حديث ابن مسعود، فتكلم عليه، ولم ينكر على السائل هذه المعارضة، فلولا أن النبي ﷺ كان داخلا في عموم الآية لأنكر عليه ذلك، خلافًا لأكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم: لا يدخل في الأمر١.
стр. 422
دليلنا:
أن النبي ﷺ لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا: أتأمرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ، فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولحللت كما تحلون" ١، فلولا أنه داخل في الأمر، لم يستدعوا الفعل منه، ولم يقرهم على ذلك، ويعتذر إليهم بعذر منعه من دخوله فيه.
[و] [٤١/ ب] رواه الأثرم في مسائله بإسناده عن ابن عمر قال: "لما أمرنا رسول الله ﷺ أن نحل بعمرة، قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: "إني أهديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديي" ٢.
стр. 423
ولأن النبي ﷺ مبلغ عن الله تعالى أمره، فيكون بمنزلة قول الله تعالى: افعلوا كذا، فيجب أن يدخل فيه.
فإن قيل: لو قال الله تعالى: قل لأمتك: افعلوا كذا، لم يدخل هو في الخطاب، ولا فرق بينهما.
قيل له: قد بينَّا في المسألة التي قبلها فساد هذا، وقلنا: إن تخصيص النبي بالخطاب يوجب دخول أمته، وتخصيص بعض الصحابة يوجب دخول الباقين فيه، كذلك أمره لغيره يوجب دخوله فيه؛ لأن الجميع شرع، فلا يختص به بعض المخاطبين.
فإن قيل: الأمر مضاف إلى الأقوال، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ١، وليس بمضاف إلى الله تعالى.
قيل: إنما أضافه إليه لوجوده من جهته.
فإن قيل: ما اجتهد فيه النبي هو غير مبلغ فيه عن الله تعالى أمره، فكان يجب أن لا يدخل فيه.
قيل: إذا اجتهد فيه وأقر عليه، فهو مبلغ فيه عن الله تعالى؛ لأن إقراره عليه أمر به.
стр. 424
فإن قيل: فقد نقل الميموني عن أحمد ﵀ في قوم يقولون: ما كان في القرآن أخذنا به١، ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية؟!.
وهذا من أحمد ﵀ يمنع أن يكون جميع كلام النبي عن الله تعالى.
قيل: هذا يمنع أن يكون جميع كلامه في القرآن، وغير ممتنع أن يكون لله تعالى أمر غير القرآن.
стр. 425
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن النبي آمر، فلا يجوز أن يكون مأمورًا به؛ لأنه لا يجوز أن يكون مأمورًا به بما هو آمر به، كما لا يحوز أن يكون آمرًا بما هو مأمور به؛ ولأنه لا يجوز أن يكون مطلوبًا بما هو طالب به، ومسئولا بما هو سائل به، كذلك لا يجوز أن يكون مأمورًا بما هو آمر به.
والجواب: أنا لا نسلم أنه أمره، وإنما هو من جهة الله تعالى وهو مخبر عنه.
واحتج: بأنه لا يجوز أن يكون آمرًا نفسه بلفظ يخصه، كذلك لا يجوز أن يكون آمرًا نفسه بلفظ يعمه وغيره.
والجواب: أنه ليس بآمر نفسه، وإنما الأمر من جهة الله تعالى له ولغيره، على أنه قد قيل: إن ذلك جائز أن يقول لنفسه: افعل، ويريد منها الفعل.
стр. 426
واحتج: بأن من شرط الأمر أن يكون الآمر أعلى من المأمور، وهذا الشرط مفقود ههنا؛ لأنه لا يكون أعلى رتبة من نفسه.
والجواب: أن هذا يصح إذا كان هو الآمر، فأما والآمر هو الله تعالى فلا يلزم هذا.
واحتج: [٤٢/ أ] بأن الأمر يتضمن إعلام المأمور به وجوب الفعل، ولا يجوز أن يكون معلمًا نفسه بلفظه، فلم يَجُزْ أن يكون آمرًا نفسه.
والجواب: أن الله تعالى هو المعلم له، وليس هو المعلم نفسه.
واحتج: بأن المأمور عليه أن يمتثل الأمر، سواء كان عليه فيه ضرر أو له فيه نفع، والإنسان يتوقى ما يضره ويأتي ما ينفعه قبل الأمر، فثبت أن الآمر لا يدخل في الأمر.
والجواب: أن هذا يصح لو كان هو الآمر لنفسه.
واحتج: بأن الأمر في اللغة، لاقتضاء الفعل من غيره، ألا ترى إذا قال: افعل كذا، صلح أن يقول له المخاطب: قد فعلت، ويكون امتثالا فلا يصح أن يقول هو: قد فعلت.
ولأنه لو قال لعبده: اسقني ماء، كان الأمر متوجهًا إلى غلامه، دون نفسه؛ لأنه لا يأمر نفسه أن يسقيه ماء.
والجواب: أنا هكذا نقول، وأن الفعل مقتضاه من غيره، وهو الله سبحانه، ولا يشبه هذا، إذا قال لعبده: اسقني الماء؛ لأن الأمر من جهته صدر، فلا يدخل هو فيه.
فإن قيل: فهل يدخل المخبر تحت الخبر؟
قيل: لا يدخل؛ لأنه لا فائدة أن يخبر نفسه؛ لأنه ليس يخفى عنه حال المخبر عنه، والأمر بخلافه.
стр. 427
فهرس موضوعات المقدمة:
الموضوع الصفحة
الافتتاحية ٧
التعريف بالمؤلف ١٥- ٣٠
اسمه ونسبه ١٥
مولده ١٨
نشأته، وطلبه العلم، وأهم أعماله ١٩
تولِّيه التدريس ٢٢
توليه القضاء ٢٣
زهده، وورعه، وثناء الناس عليه ٢٤
وفاته، ورثاء الناس له ٢٧
أولاده ٢٩
التعريف بالكتاب ٣١- ٥٦
اسم الكتاب ٣١
نسبة الكتاب إلى المؤلف ٣١
وصف مخطوطة الكتاب ٣٢
منهج المؤلف في هذا الكتاب ٣٤
مصادر المؤلف في هذا الكتاب ٣٧
стр. 428
الموضوع الصفحة
مصادر في العقيدة ٣٧
مصادر في التفسير وعلومه ٣٨
مصادر في الحديث وعلومه ٤٠
مصادر في الفقه وأصوله ٤٢
مصادر لُغَوية ونحْوية ٤٤
مصادر متنوعة ٤٥
تقويم الكتاب ٤٨
محاسن الكتاب ٤٨
المآخذ على الكتاب ٥١
منهج التحقيق ٥٧
صورة المخطوطة ٦١
стр. 429
فهرس موضوعات الكتاب
الموضوع الصفحة
افتتاحية الكتاب ٦٧
تعريف الأصول في اللغة ٦٧
تعريف الفقه في اللغة ٦٨
تعريف الفقه في الاصطلاح ٦٩
تعريف أصول الفقه في الاصطلاح ٧٠
وجوب معرفة الفروع قبل الأصول ٧٠
أدلة الشرع ثلاثة أضرب ٧١
تقسيم الأصل إلى ثلاثة أضرب ٧٢
أقسام المفهوم ٧٢
أقسام الاستصحاب ٧٢
باب ذكر الحدود ٧٤- ١٩٣
تعريف الحد ٧٤
الزيادة في الحد ٧٥
أقسام الزيادة في الحد عند الباقلاني ٧٥
تعريف العلم عند المؤلف ٧٦
стр. 430
الموضوع الصفحة
ذكر التعريفات الأخرى ومناقشتها ٧٧
تقسيم العلم إلى قديم ومحدث ٨٠
يقسم العلم المحدث إلى ضروري ومكتسب ٨٠
تعريف العلم الضروري وذكر قسميه ٨٠
تعريف العلم المكتسب وذكر قسميه ٨٢
تعريف الجهل ٨٢
تعريف الشك ٨٣
تعريف الظن ٨٣
الظن طريق للحكم بخلاف الشك ٨٣
تعريف العقل ٨٣
الخلاف في محل العقل ٨٩
أدلة من قال: إنه في الرأس ٩٠
أدلة من قال: إنه في القلب ٩٠
رد أدلة من قال: إنه في الرأس ٩٣
تفاوت العقول في بني البشر ٩٤
ذهب بعض المعتزلة وبعض الأشعرية إلى تساوي العقول ٩٤
أدلة من قال بالتفاوت ٩٤
دليل من قال بعدم التفاوت والرد عليه ١٠٠
تعريف البيان في الاصطلاح ١٠٠
تعريف البيان في اللغة ١٠١
تعريف الإمام الشافعي للبيان ١٠٢
اعتراض ابن داود على تعريف الشافعي ١٠٣
تعريف الصيرفي للبيان والرد عليه ١٠٥
الخطاب المبتدأ الظاهر المعنى يطلق عليه البيان ١٠٥
стр. 431
الموضوع الصفحة
تعريف البيان عند المتكلمين ١٠٦
وجوه البيان في الشرع ١٠٧
ما يحتاج إلى البيان ١٠٨
ما يقع به البيان ١١٠
البيان من الله -تعالى- بالقول وبالكتاب ١١٠
البيان من الرسول ﷺ بالقول ١١٢
البيان من الرسول ﷺ بالكتابة ١١٤
البيان من الرسول ﷺ بالفعل ١١٨
البيان من الرسول ﷺ بالإشارة ١٢٤
البيان من الرسول ﷺ بالدلالة
والتنبيه على الحكم من غير نص ١٢٥
البيان من الرسول ﷺ بالإقرار ١٢٧
وقوع بيان المجمل بالإجماع ١٢٨
قسم أبو بكر غلام الخلال البيان إلى خمسة أقسام ١٣٠
تعريف الدليل ١٣١
معنى الاستدلال ١٣٢
معنى المستدل عليه ١٣٢
معنى المستدل له ١٣٢
معنى الدلالةِ لغةً ١٣٢
معنى الدَّال ١٣٣
قول أحمد: قواعد الإسلام أربع ١٣٥
تعريف الأمارة ١٣٥
أقسام الأمارة ١٣٥
تعريف النص ١٣٧
стр. 432
الموضوع الصفحة
تعريف العموم ١٤٠
تعريف الظاهر ١٤٠
الفرق بين العموم والظاهر ١٤٠
تعريف المجمل ١٤٢
آية: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ مجملة ١٤٣
آية: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ مجملة ١٤٣
آية: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ مجملة ١٤٤
آية: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ مجملة ١٤٥
آية: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ مجملة ١٤٥
آية: ﴿وأحل الله البيع﴾ مجملة ١٤٨
آية: ﴿السارق والسارقة﴾ ليست بمجملة ١٤٩
تعريف المفسر ١٥١
تعريف المحكم ١٥١
تعريف المتشابه ١٥٢
تعريف مفهوم الخطاب ١٥٢
تعريف دليل الخطاب ١٥٤
تعريف التخصيص ١٥٥
تعريف النسخ ١٥٥
تعريف الأمر ١٥٧
المندوب مأمور به حقيقة ١٥٨
تعريف النهي ١٥٩
تعريف الواجب ١٥٩
العبارات التي يطلق عليها "الفرض" ١٦٠
الحتم مرادف للفرض ١٦٢
стр. 433
الموضوع الصفحة
هل هناك فرق بين الفرض والواجب ١٦٢
تعريف الندب ١٦٢
تعريف الطاعة والمعصية ١٦٣
تعريف العبادة ١٦٣
تعريف السنة ١٦٥
معنى المكتوبة ١٦٧
تعريف الإباحة ١٦٧
تعريف الحَسَن والقبيح ١٦٧
تعريف الجائز ١٦٨
معنى الظلم والجور ١٦٩
تعريف الخبر ١٦٩
تعريف الإجماع ١٧٠
تعريف الحقيقة ١٧٢
تعريف المجاز ١٧٢
للإطلاق المجازي أربعة وجوه ١٧٢
تعريف القياس ١٧٤
تعريف الأصل ١٧٥
تعريف الفرع ١٧٥
تعريف العلة ١٧٥
تعريف الحكم ١٧٦
تعريف العلة الواقفة ١٧٦
تعريف العلة المتعدية ١٧٦
ما هو المعلول، الحكم أم الذات التي حلتها العلة؟ ١٧٦
تعريف "المعتل" و"المعلل" و"المعتل به" و"المعتل له" ١٧٦
стр. 434
الموضوع الصفحة
تعريف الطرد والعكس ١٧٧
تعريف النقض ١٧٧
انقسام العلة إلى منطوق به ومجتهد بها ١٧٨
تعريف السبب ١٨٢
أقسام النظر ١٨٣
تعريف الجدل ١٨٤
تعريف الرأي ١٨٤
تعريف الكلام ١٨٥
تقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف ١٨٦
ذكر بعض الوجوه التي تأتي عليها الأسماء ١٨٧
الأسماء نوعان: عام وخاص ١٨٧
الأسماء المقيدة المشتقة على قسمين ١٨٨
لا يحمل الاسم على الحقيقة والمجاز معًا ١٨٨
الأسماء التي استعملها الشرع غير منقولة خلافًا للمعتزلة ١٨٩
ثبوت الأسماء هل كان عن توقيف أو عن مواضعة؟ ١٩٠
الكلام في بعض حروف تتعلق بها الأحكام ١٩٤-٢١٢
حرف "الواو" وله ثلاث حالات: ١٩٤
الحالة الأولى: أن تكون عاطفة ١٩٤
الخلاف في كونها تقتضي الترتيب ١٩٤
الحالة الثانية: أن تكون للقسم ١٩٧
الحالة الثالثة: أن تكون بدل "رب" ١٩٧
قد تأتي الواو بمعنى "أو" ١٩٨
حرف "الفاء" ١٩٨
حرف "ثم" ١٩٩
стр. 435
الموضوع الصفحة
حرف "أو" ولها ثلاث حالات: ١٩٩
الحالة الأولى: تكون للشك ١٩٩
الحالة الثانية: تكون للتخيير ٢٠٠
الحالة الثالثة: تكون للجمع، على رأي ٢٠٠
قد تكون للإباحة ٢٠٠
حرف "الباء" ٢٠٠
وهي للإلصاق خلافًا لبعض الشافعية فيما لو تعدى الفعل بغيرها ٢٠٠
حرفا "من، وإلى" ٢٠٢
حرف "على" ٢٠٣
حرف "في" ٢٠٤
حرف "اللام" ٢٠٤
حرف "إنما" ٢٠٥
قيام بعض الحروف عن بعض ٢٠٨
قيام " في" عن "على " ٢٠٨
قيام "الباء" مكان "عن" ٢٠٩
قيام "عن" مكان "الباء" ٢٠٩
قيام "اللام" مكان "على" ٢١٠
قيام "إلى" مكان "مع" ٢١٠
قيام "اللام" مكان "إلى" ٢١٠
قيام "على" مكان "من" ٢١٠
قيام "مِنْ" مكان "الباء" ٢١١
قيام "الباء" مكان "مِن" ٢١١
قيام "مِن" مكان "في" ٢١٢
стр. 436
الموضوع الصفحة
قيام "مِنْ" مكان "على" ٢١٢
قيام "عن" مكان "من" ٢١٢
قيام "من" مكان "عن" ٢١٢
قيام "على" مكان "عند" ٢١٢
قيام "الباء" مكان "اللام" ٢١٢
بيان أبواب أصول الفقه ٢١٣
باب الأوامر ٢١٤-٤٢٤
الكلام في صيغة الأمر ٢١٤
الدليل على أن الأمر يكون كذلك لصيغته لا لإرادة الآمر ٢١٦
أدلة من قال: "لا بد من الإرادة في الأمر"، ورد ذلك ٢١٩
الدليل على أن الأمر هو الأصوات المسموعة ٢٢٢
الفعل لا يسمى أمرًا ودليل ذلك مع ذكر الخلاف ٢٢٣
الأمر المتعري عن القرائن للوجوب عند الجمهور ٢٢٤
إذا أريد بالأمر: الندب، فهو حقيقة فيه ٢٤٨
الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة ٢٥٦
الأمر المطلق يقتضي التكرار ٢٦٤
الأمر المعلق بالشرط يقتضي التكرار ٢٧٥
الأمر المتكرر هل يقتضي التكرار ٢٧٨
الأمر المطلق يقتضي الفور ٢٨١
الأمر المؤقت، لا يسقط بفوات وقته ٢٩٣
الأمر يقتضي كون المأمور به مجزئًا ٣٠٠
стр. 437
الموضوع الصفحة
الواجب المخير ٣٠٢
الواجب الموسَّع ٣١٠
مسألة: المريض والمسافر والحائض يلزمهم الصيام.. إلخ ٣١٥
الأمر المطلق للرسول ﷺ يعم أمته
وكذلك الأمر لواحد من الأمة يدخل الرسول
ﷺ في حكمه ٣١٨
إذا أمر النبي أمته بأمر دخل هو في الأمر ٣٣٩
стр. 438
المجلد الثاني
باب الأوامر
الحكم على واحد من الصحابة حكم على غيره
مسألة العبيد يدخلون في الخطاب المطلق
مدخل
...
باب الأوامر:
الحكم على واحد من الصحابة حكم على غيره:
مسألة ١ العبيد يدخلون في الخطاب المطلق: ٢
وقد قال أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد٣: تجوز شهادة المملوك، إذا كان عدلًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٤، وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٥.
وقال أيضًا في رواية ابن منصور٦: "على العبد إيلاء، وإيلاؤه أربعة أشهر". وإنما قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ
стр. 439
أَشْهُرٍ﴾ ١، ولم يذكر العبيد، ولا اليهود٢.
وقال في كتاب طاعة الرسول قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ٣، فالظاهر أنه على العبد والحر.
وقال أيضًا ﵀ في رواية الميموني، وقد سأله عن المملوكين أو المملوك وتحته حرة يلاعنها: كل زوجين [يتلاعنان] على ظاهر الآية.
فظاهر كلام أحمد ﵀: أنه أدخلهم في عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ ٤ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ، وفي عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ٥، وهو اختيار أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله الجرجاني٦.
وحكى أبو سفيان عن الرازي: أنه ما تعلق بحقوق الآدميين؛ لم يدخل فيه، قال: ولهذا لم يجز أصحابنا شهادة العبد.
واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: يدخل فيه، ومنهم من يمنع٧.
стр. 440
دليلنا:
أن العبد يصح تكليفه، والخطاب متناول له؛ فوجب دخوله فيه كالحر.
ولأنه يدخل في الخطاب الخاص؛ فوجب أن يدخل في الخطاب العام؛ [٤٢/ب] لأن دخوله في الخاص لتناوله إياه، وهذا المعنى موجود في العام.
ولأن الرق حق يثبت للغير قبله؛ فلا يؤثر ذلك في خطابه، مثل من عليه دين أو قصاص.
стр. 441
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن رقابهم ومنافعهم كلها مملوكة للمولى؛ فلا يجوز أن يتصرفوا في شيء إلا بإذنهم، وإذا لم يجز ذلك؛ لم يجز إدخالهم في الخطاب المطلق.
والجواب: أن ذلك لا يمنع من دخوله في الخطاب الخاص، وكل جواب عنه؛ فهو جوابنا عن العام.
ولأن فعل العبادة يصير مستثنى في حق مولاه، كما يكون مستثنى في حق الزوجة، وفي حق١ المستأجر.
واحتج: بأن العبد لا يملك فعل ما هو من حقوق الآدميين؛ لأنه لا يملك شيئًا من العقود، ولا الإقرار بالأموال؛ فلم يدخل تحت الخطاب الذي يتضمن حقوقهم؛ لأنه لا يملك فعل ما خوطب عليه٢، ويفارق هذا الخطاب الذي يتضمن حقوق الله تعالى كالصوم والصلاة ونحوهما٣؛ لأن
стр. 442
العبد يملك فعل ذلك من نفسه، بدليل أن المولى لا يملكه عليه.
والجواب: أنه إنما لم يملك حقوق الآدميين لدليل دل، وخلافنا في مطلق الأمر الخاص، ويلزم عليه أيضًا حقوق الله سبحانه؛ فإن منافعهم مملوكة لغيرهم، وتلزمهم.
стр. 443
مسألة دخول النساء في جمع الذكور
مدخل
...
مسألة [دخول النساء في جمع الذكور] : ١
يدخل النساء في جمع الذكور، نحو المؤمنين والصابرين٢.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية المروزي في قوله: "من بدل دينه
стр. 444
فاقتلوه" ١ على الرجال والنساء٢. خلافًا لأصحاب
стр. 445
الشافعي١ والأشعرية٢ في قولهم: لا يدخلون في ذلك.
стр. 446
دليلنا:
اتفاق أهل اللغة على أن الذكور والإناث إذا اجتمعوا١ غلب الذكور على الإناث، كما أنه إذا أخرج من يعقل مع ما لا يعقل؛ غلب من يعقل على ما لا يعقل، يبين ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ٢، كان ذلك خطابًا لآدم وزوجته والشيطان، الذي أزلهما عنه٣، فغلب الذكر على الأنثى، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ ٤ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ ؛ فغلب من٥ يعقل على ما لا يعقل، وهي الحية.
ويقال: رأيت فلانًا وفلانة قائمين، وقاعدين، فيغلب اسم التذكير
стр. 447
حال التثنية، وإذا صح هذا وكان خطاب الله تعالى في صورة "افعلوا" خطابًا لجميع الناس؛ لأن هذا خطاب لحاضر، وجب أن يكون متناولًا لسائر المكلفين من الرجال والنساء.
فإن قيل: لو كان اللفظ متناولا للذكور والإناث معًا لما غلب أحدهما، بل كانا يتساويان فيه؛ فلما غلب التذكير ثبت أن اللفظ موضوع للذكور، فيجب حمله عند الإطلاق على موضوعه.
قيل: ليس إذا غلب أحدهما كان الخطاب، [٤٢/أ] لأحدهما دون الآخر، كما قلنا: إذا اجتمع من يعقل مع ما لا يعقل، وإذا اجتمع الأيام مع الليالي؛ فإنه يغلب أحدهما واللفظ شامل لهما، كذلك ههنا، وكما يقال: فلان وفلانة قائمان؛ فيغلب التذكير وإن تناولهما.
وأيضًا: فإن الآمر إذا قال لمن بحضرته من الرجال والنساء: "قوموا واقعدوا"؛ كان ذلك خطابًا لهم جميعًا باتفاق أهل اللغة. ولو قال: "قوموا وقمن؛ كان ذلك لكنة وعيًّا، فعلم أن الخطاب يصلح لهما، ويشتمل عليهما.
فإن قيل: لو كان أوامر الله تعالى بمنزلة أمر الآمر لمن بحضرته؛ لما حق وروده بلفظ الأمر للغائب؛ فلما وجدنا الله تعالى قد أمر الغائب بقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ٢ علمنا أن أمره مخالف للآمر يأمر من بحضرته٣.
قيل: إن كان لفظ الأمر للغائب؛ فالمراد به الحاضر، كما تقول: "اللهم اغفر"، بمنزلة خطاب الحاضر، وتقول: "غفر الله لي"، بمنزلة
стр. 448
خطاب الغائب، وهما سواء، كذلك أوامره.
ولأن ألفاظ الأوامر مثل قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١، ونظائره، وألفاظ الوعد والوعيد، والمدح والذم، والثواب والعقاب، بلفظ المذكر وهي عامة؛ لعلمنا بمراد الله تعالى الفريقين، وليس لأحد أن يقول: عرفنا ذلك بدليل؛ لأنه لم يرد لفظ يختص بالنساء، ولو كان لظهر.
стр. 449
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ٢. وأن ذلك مختص بالذكور دون الإناث.
والجواب: أن ذلك اختص الذكور بدلالة الإجماع، ولولا ذلك كان الخطاب للرجال والنساء جميعًا.
واحتج: بأن للذكور علامة يتميزون بها من الإناث، كما أن للمؤمنين علامة يتميزون بها من الكافرين؛ فلما كان المؤمن لا يدخل تحت اسم الكافر، ولا الكافر تحت اسم المؤمن؛ كذلك لا يجوز أن تتناول لفظة: "افعلوا"، غير الذكور؛ لأن الواو في ذلك علامة للذكور، والنون في: "افعلن"، علامة للإناث.
والجواب: أنا لا ننكر أن يكون لكل فريق علامة يميز بها حال الانفراد؛ وإنما الكلام في حال الاجتماع، هل يغلب خطابه بلفظ: "افعلوا"، فيكون خطابا للفريقين، كما يكون حال الاجتماع للمسلمين والكفار خطابا لهم جميعًا.
стр. 450
واحتج بما روي عن أم سلمة؛ أنها قالت: "إن النساء قلن: يا رسول [الله] ما نرى الله يذكر إلا الرجال؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ١"، وهذا يدل على أن النساء لا يدخلن في جمع الذكور.
стр. 451
والجواب: أنهن إنما شكون أن الله تعالى لم يخصهن [٤٣/ب] بالذكر الذي وضع لهن في الأصل، وأردن١ أن يكون لهن في الكتاب٢ [أ] لا ترى أنهن كن يصلين ويزكين قبل ذلك بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣ فدل ذلك على ما ذكرنا.
فإن قيل: هذا لا يختص به النساء؛ فإن الرجال أيضًا ما أفردوا بلفظ يخصهم؛ فإن لفظ التذكير يدخل فيه التأنيث.
قيل: إلا أن علامة التذكير وهي: الواو والنون، قد وردت، وهي دالة على الرجال، ولم ترد علامة التأنيث وهي الألف والتاء٤.
واحتج: بأن الآحاد من جميع الذكور لا يدخل فيه الإناث، نحو مؤمن وكافر، وقاتل، كذلك يجب أن لا يدخلن في جمعه؛ لأن الجمع إنما تناوله من يصح تناول آحاده له، ألا ترى أن المؤمن لما لم يصح دخوله في قولك: كافر؛ لم يصح دخوله في قوله: كوافر، وأنها٥ لا تدخل في جمع المؤنث، مثل المسلمات والتائبات والصابرات والذاكرات؛ لأنه لا يدخلونه في المسلمة والتائبة والصابرة.
والجواب: أنا إن سلمنا هذا، فليس إذا لم يدخل في آحاد جميع الذكور ما يمنع من دخوله في الجمع، كما قلنا في آحاد الأيام والليالي،
стр. 452
لا يتبعه الآخر، وفي الجمع يتبع أحدهما الآخر، وكذلك من١ يعقل وما لا يعقل، آحاده لا ينتظم الآخر، وجمعه ينتظم؛ كذلك هذا.
وجواب آخر وهو: أن لفظ الجمع يحتمل المذكر والمؤنث في الخطاب، وإنما غلب المذكر؛ ولفظ الواحد لا يحتمل أن يجتمع فيه المذكر والمؤنث، فغلب فيه وضع اللفظة.
جواب آخر وهو: أنا لو حملنا الواحد على المذكر والمؤنث، لم يمتز المذكر والمؤنث، وليس كذلك إذا حمل لفظ الجمع عليهما؛ لأنه يحصل الامتياز بينهما في حال أخرى وهو لفظ الواحد.
стр. 453
مسألة دخول الكفار في الأمر المطلق
مدخل
...
مسألة [دخول الكفار في الأمر المطلق] : ١
الأمر المطلق يتناول الكافر كتناوله المسلم، نحو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٢ و: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٣ و: ﴿يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٤، ويكون مخاطبًا بالعبادات كالمسلمين في أصح الروايتين.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي طالب في اليهودية والنصرانية تلاعن المسلم: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ٥، فهي من الأزواج،
стр. 454
وهي بمنزلة المسلمة المحصنة١.
وظاهر كلامه: أنه جعلها داخلة في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ .
وقد صرح بذلك في كتاب "طاعة الرسول"، فقال: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ ؛ فالظاهر يقع على الأمة واليهودية والنصرانية وغير ذلك٢.
وإلى هذا ذهب المتكلمون من الأشعرية والمعتزلة٣.
وفيه [٤٤/أ] رواية أخرى: "لا يتناولهم الأمر، ولا هم مخاطبون بالعبادات، وإنما هم مخاطبون بالإيمان والنواهي"٤.
стр. 455
وقد قال أحمد ﵀ في يهودي أسلم في نصف شهر رمضان: "يصوم ما بقي، ولا يقضي ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه شيء من ذلك؛ وإنما وجب عليه الأحكام من الطهر والصلاة بعد ما أسلم"؛ فقد صرح ﵀: أنه لم يكن واجبًا عليه في حال كفره.
واختلف أصحاب أبي حنيفة:
فذهب الكرخي والرازي وجماعة من أصحابه إلى أنهم مخاطبون بالعبادات.
وذهب الجرجاني: إلى أنهم غير مخاطبين بها؛ وإنما خوطبوا بالنواهي والإيمان١.
واختلف أصحاب الشافعي أيضًا:
فمنهم من قال: هم مخاطبون، وهو الأشبه عندهم٢.
ومنهم من منع.
فالدلالة على أنهم مخاطبون:
قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ٣ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٤، فتوعد المشركين على شركهم،
стр. 456
وعلى ترك إيتاء الزكاة؛ فدل [على] أنهم مخاطبون بالإيمان وإيتاء الزكاة؛ لأنه لا يتواعد على ترك ما لا يجب على الإنسان، ولا يخاطب به.
فإن قيل: ليس المراد بالآية أننا لم نؤد الزكاة؛ لأنها ما كان١ يتأتى منهم فعلها؛ وإنما المراد أننا لم نكن معترفين بالزكاة ولا مقرين، وقد يعبر بالفعل عن الإقرار بالشيء وإلزام حكمه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢، يعني: حتى يضمنوا.
قيل: حقيقة الكلام تقتضي أن الوعيد على ترك إيتاء الزكاة؛ فوجب حمله على الحقيقة.
فإن قيل: ظاهر الكلام يقتضي أنه جعله صفة للمشركين؛ فكأنه قال: فويل للمشركين الذين هم على صفة لا يؤتون الزكاة.
قيل: هما صفتان، وتقديره: فويل للقوم المشركين، وقوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ صفة ثانية لهم، ويكون ذلك مثل قوله: فويل للسارقين الذين لا يؤدون المسروق؛ فيكون الوعيد على الصفتين جميعًا.
فإن قيل: لو كان كذلك؛ لوجب أن يكون الوعيد على اجتماع الصفتين، وقد أجمعنا على أن المشرك الذي لم يكن له مال متواعد على شركه.
قيل: الوعيد على كل واحد من الصفة بانفرادها دون اجتماعها، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وهذا توعد على كل
стр. 457
واحد من المشاقة، واتباع غير سبيل المؤمنين.
ويدل عليه أيضًا: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ ١ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ٢، وهذا يدل على [٤٤/ب] أنهم دخلوا النار لتركهم إطعام المسكين وتركهم الصلاة.
فإن قيل: المراد به أنا لم نكن من المعتقدين بالصلاة ولا مقرين بها.
قيل: قد أجبنا عن هذا، وقلنا: حقيقة التوعد على ترك الفعل للصلاة والإطعام.
فإن قيل: هذا حكاية عن قول أهل النار؛ فلا حجة فيه.
قيل: إنما حكى ذلك عنهم ردعًا وزجرًا لغيرهم، ولو لم يكن فيه حجة؛ لم يصح الردع والزجر؛ ولأنه لو يكن صحيحًا؛ لوجب أن يعقبه بذم ونكير، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٣.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٤، وهذا يدل على أن الكفار مأمورون بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر العبادات.
стр. 458
وأيضًا: فإن الخطاب متناول لهم بإطلاقه؛ فوجب أن يكونوا داخلين، فيه كالمسلمين، ونريد بالخطاب المطلق نحو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٢، ولسنا نريد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ٣ و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ ٤؛ لأن ذلك خاص في المؤمنين.
وأيضًا٥ فإن الكفار يدخلون في النواهي؛ لأن الذمي يحد بالزنى والسرقة؛ فوجب أن يدخلوا في الأوامر؛ لأن من دخل في أحد الخطابين؛ دخل في الآخر.
فإن قيل: فلم لا يحد بشرب الخمر كما يحد المسلمون؟
قيل: لأنه قد أعطي الأمان على أن يقر على شربه، كما أعطي الأمان على أن يقر على اعتقاده الكفر. ثم لا يدل هذا على أنه غير مأمور بالإيمان ومنهي عن الكفر، كذلك لا يدل ترك إقامة حد الشرب على أنه غير منهي عنه.
فإن قيل: إنما كلف النواهي؛ لأنه يصح منهم أن يمتنعوا عن فعل النواهي؛ فلذلك صح أن يخاطبوا بها، ولما لم يصح منهم فعل الأوامر؛ لم يصح أن يخاطبوا بها.
стр. 459
قيل: الترك يحصل منهم ولا يكون طاعة، ويحصل الفعل كذلك، فلا فرق بينهما.
وأيضًا: لما كان مخاطبًا بشرط هذه العبادات، وهو الإيمان وجب أن يكون مخاطبًا بالمشروط، كما أن من خوطب بالطهارة كان مخاطبًا بالصلاة.
فإن قيل: إنما خوطب بالإيمان؛ لأنه يتأتى منه، ولم يخاطب بالعبادات، لأنها [لا] تتأتى منه.
قيل: هذا لا يمنع التكليف، كالمحدث هو مخاطب بالعبادة في حال حدثه وإن لم تصح١ منه.
стр. 460
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بما روي عن النبي ﷺ : أنه لما بعث معاذًا١ إلى اليمن قال له: "ادعهم [٤٥/أ] إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن أجابوك فأعلمهم: أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ٢؛ فلو كان الخطاب يتوجه عليهم بهذا الإيمان لأمره أن يدعوهم إليه.