حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الطواف مأمور به، والكراهة تعلقت بفعل آخر، وهو ترك الطهارة.
стр. 492
والجواب: أن ترك الطهارة، وإن كان منهيًا عنه؛ فإن هذا النهي يعود إلى الفعل الذي هو في الأصل طواف؛ لأنه منع من إيقاعه على هذا الوجه، ولو كان هذا صحيحًا؛ لوجب أن لا يكون السجود للشيطان منهيًا، وأن يكون النهي تعلق بإرادة فعله لغير الله تعالى، وكذلك قتل المؤمن لا يكون منهيًا عنه؛ وإنما يتعلق النهي بقصده إلى قتل نفس المؤمن دون الكافر، وهذا يوجب أن يكون جميع ما نهي عنه مأمورًا به، وهذا فاسد.
стр. 493
مسألة تعلق الأمر بالمعدوم
مدخل
...
مسألة [تعلق الأمر بالمعدوم] : ١
الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة.
ويفيد هذا الخلاف أنه لا يحتاج إلى أمر ثانٍ.
وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية حنبل: "لم يزل الله يأمر بما شاء ويحكم". فقد نص على أنه أمر فيما لم يزل، ولا مأمور.
وقال أيضًا -فما خرجه في محبسه-: "لم يزل متكلمًا إذا شاء"؛ فقد أثبت قدم كلامه، وكلامه أمر ونهي، وهو قول الأشعرية ومن تابعهم من أصحاب الشافعي.
وذهب المعتزلة وجماعة من أصحاب أبي حنيفة فيما ذكره أبو عبد الله الجرجاني٢ في أصوله: إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع
стр. 494
الواردة في عصر النبي ﷺ بالموجودين في وقته؛ فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل١.
ثم اختلف القائلون: بأن الأمر يتعلق بالمعدوم:
فمذهبنا: أنه أمر إلزام وإيجاب على الحقيقة بشرط وجوده على صفة من يصح تكليفه، سواء كان في الحال موجودًا يتوجه الخطاب إليه، أو لم يكن، وهو اختيار أبي بكر الباقلاني.
ومنهم من قال: إن هذا أمر إعلام، إذا كان كيف يكون، وليس بأمر إيجاب وإلزام.
ومنهم من قال: يتعلق بالمعدوم، إذا كان هناك موجود مخاطب ببلاغة؛ فأما إن لم يكن من يتوجه الخطاب إليه فلا.
والصحيح: ما ذكرنا؛ لأن إعلام المعدوم لا يصح؛ وإنما يعلم المواجه بالخطاب، ويصح الأمر لمن ليس بحاضر ليبلغ ذلك إليه، ولأن هذا القائل قد وافق أن الله سبحانه فيما لم يزل آمرًا ناهيًا، ولا مخاطب.
والدلالة على توجه الأمر إلى المعدوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وهذا يقتضي أمره بالتكوين قبل وجوده. وكذلك قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٣.
ولأن الصحابة والتابعين كانوا يرجعون في إيجاب الحكم إلى الظواهر
стр. 495
المتضمنة للأمر من الله تعالى ومن نبيه [٤٩/ب] ﵇ على من يوجد في عصرهم لا يمتنع من ذلك أحد منهم؛ فدل على أن الأمر تناول من كان معدومًا حال الخطاب.
فإن قيل: يحتمل أن يكون ورد معها دلالة توجب مشاركة الجميع في هذا الحكم، وإن لم ينقل إلينا.
قيل: لو كان هناك دلالة أو قرينة لنقل؛ لأن ما لم يتم الدليل إلا به؛ لا يسوغ للراوي ترك نقله، وحيث لم ينقل ثبت أنه ما كان، يبين صحة هذا أنه معلوم، أن الجماعة لم تشترك في معرفة القرينة؛ فلو كان موضوع اللفظ لا يفيد؛ لم يقتصروا على نقل اللفظ والتعلق به دون القرينة.
وأيضًا: فإنه يصح الأمر بالزكاة مع عدم المال بشرط وجوده، وكذلك الأمر بالفعل للعاجز مع عدم الآلة بشرط وجودها، كذلك المعدوم بشرط وجوده.
فإن قيل: العاجز عاقل مخاطب عالم بالخطاب، والمعدوم بخلاف ذلك.
قيل: لا فرق بينهما وذلك أن المعدوم مأمور بشرط القدرة على ذلك.
وأيضًا: فإنه يصح وصية الإنسان إلى من يحدث من أولاده، والقيام بأمر الوقف، وإن كان معدومًا في الحال، ويكون أمرًا صحيحًا لمن يحدث، ويكون الحادث متصرفًا بالوصية السابقة في الحقيقة؛ فدل على أن الأمر يتوجه إليه.
وأيضًا: قد دلت الدلالة على أن أمر الله تعالى ونهيه هو كلامه، وأنه قديم من صفات ذاته غير محدث، وأنه لم يزل آمرًا، ولا حاضر مأمور، فدل على ما ذكرنا.
فإن قيل: هذا أصل فاسد؛ لأن المتكلم بالأمر ولا أحد يواجه
стр. 496
ويسمع كلامه هاذٍ١ سفيه، غير جائز.
قيل: هذا لا يصح لوجوه:
أحدها: أن هذا إن كان صحيحًا؛ فإنما يكون فيمن يفعل الكلام ويصح منه تركه؛ فأما من يجب كونه متكلمًا في أزليته؛ فلا يصح هذا في حقه.
الثاني: أنه لو كان هذيانًا، إذا لم يكن سامع٢ للخطاب، لوجب أن يقال إذًا: "هذى الطفل والمجنون والمبرسم"، وهناك من يسمع ذلك، أن لا يكون هذيانًا، لأجل أن هناك سامعًا حاضرًا٣؛ فلما لم يجب هذا، لم يصح ما قالوه.
الثالث: أنهم لا يجدون كلامًا لأحد منا؛ إلا وهناك سامع؛ لأنه لا أحد منا متكلم في سر ولا جهر؛ إلا والله تعالى سامع كلامه.
وجواب آخر وهو: أن معنى الكلام لنفسه الإفهام والتعليم والإشعار بما يريد إفهامه بالكلام، ويكون هذا بمثابة من زعم أنه لو كان عالمًا قادر بنفسه غير معلم ولا مقدر لأحد، ولا ينتفع بكونه عالمًا قادرًا في قدمه؛ لوجب كونه سفيهًا عابثًا، وإذا لم يجز ذلك لم يجب ما قالوه.
وعلى أن الإنسان منا قد يوصي إلى معدوم وقت الوصية، ويأمره فيها وينهاه في وصيته [٥٠/أ] ولا يكون عبثًا، مع أن الذم قد يصح قبل وجود المذموم، بدليل أن الله تعالى ذم إبليس فيما لم يزل قبل خلقه.
стр. 497
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الأمر يتعلق بمأمور، والمعدوم ليس بشيء يصح تعلق الأمر به.
والجواب: أن الأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني، كما تعلقت الوصية بمن يحدث في الثاني، وكما تعلق الأمر بالعاجز لقدرة تحدث في الثاني.
واحتج: بأن الأمر إن كان إعلامًا يستحيل أن يوجد في المعدوم، وإن كان إلزامًا يستحيل أيضًا أن يلزم المعدوم الذي ليس بشيء.
والجواب: أنه أمر إلزام لمن يحدث في الثاني، كما قلنا في الوصية في العاجز.
واحتج: بأن الأمر لو تعلق بالمعدوم؛ لوجب أن يتعلق بالصبي والمجنون، لوجودهما، ويكون الأمر متعلقًا بالبلوغ والعقل، وفي اتفاق الجميع على امتناع ذلك دليل على امتناعه في المعدوم.
والجواب: أن كل من أجاز تكليف المعدوم بشرط بقائه؛ فإنه يقول: بأن الصبي والمجنون مأموران بشرط البلوغ والعقل، ولا فرق بينهما؛ وإنما معنى قول الأمة: إنهما غير مكلفين، وإن القلم مرفوع عنهما: رفع المأثم عنهما، ورفع الإيجاب المضيق.
ويمكن أن يكون قوله: رفع القلم عنهما بالخطاب والمواجهة؛ لأنه لا يصح مواجهتهما بذلك، لعدم علمهما بذلك، وقد ذكر أبو بكر بن الباقلاني هذا الجواب وحكاه عمن قال بخطاب المعدوم.
واحتج: بأنه لو جاز أمره الذي هو الإيجاب والإلزام، لجاز ذمه ولعنه وتسميته بأسماء المدح والذم.
والجواب: أنه إنما لم يوصف بذلك؛ لأنه ليس بإيجاب مضيق، وإنما يستحق الذم للتفريط، ويستحق المدح لوجود الفعل؛ فلم يتصفوا بذلك
стр. 498
لهذا المعنى، وجرى ذلك مجرى المأمور إذا كان عاجزًا بشرط القدرة؛ فإنه لا يوصف بذلك قبل القدرة، وإن كان مأمورًا.
واحتج بأن من شرط الأمر وجود المأمور، كما أن من شرط القدرة وجود القادر، فاستحال وجود قدرة بغير قادر، كذا يجب أن يستحيل وجود أمر بغير مأمور.
والجواب: أن نظيره أن من شرط الأمر آمر كما أن من شرط القدرة قادر.
ولأنه إنما لم يصح قدرة بغير قادر، لأن من شرطها وجود القادر بها؛ لأنها إنما كانت قدرة لقيامها بقادر يأتي١ الفعل بها، وليس كذلك الأمر؛ لأن من شرطه وجود الآمر لكونه قائمًا به، إذ الأمر كلامه، وليس من شرطه وجود المأمور، كما ليس من شرط القدرة وجود المقدور؛ إلا أن يكون مما لا ينفى، ألا ترى أنه يجوز أن يوصي الرجل في وصيته بما يعلمه ولده بعده إذا وجد ومخلفيه، فيكون ما يعمله من يوجد منهم [٥٠/ب] بعده بأمر عند وصيته.
فإن قيل: كيف تصح هذه المسألة على أصولكم، وعندكم أن المعدوم ليس بشيء، وتدللون٢ عليه بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣ وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ٤.
стр. 499
قيل: يصح على أصلنا من الوجه الذي بينا، وهو أنه أمر بشرط وجوده على صفة من يصلح تكليفه، وعلى أصل المخالف فهو لازم؛ لأن عندهم المعدوم شيء.
فإن قيل: فكيف يصح هذا على أصلكم، وقد قلتم: إن شريعة من قبلنا؛ ليس بشرع لنا؛ فلو كان الخطاب غائيًا لدخل فيه كل مكلف يوجد في الثاني؟
قيل: الصحيح من الروايتين أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وعلى الرواية الثانية: ليس بشرع لنا، لقيام الدلالة على نسخه.
وقد ذكر أبو عبد الله الجرجاني: أن هذا خلاف في عبارة؛ لأنه لا يدعى إلى فعل شيء، ويجب أن تكون فائدته ما ذكرناه من أنه لا يحتاج إلى تكرار الأمر.
стр. 500
مسألة أمر الله العبد بما يعلم أنه سيحال بينه وبينه جائز
مدخل
...
مسألة ١ [أمر الله العبد بما يعلم أنه سيحال بينه وبينه جائز] :
يجوز الأمر من الله تعالى بما في معلومه أن المكلف لا يمكن منه، ويحال بينه وبينه بكونه مع شرط بلوغه حال التمكن.
وهذا بناء٢ على أصلنا في تكليف ما لا يطاق، وتكليف الكفار العبادات.
وهو مذهب الأشعري ومن وافقه من أصحاب الشافعي، وهو اختيار
стр. 501
أبي بكر الرازي والجرجاني١.
وذهبت المعتزلة إلى أنه لا يجوز ذلك٢.
стр. 502
دليلنا:
أنه لو لم يكن أمرًا؛ لوجب أن لا يصح منه الدخول في العبادة بنية الفرض؛ لأنه لا يعلم هل يحال بينه وبين القدرة على فعلها؛ فلا يكون فرضًا، ولما أجمعنا على صحة العزم على نية الفرض مع هذا التجويز؛ علمنا أنه أمر صحيح.
يبين صحة هذا: أنه لا يصح أن ينوي الفرض في ليلة الشك؛ لأنه لا يتحقق الفرض، ولما صح نية الفرض ههنا علم أنه أمر صحيح.
ولأنه يصح الأمر من الله تعالى بالإيمان من يعلم أنه لا يؤمن، كذلك جاز أن يأمر بالفعل من يحول بينه وبينه؛ لتساويهما في تعذر الفعل من جهة المأمور في الموضعين.
فإن قيل: المأمور هناك لم يؤت في ترك الفعل من قبل الله تعالى؛ وإنما أتى في ذلك من قبل نفسه؛ فلم يحصل الأمر عبثًا.
قيل: إذا سبق علمه أنه لا يؤمن، فقد تحقق تعذر الفعل من جهة المأمور حين الأمر؛ لأن علمه لا ينقلب؛ لأن ضد العلم الجهل، وهو يتعالى عن ذلك، كذلك ههنا.
ولأن في هذا فوائد، وهو امتحان المكلف واستصلاحه وتوطين النفس
стр. 503
على فعل العزم على الطاعة، ومسرة الآمر بأمره وإيثار الإقرار من المأمور بالتزام طاعته والإخبار بالعزم على امتثال أمره إلى غير ذلك.
وأيضًا: فإنا وجدنا [٥١/أ] في الشاهد يحسن أمر المولى عبده بأن يسقيه الماء عند الحاجة إليه، وإن لم يكن على ثقة من تمكن العبد بما أمر به، وجوز أن يحال بينه وبينه ويخترم دونه، كذلك أوامر الله تعالى يجب أن تكون محمولة على ذلك.
فإن قيل: الله تعالى عالم بالعواقب، فلا يحسن أمره بما يعلم استحالة وقوعه من المكلف؛ فإذا علم أن المكلف سيحال بينه وبين ما كلف؛ لم يحسن أمره به، كما لا يحسن أمره بما علم استحالة حدوثه منه، وليس كذلك الأمر في الشاهد؛ لأنه لا يعلم العواقب، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في أمر الله؛ وإنما اعتبر فيه الظن بتمكين المأمور ما أمر به، فإذا ظن ذلك حسن أمره.
قيل: هذا يبطل بأمره بالإيمان من١ يعلم أنه لا يؤمن؛ فإنه يصح، وإن كان عالمًا بالعواقب أنه لا يؤمن، كذلك ههنا.
ولأن الأمر حال وروده يحصل للمأمور اعتقاد الوجوب وسكون النفس إلى فعله في الثاني، ويصح تعلق الأمر بهذا المعنى، ألا ترى أن الإيمان بالله تعالى يحصل بمجرد الاعتقاد، وإن لم يقارنه شيء من أفعال الجوارح؟
ولأن هذا القول لو صح؛ لوجب أن يمنع من إطلاقه القول بأن الإنسان منهي عن الزنا في المستقبل، ومأمور بالإيمان؛ لأنه لا يعرف بقاؤه إلى ذلك الوقت.
стр. 504
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الله تعالى إذا علم من حال المكلف أنه١ سيحال بينه وبين ما أمر به، ولا يمكن من فعله؛ فإن فعله يستحيل وقوعه منه، وما يستحيل وقوعه لم يحسن الأمر به؛ ألا ترى أنه لا يحسن الأمر بصعود السماء، والمشي على الماء، وقلب العصا حية، وما يجري هذا المجرى مما يستحيل وقوعه من المأمور به؟
والجواب: أنه يبطل الأمر بالإيمان إذا حكم أنه لا يؤمن، فإنه يصح، وإن كان يستحيل وقوعه، كذلك ههنا.
وعلى أن الأمر بذلك لا يحصل فيه فائدة؛ لأن المقصود من الأمر تعريض المكلف لاستحقاق الثواب فيما يوقعه، فمتى علم عجز المكلف عن ذلك؛ لم يحصل له سكون النفس إلى فعل ما أمر به، فصار الأمر عبثًا، وهذا حصل من جهة سكون النفس واعتقاد وجوب الفعل، وتعذره بعد ذلك بسبب من جهة نية الآمر؛ فلهذا فرقنا بينهما.
وفيه فوائد، منها: إظهار أمره بذلك، وإقرار المأمور به بوجوب طاعته إن بقي، ولاعتقاده أن في أمره بذلك استصلاحًا له في غير ذلك الفعل، وتوطنة النفس على الطاعة في جميع ما يأمره، وليعرضه بذلك لثواب العزم على طاعته.
стр. 505
مسألة يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن المأمور لا يفعله
مدخل
...
مسألة ١ [يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن المأمور لا يفعله] :
وقال أحمد ﵀ في رواية حنبل: علم الله تعالى أن آدم سيأكل
стр. 506
من الشجرة التي نهاه عنها قبل أن يخلقه.
خلافًا [٥١/ب] للمعتزلة في قوله: لا يجوز١.
стр. 507
دليلنا:
أنه أمر إبليس بالسجود لآدم مع علمه أنه لا يفعله، وكذلك أمر الكفار بالإيمان مع علمه أنهم لا يؤمنون.
ولأن أمره مع علمه أن المأمور لا يفعله كأمره مع علمه أنه يحال بين المأمور وبين الفعل، وقد بينا فيما تقدم جوازه.
стр. 508
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لا يصح أن يريد من المكلف ما يعلم أنه لا يفعله؛ لأنه عبث.
والجواب: أن هذا ليس بعبث؛ لأن الله تعالى قد عرض المأمور بما أمره به إلى النفع إذا أداه، وإظهار١ أمره بذلك وإقرار المأمور به بوجوب طاعته. ولأن هذا يبطل بأمره لإبليس بالسجود مع علمه أنه لا يفعله.
стр. 509
مسألة يجوز أن يرد الأمر من الله تعالى متعلقا باختيار المأمور
مدخل
...
مسألة ١ [يجوز أن يرد الأمر من الله تعالى متعلقًا باختيار المأمور] :
وهذا بناء على أصلنا: أن٢ المندوب مأمور به مع كونه مخيرًا في فعله وتركه.
خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يجوز ذلك٣.
стр. 510
دليلنا:
أن الله أرخص لنا القصر في السفر، وأوجب الإتمام في الحضر، وعلق ذلك باختيارنا.
وهكذا القول في اختيار واحد من الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين؛ فإذا كان كذلك؛ لم يمتنع أن يرد الأمر معقودًا بشرط اختيار المأمور.
стр. 511
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لا طريق لنا إلى معرفة ما هو مصلحة لنا فنختاره؛ فلم نأمن أن تكون المصلحة في غير ما نختاره، فلا يجوز أن يكون ذلك موكولًا إلى اختيارنا، وفارق هذا ما يؤديه إليه اجتهادنا أنه مصلحة لنا، وإن كان متعلقًا باختيارنا؛ لأن الاجتهاد قد بين لنا طريقه، فجرى مجرى المنصوص عليه؛ فإذا أدانا اجتهادنا إليه وحكمنا به؛ علمنا أنه مصلحة لنا، وما لم يجعل لنا طريق إلى معرفته؛ فلا نعلم عند اختيارنا له أنه مصلحة لنا، بل جائز أن تكون المصلحة في غيره.
والجواب: أنه ليس من شرط صحة الأمر أن يقع على وجه المصلحة لنا، فقد١ يجوز أن يأمر بما لنا فيه مصلحة وما لا مصلحة لنا فيه، ويأتي الكلام فيه على أنه يبطل بما ذكرنا من رخصة القصر والكفارة على طريق التخيير.
стр. 512
مسألة ورود الأمر والنهي بالتكليف دائما
مدخل
...
مسألة ١ [ورود الأمر والنهي بالتكليف دائمًا] :
يجوز أن يرد الأمر والنهي بالتكليف دائمًا إلى غير غاية، فيقول: "صلوا في كل يوم أبدًا ما بقيتم"، و "صوموا رمضان أبدًا ما حييتم"؛ فيقتضي ذلك الدوام مع بقاء التكليف، وهذا مع قولنا: إن الأمر يقتضي التأكيد.
خلافًا للمعتزلة في قولهم: لا يجوز أن يرد بذلك، ومتى ورد اللفظ بهذا لم يقتضِ الدوام، وإنما هو للحث على التمسك بالفعل.
стр. 513
دليلنا:
أنه ليس بأمر بمحال.
ولأنه تصرف في الملك؛ فجاز كتصرف [٥٢/أ] أحدنا في ملكه.
ولأن لفظة التأبيد١ موضوعة في اللغة لدوام الفعل دون انقطاعه، كما أنها٢ موضوعة لما لا يعقل؛ فلم يجز إطلاق لفظ التأبيد على ما لا يجب دوامه؛ لأنه يصير وجود هذا اللفظ كعدمه.
ولأنه لو قال: "صلوا أبدًا؛ فإنه مصلحة لكم ما بقيتم"؛ لكان ذلك مقتضيًا للتأبيد، كذلك إذا أطلق.
ولأن من امتنع من هذا الإطلاق يقول: إن فيه قطع الثواب.
ولأنا نعلم أنه لا بد لها من الانقطاع بالموت والجنون، وهذا لا يصح؛ لأن الثواب غير مستحق على الله تعالى على ما نبينه.
ولأن الأمر ثابت مع بقاء الأمر؛ فلا يدخل فيه حال الجنون والموت؛ لأنه غير مكلف فيه، والأمر تناول المكلف.
стр. 514
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الثواب واجب عليه على الأعمال دائمًا غير منقطع؛ فلو دام عليهم التكليف بطل ثواب عملهم، ولو أثابهم في خلال ذلك؛ لم يكن ثوابهم إلا منقطعًا.
والجواب: أن أقل نعمة الله تعالى على خلقه يستحق بها عليهم أن يعبدوه؛ فلا يستحق عليه الثواب، ولو كان الثواب على العمل مستحقًا؛ لم يستحق الثناء والشكر والحمد والمدح، كما أن قاضي الدين وراد الغصب والوديعة، لما كان ذلك مستحقًا عليه؛ لم يستحق الشكر والثناء، وفي إجماعنا على أنه يجب علينا الشكر والثناء والحمد لله على نعمه علينا؛ دليل على أنه غير مستحق عليه.
واحتج: بأن هذه العبادات لا بد لها من الانقطاع؛ لأنه إنما حسن الأمر بها لما فيها من الثواب للمكلف، ودوامها يقطع الثواب؛ فإذا كانت لا بد لها من الانقطاع بالموت؛ كان لفظ التأبيد فيها مستعملًا على وجه المجاز؛ فوجب أن يسقط اعتبار الحقيقة فيه، ويكون القصد المبالغة في الحث على التمسك بالعبادة.
والجواب: أن قد بينا أن الثواب غير مستحق، على أن الأمر إنما يتعلق بمأمور مكلف، وهو إنما تكون هذه الصفة ما دام في دار التكليف؛ فإذا خرج من كونه مكلفًا بالموت؛ لم يبق عليه حكم الأمر؛ فإذا كان كذلك كانت حقيقة التأبيد ثابتة مع بقاء الأمر، فلا يكون سقوط الأمر دلالة على سقوط حقيقة التأبيد عند الاستعمال.
على أن هذا يبطل به لو قال: افعلوا ذلك أبدًا؛ فإنه مصلحة لكم ما بقيتم؛ لكان ذلك مقتضيًا للتأبيد. وإن كان لا بد من الانقطاع بالموت،
стр. 515
كذلك لفظ التأبيد بهذه المثابة.
واحتج: بأن الآمر منا في الشاهد قد يقرن إلى لفظ الأمر لفظ التأبيد؛ فلا يكون مراده به الدوام، كقول المولى لغلامه: "لازم هذا الغريم أبدًا" [٥٢/ب] ، يريد به أن لا يفارقه حتى يستوفي الدين، كقول الأب لابنه: "لازم المعلم أبدًا١، ولا تفارقه حتى تتعلم منه القرآن ونحوه"؛ فوجب أن تكون أوامر الله محمولة على المتعارف في الشاهد.
والجواب: أن دلالة الحال تقترن إلى الأمر، فيصير كأنه قال: لازم الغريم والمعلم ما لم تستوف الدين، وما لم تتعلم منه، وهكذا أوامر الله يكون ذلك تقديرها؛ كأنه قال: افعلوا ذلك ما دمتم مكلفين.
واحتج بأن المأمور قد يتخلله الجنون والنوم والإغماء، ولفظة التأبيد تعم ذلك، ومعلوم أن الخطاب لا يتوجه إليه.
والجواب: أنا قد بينا أن الأمر يتعلق بمأمور مكلف، فهذه الأحوال مستثناة لعدم التكليف، ويبطل به إذا قال: "افعلوا أبدًا؛ فإنه مصلحة"؛ فإنه يصح وإن كان هذا موجودًا.
стр. 516
مسألة من شروط الأمر أن يكون المأمور به معدوما في المستقبل
مدخل
...
مسألة من شروط الأمر أن يكون المأمور به معدوما في المستقبل: ١
من شرط الأمر أن يكون المأمور به في مستقبل الوقت غير موجود، وحكي عن طائفة من المتكلمين أن الأمر بالموجود جائز.
стр. 517
دليلنا:
أن استحالة وقوع ما هو موجود من الملكف كاستحالة الجمع بين
стр. 518
الضدين، وجعل الجسم في مكانين في وقت واحد؛ فإذا لم يجز ذلك؛ لم يحسن الأمر بالموجود.
ولأن الموجود قد خرج بوجوده عن كونه مأمورًا به؛ لأنه لو لم يكن كذلك؛ لكان لا يخرج عن كونه واجبًا؛ لأن الوجوب من مقتضى الأمر، وهذا يوجب بقاء الفرائض على المكلفين بعد فعلهم لها على الوجه المأمور به, وفي بطلان ذلك دليل على امتناع جواز الأمر بالموجود.
ولأنه لما لم يحسن أن يأمر الواحد منا في الشاهد من هو قائم بالقيام ومن هو قاعد بالقعود لكون المأمور [به] موجودًا؛ وجب أن يكون أمر الله تعالى محمولًا على ذلك؛ فلا يحسن أمره بما هو موجود؛ لأنه إنما يخاطب بما هو متعارف بين أهل اللسان.
стр. 519
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لو لم يصح الأمر بالموجود؛ لم يصح ذم الكافر على كفره الذي هو فيه في الحال؛ لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجودًا، ولوجب أن لا يكون المؤمن مأمورًا بالإيمان؛ لأن ما قد وجد منه؛ لا يصح الأمر به على هذه الصفة.
والجواب: أن الكافر إنما يستحق الذم على ما فعله١ من اعتقاد الكفر والبقاء عليه، فلا يكون في ذلك دلالة على كونه مأمورًا بما قد وجد منه.
стр. 520
مسألة يصح أن يتقدم الأمر على وقت الفعل
مدخل
...
مسألة ١ يصح أن يتقدم الأمر على وقت الفعل:
خلافًا للطائفة التي تقدم ذكرها في المسألة التي قبلها: أن الأمر [٥٣/أ] لا يكون أمرًا إلا في حالة الفعل، وما يتقدمه لا يكون أمرًا؛ وإنما هو إعلام.
стр. 521
دليلنا:
أن الواحد منا في الشاهد يحسن منه أن يأمر عبده بما يفعله في غد، وفيما بعد بأوقات، ويطلق عليه اسم الأمر، ويسمى قوله ذلك أمرًا [فـ] وجب أن تكون هذه الصفة جائزة في أمر الله تعالى وأمر رسوله.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ما يتقدم حال الفعل إعلامًا وتعريفًا، ولا يكون أمرًا إلا في حال الفعل، وتكون هذه سبيل أمر المولى عبده فيما يفعله في الثاني.
قيل: قولك: إنه إعلام؛ لا يخلو من أن يكون المراد به حصول العلم للمأمور [أ] وأنه يحصل له به معلوم؛ فإن أردت به حصول العلم كان ذلك باطلًا؛ لأن العلم هو الاعتقاد للشيء على ما هو به، والأمر هو حروف منظومة؛ فكيف يجوز وقوع العلم بالأمر؟!
فإن أردت به أن المأمور يحصل له بذلك معلوم بأن يعلم ما أمر به في الثاني؛ فلا يخلو ذلك: من أن يكون يعلم وجوب ما أنبأ عنه لفظ الأمر، أو حدوث أمر مستأنف في الثاني، وكلا الأمرين باطل؛ لأنه إن اعتقد وجوب ما أنبأ عنه القول؛ لم يأمن أن يكون الآمر لم يرد بذلك القول وجوب ما تضمنه؛ وإنما أراد به الندب أو نحوه؛ فإذا اعتقد هو غير ذلك؛ كان اعتقاده جهلًا، وكذلك إن اعتقد أن الأمر سيجدد له أمرًا في الثاني عند حال الفعل، لم يأمن أيضًا أن لا يوجد ذلك من الآمر بأن غيره دونه، فيكون اعتقاد المأمور جهلًا، وإذا بطلت هذه الوجوه كلها؛ لم يبق إلا أن يكون ذلك القول أمرًا.
стр. 522
مسألة جواز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها
مدخل
...
مسألة [جواز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها] : ١
إذا أمر الله [عبده] ٢ بعبادة في وقت مستقبل؛ جاز أن يعلمه بذلك قبل مجيء الوقت.
خلافًا للمعتزلة في قولهم: لا يجوز أن يعلمه بذلك قبل الوقت٣.
стр. 523
دليلنا:
إن إعلامه بذلك لا يفضي إلى الأمر بالمحال، فيجب أن يجوز.
ولأن الأمر إذا جاز تعليقه بوقت وزمان؛ جاز تعليقه بوقت معلوم كالطلاق والوكالة، لما جاز تعليقهما١ بزمان مستقبل صح بوقت معين.
ولأن تعليقه بوقت معين آكد من الإطلاق، يدل على هذا: أنه لو أمر عبده بفعل شيء في وقت غير معين؛ لم يحسن تأديبه على تأخيره، ولو علقه بوقت معين فأخره عنه حسن تأديبه وتوبيخه.
стр. 524
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لو أعلمه بذلك؛ لكان قد علم أنه سيبقى إلى وقت الفعل لا محالة، ولو جاز ذلك؛ لكان إغراءً له بالمعاصي؛ لأنه يتكل على التوبة منها، وفي بطلان هذا دليل على أنه لا يجوز أن يعلم المكلف ما أمر به.
والجواب: أنه لا يعلم أنه سيبقى إلى وقت الفعل، للأصل الذي تقدم؛ وإنما يجوز أن يخبر به المكلف قبل الفعل.
وعلى أن هذا لا يمنع من إعلامه بالوقت وإن أفضى إلى ما ذكرت، كما لم يمنع ذلك من صحة التوبة، وإن أفضى ذلك إلى ما ذكرت؛ لأن التوبة تجب ما قبلها من المعاصي؛ فإذا علم بذلك أخلد إلى المعاصي، ثم عقب ذلك بالتوبة، ثم لم يمنع هذا من صحة التوبة؛ كذلك لا يمنع من معرفة الوقت، وليس لهم أن يقولوا: إنه يجوز أن يموت قبل كمال الفعل؛ لأن الموت عليه أمارة في الغالب.
стр. 525
مسألة [بعض الواجبات أوجب من بعض] : ١
يجوز أن يقال: إن بعض الواجبات أوجب من بعض.
كالصلوات الخمس [أوجب] من المنذورات، والزكوات أوجب من النذور، وكذلك الإيمان أوجب من غيره من العبادات، وكذلك الكفر
стр. 526
أعظم من المعصية من سرقة حبة.
وقد قال أحمد ﵀: "ركعتا الفجر آكد من الوتر".
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة١، وذكره أبو بكر بن الباقلاني أيضًا.
ومن الناس من منع ذلك٢.
ولسنا نريد بهذا أنه يرجع إلى نفس الأمر وما يتعلق به، وأن الأمر بفعل الإيمان أشد تعلقًا به من تعلق الأمر بالصلاة الواجبة؛ لأن الأمر بفعل الشيء متى كان يعود إلى إيقاعه؛ فإن الإيقاع للإيمان كإيقاع غيره.
ولا نريد به أيضًا: أن الإيمان أوجب من غيره؛ لأجل أن فعله يقف على أفعال متقدمة مثل النظر والاستدلال؛ لأن سائر الطاعات لا تصح إلا بتقدم غيرها عليها، وهو الإيمان، وكذلك الصلاة والزكاة لا يصحان إلا بالنية المتقدمة، كالإيمان.
وإنما نريد بذلك: أن المستحق من الثواب بأحد الفعلين أعظم مما يستحق بغيره، أو أن أحد الواجبين طريقه القطع والآخر غلبة الظن٣.
стр. 527
ولا يلزم على ما ذكرنا أن يجوز كذب أكذب من كذب، وصدق أصدق من صدق؛ لأنهما أمران يرجعان إلى الخبر، وهو وقوع الشيء على ما أخبر به المخبر أو على خلافه، وهذا لا يوجب اختلاف حال الخبرين في أنفسهما.
ولأن الكذب ليس بكاذب، ولا الصدق صادق؛ فلم يجز أن يقال: أصدق وأكذب، ولأن أصدق١ اسم علم، فلا يستعمل فيه للمبالغة كقولنا: زيد وعمرو، وليس كذلك: صادق أصدق من صادق؛ لأنه يصح أن يقال: إن المراد به أن أحدهما أكثر صدقًا من الآخر، وأما حسن أحسن من حسن، فيجوز.
وقد ذكر أصحابنا في الاقتصار على تطليقة واحدة، أنه أحسن من الثلاث٢، وإن كانتا جميعا قد اشتركتا في السنة٣.
وهذا معنى قول الخرقي٤: "وطلاق السنة أن يطلقها طاهرًا من
стр. 528
غير جماع طلقة؛ فإن طلقها ثلاثًا في طهر كان أيضًا للسنة وكان تاركًا للاختيار١".
ويدل على ذلك أن الواجبين الجائزين قد يشتركان في الوجوب، أحدهما أحسن من الآخر، مثل من خفف صلاته، وأداها آخر بركوع وسجود أتم، وكذلك من أعطى زكاة ماله فقيرًا، وأعطى الآخر إلى من هو أحوج منه؛ كان ذلك أحسن.
وأما الأولى: فهو على ضربين: منه ما هو آكد، والثاني ما هو دونه.
فالآكد مثل ركعتي الفجر؛ لأن رسول الله ﷺ داوم على فعلها، وحث الناس بوجوه الحث على إيقاعها، ونبه على حكمها بقوله: "صلوهما فإن فيهما الرغائب"٢ وقال: "هما خير من الدنيا وما فيها" ٣.
وكذلك الوتر؛ لأن النبي ﷺ داوم على فعله، وحث الناس عليه بقوله: "أوتروا يا أهل القرآن" ٤، وقوله: "إن الله زادكم صلاة
стр. 529
هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر" ١، فلهذا قال أحمد رحمه