← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وعلى ترك إيتاء الزكاة؛ فدل [على] أنهم مخاطبون بالإيمان وإيتاء الزكاة؛ لأنه لا يتواعد على ترك ما لا يجب على الإنسان، ولا يخاطب به. فإن قيل: ليس المراد بالآية أننا لم نؤد الزكاة؛ لأنها ما كان١ يتأتى منهم فعلها؛ وإنما المراد أننا لم نكن معترفين بالزكاة ولا مقرين، وقد يعبر بالفعل عن الإقرار بالشيء وإلزام حكمه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢، يعني: حتى يضمنوا. قيل: حقيقة الكلام تقتضي أن الوعيد على ترك إيتاء الزكاة؛ فوجب حمله على الحقيقة. فإن قيل: ظاهر الكلام يقتضي أنه جعله صفة للمشركين؛ فكأنه قال: فويل للمشركين الذين هم على صفة لا يؤتون الزكاة. قيل: هما صفتان، وتقديره: فويل للقوم المشركين، وقوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ صفة ثانية لهم، ويكون ذلك مثل قوله: فويل للسارقين الذين لا يؤدون المسروق؛ فيكون الوعيد على الصفتين جميعًا. فإن قيل: لو كان كذلك؛ لوجب أن يكون الوعيد على اجتماع الصفتين، وقد أجمعنا على أن المشرك الذي لم يكن له مال متواعد على شركه. قيل: الوعيد على كل واحد من الصفة بانفرادها دون اجتماعها، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وهذا توعد على كل

стр. 457

واحد من المشاقة، واتباع غير سبيل المؤمنين. ويدل عليه أيضًا: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ ١ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ٢، وهذا يدل على [٤٤/ب] أنهم دخلوا النار لتركهم إطعام المسكين وتركهم الصلاة. فإن قيل: المراد به أنا لم نكن من المعتقدين بالصلاة ولا مقرين بها. قيل: قد أجبنا عن هذا، وقلنا: حقيقة التوعد على ترك الفعل للصلاة والإطعام. فإن قيل: هذا حكاية عن قول أهل النار؛ فلا حجة فيه. قيل: إنما حكى ذلك عنهم ردعًا وزجرًا لغيرهم، ولو لم يكن فيه حجة؛ لم يصح الردع والزجر؛ ولأنه لو يكن صحيحًا؛ لوجب أن يعقبه بذم ونكير، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٣. ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٤، وهذا يدل على أن الكفار مأمورون بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر العبادات.

стр. 458

وأيضًا: فإن الخطاب متناول لهم بإطلاقه؛ فوجب أن يكونوا داخلين، فيه كالمسلمين، ونريد بالخطاب المطلق نحو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٢، ولسنا نريد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ٣ و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ ٤؛ لأن ذلك خاص في المؤمنين. وأيضًا٥ فإن الكفار يدخلون في النواهي؛ لأن الذمي يحد بالزنى والسرقة؛ فوجب أن يدخلوا في الأوامر؛ لأن من دخل في أحد الخطابين؛ دخل في الآخر. فإن قيل: فلم لا يحد بشرب الخمر كما يحد المسلمون؟ قيل: لأنه قد أعطي الأمان على أن يقر على شربه، كما أعطي الأمان على أن يقر على اعتقاده الكفر. ثم لا يدل هذا على أنه غير مأمور بالإيمان ومنهي عن الكفر، كذلك لا يدل ترك إقامة حد الشرب على أنه غير منهي عنه. فإن قيل: إنما كلف النواهي؛ لأنه يصح منهم أن يمتنعوا عن فعل النواهي؛ فلذلك صح أن يخاطبوا بها، ولما لم يصح منهم فعل الأوامر؛ لم يصح أن يخاطبوا بها.

стр. 459

قيل: الترك يحصل منهم ولا يكون طاعة، ويحصل الفعل كذلك، فلا فرق بينهما. وأيضًا: لما كان مخاطبًا بشرط هذه العبادات، وهو الإيمان وجب أن يكون مخاطبًا بالمشروط، كما أن من خوطب بالطهارة كان مخاطبًا بالصلاة. فإن قيل: إنما خوطب بالإيمان؛ لأنه يتأتى منه، ولم يخاطب بالعبادات، لأنها [لا] تتأتى منه. قيل: هذا لا يمنع التكليف، كالمحدث هو مخاطب بالعبادة في حال حدثه وإن لم تصح١ منه.

стр. 460

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ : أنه لما بعث معاذًا١ إلى اليمن قال له: "ادعهم [٤٥/أ] إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن أجابوك فأعلمهم: أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ٢؛ فلو كان الخطاب يتوجه عليهم بهذا الإيمان لأمره أن يدعوهم إليه.

стр. 461

والجواب: أنه لم يأمره بأن يدعوهم إلى ذلك؛ لأنه لا يصح منهم فعله في حال كفرهم؛ فبدأ بما يصح فعله، وهو الإيمان. واحتج: بأنه كتب إلى كسرى وقيصر١، ودعاهما إلى التوحيد،

стр. 462

ولم يذكر في كتابه إليهما شيئًا من الشرائع؛ فلو كانا١ متعبدين بها لذكرها. والجواب عنه: ما تقدم. واحتج بأن الكافر لا يصح منه فعل الصلاة والصيام في حال كفره؛ فإذا أسلم سقطت عنه؛ فلا يتأتى منه الفعل في الحال، ولا في المآل؛ فلو قلنا: إنه مخاطب بها؛ لكان تكليف الزمن فعل الصلاة قائمًا، والحائض فعل الصلاة في حال حيضها. والجواب: أنه وإن كان لا يتمكن من فعلها مع الكفر؛ فقد جعل له

стр. 463

السبيل إلى التوصل إليها؛ بأن يقدم الإيمان ثم يفعل العبادات، كالمحدث الذي لا طريق له إلى فعل الصلاة؛ إلا بأن يقدم الوضوء أو الغسل؛ وإنما الذي يمنع وجوب العبادة أن لا يتمكن من فعلها، ولا يكون له طريق إلى التوصل. فإن قيل: إنما كان المحدث مخاطبًا بفعل الصلاة، والحائض بفعل الصيام، وإن لم يصح الفعل منهما؛ لأن الحدث لا ينفي فعل الصلاة؛ فإنه إذا تطهر لم تسقط عنه الصلاة التي لزمته في حال الحدث، بل يفعلها بعد طهر، وكذلك الحائض. فأما الكافر فإنه لا يتأتى منه في حال كفره، وفي حال إسلامه يسقط عنه القضاء؛ فلا يتأتى منه الفعل بحال. قيل: إنما لم يجب القضاء؛ لأن الإسلام جعل مسقطًا لما سلف؛ لئلا يكون وجوب القضاء تنفيرًا عن الإسلام؛ لأن الكافر ربما أراد الإسلام وهو شيخ؛ فإذا علم أنه يلزمه قضاء ما ترك في عمره من صلاة أو صيام أو زكاة؛ نفره ذلك عن اختيار الإسلام واعتقاده. ويدل على أنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١، وقول النبي ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" ٢، وهذا يدل على أن الإسلام هو المسقط ما سبقه من الواجب.

стр. 464

واحتج: بأن الكفر يمنع صحة العبادة، ويمنع قضاءها في الثاني؛ فصار كالجنون. والجواب: أن الجنون يمنع الخطاب بالنواهي وبالإيمان، والكفر لا يمنع ذلك.

стр. 465

مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده مدخل ... مسألة ١ [الأمر بالشيء نهي عن ضده] : الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد كثيرة، وسواء كان مطلقًا أو معلقًا بوقت مضيق؛ لأن من أصلنا: أن إطلاق الأمر يقتضي الفور٢. وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي طالب: لا يتنحنح في صلاته فيما نابه٣؛ فإن النبي [٤٥/ب] ﷺ قال: "إذا نابكم في صلاتكم

стр. 466

شيء، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء" ١، فجعل أمره بالتسبيح نهيًا عن ضده الذي هو التصفيق.

стр. 467

وهو قول أصحاب أبي حنيفة١ وأصحاب الشافعي٢. وقال الأشعرية٣: هو نهي عن ضده من طريق اللفظ، وهذا بنوه على أصلهم: أن٤ الأمر لا صيغة له. وقالت المعتزلة: الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده؛ لا من جهة اللفظ ولا من طريق المعنى، وبنوا هذا على أصل: أن٥ النهي لا يكون نهيًا لصيغته، حتى تنضم إليه قرينة، وهي٦: إرادة الناهي، وذلك غير معلوم عندهم. ويفيد الخلاف: توجه المأثم عليه بفعل صلاة بمجرد الأمر.

стр. 468

دليلنا: أن الأمر عندنا يقتضي الوجوب والفور، وقد دللنا على صحة ذلك.

стр. 469

وإذا كان كذلك؛ وجب أن يكون تركه محرمًا، وتركه: فعل ضده؛ فوجب أن يكون فعل ضده منهيًا عنه، فكان الأمر باللفظ متضمنًا لتحريم فعل ضده. فإن قيل: يجوز أن يكون تاركًا لفعل من غير أن يكون فاعلًا لضده؛ لأن السكون معنى يبقى، فلا يكون فاعلًا له في حال بقائه. قيل: السكون لا يبقى، وكل تارك للفعل؛ فإنما هو تارك بفعل ضده، فالتارك للحركة فاعل للسكون، والتارك للسكون فاعل للحركة. ولأن قولهم: أمر بالقيام، ولا يمكنه فعله إلا بترك القعود، فثبت أنه ممنوع من القعود. ولأن من أذن لغيره في دخول الدار، ثم قال له: اخرج، تضمن هذا القول منعه من المقام فيها، واللفظ إنما هو أمر بالخروج، وقد عقل منه المنع من المقام الذي هو ضده. ولأن السيد إذا قال لعبده: قم، فقعد؛ صلح أن يعاقبه على القعود، فلولا أن أمره تضمن رد ذلك لما صلح توبيخه. ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن نهيًا عن ضده لصلح أن يبيح له ضده مع الأمر به، وفي اتفاق الجميع على امتناع ذلك دليل على ما قلناه. ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن نهيًا عن ضده؛ لما كان الكافر منهيًا عن الكفر، وحيث كان مأمورًا بالإيمان، وفي اتفاق الجميع على أن كون الكافر منهيًا عن الكفر لكونه مأمورًا بالإيمان؛ دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.

стр. 470

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن لفظ النهي قوله: "لا تفعل"، ولفظ الأمر قوله: "افعل"، فلا يجوز أن يجعل الأمر نهيًا.

стр. 471

والجواب: أنه نهى عن ضده من طريق المعنى دون اللفظ؛ فلا يلزمنا ذلك. وعلى أن اللفظ قد يدل على الشيء، وإن لم يكن عبارة عنه، مثل قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١، أن هذه الصيغة لا يعبر بها عن الضرب والقتل، وإن كانت دالة٢ على نفيهما. واحتج: بأن النوافل مأمور بها، وضدها وهو الترك غير منهي [٤٦/أ] عنه. والجواب أنا لا نسلم هذا؛ بل نقول: ضدها منهي عنه، لا يستحب تركه؛ فيكون الأمر الذي هو ندبه يتضمن النهي، وكل أمر يتضمن النهي على حسب الأمر، إن كان الأمر إيجابًا؛ كان النهي محرمًا، وإذا كان الأمر استحبابًا؛ كان النهي تنزيهًا، فسقط ما قاله. واحتج بأن النهي عن الشيء ليس بأمره بضده٣، كذلك الأمر بالشيء؛ ليس بنهي عن ضده. والجواب: أن هذا على وجهين: إن كان له ضد واحد؛ كان النهي عنه أمر بضده، كالكفر منهي عنه ويتضمن الأمر بضده من جهة المعنى، وهو الإيمان، وكذلك النهي عن الحركة يتضمن الأمر بضدها، وهو السكون. وإن كانت له أضداد كثيرة؛ فهو مأمور بضد من أضداده، يترك به النهي عنه، ويكون مخيرًا فيها، مثل النهي عن القيام، له أضداد من النوم والقعود والمشي؛ فهو مأمور بواحد منها٤؛ لأنه لا يكون ممتنعًا عن المنهي عنه بفعل ضد واحد من أضداده، ولا يكون ممتثلًا للمأمور به إلا بترك جميع أضداده، فلا فرق بينهما.

стр. 472

واحتج بأنه إذا لم يكن العلم بالشيء جهلًا بضده، والقدرة على الشيء عجزًا عن ضده، وإرادة الشيء١ كراهة لضده، كذلك الأمر بالشيء؛ وجب أن لا يكون نهيًا عن ضده. والجواب: عن العلم: فهو أنه لا يمتنع أن يكون عالمًا بالشيء وبضده، ويمتنع أن يكون الشيء واجبًا، ولا يكون ضده محرمًا، أو يكون مستحبًا، ولا يكون ترك ضده مستحبًا؛ فإذا كان كذلك؛ فبان الفرق٢. وأما القدرة على الشيء؛ فإنها ليست بعجز عن ضده؛ لأن الاستطاعة عندنا مع الفعل، فيكون القادر على الشيء هو الفعل التارك لضده، والتارك للشيء لا يكون عاجزًا عنه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه لا يجوز أن يكون مأمورًا بالفعل؛ إلا وهي منهي عن فعل ضده. وأما إرادة الشيء؛ فهي كراهية لضده عندنا. فإن قيل: أليس لو قال لزوجته: أنت طالق إن أمرتك بأمر فخالفتيني، ثم قال: لا تكلمي أباك؛ فكلمته؛ لم يحنث؛ لأنه إنما نهاها ولم يأمرها، فدل على أن الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده. قيل: الأيمان محمولة على العرف، والعرف في الأمر: صيغة الأمر وهو قوله: افعلي، فلهذا لم تحمل يمينه على صيغة النهي؛ لأنه ليس صيغة النهي صيغة الأمر، ولهذا قلنا: الأمر بالشيء؛ نهي عن ضده من طريق الحكم لا من طريق اللفظ. فأما من قال: الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق اللفظ فغير

стр. 473

صحيح؛ لأن العرب فرقت بين لفظ الأمر والنهي؛ فجعلت لفظ الأمر موضوعًا للإيقاع والحث على الفعل، ولفظ النهي لنفي الفعل؛ فلم يجز أن يجعل أحدهما الآخر، كما لا يجوز ذلك في الخبر والاستخبار. فإن قيل: ليس يمنع [٤٦/ب] هذا، ألا ترى أن القائل إذا قال: ائت الشمس من المغرب، عقل منه: أنها تغرب من المشرق. قيل: إنما عقل هذا من معنى اللفظ، لا من موضوعه وصيغته، ونحن لا نمنع هذا في الأمر؛ وإنما نمنع أن يعقل النهي من نفس اللفظ.

стр. 474

مسألة المندوب مأمور به حقيقة مدخل ... مسألة ١ [المندوب مأمور به حقيقة] : إذا صرف الأمر عن الوجوب؛ جاز أن يحتج به على الندب والجواز، ويكون حقيقة فيه، ولا يكون مجازًا، وهذا بناء على أصلنا: أن٢ المندوب مأمور به حقيقة. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحتج به، ويكون مجازًا٣. واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال مثل قولهم٤.

стр. 475

دليلنا: أن حقيقة الواجب: ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه، وحقيقة

стр. 476

الندب: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه؛ فإذا حمل الأمر على الندب؛ فقد حمل على شيء فيه بعض أحكام الواجب، وليس فيه البعض الآخر؛ فكأنه أخرج منه بعض مقتضاه، وحمل على بعض، فكان ذلك حقيقة لا مجازًا، كما قلنا في لفظ العموم: "يقتضي استغراق الجنس"؛ فإذا خص، أخرج منه بعض المراد، وبقي البعض، فيكون ذلك حقيقة لا مجازًا، وكذلك ههنا. ولا يشبه هذا الاسم "الأسد" إذا استعمل في الرجل الشديد، واسم "الحمار" إذا استعمل في الرجل البليد، حيث كان مجازًا فيهما؛ لأنه يستعمل في شيء، لا يتضمنه ما هو موضوع له بحال؛ فكان اللفظ منقولًا عما وضع له إلى غيره؛ فلذلك كان مجازًا، وفي هذا الموضع استعمل في بعض مقتضاه، ولم يعدل عن جميعه، فكان ذلك حقيقة لا مجازًا، ولأنه لو قال: له علي عشرة إلا واحدًا؛ كان ذلك حقيقة في التسعة، كما لو لم يستثن منه، كذلك ههنا.

стр. 477

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن اللفظ موضوع لإفادة الوجوب دون الجواز، وإنما الجواز تابع للوجوب، وأنه لا يجوز أن يكون واجبًا، ولا يجوز فعله؛ فإذا سقط الوجوب؛ وجب أن يسقط الجواز؛ لأنه تابع له. والجواب: أنا لا نسلم أن الجواز للوجوب، بدليل أنه قد ينفرد الجواز عن الوجوب، فيكون الشيء جائزًا، ولا يكون واجبًا؛ فلو كان تابعًا له لم ينفرد عنه، فهو بمثابة العموم إذا خص بعضه١، كان الباقي حقيقة؛ لأن الباقي ينفرد عن الخصوص، كذلك ههنا. واحتج: بأن الشيء الواحد لا يكون له حقيقتان. والجواب: أنه يبطل بالمستثنى منه؛ فإن الاسم حقيقة فيه.

стр. 478

مسألة في الفرق بين الفرض والواجب مدخل ... مسألة [في الفرق بين الفرض والواجب] : ١ فالفرض: ما ثبت وجوبه بطريق مقطوع به، مثل نص القرآن [٤٧/أ] المتواتر، وإجماع الأمة٢. والواجب: ما ثبت من طريق غير مقطوع به، كأخبار الآحاد والقياس، وما كان مختلفًا في وجوبه كوجوب المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين عند القيام من نوم الليل، والتسبيح في الركوع والسجود وغير ذلك٣. هذا ظاهر كلام أحمد ﵀، ذكره في مواضع: فقال في رواية أبي داود٤ وابن إبراهيم: "المضمضة والاستنشاق

стр. 479

لا تسمى فرضًا؛ ولا يسمى فرضًا إلا ما كان في كتاب الله تعالى١". فقد نفى اسم الفرض عن المضمضة والاستنشاق مع كونهما واجبين عنده. وقال أيضًا ﵀ في رواية المروزي وقد سأله عن صدقة الفطر: أفرض هي؟ فقال: ما أجترئ أن أقول: إنها فرض. وكذلك نقل الميموني عنه وقد سأله هل يقول: بر الوالدين فرض؟ فقال: لا، ولكن أقول: واجب، ما لم يكن معصية. وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة٢.

стр. 480

ونقل عبد الله وأبو الحارث عن أحمد ﵀: كل ما في الصلاة فرض١. فظاهر هذا أن التسبيح في الركوع والسجود والتشهد الأول والتكبير غير تكبيرة الإحرام وقول سمع الله لمن حمده؛ يسمى فرضًا مع كونه مختلفًا في وجوبه؛ فعلى هذا لا فرق بين الواجب والفرض والحتم واللازم والمكتوبة، وحد الجميع واحد، وهو قول أصحاب الشافعي. ونقلت من خط أبي إسحاق٢ في تعاليقه: قال أبو عبد الله: لا أقول فرضًا؛ إلا في كتاب الله. معنى قوله: إن الذي قاله الرسول سنة، بدلالة قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء" ٣، وقوله: "إنما أنسى لأسن" ٤

стр. 481

قال: وقول أبي عبد الله، كما ما في الصلاة فرض؛ أراد بذلك: ما أخذ عن الرسول ﷺ . والوجه للفرق بينهما١: أنا نجد كل مميز يسبق عقله إلى أن صلاة الظهر آكد من صلاة المنذورة، وإن كانتا واجبتين، وكذلك الإيمان بالله تعالى آكد وأبلغ من صدقة خمسة دراهم من مائتي درهم. وكذلك الزكاة آكد من النذر في الصدقة. فهذه أمور يجدها كل عاقل في نفسه، فوجب أن يفرق ما هو آكد باسم يفارق ما هو دونه، فيجعل اسم الفرض: عبارة عما كان في أعلى المنازل في الوجوب، والوجوب عما كان دونه، وإن كان اسمًا عامًا في نفسه. ولأن أهل اللغة فرقوا بين الفرض والوجوب، فقالوا: إن الوجوب مأخوذ في الأصل من السقوط، يقال: وجب الحائط، يعني: سقط. والفرض عبارة عن التأثير، ومنه فرضة القوس لموضع الحز، أو عين القدر من قولهم: "فرض القاضي النفقة"، بمعنى قدرها.

стр. 482

والتأثير آكد من السقوط؛ لأن الشيء قد يسقط ولا يؤثر، وكذلك ذكر التقدير في الشيء يدل على الحصر والتعيين١ [٤٧/ب] فيصير كالنذر المضموم إلى الإيجاب. والوجوب لا يفيد هذا المعنى؛ فبان أن الفرض في اللغة آكد من معنى الواجب. وقد بينا أن الوجوب تتفاوت منازله، فوجب أن يخص اسم الفرض الذي وضع للمبالغة في التأثير: عبارة [عما] كان في أعلى المنازل، وما دونه خص باسم الواجب، فيصير الوجوب الذي هو سقوط التكليف على المأمور به في نفس المكلف؛ لما تضمن من الدعاء إلى إيقاعه والمبادرة إلى فعله، ما لا يؤثر فيه الواجب الذي فرض. ولأن العبارة٢ مختلفة في عادة أهل الشرع أيضًا، ألا ترى أنهم يقولون: الواجب في الحكم كذا، ولا يقولون: فرض في الحكم، ويقال في حقوق الآدميين مثل الديون والشفعة: واجبات، ولا يقال: إنها فروض، ويقال: واجب عليك أن تفعل كذا، ولا يقولون: فرض عليك، ويقال: أوجبت على نفسي، ولا يقال: فرضت، ولا يقال في العادة لمن تلزم طاعته: فرضت عليك كذا، فبان أن معنى اللفظين مختلف في اللغة والشريعة.

стр. 483

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ١ وأراد به أوجب الحج. وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ

стр. 484

فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ١. ومعناه: أوجبتم لهن فريضة. والجواب: أن الحج ثبت وجوبه من طريق مقطوع به؛ فلهذا أطلق عليه اسم الفرض. وقوله: ﴿فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ معناه: قدرتم. واحتج: بأن الفرض؛ إنما سمي فرضًا؛ لما فيه من معنى الوجوب دون ما ذكرتموه من ثبوته من طريق يوجب العلم؛ لأن النوافل ثابتة من هذا الطريق، ولا يسمى فرضًا. والجواب: أنه إنما يسمى فرضًا لما فيه من معنى الوجوب من طريق مقطوع به؛ فأما النوافل فإن كان طريقها مقطوعًا به، فليس فيها معنى الوجوب؛ فقد وجد أحد الشرطين [وفقد الآخر] . واحتج: بأن تخصيص الواجب بما ثبت من طريق؛ لا يوجب العلم، وتخصيص الفرض بما ثبت من طريق؛ يوجب العلم دعوى مجردة، لا دليل عليها من لغة ولا شرع، ولا طريق مستنبط منهما٢؛ فلم يصح. والجواب: أنا قد دللنا عليه من جهة الاستنباط، وهو أن أهل اللغة والشرع فرقوا بينهما في العبارة، وقالوا: الفرض عبارة عن التأثير، والوجوب عبارة عن السقوط، و [لما] وجدنا التأثير أبلغ من السقوط؛ جعلنا الفرض عبارة عما ثبت من طريق مقطوع علمه؛ ليكون له مزية. واحتج: بأن لفظ الوجوب آكد من لفظ الفرض؛ لأنه أقل احتمالًا من لفظ الفرض، فكان لفظ الوجوب؛ أحق بما [٤٨/أ] ثبت من طريق

стр. 485

القطع، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ١، وأراد: ينزل عليك القرآن. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ٢ وأراد به: أحل الله له. وقال: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ٣، وأراد: بيناها. ويقال: فرض الحاكم على فلان لزوجته كذا وكذا من النفقة، وأراد به: قدر، ويقال: فرض القوس إذا حز طرفيه. وأما الوجوب؛ فإنه عبارة عن السقوط، من قوله: وجبت الشمس ووجب القمر، ووجب الحائط، إذا سقط. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ٤ أي: سقطت، فسمى ما لا بد من فعله واجبًا؛ لأن تكليفه سقط عليه سقوطًا لا ينفك منه؛ إلا بفعله، فكان احتمال لفظ الفرض أكثر من احتمال لفظ الواجب، وكان الثابت بطريق مقطوع به باسم الواجب؛ أحق منه باسم الفرض. والجواب: أن لفظ الفرض، وإن كان محتملًا لأشياء؛ فجميعها عبارة عن التأثير، والوجوب عبارة عن السقوط، والتأثر آكد من السقوط؛ لأنه قد يسقط؛ فلا يؤثر، فكان ما أثر آكد. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ يعني: أنزله، ونزوله تأثير عندنا.

стр. 486

وكذلك قوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ يعني: أحل له، والإحلال له: تأثير له. وكذلك قوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ أراد: بيناها، والبيان: تأثير فيها. وكذلك فرض الحاكم يعني: قدّر، والتقدير له: تأثير في الحصر والتعيين. واحتج: بأنه لو كان الفرض عبارة عما كان في أعلى المنازل من الوجوب؛ لوجب أن يختص الاسم بمعرفة التوحيد وتصديق الرسول؛ لأنه أعلى منزلة من غيره. والجواب: أن الفرض لما كان عبارة عن العبادة التي تؤثر في نفس المكلف في المبادرة إليه والمسارعة إلى فعله، وهذا التأثر موجود في جميع ما علم قطعًا أنه مراد منا، مثل الصلوات ونحوها، فوجب أن يكون جميعها فرضًا، وإن كان بعضها آكد من بعض، كما أن التأثير الواقع في الشيء يتفاوت، وإن كان الاسم يتناول جميعها، ويفارق ذلك ما لا يقع منه التأثير. واحتج: بأن الواجب اسم لما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه، والفرض اسم لهذا أيضًا؛ فإذا كانا متساويين في هذا المعنى؛ لم يكن لأحدهما مزية لاختلاف اسمهما، كما أن الندب والنفل لما كان معناهما واحد -وهو ما يستحق بفعله ثواب؛ لم يكن لأحدهما مزية على الآخر. والجواب: أن الواجب وإن ساوى الفرض في الثواب والعقاب؛ فقد خالفه من وجه آخر، وهو: أن ثبوته من طريق مقطوع به، فمنع من المساواة في التسمية، كما أن الندب والمباح تساويا في إسقاط [٤٨/ب] العقاب، واختلفا في التسمية لاختلافهما من وجه، وهو: أن الندب يثاب على فعله، والمباح لا ثواب عليه.

стр. 487

واحتج: بأن اختلاف أسباب الوجوب، وقوة بعضها على بعض، لا يوجب اختلاف الشيئين في أنفسهما؛ ألا ترى أن النفل قد ثبت بأخبار متواترة وثبت بأخبار الآحاد، والكل متساوٍ١، وكذلك الفرض قد ثبت بأخبار متواترة وأخبار الآحاد، والكل سواء. والجواب: أن قوة بعضها على بعض توجب اختلافهما في أنفسهما؛ لأن ما كان معلومًا أنه مراد الله تعالى قطعًا؛ فإنه مخالف لما كان تجوزًا، وكذلك ما يكفر جاحده مخالف ما لا يستحق هذه الصفة، ومتى اختلفت الأشياء في أنفسها وأحكامها؛ اختلفت الأسامي التي تستعمل فيها لاختلاف ما يستفاد بالعبارة منها. فإن قيل: فيجب أن تفرقوا في المنهيات، كما فرقتم في المأمورات، فتقولوا: لفظة الحرام عبارة عما ثبت من طريق مقطوع به، وما لم يثبت بذلك لا يطلق عليه ذلك، ويسمى مكروهًا. قيل: هكذا نقول، وقد قال أحمد ﵀ في رواية ابن منصور في المتعة: لا أقول حرام. وقال ﵀ في رواية ابن منصور في الجمع بين الأختين المملوكتين: لا أقول حرام؛ ولكن ينهى عنه. قال أبو بكر: إنما توقف لوجود الخلاف. فقد منع من إطلاق اسم الحرام مع كونه حرامًا عنده؛ لأنه مختلف فيه.

стр. 488

مسألة الأمر بفعل الشيء لا يتناول الفعل المكروه مدخل ... مسألة [الأمر بفعل الشيء لا يتناول الفعل المكروه] : أومأ إليه الإمام أحمد ﵀ في رواية صالح: إذا وطئها وهي

стр. 489

حائض؛ لم يحل لها الرجوع بهذا الوطء إلى زوجها الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١، وظاهره: أن الوطء في حال الحيض، لما كان منهيًا عنه؛ لم يدخل تحت الوطء المأمور به للإباحة. واختلف أصحاب أبي حنيفة: فذهب أبو بكر الرازي٢ إلى أنه يتناول المكروه، واحتج في طواف المحدث بقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٣، وقال: جواز الفعل مراد، واللفظ يتناوله، فجاز إثباته، وإن كانت الصفة التي حصل الفعل عليها مكروهة. واختار أبو عبد الله الجرجاني مثل قولنا.

стр. 490

دليلنا: أن المأمور به ما اقتضاه الأمر وحث عليه: إما واجبًا وإما ندبًا، والمكروه منهي عن فعله وممنوع منه؛ فهو مضاد للمأمور به؛ فلا يجوز أن يكون اللفظ متضمنًا له، كما أن المحذور لما كان ضد الواجب؛ لم يجز أن يكون الأمر متناولًا له؛ ولأن المفعول على صفة لم يؤذن فيه بمثابة فعل آخر؛ فصار كمن أمر بالصيام، فأوقع ما يسمى صلاة.

стр. 491

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن الطواف مأمور به، والكراهة تعلقت بفعل آخر، وهو ترك الطهارة.

стр. 492

والجواب: أن ترك الطهارة، وإن كان منهيًا عنه؛ فإن هذا النهي يعود إلى الفعل الذي هو في الأصل طواف؛ لأنه منع من إيقاعه على هذا الوجه، ولو كان هذا صحيحًا؛ لوجب أن لا يكون السجود للشيطان منهيًا، وأن يكون النهي تعلق بإرادة فعله لغير الله تعالى، وكذلك قتل المؤمن لا يكون منهيًا عنه؛ وإنما يتعلق النهي بقصده إلى قتل نفس المؤمن دون الكافر، وهذا يوجب أن يكون جميع ما نهي عنه مأمورًا به، وهذا فاسد.

стр. 493

مسألة تعلق الأمر بالمعدوم مدخل ... مسألة [تعلق الأمر بالمعدوم] : ١ الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة. ويفيد هذا الخلاف أنه لا يحتاج إلى أمر ثانٍ. وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية حنبل: "لم يزل الله يأمر بما شاء ويحكم". فقد نص على أنه أمر فيما لم يزل، ولا مأمور. وقال أيضًا -فما خرجه في محبسه-: "لم يزل متكلمًا إذا شاء"؛ فقد أثبت قدم كلامه، وكلامه أمر ونهي، وهو قول الأشعرية ومن تابعهم من أصحاب الشافعي. وذهب المعتزلة وجماعة من أصحاب أبي حنيفة فيما ذكره أبو عبد الله الجرجاني٢ في أصوله: إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع

стр. 494

الواردة في عصر النبي ﷺ بالموجودين في وقته؛ فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل١. ثم اختلف القائلون: بأن الأمر يتعلق بالمعدوم: فمذهبنا: أنه أمر إلزام وإيجاب على الحقيقة بشرط وجوده على صفة من يصح تكليفه، سواء كان في الحال موجودًا يتوجه الخطاب إليه، أو لم يكن، وهو اختيار أبي بكر الباقلاني. ومنهم من قال: إن هذا أمر إعلام، إذا كان كيف يكون، وليس بأمر إيجاب وإلزام. ومنهم من قال: يتعلق بالمعدوم، إذا كان هناك موجود مخاطب ببلاغة؛ فأما إن لم يكن من يتوجه الخطاب إليه فلا. والصحيح: ما ذكرنا؛ لأن إعلام المعدوم لا يصح؛ وإنما يعلم المواجه بالخطاب، ويصح الأمر لمن ليس بحاضر ليبلغ ذلك إليه، ولأن هذا القائل قد وافق أن الله سبحانه فيما لم يزل آمرًا ناهيًا، ولا مخاطب. والدلالة على توجه الأمر إلى المعدوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وهذا يقتضي أمره بالتكوين قبل وجوده. وكذلك قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٣. ولأن الصحابة والتابعين كانوا يرجعون في إيجاب الحكم إلى الظواهر

стр. 495

المتضمنة للأمر من الله تعالى ومن نبيه [٤٩/ب] ﵇ على من يوجد في عصرهم لا يمتنع من ذلك أحد منهم؛ فدل على أن الأمر تناول من كان معدومًا حال الخطاب. فإن قيل: يحتمل أن يكون ورد معها دلالة توجب مشاركة الجميع في هذا الحكم، وإن لم ينقل إلينا. قيل: لو كان هناك دلالة أو قرينة لنقل؛ لأن ما لم يتم الدليل إلا به؛ لا يسوغ للراوي ترك نقله، وحيث لم ينقل ثبت أنه ما كان، يبين صحة هذا أنه معلوم، أن الجماعة لم تشترك في معرفة القرينة؛ فلو كان موضوع اللفظ لا يفيد؛ لم يقتصروا على نقل اللفظ والتعلق به دون القرينة. وأيضًا: فإنه يصح الأمر بالزكاة مع عدم المال بشرط وجوده، وكذلك الأمر بالفعل للعاجز مع عدم الآلة بشرط وجودها، كذلك المعدوم بشرط وجوده. فإن قيل: العاجز عاقل مخاطب عالم بالخطاب، والمعدوم بخلاف ذلك. قيل: لا فرق بينهما وذلك أن المعدوم مأمور بشرط القدرة على ذلك. وأيضًا: فإنه يصح وصية الإنسان إلى من يحدث من أولاده، والقيام بأمر الوقف، وإن كان معدومًا في الحال، ويكون أمرًا صحيحًا لمن يحدث، ويكون الحادث متصرفًا بالوصية السابقة في الحقيقة؛ فدل على أن الأمر يتوجه إليه. وأيضًا: قد دلت الدلالة على أن أمر الله تعالى ونهيه هو كلامه، وأنه قديم من صفات ذاته غير محدث، وأنه لم يزل آمرًا، ولا حاضر مأمور، فدل على ما ذكرنا. فإن قيل: هذا أصل فاسد؛ لأن المتكلم بالأمر ولا أحد يواجه
следующие страницы →