من
стр. 355
وقت، وإذا لم يجز التوقف لاحتمال صفات البقرة، لم يجب التوقف لاحتمال أوقات الفعل.
فإن قال: يجب التوقف؛ لأنها تحتمل البكر وهي الصغيرة التي لم تلد والفارض وهي المسنة، تقول العرب: فرضت البقرة، إذا أسنت. والعوان: هي بين الصغيرة والكبيرة، والصفراء الفاقع لونها، والسوداء الحالك لونها، والملمعة والتي لا شية فيها، والذلول البينة الذل، والمسلَّمة من العمل، والتي [لا] تثير الأرض ولا يستقى عليها، فتسقي الحرث.
قيل: هذا خلاف الشرع؛ لأن الله تعالى خَطَّأ بني إسرائيل في هذا التوقف بطلب هذا البيان، فقال: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ ١، وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢؛ ولأن موسى ﵇ المنبَّأ عن الله تعالى لم يسأل عنها، ولو كان ذلك موضع السؤال لَسَأَلَهُ.
فإن قيل: فقد سأله، فلو كان هذا خطأ لكان موسى لا يسأل ربه تعالى بعد سؤال بني إسرائيل.
قيل: لم يسأل عنه، وإنما راجع ربه بما عليه بنو إسرائيل من المخالفة، والوقف في غير موضعه.
ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "شدد بنو إسرائيل على أنفسهم، فشدد الله عليهم، أما إنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت عنهم"٣،
стр. 356
وهذا يدل على خطئهم، وأن صفات البقرة زيدت عليهم [٣٣/ ب] بعد وقفهم، تغليظًا عليهم، وتشديدًا في التكليف.
ويدل عليه على أن الأمر يقتضي الفعل، وليس فيه ذكر الوقت ولا دليل، فوجب أن يكون الوقت شرطًا لما فيه، وإنما لا يمكن الفعل في غير الوقت مع هذه العادة، ولو أمكن الفعل في غيره هذا الوقت كان فعله بهذا الأمر في غيره، ولم يجز أن يجعل شرطًا، فإذا كان كذلك وجب الفعل من غير اعتبار الوقت.
ويدل عليه أنه لا يجوز الوقف لاعتبار المكان واعتبار الحال، والمعاني التي لا ذكر لها في لفظ الأمر.
وكذلك إذا قال: امكثوا في المسجد يومًا، لزمهم المكث فيه، ولم يَجُزْ التوقف عنه، بأن يقولوا: أنمكث صائمين أو مفطرين. مصلين أو غير
стр. 357
مصلين، قائمين أو قاعدين، مستقبلين أو مستدبرين؟ وما أشبه ذلك.
فإن قيل: يجب التوقف لهذا كله حتى يقع البيان للمأمور من جهة الرسول أو من جهة الدلائل المقررة في الأصول.
قيل: هذا [مردود] بتخطئة الله -سبحانه- بني إسرائيل في مثله.
وجواب آخر: وهو أن ذلك يؤدي إلى ترك طاعة الله تعالى في أمره وامتثاله؛ لأنه ليس معنى من المعاني إلا ويجوز أن يكون شرطًا، وفي طلب بيان ذلك ترك الفعل وامتثال الأمر.
ويدل عليه: أن بني إسرائيل لو سألوا لكان ما تركوه أكثر ما سألوا بيانه وأنهم كان يمكنهم أن يقولوا: ما العوان التي بين البكر والفارض؟ وما الشية التي نفاها؟، وما لونها وقدرها وموضعها؟ وهل تكون سمينة أو هزيلة؟ من العراب أو من أي نتاج البقر؟ ومن يذبحها؟، وبأي آلة؟ وعلى أي جنب؟ وما أشبه ذلك مما لا يتناهى ذكره، ولا ينحصر وصفه، ولا يمكن ضبطه.
واحتج المخالف: بأن اللفظ يحتمل الفور والتراخي بدليل أنه يصلح أن نفسره بكل واحد منهما، فنقول: افعلوا على الفور، أو نقول على التراخي، ونقول افعلوا في كذا، وإذا كان مجملا وجب الوقف فيه١، لاحتماله٢، للخصوص والعموم، كذلك ههنا.
والجواب: أنا لا نسلم أن إطلاق الأمر محتمل للتراخي، بل إطلاقه يقتضي الفور على العموم، على أن هذا مخالف له؛ لأن هذا اللفظ محتمل للعموم والخصوص، والأمر لا يحتمل الوقف ولا يقتضيه، فلا يجوز أن
стр. 358
يجعل شرط فيه إلا بدليل يدل عليه. وعلى أنا لو سلمنا أنه محتمل للفور والتراخي كان على أحدهما دليل١، وهو ما تقدم من لغة العرب، وغير ذلك.
стр. 359
الأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته
مدخل
...
مسألة ١: [الأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته] :
إذا كان الأمر مؤقتًا بوقت ففات الوقت، لم يسقط الأمر بفواته، ويكون عليه فعله بعد الوقت، بذلك الأمر الأول، ويكون تقديره: افعله في الوقت الأول ولا تؤخره، فإن لم تفعل فافعله في الوقت الثاني، وهكذا تقديره في سائر عمره ٢.
وكذلك الأمر المطلق إذا لم يفعل المأمور به عقيب الأمر، لم يسقط وإن شئت عبرت عنها بعبارة أخرى [٣٤/ أ] فقلت: القضاء لا يحتاج إلى دليل.
وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية إسحاق بن هانئ في الرجل ينسى الصلاة في الحضر، فيذكرها في السفر: "يصلِّيها أربعًا، تلك وجبت عليه أربعًا". فأوجب القضاء بالأمر الأول، الذي به وجبت عليه في الحضر؛ لأنه قال: تلك وجبت عليه أربعًا، معناه حين المخاطبة بها.
وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين في الأمر المؤقت: إنه يسقط بفوات
стр. 360
الوقت، ويجب القضاء بأمر ثانٍ١.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في الأمر المطلق إذا لم يفعله المأمور به عقيب الأمر، هل يسقط؟
فقال الرازي: لا يسقط ويفعله في الزمان الثاني، والثالث، وسائر عمره، بخلاف المؤقت٢.
وقال غيره من أصحابه: يسقط، كالأمر المقيد بوقت.
стр. 361
دليلنا:
أنه لو سقط بفوات وقته؛ لسقط المأثم بفوات الوقت كما يسقط الوجوب. ولما لم يسقط المأثم كذلك الوجوب.
ولأن الأصل ثبوته في ذمته، فمن زعم إبطاله بخروج الوقت؛ فعليه الدليل.
ولأن النذر المؤقت لا يسقط بفوات وقته، كذلك ما وجب بالشرع.
стр. 362
ولأنه حق واجب؛ فلم يسقط بمضي الوقت. دليله الدَّين المؤجَّل وهو: إذا باع بثمن مؤجل إلى شهر، ثم انقضى الشهر؛ فإن الحق لا يسقط، كذلك ههنا.
فإن قيل: الأجل المضروب لتأخير المطالبة به والدين١ في ذمته؛ فإذا وجب الأداء فلم يفعل، زال الوقت وصار كالعقد المطلق من غير أجل، فلزمه قضاء ما فات أداؤه في وقته، وليس كذلك إذا أمر الله تعالى بأمر في وقت محدد؛ لأن الوجوب ما لزمه إلا في الوقت الذي تناوله الأمر.
قيل: وكذلك المطالبة بالدين ما لزم إلا عند انقضاء الشهر، ثم تأخيرها عن آخر الشهر لا يوجب إسقاطها، كذلك تأخير العبادة عن وقتها.
فإن قيل: إنما لم يسقط الحق؛ لأن وقت المطالبة موسَّع.
قيل: وقت الأداء في ذمة من عليه الحق مضيق؛ لأنه إذا لم يؤجل الأجل وجب الأداء على الفور، كما أن وجوب العبادة عليه على الفور إذا وقَّتها، ثم ثبت أن تأخر الأداء لا يسقط، كذلك العبادة.
وأيضًا فإن الوقت شرط من شرائط العبادة؛ ففقدانه لا يوجب إسقاطها.
стр. 363
دليله:
الطهارة والستارة والتوجه والقراءة وغير ذلك من الشرائط؛ ولأن الوقت ليس بمقصود، وإنما المقصود نفس العبادة بدليل أنه لا فائدة في إثبات وقت خالٍ١ عن عبادة، وقد ثبتت العبادة في ذمته من غير قت وهو أنه يؤمر بعبادة مطلقة؛ فلم يكن فواته موجبًا للإسقاط.
стр. 364
ولأن الأمر بالفعل يتضمن الأمر بالفعل والأمر بالاعتقاد، ثم ثبت أن خروج الوقت لا يوجب إسقاط [٣٤/ ب] الاعتقاد، كذلك لا يوجب إسقاط الفعل.
وقد ذكر في المسألة طرق أخر، وهو: أنه لو كان خروج الوقت علمًا على الإسقاط؛ لكان له أن يسقط الإيجاب عن نفسه بالتأخير إلى آخر الوقت.
ألا ترى أنه لما جعل وجود الفعل علمًا على سقوط الوجوب، كان له أن يسقط الإيجاب عن نفسه بالفعل؛ فلما لم يَجُزْ له التأخير، علمنا أن خروجه غير مسقط.
وقيل أيضًا: بأنه لو كان بعد خروج الوقت يجب القضاء بأمر مبتدأ ما سمي قضاء، كالذي يجب بالأمر الأول؛ لأنه مثله في أنه إيجاب فرض مبتدأ.
فإن قيل لو كان هو الفرض لم يسمَّ قضاء.
قيل: قد بينَّا أن اختلاف النية لا يوجب اختلاف الفرض، بدليل المقصورة والتمام، والجمعة والظهر.
وقيل: لما لم يكن الوقت موجبًا؛ وإنما الوجوب واقف على الدليل، لم يكن خروج الوقت مسقطًا، بل يقف إسقاطه على الدليل.
وقيل: إن أكثر ما في خروج الوقت: أن العبادة تصير في وقت غير معين، وهذا لا يمنع الوجوب، كما لو أوجب عبادة غير معينة بزمان.
فإن قيل: إن عرف الشرع قد ثبت أن الأمر إذا ورد بفعل عبادة متعلقة بوقت؛ فإنه يجب فعلها قضاء، كالصلاة والصيام والحج وغير ذلك.
والمخالف يجيب عن هذا: بأنني عرفت ذلك بدليل؛ لا بأصل الأمر،
стр. 365
مع أن الشرع مختلف في ذلك؛ فإن الجمعة لا تقضى، وكذلك رمي الجمار، وكذلك المحصر إذا تعذر عليه ذبح الهدي في الحرم، جاز ذبحه في الحل ولا قضاء.
وقيل أيضًا: بأن فعلها بعد الوقت يطلق١ عليه اسم القضاء، وإذا ثبت هذا، ثبت أنه قضى بعد الوقت ما كان مأمورًا به في الوقت.
وهذا لا يلزم أيضًا؛ لأنه لا يمتنع أن يقال: قضى بعد الوقت، وإن كان بأمر ثانٍ٢ وفرض مبتدأ.
واحتج المخالف بقول النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها" ٣، فأمر بفعلها بعد الوقت، فلو كان الأمر يفيد امتثاله بعد الوقت لم يأمر به ثانيًا.
والجواب: أن الخبر حجة لنا؛ لأنه قال: "فليصلها"، وهذا كناية
стр. 366
عما أمر به بحكم أن الذي يفعله بعد الوقت هو المأمور به في الوقت. مع أنه قصد بهذا رفع الإشكال؛ لئلا يظن ظان أنها تسقط بفوات وقتها.
واحتج: بأن صيغة الأمر تتناول زمانًا محصورًا؛ فإذا فات الوقت قبل فعله لم يبق زمان أمر يفعله فيه؛ فهو كما لو قيل له: صلِّ في المسجد الفلاني أربعًا، ففات فعله فيه، لم يجز فعله في غيره، وكذلك لو قال: أعط زيدًا ألفًا، فمات زيد، لم يدل على جواز إعطاء غيره.
والجواب: أن [هناك] فرقًا بين تعلق الأمر بزمان، وبين فعله بمكان معين، ألا ترى أن حقوق الآدميين المتعلقة بزمان لا تسقط بفوات [٣٥/ أ] الزمان، ولو تعلق بعين ففاتت العين سقطت، ألا ترى أن الرهن إذا تلف سقط حق المرتهن من الوثيقة، وكذلك العبد الجاني، إذا مات سقط الحق؛ فكذلك ههنا.
واحتج بأن القضاء بدل، والبدل لا يجب إلا بدليل، والذي يدل عليه أنه محتاج إلى نية القضاء.
والجواب: أنا لا نسلم أنه بدل، بل هو الواجب عليه بالأمر الأول واختلاف النيتين لا يدل على أنهما غيران، بدليل المقصورة والتامة، والظهر والجمعة، وعلى أن نية القضاء ليس بشرط في صحة الفعل؛ لأن أحمد ﵁ قال في الأسير، إذا اشتبهت عليه الأشهر؛ فصام شهرًا يريد به رمضان فوافق ما بعده أَجْزَأَهُ، وإن لم يوجد منه نية القضاء؛ وإنما يستحب ذلك للخروج من الخلاف، وعلى أن نية القضاء لا تدل على البدل؛ لأنه قد يجب البدل من غير نية القضاء، كالطهارة إذا أخَّرها عن وقت وجوبها، والكفارة والحج والزكاة والنذر.
ولأن القضاء تسمية شرعية، فتستعمل بحيث أطلقتها الشريعة.
стр. 367
واحتج بأن المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت الأول؛ فيحتاج وجوب الفعل في الوقت الثاني إلى دلالة، كما احتاج في وجوبه في الوقت الأول إلى دليل.
والجواب: أنه إنما يقال: المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت الأول إذا وجد منه فعل في الوقت الأول، فيكون الثاني غيره؛ فأما إذا لم يوجد منه فعل، فلا تصح هذه العبادة ١، وقد بينَّا أن الثاني هو الفرض الأول.
واحتج بأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات، وقد علمنا كون الفعل مصلحة في الوقت الذي خص به، ولا نعلم كونه مصلحة في الزمان الثاني، فلا يجوز مع جواز كونه مفسدة.
والجواب: أن هذا لا يصح أن لو كان الأمر متعلقًا بما فيه مصلحة، فنكون لا نعلم وجودها في الوقت الثاني.
فأما على قولنا فالأمر غير موقوف على المصالح، وقد يتضمن المصلحة والمفسدة.
فأما من فرَّق بين المقيد٢ والمطلق فلا وجه له؛ لأن المطلق والمقيد سواء في تعلقهما٣ بالوقت؛ لأن المطلق يختص أول أوقات الإمكان عنده وعند القائل؛ فإذا لم يسقط أحدهما بمضي وقته وجب أن لا يسقط الآخر.
يبين ذلك: أن ما ثبت من جهة النطق بمنزلة ما ثبت بدليل، ألا ترى أن عقد البيع لما أوجب سلامة المبيع كان شرط المشتري لذلك وسكوته عنه
стр. 368
بمنزلة في أنه يعتبر صحة المبيع بجميع أجزائه.
واحتج بأن تقيد المأمور به بالوقت يوجب له صفة زائدة على كونه مطلقًا؛ إذ لو لم يكن كذلك لم يكن لتقييده بالوقت معنى؛ فإذا كان المطلق كالمقيد في أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الوجوب، لم يجز أن [٣٥/ ب] يختلفا إلا في باب سقوط المقيد منهما بفوات وقته، وبقاء حكم المطلق بعد الوقت الأول.
والجواب: أن نقول بموجب هذا، وأنه قد أوجب له صلة زائدة وهو إنما أفاده تأخيره الوجوب عقيب الخطاب.
стр. 369
مسألة الأمر يقتضي كون المأمور به مجزئا
مدخل
...
مسألة: ١
الأمر يقتضي كون المأمور به مجزئًا، وهو قول جماعة الفقهاء وأكثر المتكلمين والأشعرية وغيرهم٢.
وقالت طائفة من المعتزلة٣: لا يقتضي ذلك، وأن كونه مجزئًا يعلم بدلالة غير الأمر.
стр. 370
دليلنا:
إن الأمر بالعبادة اقتضى وجوب فعلها وإيجاده، فإذا فعل المأمور به فقد امتثل ما اقتضاه الأمر، فخرج عن عهدته، وعاد إلى ما كان عليه قبل
стр. 371
الأمر، فبرأت ذمته كما لو أمر السيد عبده بفعله شيء ففعله، لم يبق عليه شيء من ناحية أمرهن، ويبين صحة هذا أنه يصح أن يخبر عن نفسه بأن يقول: قد فعلت كذا وكذا، فلو كان قد بقي عليه شيء من حكم المأمور به، لما صح أن يخبر بذلك.
ولأن جواز الفعل حكم تعلق بالمأمور به، كما أن استحقاق الثواب حكم تعلق به، فإذا كان فعل المأمور به على شرائط يدل على استحقاق الثواب، كذلك يجب أن يدل على جوازه.
ولأنه لا طريق إلى معرفة جوازه إلى وقوعه على الوجه المأمور به، ألا ترى أنه يستحيل أن تكون الدلالة على جوازه وقوعه على غير الوجه المأمور به، فدل ذلك على ما قلناه.
واحتج المخالف: بأن معنى قولنا: يجزئه، أنه لا تجب عليه الإعادة، وقد علمنا أنه غير ممتنع بأن يأمر الحكيم بفعل من الأفعال، ويقول: إذا فعلتموه فقد فعلتم الواجب واستحققتم الثواب، وعليكم الإعادة مع ذلك، ألا ترى أن الحَجَّة الفاسدة مأمور بالمضي فيها، ويستحق الثواب على فعلها، ومع ذلك فعليه الإعادة، وكذلك من ظن أنه على طهارة وهو في آخر الوقت، فأن الصلاة واجبة عليه، وهو مأمور بها١، ومع ذلك فعليه الإعادة إذا علم أنه كان على غير طهر.
والجواب: أنه٢ هناك لم يأت بالعبادة على الوجه المأمور به، بل أَخَلَّ بشرط، فلهذا لم يقع موقع المأمور به، وكلامنا فيما يأتي به على الوجه المأمور به من غير إخلال ببعض شرائطه٣.
стр. 372
واحتج بأن اللفظ تضمن إيجاب الفعل فحسب، ولم يتضمن إجزاءه وسقوط الفرض، فاحتاج في ذلك إلى دليل.
والجواب: أن اللفظ تضمن إيجاده، فإذا أوجده امتثل ما أمره به وبرأت ذمته من١ حكم الأمر، فعاد إلى ما كان عليه قبل توجه الأمر ولم يبق شيء يحتاج فيه إلى دليل.
стр. 373
مسألة ٢: [الواجب المخير] :
إذا ورد الأمر بأشياء على طريق التخيير، كالكفارات٣ الثلاث ونحوها، فالواجب واحد [٣٦/ ب] منها بغير عينه، فيتعين ذلك بفعله، فيصير كأنه الواجب عليه بنفس السبب.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية البغوي٤: كل شيء في كتاب الله تعالى "أو" فهو تخيير وهو قول جماعة الفقهاء وأصحاب الأشعري.
وذهب المعتزلة إلى أن الجميع واجب على طريق التخيير٥.
стр. 374
وكان الكرخي مرة ينصر هذا، ومرة ينصر مثل ما حكيناه عن جماعة الفقهاء١.
ومن الناس من قال: هذا خلاف في عبارة، لا في معنى؛ لأنهم وإن قالوا: الجميع واجب، فإنه إذا أتى بواحدة أجزأه. وإذا فعل الجميع في وقت واحد، فإن الواجب منها واحد، والثواب يستحق على واحد، وإذا ترك الجميع استحق العقوبة على واحد.
وهذا القائل يقول: وإن كان كلامنا في عبارة فهو مفيد؛ لأنَّا نخطئهم في إطلاق اسم الواجب على الجميع.
ومنهم من قال: خلاف في معنى؛ لأن من قال: الواجب منها واحد بغير عينه، فإنه يجعل من حلف أنه لم يجب عليه بالحنث جميع الأشياء الثلاثة بارًّا في يمينه.
ومن أوجبها جعله حنثًا في يمينه.
ولأن من قال: الواجب واحد من الجملة غير معين، فإنه يقول: المراد من المكلف واحد من الجملة، وفي معلوم الباري تعالى أنه لا يعدل عنه إلى غيره.
ومن زعم أن الجميع واجب، فإنه يقول: إنه قد أراد كل واحد من الثلاثة كما أراد الآخر، وكره ترك كل واحد كما لو كره ترك الآخر، وهذا خلاف في المعنى.
стр. 375
دليلنا على أن الواجب واحد منها أشياء:
منها: أن من قال لآخر: الْقِ زيدًا أو عمرًا، لم يفهم أحد وجوب لقائهما، ولو قال: تصدق من مالي بدرهم أو دينار، لم يعلم وجوب فعلهما، ولهذا المعنى استحق المأمور أن يذم بإخراج الأمرين من ماله، ولو كانا واجبين لم يستحق الفاعل ذمًّا بفعل الواجب؛ ولأن الأمر بالشيء بمنزلة الإخبار عنه. ثم ثبت أن القائل إذا قال: ضرب زيد عمرًا أو خالدًا، كان إخبارًا عن ضرب واحد، وكذلك الأمر إذا كان على هذا الوجه.
وأيضًا لو فعل الجميع لم يكن الواجب إلا واحدًا من الجملة، فلو كان الجميع واجبًا قبل الإيقاع، لكان متى تعين بالفعل وقع على الصفة التي كان عليها قبل الإيقاع، ألا ترى الذي تعين فعله لا يجوز أن تخالف صفته حال الإيقاع لما تعلق به الأمر، مثل سائر الواجبات التي ثبتت من غير تخيير، ولما ثبت أن الواحد منها يقع واجبًا دلَّ على أن الواجب واحد منها.
فإن قيل: إنما لم يقع جميعها واجبًا؛ لأنها كانت واجبة على التخيير.
قيل: المفعول يقع عن١ الواجب كما يقع لو لم يكن مخيرًا فيه، ألا ترى أن من خير في تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت، فإنه واجب مخير فيه، ولو فعله لوقع ذلك عن الواجب، كما يقع لو لم يكن مخيرًا فيه.
فإن قيل: الثلاث كفارات قبل الإيقاع، [٣٦/ ب] ومتى أوقعها كانت الكفارة واحدة كذلك حكم الوجوب.
стр. 376
قيل: قولنا: كفارة عبارة عن الواجب، وهذا الاسم لا يصح إطلاقه، وإنما يتجوز بالعبارات، فنقول: إنها كفارات، بمعنى أن كل واحد منها١ يقع به التكفير متى اختاره المكلف. ويجوز أن يسمى الجميع كفارات، ويراد به في حق المكلفين؛ لأن الواحد قد يختار العتق، وآخر الإطعام، فأما حق الواحد فلا يقال ذلك فيه إلا على طريق الاتساع.
وأيضًا: فإنه لو ترك الثلاثة استحق العقاب على واحد، فدلَّ: أن الواجب واحد منها، يدل على صحة ذلك: أن فرض الكفاية على التخيير؛ لأن كل واحد منهم إذا فعله أجزأه، ومع ذلك إذا تركه الكل حرجوا وأثموا واستحقوا العقاب، كما إذا كان واجبًا على الجميع، وكذلك لو كان له على رجل ألف درهم، فضمنه عنه ضامن، وجب له الألف على كل واحد منهما على التخيير، وإذا تركا جميعًا قضاءه استحقا العقوبة، فلو كان جميع الثلاثة واجبًا، لوجب أن يستحق تاركها العقاب على جميعها، ولما أجمعنا على أنه يستحق العقاب على واحد منها٢، وجب أن يكون الواحد منها٣ واجبًا.
فإن قيل: إذا فعل الجميع أو واحدًا استحال التخيير، فلو قلنا: إن الجميع واجب؛ لأدى إلى أن يكون واجبًا على طريق الجميع، وكذلك إذا ترك الجميع لو قلنا: يعاقب على ترك الجميع أدى إلى هذا المعنى، وهذا غير سائغ، وإنما يسوغ التخيير فيما لم يوجده، وهو قادر على إيجاده.
قيل: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم، وقلنا: المفعول في المتروك يقع عن الواجب، كما يقع لو لم يكن مخيرًا فيه، ألا ترى أن من خُيِّر في
стр. 377
تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت، فإنه واجب مخيَّر فيه، ولو فعله أو تركه، كان حكمه حكم ما لم يكن مخيرًا؟
فإن قيل: لا يحوز اعتبار الوجوب باستحقاق العقاب؛ لأنه إذا أمكنه فعل كل واحد من الأنواع، فلم يخرج تعلق العقاب بأقلها، وهذا متعين قبل تركها، والواجب منها غير معين، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
قيل: لا نعين العقاب في واحد منها١. ثم نقول: يستحق على واجب واحد بغير عينه عقابًا، هو بقدر أقلها عقابًا، فأما أن نعين الاستحقاق في أقلها عقابًا فلا.
وأيضًا: فإن هذا القول يؤدي إلى أن من وجب عليه مُدٌّ من طعام وفي ملكه عشرة آلاف٢ مد، وهو مخيَّر في إخراج كل واحد منها: أن يكون الواجب عليه عشرة آلاف٣ مد، وأن من وجب عليه شراء رقبة للكفارة، وهو يقدر على شراء كل واحدة من رقاب البلد: أن يكون قد وجب عليه أن يشتري للكفارة جميع رقاب البلد. وإذا وجبت عليه خمسة دارهم في مائتي درهم وجب أن يكون قد وجب إخراج جميع [٣٧/ أ] المائتين؛ لأنه مخير في إخراج كل خمسة منها، وهذا خلاف إجماع المسلمين، وكل قول أدى إلى ذلك فهو باطل مردود.
واحتج المخالف:
بأن الأمر يتناول كل واحد كتناوله للآخر، فقد تساويا من هذا الوجه، وتساويا في أن المصلحة في كل واحد كالمصلحة في الآخر، وفي
стр. 378
أن الآمر أراده، وأنه إذا كفر وقع موقعه، فإذا كان أحدهما واجبًا كان الآخر كذلك.
والجواب عن قولهم: أن الأمر تناول كل واحد، وأن ذلك مراد للآمر، فلا نسلم هذا، بل الأمر تناول واحدًا لا بعينه، والآمر أراد واحدًا لا بعينه، وعلى أن الأمر والإيجاب لا يدلان على الإرادة عندنا.
وقولهم: إن المصلحة في كل واحد كالمصلحة في الآخر، فهذا لا يدل على أن الوجوب يعمها١، ألا ترى أن الله تعالى قد تعهد بإخراج الصدقات إلى المساكين، وجعل الخيار في وضعها فيهم إلى أرباب الأموال، فيكون له أن يعطي من يشاء من المساكين كالمصلحة في دفعها إلى غيره منهم.
وكذلك يجب عليه في مائتين خمسة دراهم شائعة، ولرب المال إخراج أي خمسة شاء منها، ولا يكون هذا دلالة على إيجاب إخراج كل خمسة منها مع تساويها في المصلحة.
وقولهم: إنه إذا كفر بأحدهما وقع موقعه، كما لو كفر بالآخر، فهذا لا يدل على إيجابهما كما ذكرنا في الدفع إلى أحد الفقراء، الأداء يقع بالدفع إلى كل واحد، ولا يجب الدفع إلى الجميع. وكذلك إخراج خمسة من مائتين كل خمسة من ذلك مساوية للأخرى في الأداء. ولا يجب إخراج الجميع.
واحتج بأنه لو كان الواجب واحدًا لنصب الله عليه دليلا، وميَّزه عما ليس بواجب، ولهذا يطلبه.
والجواب: أنه إنما يجب هذا إذا كان الواجب معينًا قبل الفعل، فينصب عليه دليلا؛ ليتوصل المأمور إلى معرفته، فأما إذا لم يكن معينًا وإنما
стр. 379
يتعين بفعله فلا حاجة به إلى تبين؛ لأن ما يؤدي به فرضه هو الذي يختار فعله منها.
وجواب آخر وهو: أن ما يستحق العقاب على تركه والثواب على فعله واحد، ولم يجب نصب الدليل عليه، فكل جواب لك عنه فهو جوابنا عن الواجب الواحد.
وجواب آخر وهو: أن المستحق عتق عبد من عبيد الدنيا، وإطعام عشرة من فقراء دار الإسلام، وإن لم يدل الأمر على أعيانهم، وكذلك تعتبر الزكاة في خمس من ماله لم يدل عليه، وإن كان هذا القدر هو الواجب عليه.
وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن يكون الواجب واحدًا من الجملة، وفي معلوم الله تعالى أن المكلف لا يعدل عنه إلى غيره، فيجوز أن يخيَّره في ذلك، ويكون القصد تعريضه للثواب في طلبه لما هو الأولى [٣٧/ ب] والأفضل عنده، ويصير بمنزلة فرض الإمامة أنه يتعلق بواحد والخيار إلى الأمة في اختياره وتعيينه، وإن لم تقم دلالة على عينه، وكذلك العدل من الشهود.
واحتج بأنه لا يجوز أن يقال: إن الواجب واحد من الجملة؛ لأنه لا يعرف ما هو الأصلح.
والجواب: أن الباري -سبحانه- لو نصَّ فقال: أوجبت عليك أيها المكلف واحدًا من هذه الجملة، وقد علمت أنك لا تختار إلا ما هو المراد منك والواجب عليك، جاز.
فإن قيل: فيجب أن يخبر الإنسان بين تصديق المنبأ ومن هو متنبئ، قيل: لو لزم هذا للزم المخالف، إذا قال في مقدار الزكاة: الخيار إلى المالك في أن يعينه في أي مال شاء، وكذلك إذا قال: الخيار إليه في تعيين.
стр. 380
الدفع إلى أي فقير شاء. وكذلك في اختيار الإمام وتمييزه ممن ليس بإمام.
ومن الناس من أجاز ذلك إذا كان في معلوم الله تعالى: أن المكلف لا يختار إلا الإيمان بمن هو نبي، مثل الإمامة، ومن منع ذلك فرَّق بين الأمرين: بأن تصديق المتنبئ معصية وكذب، فغير جائز أن يخير بين أن يكذب أو يصدق، وبين أن يطيع أو يعصي، وأما في الأشياء المأمور بها على وجه التخيير فجميعها يجوز أن تجمع في الفعل، فجاز أن يقف على اختياره.
واحتج: بأن التخيير يقع بين الأشياء المتساوية، ومتى لم تكن واجبة زال هذا المعنى.
والجواب: أن الجملة متساوية في أن كل واحد منهما يجزئ عن الواجب متى اختاره المكلف. فإن قيل: المكلف قد يختار واحدًا من الجملة ثم يعدل عنه إلى غيره.
قيل: متى اختار تعيين الواجب في واحد وقف حكمه على إيجاده، فإذا أوجد الثاني تبينَّا أن الذي أريد ذلك دون غيره، مثل أن يعطي زكاة ماله أي فقير، بعد أن أراد تعيينه إلى آخر، وكذلك إذا أرادت الأمَّةُ تقليدَ واحد الإمامةَ فرأت غيره أحق منه بعد ذلك.
واحتج: بأنه لو كان الواجب واحدًا من الجملة، كان إذا فعل غيره لم يقع موقع الواجب.
والجواب أنا نقول: الواجب غير معين، وهو ما يختاره المكلف، فتعينه بفعله، فيقول القائل: إذا عدل عن غيره أو فعل غيره محال، وإذا كان تعيين الوجوب موقوفًا على فعله وتعيينه بطل اعتبار العدول، ولو صح هذا الاعتبار لوجب إذا نذر الواحد عتق عبد من عبيده أن يكون الواجب عليه عتق جميع عبيده، ومن طلق واحدة من نسائه أن يكون
стр. 381
الواجب عليه طلاق جميعهن، وكذلك من وجب [عليه] زكاة خمسة دراهم، أن يكون الواجب عليه أن يتصدق بها على جميع فقراء الدنيا، وكذلك من وجبت عليه خمسة دراهم أن يلزمه أن يتصدق بجميع ماله؛ لأن له العدول من بعض إلى بعض، [٣٨/ أ] فسقط ما قالوه.
стр. 382
الواجب الموسع
مدخل
...
مسألة: [الواجب الموسَّع] : ١
العبادة إذا تعلقت بوقت موسع كالصلاة، فإن وجوبها يتعلق بجميع الوقت وجوبًا موسعًا، وله تأخيرها إلى آخره.
وقد نص أصحابنا على هذا في الصلاة، خلافًا لأصحاب أبي حنيفة: يتعلق الوجوب بآخر الوقت.
واختلفوا فيما يفعله في أوله.
فمنهم من قال: إنه تطوع يقع٢ الواجب في آخره.
ومنهم من قال: إن ذلك يقع مراعًا، فإن جاء آخر الوقت، وهو من أهل تلك العبادة، علمنا أنه فعله واجبًا، وإن كان بخلاف ذلك [علمنا] أنه فعله نفلا.
وقال الكرخي: الوجوب يتضمن تأخر الوقت، أو بالدخول في العبادة قبل ذلك٣.
стр. 383
وهذا الخلاف يفيد حكمين، وليس بخلاف في عبارة؛ لأنَّا لا نجيز له تأخير الفعل عن أول الوقت إلى آخره، إلا بشرط العزم١.
والثاني: أن الفعل إذا كان مما يجب قضاؤه، فإذا دخل الوقت ثم زال التكليف بجنون أو بحيض حتى فات وقته، وجب قضاؤه على قولنا. وعندهم له التأخير بغير عزم، ولا قضاء عليه.
وحكي عن بعض المتكلمين أنه غير متعين٢، وإنما يتعين بالفعل كالكفارات.
دليلنا:
أن فعلها في أول الوقت بحكم الأمر، ألا ترى أن ما قبل الوقت وبعده لما لم يتناوله الأمر لم يجز له فعلها فيه بحق الأمر، وإذا كانت مفعولة بحق الأمر وجب أن يكون الفعل واجبًا؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، ولا يلزم عليه فعل الزكاة قبل الحول أنه يجوز، ولا يقتضي الوجوب؛ لأن تحصيلها لم يحصل بحكم الأمر المقتضي للوجوب، وإنما كان بحكم الأمر المقتضي للرخصة، وهو حديث العباس٣، لما سأل النبي ﷺ في تعجيل الصدقة
стр. 384
قبل أن تحل، فرخص له في ذلك١، وليس كذلك ههنا، فإنها تفعل في أول الوقت بالأمر الذي يفعل [به] في آخره، وذلك مقتضى الوجوب.
وليس لهم أن يقولوا: إن الأمر بتناول الوقت في باب الجواز، لما بينَّا، وهو أنه تناول بالأمر الذي تناول آخره، وهو قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٢، أو صلاة جبريل في أول الوقت وآخره ٣.
ولأن إطلاق الأمر يقتضي الوجوب، وإطلاقه يقتضي الفور عندنا
стр. 385
وعندهم، وهذا قد وجد في أول الوقت.
وأيضًا: فإنها إذا فعلت في أول الوقت لم يَخْلُ: إما أن تكون مفعولة في وقت وجوبها الموسع، أو في وقت وجوبها المضيق، كما حكي عن بعض، أو وقعت نفلا، أو قبل الوجوب فيراعى حالها، ولا يجوز أن تكون فعلت في أول وقت الوجوب المضيق؛ لأنه لو كان كذلك لكان يجب أن يجوز فعلها بنية النفل، ويكون ذلك أولى بالجواز من نية الفرض؛ ولأنها لو كانت نفلا لم يسقط بها فرض كمن تصدق عن نافلة لا تسقط زكاته، وكذلك من صلى نافلة في أول الوقت لم يسقط بها الفرض في أول الوقت، [٣٨/ ب] فلا يجوز أن تقع مراعاة؛ لأن عبادات الأبدان المقصودة لا يجوز تقديمها على حالة وجوبها من غير عذر، وإذا بطل هذا ثبت أنها فعلت في وقت وجوبها الموسَّع، ولا يلزم عليه الطهارة١؛ لأنها غير مقصودة، ولا يلزم عليه الصيام في الكفارة؛ لأنه غير مقصود، ألا ترى أنه لا يثبت حكمه إلا بعد عدم المال؟
стр. 386
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لو تعلق وجوبها بأول الوقت، لم يجز١ تركها لا إلى بدل؛ لأن هذه صفة الوجوب، وفي اتفاقهم على جواز تأخيرها في الوقت الأول لا إلى بدل دليل على أن الوجوب [لا] يتعلق بأول الوقت.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يجوز تركها لا إلى بدل، بل له أن يؤخرها بشرط أن يعزم على فعلها في الوقت الثاني، فيكون عزمه على ذلك بدلا عنها.
فإن قيل: الأبدال لا يجوز إثباتها من غير دلالة تدل عليها، ألا ترى
стр. 387
أنه لا يجوز إثبات بدل من الماء غير التيمم، وكذلك سائر العبادات لا يجوز إثبات بدل عنها بغير دلالة.
قيل: الدلالة على ذلك أنا لو قلنا: له التأخير من غير شرط العزم، سوَّينا بينها وبين النافلة والمباح؛ لأن له تأخيرها من غير شرط العزم، وقد أجمعنا على الفرق بين الواجب وبين النافلة والمباح، فلا يحصل الفرق إلا بما ذكرنا.
فإن قيل: البدل: ما يفعل لتعذر المثل، وفعل الصلاة في أول الوقت ليس بمتعذر، فلا يكون له بدل.
قيل: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، وكذلك المسح على العمامة، ويجوز فعلها مع القدرة على المبدل.
وجواب آخر عن أصل الدليل وهو: أنه منتقض بالمسافر، فإنه مخيَّر بين فعل صوم رمضان وبين تركه لا إلى بدل على ما قرر المخالف، ومع هذا فهو واجب، وكذلك قضاء رمضان يجوز تقديمه وتأخيره، وهو واجب في ذمته، ولأن ترك النافلة جائز، وما خيِّر بين فعله وتركه لا يكون واجبًا، وليس كذلك هذا الفعل، فإنه مخيَّر بين تقديمه وتأخيره، ولا يجوز تركه أصلا، فدل على الفرق بينهما.
واحتج: بأنها لو كانت واجبة في أول الوقت لأثم بتأخيرها عنه كتأخير الصوم والزكاة والحج.
والجواب: أنه إنما لم يأثم بتأخيرها عن أول وقتها؛ لأن وجوبها موسَّع، وتلك العبادات وجوبها مضيق، وعلى أن هذا لو كان صحيحًا لوجب أن يثبت الوجوب في الحالة التي يلحقه المأثم، وهو إذا بقي من الوقت قدر ما يصلي فيه الصلاة، وعندهم يأثم بالتأخير عن هذه الحالة، والوجوب متبقٍ١ كذلك ههنا.
стр. 388
وأما من شبَّه ذلك بالكفارة، فهو الدليل عليه؛ لأن الكفارة واجبة عليه من حين الحنث في يمينه، وبأي نوع من أنواع الكفارة كفر [٣٩/ أ] كان وجوب الكفارة سابقًا لفعله، وكان مؤديًا لما سبق وجوبه، كذلك يجب أن يكون في أول وقت من أوقاته فعل، أن يكون فاعلا لما سبق وجوبه.
стр. 389
مسألة المريض ومن في حكمه يجب عليهم الصيام في وقته مع جواز التأخير
مدخل
...
مسألة: [المريض ومن في حكمه يجب عليهم الصيام في وقته مع جواز التأخير] : ١
المريض والمسافر والحائض يلزمهم الصيام، وإن جاز لهم تأخيره، وإذا فعلوا بعد زوال العذر كان قضاء عن الواجب الذي لزمهم.
وقد قال أحمد ﵁ في رواية الأثرم، وقد سئل عن المجنون يفيق يقضي ما فاته من الصوم؟ فقال: "المجنون غير المغمى عليه، قيل له: لأن المجنون رفع عنه القلم، قال: نعم." فأسقط القضاء عن المجنون، وجعل له فيه رفع القلم، فاقتضى أنه غير مرفوع عن المغمى عليه.
وقال أيضًا ﵀ في رواية حنبل في النصراني يسلم في النصف من رمضان، واليهودي، أو الصبي يدرك في آخر الشهر من رمضان؟ فقال: "يصوم ما بقي ولا يقضي ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه شيء، إنما حدثت الأحكام عليه." فأسقط القضاء عنهم، وجعل العلة عدم الإيجاب، فاقتضى هذا أن من وجب عليه القضاء، قد كان واجبًا عليه.
خلافًا لأصحاب أبي حنيفة في قوله: الصوم غير واجب عليهم في
стр. 390
الحال، وإنما يلزمهم عند زوال العذر ١.
وخلافًا للأشعرية في قولهم: المسافر يلزمه الصيام، فإن فعله أجزأه وإن أخره عنه جَازَ. وأما المريض والحائض فلا يلزمهم قضاء الصيام، إنما يلزمهم٢ بعد ذلك.