حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لو تعلق وجوبها بأول الوقت، لم يجز١ تركها لا إلى بدل؛ لأن هذه صفة الوجوب، وفي اتفاقهم على جواز تأخيرها في الوقت الأول لا إلى بدل دليل على أن الوجوب [لا] يتعلق بأول الوقت.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يجوز تركها لا إلى بدل، بل له أن يؤخرها بشرط أن يعزم على فعلها في الوقت الثاني، فيكون عزمه على ذلك بدلا عنها.
فإن قيل: الأبدال لا يجوز إثباتها من غير دلالة تدل عليها، ألا ترى
стр. 387
أنه لا يجوز إثبات بدل من الماء غير التيمم، وكذلك سائر العبادات لا يجوز إثبات بدل عنها بغير دلالة.
قيل: الدلالة على ذلك أنا لو قلنا: له التأخير من غير شرط العزم، سوَّينا بينها وبين النافلة والمباح؛ لأن له تأخيرها من غير شرط العزم، وقد أجمعنا على الفرق بين الواجب وبين النافلة والمباح، فلا يحصل الفرق إلا بما ذكرنا.
فإن قيل: البدل: ما يفعل لتعذر المثل، وفعل الصلاة في أول الوقت ليس بمتعذر، فلا يكون له بدل.
قيل: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، وكذلك المسح على العمامة، ويجوز فعلها مع القدرة على المبدل.
وجواب آخر عن أصل الدليل وهو: أنه منتقض بالمسافر، فإنه مخيَّر بين فعل صوم رمضان وبين تركه لا إلى بدل على ما قرر المخالف، ومع هذا فهو واجب، وكذلك قضاء رمضان يجوز تقديمه وتأخيره، وهو واجب في ذمته، ولأن ترك النافلة جائز، وما خيِّر بين فعله وتركه لا يكون واجبًا، وليس كذلك هذا الفعل، فإنه مخيَّر بين تقديمه وتأخيره، ولا يجوز تركه أصلا، فدل على الفرق بينهما.
واحتج: بأنها لو كانت واجبة في أول الوقت لأثم بتأخيرها عنه كتأخير الصوم والزكاة والحج.
والجواب: أنه إنما لم يأثم بتأخيرها عن أول وقتها؛ لأن وجوبها موسَّع، وتلك العبادات وجوبها مضيق، وعلى أن هذا لو كان صحيحًا لوجب أن يثبت الوجوب في الحالة التي يلحقه المأثم، وهو إذا بقي من الوقت قدر ما يصلي فيه الصلاة، وعندهم يأثم بالتأخير عن هذه الحالة، والوجوب متبقٍ١ كذلك ههنا.
стр. 388
وأما من شبَّه ذلك بالكفارة، فهو الدليل عليه؛ لأن الكفارة واجبة عليه من حين الحنث في يمينه، وبأي نوع من أنواع الكفارة كفر [٣٩/ أ] كان وجوب الكفارة سابقًا لفعله، وكان مؤديًا لما سبق وجوبه، كذلك يجب أن يكون في أول وقت من أوقاته فعل، أن يكون فاعلا لما سبق وجوبه.
стр. 389
مسألة المريض ومن في حكمه يجب عليهم الصيام في وقته مع جواز التأخير
مدخل
...
مسألة: [المريض ومن في حكمه يجب عليهم الصيام في وقته مع جواز التأخير] : ١
المريض والمسافر والحائض يلزمهم الصيام، وإن جاز لهم تأخيره، وإذا فعلوا بعد زوال العذر كان قضاء عن الواجب الذي لزمهم.
وقد قال أحمد ﵁ في رواية الأثرم، وقد سئل عن المجنون يفيق يقضي ما فاته من الصوم؟ فقال: "المجنون غير المغمى عليه، قيل له: لأن المجنون رفع عنه القلم، قال: نعم." فأسقط القضاء عن المجنون، وجعل له فيه رفع القلم، فاقتضى أنه غير مرفوع عن المغمى عليه.
وقال أيضًا ﵀ في رواية حنبل في النصراني يسلم في النصف من رمضان، واليهودي، أو الصبي يدرك في آخر الشهر من رمضان؟ فقال: "يصوم ما بقي ولا يقضي ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه شيء، إنما حدثت الأحكام عليه." فأسقط القضاء عنهم، وجعل العلة عدم الإيجاب، فاقتضى هذا أن من وجب عليه القضاء، قد كان واجبًا عليه.
خلافًا لأصحاب أبي حنيفة في قوله: الصوم غير واجب عليهم في
стр. 390
الحال، وإنما يلزمهم عند زوال العذر ١.
وخلافًا للأشعرية في قولهم: المسافر يلزمه الصيام، فإن فعله أجزأه وإن أخره عنه جَازَ. وأما المريض والحائض فلا يلزمهم قضاء الصيام، إنما يلزمهم٢ بعد ذلك.
стр. 391
دليلنا:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ ١ وتقدير الآية: فأفطر، فأوجب العدة بالفطر، وعندهم: ما وجبت بالفطر، وإنما وجبت بمعنىً آخر، وهذا دلالة على وجوب الصوم على المريض والمسافر.
ولأن العبادة إذا كانت مأمورًا بها في وقت محصور، فإذا لم يجب فعلها فيه، لم يجب عليه أن لا يعود وقت مثلها، كالصلاة في حق الحائض، لما لم تجب في وقت، لم تجب حتى يعود وقت مثلها، فلما ثبت في الصوم أنه يجب قبل مجيء وقت مثله٢، ثبت أنه وجب القضاء بالتأخير، فهو كما لو أفطر بغير عذر.
وأيضًا: فإنما يأتي به المريض والمسافر والحائض من الصوم بعد زوال العذر، يسمى قضاء، فلولا أنه بدل عن واجب تقدم لما سُمِّيَ بذلك.
[فإن قيل: إنما سمي بذلك] ٣ مجازًا.
стр. 392
قيل: الأصل في كلامهم الحقيقة، فمدعي المجاز يحتاج إلى دليل.
وقد روي عن عائشة١ ﵂ أنها قالت: كنا نقضي ما فاتنا من رمضان في شعبان اشتغالا برسول [الله] ٢.
وفي خبر آخر: كنا نؤمر بقضاء رمضان"٣، وظاهر التسمية الحقيقة.
стр. 393
ولأن ما فعل بعد زوال العذر يعتبر قدره بقدر الأصل، ويؤتى به على مثاله، فثبت أنه بدل عنه؛ ولأنه يؤمر بنية القضاء.
واحتج المخالف:
بأنه لو كان واجبًا لما جاز تركه، ولأَثِمَ بتأخيره.
والجواب [٣٩/ ب] أنه إنما جاز تأخيره؛ لأن وجوبه موسَّع، وعلى أنَّا قد أبطلنا هذا في المسألة التي قبلها.
واحتج: بأن الحائض لا يتأتى منها فعل الصوم بحال، فلا يجوز أن تؤمر بما لا يتأتى منها.
والجواب: أنه قد يؤمر في الشرع بفعل عبادة، وإن كان في الحال لا يصح منه فعلها، كالمحدث يؤمر بفعل الصلاة، ولا يصح منه الفعل.
стр. 394
مسألة الأمر للنبي أمر لأمته
مدخل
...
مسألة: [الأمر للنبي أمر لأمته] : ١
إذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ بفعل عبادة بلفظ ليس فيه تخصيص، نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ٢، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ٣، أو فعل النبي ﷺ فعلا قد عرف أنه واجب أو ندب أو مباح، فإن أمته يشاركونه في حكم ذلك الأمر والفعل، حتى يدل دليل على تخصيصه.
وكذلك الحكم إذا توجه على واحد دخل غيره في حكمه، نحو:
стр. 395
رَجْمِ١ ماعز٢، وقطع سارق٣ رداء صفوان٤ ونحو ذلك.
стр. 396
وكذلك إذا توجه الخطاب إلى الصحابة ﵃ دخل فيه النبي ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ١، وقوله ﷺ : "إن الله فرض عليكم" ٢،ونحو ذلك.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي طالب٣ في رجل قال: إن أكلت هذا الطعام فهو علي حرام، فإن أكله عليه كفارة يمين، حديث عائشة وحفصة٤، لما قالتا للنبي ﷺ : نشم منك رائحة معافر٥، قال: "لا،
стр. 397
بل شربت عسلا، ولن أعود إليه"، فأنزل الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ ١، وإنما كان شرب عسلا٢.
وقال أيضًا فيمن حرم أَمَته: عليه كفارة.
واحتج: بأن النبي ﷺ حرم مارية القبطية٣، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ ٤. وهذا يدل من
стр. 398
كلام أحمد ﵀: أن النبي إذا أمر بفعل شيء شاركته أمَّته فيه؛ لأنه احتج في إيجاب الكفارة على من حرم طعامه: بأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالكفارة، لما حرم العسل، ولم يجعل ذلك خاصًّا في حقه؛ لأن الخطاب تناوله.
وقال أيضًا في رواية الأثرم: لا يتطوع قبل صلاة العيد ولا بعدها، وذكر الحديث يعني أن النبي ﷺ لم يصلِّ قبلها ولا بعدها١، فجعل فعله حجة على أمته.
стр. 399
وقال أيضًا في رواية محمد بن موسى١، وقد سئل عن قوم ينهون عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: لا ينهاك إلا مبتدع، فعل النبي ﷺ ذلك٢.
стр. 400
خلافًا للأشعرية وبعض الشافعية في قولهم: يختص ذلك بالنبي ﷺ ولمن واجهه بالخطاب، ولا يدخل النبي فيما كان خطابًا للصحابة١.
وذكر أبو الحسن التميمي من أصحابنا من جملة مسائل من الأصول: أن الأمر إذا توجه إلى واحد، لم يدخل غيره فيه بإطلاقه.
فالدلالة على أن الصحابة تشارك النبي ﷺ فيما أمر به وفي أفعاله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ٢ فأخبر أنه زوَّجَه من كانت امرأة من قد تَبَنَّاه، لكي يقتدي الناس به في ذلك، فلا يمتنعوا من التزويج بنساء من تبنوه، فثبت
стр. 401
بهذا أنهم مشاركون له فيما فعله١.
واحتج أبو إسحاق الزَّجاج٢ في كتاب المعاني٣ بقوله تعالى: ﴿يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٤، فأول الخطاب مُواجَهٌ به النبي ﷺ وكان المراد به أمته بقوله: ﴿طَلَّقْتُمْ﴾ ، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ ٥.
وأيضًا: فإنما اختص به رسول الله ﷺ في الشريعة ورد فيه بلفظ التخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ ٦، و ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ ٧، فلو كان منفردًا بما يتوجه إليه من الشرع، لم يكن لتخصيصه فائدة٨.
стр. 402
ولأن رسول الله ﷺ قد كان يسأل عن الأمر فيجيب عن حال نفسه، مثل سؤال الرجل عن القُبْلَةِ في حال الصوم، فقال: "أنا أفعل ذلك" ١.
ومثل قوله لأم سلمة٢ حين سألته عن الاغتسال من الجنابة: "أما أنا فأفيض الماء على رأسي"٣، فلو كان مخصوصًا بحكم الشرع، لم يكن لهذا الفعل معنىً.
стр. 403
ولأن الصحابة قد كانت ترجع إلى أفعال رسول الله ﷺ فيما يُخْتلف فيه من أحكام الشرع، مثل ما روي عن اختلافهم في الغسل من التقاء
стр. 404
الختانين من غير إنزال١، ومثل وجوب الوضوء من المسيس٢، فلو
стр. 405
كان مخصوصًا بحكم الشريعة لم يصح رجوعهم إلى فعله، فدل على مساواته بغيره في أحكام الشرع.
فإن قيل: الصحابة صاروا إلى هذين الفعلين بدلالة خاصة مقتضية للأمرين.
قيل: خاص الدلائل يختص بمعرفته بعض الناس، فلو كان الأمر على ما قالوه لذكروها، وسألوا عنها، ولو لم يكن عندها دلالة عامة تشترك الجماعة في العلم بها لسألوا عنها كسؤالهم عن نفس الدلالة.
وأيضًا: روي عن النبي ﷺ قال: "ما أمرني الله بشيء إلا وقد أمرتكم به، ولا نهاني عن شيء إلا وقد نهيتكم عنه"، فدلَّ على أن الأصل ما ذكرنا.
стр. 406
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن لفظ الأمر وقع خاصًّا، فلم يكن هناك لفظ يتناول غيره، فلا يجوز إثباته.
стр. 407
والجواب: أن خطاب النبي ﷺ بالحكم خطاب لأمته؛ لأنه صاحب الشرع ومنه يوجد، ولأنه قد أوجب عليهم اتباعه بقوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٢.
واحتج: بأنه لا يمتنع أن يكون مصلحة لعين دون عين، فلا يتعدى إلى غيرها إلا بدلالة.
[٤٠/ ب] والجواب: أنا لا نمنع أن يكون هذا مصلحة في العقل، وكلامنا فيما يقتضيه الشرع، وقد بينَّا أن الشرع يقتضي وجوب التَّأَسِّي في أفعاله.
واحتج: بأن النبي ﷺ قد كان مخصوصًا بأشياء لا يشاركه غيره فيها٣، كالموهوبة والعدد وغير ذلك، فلم يَجُزْ حمله على المشاركة إلا بدليل.
والجواب: أن الفعل المطلق لا يقع إلا وهو دالٌّ على الاشتراك، وإنما يختص ببعض الأفعال بدليل، وكلامنا في الفعل المطلق.
واحتج: بأن لفظ الواحد له صيغة تخالف لفظ الجمع، فإذا حملنا لفظ الواحد على الجمع، خلطنا باب الواحد بباب الجمع، وهذا لا يحوز.
والجواب: أن خطاب الله تعالى لنبيِّه في حكم خطاب الجماعة؛ لأنه قد أوجب عليهم اتباعه بقوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ ٤، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ
стр. 408
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ١، وكذلك خطاب النبي للواحد من الجماعة بقوله ﷺ : "خطابي للواحد خطاب٢ للجماعة"٣.
стр. 409
فصل: الحكم على واحد من الصحابة حكم على غيره:
والدلالة على أن الحكم إذا توجه إلى واحد من الصحابة دخل فيه غيره قوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٤ فظاهره يفيد أن ما كان من الحكم الخاص لشخص بعينه في القرآن، فجميع الناس منذَرون٥ به، ولا يكون إلا مع تكليفهم لفظه وإيقاعه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٦، والإرسال يتضمن ما أرسل من الأحكام، ومرسلا إليه، وأَكَّدَ ذلك بقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا﴾ ، والإنذار يقع بالعبادات.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خطابي للواحد خطاب للجماعة، وحكمي على الواحد حكم على الجماعة" ٧.
стр. 410
فإن قيل هذا من أخبار الآحاد.
قيل: يجوز الاحتجاج به في مثل ذلك؛ ولأن الأمور التي خص رسول الله ﷺ بها الواحد، قد بيَّن عن وجه التخصيص فيها، مثل قوله ﷺ لأبي بردة١: "الجذع من الماعز يجزئ عنك، ولا يجزئ عن أحد بعدك" ٢، وقوله ﷺ للرجل الذي تزوج بما معه من
стр. 411
القرآن: "هذا لك، وليس لأحد بعدك" ١، وكذلك تخصيصه
стр. 412
للزبير١ بلبس الحرير٢.
стр. 413
فبان أن الأصل اشتراك الجماعة في الحكم، حتى يثبت للتخصيص فائدة في موضعه الذي ورد فيه.
ويدل عليه إجماع الصحابة في أحكام الحوادث، مثل رجوعهم في
стр. 414
أمر الزنى إلى قصة ماعز ١، وفي الجنين إلى قصة٢ حمل بن مالك٣، ورجوع ابن مسعود٤ في المفوضة إلى
стр. 415
قصة١ بروع بنت واشق٢. ورجوعهم في وضع الجزية على مجوس هجر٣. ولم يَدَّعِ أحد تخصيص الواحد من الجماعة التي خرج عليها الخطاب، فدل على تساوي الجميع في ذلك.
стр. 416
وذهب [٤١/ أ] المخالف إلى الذي ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا من الأدلة، وقد أجبنا عنه.
واحتج: بأنه لو كان له عبيد، فقال لواحد منهم: اسقني ماء، لم يدخل فيه١ بقية العبيد، كذلك أوامر صاحب الشريعة إذا توجهت إلى واحد، لا يدخل فيه غيره.
والجواب: أن لفظ صاحب الشريعة أدخل في العموم من لفظ غيره، ألا ترى أنه لو قال الله تعالى لنبيِّه، أو قال النبي لبعض أمته: صُمْ؛ لأنك صليت، دخل في ذلك كل مصلٍّ، اعتبارًا بتعليله، وكذلك لو قال: حرمت السكر؛ لأنه حلو، حرم كل حلو، ولو قال السيد لبعض عبيده: اسقني ماء؛ لأنك صليت؛ لم يدخل غيره من عبيده المصلين في ذلك، وكذلك لو قال: والله لا أكلت السكر؛ لأنه حلو، لم يدخل في يمينه غيره من الحلاوات.
стр. 417
مسألة: دخول النبي في أمره لأمته
مدخل
...
مسألة: [دخول النبي في أمره لأمته] : ١
إذا أمر النبي ﷺ أمته بأمر، دخل هو في الأمر٢.
وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في مواضع:
فقال في رواية الأثرم، وقد سأله عن حديث أم سلمة: "إذا دخل
стр. 418
العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره، ولا من أظفاره" ١، كيف هو؟ فذكر إسناده، فقيل له: فحديث عائشة خلاف هذا ٢، فقال: لا، ذاك إذا بعث بالهدي وأقام، لم يجتنب شيئًا، وهذا إذا أراد
стр. 419
أن يضحي في مصره، ودخل العَشْر، لم يمس من شعره ولا من أظفاره، فقد عارض نهيه وهو قوله: "لا يمس من شعره، ولا من بشره" بفعله، وهو أنه ما كان يمتنع عن شيء مما كان عليه، فلو كان نهيه لغيره مما يختص به الغير، وفعله مما يختص به هو، لم يقابل النهي بالفعل؛ إذ كل واحد منهما لا يلزمه حكم الخطاب الآخر١.
وكذلك قال ﵀ في رواية الميموني وقد سأله رجل: أيتوضأ بالنبيذ؟ فقال: كل شيء غير الماء لا يتوضأ به. فقيل له: فحديث ابن مسعود؟ فقال: يرويه هذا الرجل الواحد ليس بمعروف٢، يمنع من الوضوء بالنبيذ. واحتج في ذلك بالآية، فعورض بفعل النبي ﷺ وهو
حديث ابن مسعود، فتكلم عليه، ولم ينكر على السائل هذه المعارضة، فلولا أن النبي ﷺ كان داخلا في عموم الآية لأنكر عليه ذلك، خلافًا لأكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم: لا يدخل في الأمر١.
стр. 422
دليلنا:
أن النبي ﷺ لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا: أتأمرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ، فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولحللت كما تحلون" ١، فلولا أنه داخل في الأمر، لم يستدعوا الفعل منه، ولم يقرهم على ذلك، ويعتذر إليهم بعذر منعه من دخوله فيه.
[و] [٤١/ ب] رواه الأثرم في مسائله بإسناده عن ابن عمر قال: "لما أمرنا رسول الله ﷺ أن نحل بعمرة، قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: "إني أهديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديي" ٢.
стр. 423
ولأن النبي ﷺ مبلغ عن الله تعالى أمره، فيكون بمنزلة قول الله تعالى: افعلوا كذا، فيجب أن يدخل فيه.
فإن قيل: لو قال الله تعالى: قل لأمتك: افعلوا كذا، لم يدخل هو في الخطاب، ولا فرق بينهما.
قيل له: قد بينَّا في المسألة التي قبلها فساد هذا، وقلنا: إن تخصيص النبي بالخطاب يوجب دخول أمته، وتخصيص بعض الصحابة يوجب دخول الباقين فيه، كذلك أمره لغيره يوجب دخوله فيه؛ لأن الجميع شرع، فلا يختص به بعض المخاطبين.
فإن قيل: الأمر مضاف إلى الأقوال، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ١، وليس بمضاف إلى الله تعالى.
قيل: إنما أضافه إليه لوجوده من جهته.
فإن قيل: ما اجتهد فيه النبي هو غير مبلغ فيه عن الله تعالى أمره، فكان يجب أن لا يدخل فيه.
قيل: إذا اجتهد فيه وأقر عليه، فهو مبلغ فيه عن الله تعالى؛ لأن إقراره عليه أمر به.
стр. 424
فإن قيل: فقد نقل الميموني عن أحمد ﵀ في قوم يقولون: ما كان في القرآن أخذنا به١، ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية؟!.
وهذا من أحمد ﵀ يمنع أن يكون جميع كلام النبي عن الله تعالى.
قيل: هذا يمنع أن يكون جميع كلامه في القرآن، وغير ممتنع أن يكون لله تعالى أمر غير القرآن.
стр. 425
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن النبي آمر، فلا يجوز أن يكون مأمورًا به؛ لأنه لا يجوز أن يكون مأمورًا به بما هو آمر به، كما لا يحوز أن يكون آمرًا بما هو مأمور به؛ ولأنه لا يجوز أن يكون مطلوبًا بما هو طالب به، ومسئولا بما هو سائل به، كذلك لا يجوز أن يكون مأمورًا بما هو آمر به.
والجواب: أنا لا نسلم أنه أمره، وإنما هو من جهة الله تعالى وهو مخبر عنه.
واحتج: بأنه لا يجوز أن يكون آمرًا نفسه بلفظ يخصه، كذلك لا يجوز أن يكون آمرًا نفسه بلفظ يعمه وغيره.
والجواب: أنه ليس بآمر نفسه، وإنما الأمر من جهة الله تعالى له ولغيره، على أنه قد قيل: إن ذلك جائز أن يقول لنفسه: افعل، ويريد منها الفعل.