أعظم من المعصية من سرقة حبة.
وقد قال أحمد ﵀: "ركعتا الفجر آكد من الوتر".
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة١، وذكره أبو بكر بن الباقلاني أيضًا.
ومن الناس من منع ذلك٢.
ولسنا نريد بهذا أنه يرجع إلى نفس الأمر وما يتعلق به، وأن الأمر بفعل الإيمان أشد تعلقًا به من تعلق الأمر بالصلاة الواجبة؛ لأن الأمر بفعل الشيء متى كان يعود إلى إيقاعه؛ فإن الإيقاع للإيمان كإيقاع غيره.
ولا نريد به أيضًا: أن الإيمان أوجب من غيره؛ لأجل أن فعله يقف على أفعال متقدمة مثل النظر والاستدلال؛ لأن سائر الطاعات لا تصح إلا بتقدم غيرها عليها، وهو الإيمان، وكذلك الصلاة والزكاة لا يصحان إلا بالنية المتقدمة، كالإيمان.
وإنما نريد بذلك: أن المستحق من الثواب بأحد الفعلين أعظم مما يستحق بغيره، أو أن أحد الواجبين طريقه القطع والآخر غلبة الظن٣.
стр. 527
ولا يلزم على ما ذكرنا أن يجوز كذب أكذب من كذب، وصدق أصدق من صدق؛ لأنهما أمران يرجعان إلى الخبر، وهو وقوع الشيء على ما أخبر به المخبر أو على خلافه، وهذا لا يوجب اختلاف حال الخبرين في أنفسهما.
ولأن الكذب ليس بكاذب، ولا الصدق صادق؛ فلم يجز أن يقال: أصدق وأكذب، ولأن أصدق١ اسم علم، فلا يستعمل فيه للمبالغة كقولنا: زيد وعمرو، وليس كذلك: صادق أصدق من صادق؛ لأنه يصح أن يقال: إن المراد به أن أحدهما أكثر صدقًا من الآخر، وأما حسن أحسن من حسن، فيجوز.
وقد ذكر أصحابنا في الاقتصار على تطليقة واحدة، أنه أحسن من الثلاث٢، وإن كانتا جميعا قد اشتركتا في السنة٣.
وهذا معنى قول الخرقي٤: "وطلاق السنة أن يطلقها طاهرًا من
стр. 528
غير جماع طلقة؛ فإن طلقها ثلاثًا في طهر كان أيضًا للسنة وكان تاركًا للاختيار١".
ويدل على ذلك أن الواجبين الجائزين قد يشتركان في الوجوب، أحدهما أحسن من الآخر، مثل من خفف صلاته، وأداها آخر بركوع وسجود أتم، وكذلك من أعطى زكاة ماله فقيرًا، وأعطى الآخر إلى من هو أحوج منه؛ كان ذلك أحسن.
وأما الأولى: فهو على ضربين: منه ما هو آكد، والثاني ما هو دونه.
فالآكد مثل ركعتي الفجر؛ لأن رسول الله ﷺ داوم على فعلها، وحث الناس بوجوه الحث على إيقاعها، ونبه على حكمها بقوله: "صلوهما فإن فيهما الرغائب"٢ وقال: "هما خير من الدنيا وما فيها" ٣.
وكذلك الوتر؛ لأن النبي ﷺ داوم على فعله، وحث الناس عليه بقوله: "أوتروا يا أهل القرآن" ٤، وقوله: "إن الله زادكم صلاة
стр. 529
هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر" ١، فلهذا قال أحمد رحمه
الله: "من ترك الوتر فهو رجل سوء١".
ومنها ما دون ذلك؛ فيسمى نافلة السنن.
стр. 532
مسألة ١ [حكم الزيادة على الواجب] :
إذا فعل الواجب على المداومة، وزاد على ما يتناوله الاسم كالركوع والسجود إذا داوم عليه المكلف؛ فهل يكون عليه جميعه واجبًا؟
يحتمل أن يقال: الواجب أدنى ما يتناوله الاسم، والزيادة نفل، وهذا اختيار أبي عبد الله الجرجاني، وأبي بكر الباقلاني٢.
стр. 533
وذهب أبو الحسن الكرخي إلى أن جميعه واجب١، وقال في الركوع إذا داوم عليه المكلف كان جميعه واجبًا، وكذلك القراءة إذا طولها.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵁؛ لأنه استحب للإمام أن ينتظر على المأموم في الركوع ما لا يشق على المأمومين؛ فلولا أن إطالة الإمام في الركوع يكون جميعه واجبًا؛ لم يصح إدراك الركعة معه؛ لأنه يفضي إلى أن يكون المفترض مقتديًا بالمتنفل٢.
وجه ما ذكرناه٣: أن ما زاد على ما يتناوله الاسم مخير بين فعله
стр. 534
وتركه من غير أن يقيم مقامه غيره، وهذا يمنعه وجوبه، ألا ترى أن النوافل لما كانت بهذه الصفة؛ لم تكن واجبة؟
ووجه من قال جميعه واجب أن قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾ ١ يقتضي ما يتناوله اسم الركوع، وإن جاز الاقتصار على الجزء، كما أن من أذن لآخر في أن يتصدق من ماله بما شاء على زيد، فتصدق عليه بألف؛ جاز، وإن٢ كان فاعلًا لما أمر به، وإن كان له أن يقتصر على قدر درهم واحد.
وكذلك قوله: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ٣، يعبر عن كل ما تيسر؛ وإن جاز الاقتصار على القليل، مثل من قال: "بع عبدي بما تيسر"؛ جاز بيعه بما كان، وإن جاز له أن ينقص منه.
ولأن البناء كالابتداء؛ ولهذا لو حلف: لا يأكل ولا يلبس ولا يركب، فاستدام ذلك؛ حنث، كما لو ابتدأ، كذلك في مسألتنا.
والجواب: أن قوله: "اركعوا" يفيد أدنى ما يتناوله الاسم، ألا ترى أنه متى فعل هذا القدر سقط الفرض عن ذمته؛ فلم يجز الزيادة عليه إلا بدلالة، ويفارق هذا قوله لآخر: تصدق على فلان من مالي؛ لأن العادة [٥٤/ب] جارية أنه متى أراد تقدير العطية؛ فإنه يبينه للمأمور، فلما
стр. 535
ترك ذكره دل أنه جعل الخيار إليه في ذلك، فكان انضمام العادة إلى الأمر هو الموجب لما ذكره دون اللفظ.
ولا يجوز أن يقال: البناء كالابتداء؛ لأن الابتداء إنما وقع واجبًا؛ لأنه ممنوع من تركه، ولما كان البناء مأذونًا في تركه من غير أن يقيمه مقام غيره لم يكن واجبًا.
стр. 536
مسألة اللفظ المتضمن للندب يدل على وجوب غيره
مدخل
...
مسألة ١ [اللفظ الذي يتضمن الندب يدل على وجوب غيره] :
نحو قوله ﷺ : "بالغ في الاستنشاق " ٢: أنه يفيد وجوب الاستنشاق، وإن كانت صفة.
стр. 537
وكذلك قوله صلى الله عليه [وسلم] في السعي بين الصفا والمروة: "اسعوا" ١ يفيد وجوب المشي بين الصفا ...
والمروة١، وأن نطقه يفيد مشيًا على صفة هي السرعة.
وقد استدل أحمد ﵁ على وجوب الاستنشاق بالحديث٢ الذي ذكر فيه المبالغة، فقال ﵁ في رواية الميموني وحنبل، واللفظ لحنبل: إذا نسي المضمضة قبل الاستنشاق يعيد الصلاة٣؛ لقول
стр. 540
النبي ﷺ : "إذا استنشقت فانتثر" ١.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يدل ذلك على الوجوب، حكاه الجرجاني.
стр. 541
دليلنا:
أن الأمر يتناول شيئين أحدهما الاستنشاق، والثاني المبالغة؛ لأن المبالغة لا تحصل إلا بوجود الاستنشاق، وكذلك السعي لا يحصل إلا بوجود المشي؛ فسقوط أحدهما لا يوجب سقوط الآخر، كالعموم إذا خص.
وذهب المخالف إلى أن نفس المنطوق به هو المبالغة، وهو السعي، وذلك غير واجب؛ فلم يجب مدلوله.
والجواب: أنا قد بينا أن الأمر اقتضى أمرين.
стр. 542
مسألة ١ [المذكور متى جعل دلالة على نفس عبادة] :
فإن ذلك دلالة على وجوبه فيها.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ٢، لما دل على صلاة الفجر؛ فهم وجوبه فيها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ ٣﴾ فلما نبه بذكر الحلق على الإحرام؛ كان ذلك واجبًا فيه. وكذلك قوله٤: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ٥، لما دل على الصلاة؛ كانا واجبين فيها؛ لأن الشيء يجعل دلالة على الغير متى كان مقصودًا في نفسه مطلوبًا منه، وهذه الأمور مقصودة من هذه العبادات مرادة فيها.
ولأن العادة جارية أن ذكر معظم الشيء يجعل دلالة على باقيه، ولا يجعل الجزء منه دلالة عليه؛ فكان ذكر الشيء على وجه الدلالة على غيره تنبيها على كونه بعضًا منه.
стр. 543
مسألة ١ [ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب] :
إذا أمر الله تعالى [عبده] بفعل من الأفعال وأوجبه عيله، وكان المأمور لا يتوصل إلى فعله إلا بفعل غيره؛ وجب [٥٥/أ] عليه كل فعل لا يتوصل إلى فعل الواجب إلا به٢.
стр. 544
وذلك مثل أن يجب عليه أن يتطهر للصلاة، ولا يمكنه أن يتطهر إلا بشراء الرشاء واستقاء الماء؛ فيلزمه الشراء والاستقاء؛ لأنه يلزمه فعل الواجب عليه إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه مع الإمكان، وهو في الحال متمكن على هذا الوجه؛ فلهذا لزمه.
ولهذا قال١ أصحابنا: إذا وجد الماء بأكثر من ثمن مثله، بزيادة لا تجحف بماله؛ لزمه شراؤه٢.
فإن قيل: فيجب أن توجبا عليه اكتساب الاستطاعة لفعل الحج، واكتساب النصاب ليؤدي الزكاة.
قيل: ذلك شرط في الوجوب دون الفعل، ولا يجب عليه أن يفعل ما يوجب به العبادة على نفسه، وليس كذلك ههنا، فإنه معنى لا يتوصل إلى أداء الواجب عليه إلا به؛ فلزمه فعله.
ولهذا قال أصحابنا في المفلس: إذا كانت له حرفة؛ لزمه أن يكتسب،
стр. 545
ويقضي دينه١؛ لأنه يتوصل بذلك إلى أداء الواجب٢.
стр. 546
مسألة ١ [هل تتوقف أوامر الله لعباده على المصلحة] :
الأمر لا يقف على المصلحة، وقد يجوز أن يأمر بما لا مصلحة للمأمور فيه؛ ولكن التكليف منه إنما يقع على وجه المصلحة.
خلافًا للمعتزلة في قولهم: يقف على المصلحة٢.
والكلام في ذلك مبني على أصول:
أحدها: أنه يجوز أن يأمر بما لا يريد، وما لا يريده لا مصلحة فيه.
وقد دل على هذا الأصل: أمره لإبراهيم بذبح ولده، ولم يرد وجوده منه؛ لأنه نهاه عن فعله، وفداه بالكبش.
الأصل الثاني: أنه لا يجب عليه فعل الأصلح في خلقه، وإذا لم يجب عليه ذلك؛ لم يقف أمره على المصلحة؛ لأنها غير واجبة عليه.
وقد دل على هذا الأصل: أنه لو وجب عليه فعل الأصلح؛ لم يستحق
стр. 547
الثناء والمدح؛ لأنه فعل ما يجب عليه فعله. ولما أجمعنا على أنه يستحق ذلك؛ علم أنه لا يجب عليه ذلك، وإنما يفعله تفضلًا.
والأصل الثالث: أن من قال: يقف الأمر على المصلحة؛ بناه على أصل، وهو: أنه يقبح في العقل أن يأمر بما لا مصلحة فيه.
ونحن نبينه على هذا الأصل، وأن١ العقل لا يقبح ولا يحسن٢، وإذا لم يدل ذلك لم يقف على المصلحة؛ إذ ليس هناك ما يمنع من ضد المصلحة.
وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٣ فأخبر أنهم آمنون من العذاب قبل بعثة الرسل إليهم، فعلم أن الله تعالى لم يوجب على العقلاء شيئًا من جهة العقل؛ بل أوجب ذلك عند مجيء الرسل.
وقوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ
стр. 548
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١؛ فلو كان العقل حجة عليهم، لما قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ بل كان الواجب [٥٥/ب] أن يقول: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد العقل؛ ولما لم يقل هذا؛ ثبت أن العقل لا تأثير له في ذلك.
ويدل على هذه المسألة من غير بناء على أصل: أن الله تعالى أمر إبراهيم بالذبح ومنعه منه قبل وقوع الفعل؛ فلو كان أمره بالذبح مصلحة؛ لم ينهه عن فعله قبل فعله؛ فلما نهاه عنه؛ علمنا أنه لم يكن له مصلحة في ذلك الأمر.
ويدل عليه أيضًا: اتفاق الجميع على أنه قد يأمر من قد سبق في علمه أنه لا يفعل ما أمر به، كأمره للكفار بالإيمان، وقد علم أنهم لا يؤمنون، ومعلوم أنه لا مصلحة لهم في هذا الأمر؛ لأن تركه لا يوجب عليهم مأثمًا؛ لأنه لا يوجد من جهتهم مخالفة، وبالأمر يحصل منهم مخالفة، فيستحقوا على ذلك العذاب، فكان ترك الأمر أنفع لهم منه. وجرى هذا مجرى من علم من حاله أنه متى دفع إليه سيفًا يقاتل به؛ قتل به نفسه؛ فإن المصلحة له أن لا يعطيه شيئًا، وكذلك من علم من حاله أنه متى سافر قطع عليه وقتل، ولم يصل إلى ربح، كان الأصلح له ترك ذلك. وهذه طريقة جيدة على هذه المسألة٢.
стр. 549
وقد ذكر بعضهم طريقة في هذا فقال: قد أمر الله تعالى بالدعاء، ولا مصلحة في ذلك على قول المخالف؛ لأن الداعي إن كان عاصيًا؛ لم ينفعه دعاؤه؛ لأنه قد استحق الخلود في النار، وإن كان طائعًا؛ لم ينفعه دعاؤه؛ لأنه قد استحق الثواب الدائم بالطاعة.
وهذه طريقة لينة؛ لأن الأمر بالدعاء يفيد على قولهم زيادة في الآخرة، كما أن تكليفه عبادة بعد عبادة يفيد زيادة في الآخرة.
وبناء المخالف الكلام في هذه المسألة على الأصول التي ذكرناها. والكلام معه في تلك الأصول.
سؤال: إن قيل: هل يجوز أن يقول: افعل ما أردته منك إن لم أكرهه؟
قيل: لا يجوز؛ لأنه قد قام الدليل على قدم إرادته، وكونه لم يزل مريدًا لما أراده، واستحالة كونه كارهًا له بعد إرادته؛ فلم يجز اشتراط ذلك، ذكر هذا السؤال أبو بكر، ومنع منه١.
стр. 550
باب النواهي
صيغة النهي
مدخل
...
باب النواهي
مسألة ١ [صيغة النهي] :
للنهي صيغة مبنية تدل بمجردها عليه، وهو قول القائل لمن دونه: "لا تفعل"؛ كالأمر سواء.
نص عليه الإمام ﵁ في رواية عبد الله فقال: "ما نهى النبي ﷺ ؛ فمنه أشياء حرام، مثل نهيه أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها٢،
стр. 551
ونهى عن جلود السباع أن تفترش١؛ فهذا حرام. ومنه أشياء نهى عنها نهي أدب".
خلافًا للمعتزلة في قولهم: لا يكون [٥٦/أ] نهيًا لصيغته؛ وإنما يكون نهيًا بإرادة الناهي كراهية المنهي عنه.
وخلافًا للأشعرية في قولهم: لا صيغة له؛ وإنما هو معنى قائم في النفس.
والكلام في هذا كالكلام في الأمر سواء، وقد دللنا بما فيه كفاية.
ويدل عليه أيضًا إجماع الصحابة؛ فإنهم كانوا يرجعون إلى ظواهر النواهي في ترك الشيء.
стр. 552
من ذلك قول ابن عمر ﵁: كنا نخابر أربعين عامًا، لا نرى بذلك بأسًا، حتى أتانا رافع فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة، فانتهينا بقول رافع"١. وغير ذلك من الظواهر.
ولأن السيد إذا قال لعبده: لا تفعل كذا، ففعل؛ صلح أن يعاقبه عليه.
وقد ورد لفظ: "لا تفعل" في القرآن على وجوه:
منها: ما ورد على وجه الرغبة والسؤال، مثل قوله: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ ٢.
ومنها: ما ورد بلفظ التقرير مثل قوله: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ ٣.
وقد ورد على وجه التحذير، مثل قول القائل لعبده: الآن قد أمرتك، لا تفعل٤.
وورد على وجه الاستقلال، مثل أن يقول: لا تكلمني، فإنك لست بأهل للكلام٥ ولا موضعًا له.
ويرد لتسكين النفس مثل قوله: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ٦.
ويرد على وجه الأمان من الخوف، مثل قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ ٧.
مسألة ١ [النهي المطلق يقتضي الفور والتكرار] :
والنهي يقتضي المبادرة إلى ترك المنهي عنه على الفور، كالأمر، وأنه يقتضي التكرار كالأمر سواء.
وقال أبو بكر ابن الباقلاني: لا يقتضي التكرار، كالأمر، ولا يقتضي الفور.
وما ذكرناه في الأوامر فهو دلالة في النهي، فلا وجه لإعادته.
ولأن الواحد من أهل اللغة متى قال لعبده: لا تدخل هذه الدار، فترك المأمور دخولها ساعة، ثم دخلها استحق الذم عند سائر العقلاء؛ فدل على أنه يقتضي التكرار.
стр. 555
مسألة النهي عن أشياء بلفظ التخيير يقتضي المنع من أحدها
مدخل
...
مسألة ١ [النهي عن أشياء بلفظ التخيير يقتضي المنع من أحدها] :
النهي إذا تعلق بأحد أشياء بلفظ التخيير، مثل: أن لا تكلم زيدًا أو
стр. 556
عمرًا؛ فإنه يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه التخيير، على ظاهر كلام أحمد ﵁ في رواية البغوي: كل ما في كتاب الله تعالى "أو" فهو على التخيير.
خلافًا للمعتزلة في قولهم: إنه يقتضي المنع من كليهما١ جميعًا٢، وهو اختيار الجرجاني.
وقال أبو بكر ابن الباقلاني: يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه التخيير.
стр. 557
دليلنا:
أن النهي كالأمر في باب الكف، ثم ثبت أنه لو قال: تصدق بدرهم أو دينار؛ لم يجب الجمع بينهما، كذلك النهي١.
стр. 558
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ١ [٥٦/ب] معناه: ولا كفورًا٢.
والجواب: أنا حملناه على الجمع بدليل.
стр. 559
واحتج: بأنا وجدنا أهل اللغة يقولون: لا تطع زيدًا أو عمرًا، المعنى: اتق طاعتهما؛ كأنه قال: لا تطع زيدًا ولا عمرًا.
والجواب: أنا لا نسلم بهذا.
واحتج: بأن في المنع منهما احتياطًا، حتى لا يواقع المحظور، ولهذا قلنا فيمن اشتبهت عليه جاريته بجارية١ غيره: أنه لا يطأ واحدة منهما.
والجواب: أنه يلزم عليه التخيير في الواجب؛ لأن فعل كل واحد منهما احتياطًا؛ لأنه بفعل أحدهما لا يأمن ترك واجب، ومع هذا لا يجب.
واحتج: بأن ما وجب تركه مع غيره؛ وجب تركه بانفراده.
والجواب: أنه يبطل بالجمع بين الأختين، يجب من ترك كل واحدة منهما مع وجود الأخرى عنده ولا يجب مع عدمها.
стр. 560
مسألة النهي عن شيء له ضد واحد أمر بضده
مدخل
...
مسألة ١ [النهي عن شيء له ضد واحد أمر بضده] :
إذا ورد النهي عن فعل شيء له ضد واحد كان أمرًا بضده من جهة المعنى، نحو قوله: ﴿لاَ تَكْفُرْ﴾ ٢ يكون أمرًا بضده، وهو الإيمان.
وإذا كان للمنهي عنه أضداد، تضمن ذلك أمرًا بضد واحد من الأضداد، كقوله: لا تسجد.
стр. 561
دليلنا:
أنه إذا نهى عن فعل شيء؛ تضمن ذلك وجوب الكف عنه، ولا يمكنه الكف عنه إلا بفعل واحد من الأضداد؛ فثبت أن النهي عنه تضمن واحدًا من أضداده لا محالة، ألا ترى أنه لا يتوصل إلى ترك الحركة إلا بفعل ضدها من السكون؛ فصار كأنه ترك الحركة بالسكون، فتضمن ذلك إيجاب فعله عليه.
ويبين صحة هذا ما ذكرناه: أن الأمر بالشيء؛ أمر بما لا يتم إلا به، ولهذا جعل الأمر بالطهارة والأمر بالكفارة، لكن بطلب ما يتوصل به إليه.
стр. 562
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن اللفظ يصح وروده مقترنًا بذكر إباحة جميع أضداده؛ فلو كان النهي يتناول ذلك؛ لم يجز نفيه بما يقترن به.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، وإنما يصح أن يرد بإباحة بعض أضداده، لا جميعها.
стр. 563
مسألة إطلاق النهي يقتضي الفساد
مدخل
...
مسألة ١ [إطلاق النهي يقتضي الفساد ٢] :
وقد قال أحمد ﵁ في رواية٣ أبي القاسم إسماعيل بن عبد الله بن ميمون العجلي٤ في الشغار٥:
يفرق بينهما؛ لأن النبي ﷺ
стр. 564
قد نهى عنه١، وقال: أرأيت لو تزوج امرأة أبيه؛ أليس قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢.
وقال ﵁ في رواية أبي طالب وقد سئل عن بيع الباقلا٣ [٥٧/أ] قبل أن تحمل وهو ورد، فقال: [نهى] النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها٤، هذا بيع فاسد، وهو قول جماعة الفقهاء.
стр. 565
خلافًا للمعتزلة١ والأشعرية في قولهم: لا يقتضي فساد المنهي عنه بإطلاقه٢.