دليلنا:
أنه إذا نهى عن فعل شيء؛ تضمن ذلك وجوب الكف عنه، ولا يمكنه الكف عنه إلا بفعل واحد من الأضداد؛ فثبت أن النهي عنه تضمن واحدًا من أضداده لا محالة، ألا ترى أنه لا يتوصل إلى ترك الحركة إلا بفعل ضدها من السكون؛ فصار كأنه ترك الحركة بالسكون، فتضمن ذلك إيجاب فعله عليه.
ويبين صحة هذا ما ذكرناه: أن الأمر بالشيء؛ أمر بما لا يتم إلا به، ولهذا جعل الأمر بالطهارة والأمر بالكفارة، لكن بطلب ما يتوصل به إليه.
стр. 562
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن اللفظ يصح وروده مقترنًا بذكر إباحة جميع أضداده؛ فلو كان النهي يتناول ذلك؛ لم يجز نفيه بما يقترن به.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، وإنما يصح أن يرد بإباحة بعض أضداده، لا جميعها.
стр. 563
مسألة إطلاق النهي يقتضي الفساد
مدخل
...
مسألة ١ [إطلاق النهي يقتضي الفساد ٢] :
وقد قال أحمد ﵁ في رواية٣ أبي القاسم إسماعيل بن عبد الله بن ميمون العجلي٤ في الشغار٥:
يفرق بينهما؛ لأن النبي ﷺ
стр. 564
قد نهى عنه١، وقال: أرأيت لو تزوج امرأة أبيه؛ أليس قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢.
وقال ﵁ في رواية أبي طالب وقد سئل عن بيع الباقلا٣ [٥٧/أ] قبل أن تحمل وهو ورد، فقال: [نهى] النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها٤، هذا بيع فاسد، وهو قول جماعة الفقهاء.
стр. 565
خلافًا للمعتزلة١ والأشعرية في قولهم: لا يقتضي فساد المنهي عنه بإطلاقه٢.
стр. 566
دليلنا:
ما روت عائشة عن النبي ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد"، وفي بعض الألفاظ: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه؛ فهو رد". وروى: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" ١.
стр. 567
فإن قيل: معنى الرد: أنه غير مقبول، والقبول من الله تعالى هو الإثابة عليه، ونحن نقول: إنه لا يثاب على فعله.
قيل: الرد يحتمل ذلك، ويحتمل الإبطال والإفساد، كما يقول: رد فلان على فلان، إذا أبطل قوله وأفسده، فوجب حمله عليهما.
وأيضًا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة إلا بطهور" ١،
стр. 568
و "لا نكاح إلا بولي" ١ و "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، ومعلوم أنه لم يرد بذلك نفس الفعل؛ لأن الفعل لا يمكن رفعه، وإنما أراد نفي حكمه، فاقتضى ذلك أن الفعل إذا وجد على الصفة المنهي عنها؛ لم يكن له حكم، وكان وجوده كعدمه؛ فيكون الفرض باقيًا على حالته؛ فوجب الإتيان به.
وأيضًا: فإن الصحابة ﵃ استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها.
فمن ذلك: احتجاج ابن عمر في فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ٢.
стр. 569
وكذلك احتجاجهم في إفساد عقود الربا بقوله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، وإلا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد" ١. وما أشبه ذلك؛ [فلو] كان إطلاقه لا يفيد الفساد؛ لم يرجعوا إلى ظاهر الكلام.
فإن قيل: إنما رجعوا إلى ذلك لدلالة مقترنة إلى هذه الألفاظ دلت في الحال على ذلك.
قيل: لو كان الذي يفيد الفساد دلالة غير اللفظ لطالب بعضهم من بعض حال ورود المنازعة، ولكانت تنقل ذلك للعصر الثاني والثالث حتى لا يؤدي إلى تضييع الشرع.
стр. 570
وأيضًا: فإن النهي يخرجه عن أن يكون شرعًا، والصحة والجواز من أحكام الشرع، فما أخرجه من أن يكون موافقًا للشرع وجب أن يخرجه من أن يكون موافقًا لحكمه.
ويعبر عن هذا بعبارة أخرى وهو: أن ما يفعل على وجه منهي عنه؛ لا يجوز أن يكون هو المفروض ولا المندوب والمباح؛ لأن المنهي عنه لا يكون مأمورًا به ولا مندوبًا؛ لاستحالة اجتماع الشيء وضده؛ فإذا لم يكن [٥٧/ب] هو المأمور به لم يؤثر فعله في إسقاط حكم الأمر الآخر، فكان حكمه باقيًا عليه؛ فليزمه الإتيان به، وهذا معنى قولنا: النهي يقتضي الفساد، ولهذا قال أصحابنا: النهي إذا كان لمعنى في غير المنهي عنه؛ وجب فساد المنهي عنه أيضًا للمعنى الذي ذكرنا.
وأيضًا فإن الأمر يدل على الصحة والجواز، فوجب أن يدل النهي على البطلان والفساد؛ لأن النهي ضد الأمر، فما أفاده الأمر في المأمور؛ يجب أن يفيد النهي ضده في المنهي، ولهذا لما أفاد الأمر وجوب الفعل، أفاد النهي وجوب الترك.
وأيضًا: فإن النهي متعلق بصفة، وعدمها شرط في الفعل؛ فإذا فعله بطل لعدم الشرط.
وبيان هذا: أن النبي ﷺ قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" ١.
стр. 571
ظاهر النهي لأجل إحرامه، ولأن الإحلال شرط في صحة العقد، وهذا على أصلنا في القول بدليل الخطاب؛ لأنه إذا قال: لا ينكح المحرم، يدل على أن المحل ينكح، ويكون الإحلال شرطًا في صحته.
فإن قيل: هذا لا يدل على أن عدم الصفة شرط في صحة الفعل؛ وإنما يدل على أنه شرط في إباحة الفعل.
قيل: الأمر والإباحة يدلان على الصحة؛ لأن صاحب الشريعة إذا قال: أمرتك بأن تفعل النكاح في حال الإحلال؛ فإذا عقده؛ دل على أنه صحيح مجزئ؛ لكونه محلًا، وكذلك إذا قال: أبحت لك أن تفعل النكاح في حال الإحلال، فإذا عقده؛ كان صحيحًا لإحلاله.
стр. 572
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الدليل لا يجوز وجوده وليس معه مدلوله، وقد وجدنا في الشريعة نهيًا وتحريمًا يقارن الصحة والإجزاء؛ فدل على أنه لا يدل على الفساد،
стр. 573
وذلك مثل البيع في حال النداء، والطلاق في حال الحيض والوطء فيه، والذبح بالسكين المغصوبة، والصلاة في الدار المغصوبة، وفي السترة المغصوبة، والوضوء بالماء المغصوب، وإقامة الحد بالسوط المغصوب، وما أشبه ذلك؛ فإنه يقع موقع الجائز مع كونه محرمًا منهيًا عنه.
والجواب: أن هذا لا يمنع وجوده، ولا يقتضي الفساد، كما لم يمنع وجوده ولا يقتضي التحريم، وقد ثبت أن إطلاق النهي يقتضي التحريم، وإن دل الدليل على أنه لا يوجب الفساد.
فإن قيل: إن دل الدليل على أنه لا يوجب التحريم؛ خرج من أن يكون نهيًا.
قيل: لا يوجب خروجه من أن يكون نهيًا، كما لا يجب أن يخرج الأمر بسقوط وجوبه -بدليل- من أن يكون أمرًا، وعلى أن هناك دليلًا١ دل على الفساد، ولم يدل الدليل على غيره.
وأجاب [٥٨/أ] بعضهم عن هذا بجواب آخر فقال: المفعول على هذا الوجه في المواضع التي ذكروها؛ لم يتضمنه الأمر الأول، إلا أن الله تعالى أسقط موجب الأمر عن٢ المكلف بمثل هذا الفعل، كما يسقط عنه بالعجز.
واحتج بأن الفساد صفة زائدة لا يقتضيها لفظ النهي؛ فلم يجز إثباتها به.
والجواب: أن هذا باطل بالتحريم؛ فإنه صفة زائدة، لا يقتضيها النهي، وقد أثبتها باللفظ.
стр. 574
ثم لا نسلم أنه لا يقتضيها اللفظ؛ لأنا قد بينا أن النهي متعلق بصفة، وعدمها شرط في الفعل.
واحتج: بأنه لو كان إطلاق النهي يقتضي الفساد؛ لوجب -إذا صرف عن إطلاقه- أن يصير مجازًا.
والجواب: أنه إنما لم يصر١ مجازًا؛ لأنه قد حمل على بعض موجباته، وهو الكراهة؛ فلهذا لم يصر مجازًا، كالعموم إذا خص بعضه، وعلى أن هذا يبطل بالتحريم؛ فإنه إذا صرف عنه لا يصير مجازًا، وإن كان الإطلاق يقتضيه.
стр. 575
مسألة النهي إذا تعلق بمعنى في غير النهي عنه دل على الفساد أيضا
مدخل
...
مسألة ١ [النهي إذا تعلق بمعنى في غير المنهي عنه دل على الفساد أيضًا] : ٢
مثل: النهي عن البيع عند النداء، والصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب، والصلاة بماء مغصوب، وهذا ظاهر كلام أصحابنا ﵏ في بطلان الصلاة في هذه المواضع، وكذلك اختلافهم في الذبح بسكين غصب.
خلافًا لأكثر الفقهاء في قولهم: لا يدل ذلك على الفساد، وهو قول الأشعرية أيضًا.
стр. 576
دليلنا:
ما تقدم من قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد".
ولأن النهي عن الفعل على هذه الصفة يخرجه عن أن يكون شرعيًا، والصحة والجواز من أحكام الشرع، وهذا الفعل منهي عنه؛ فوجب أن يكون ذلك شرعًا.
ولأنه لا فرق بين أن يكون النهي لمعنى في المنهي عنه أو في غيره في توجه البطلان، بدليل أن شراء الصيد في حق المحرم، ونكاح المحرمة؛ باطل، وإن لم يكن النهي متوجهًا لمعنى في المنهي عنه، وإنما هو لمعنى آخر وهو الإحرام؛ كذلك لا يمتنع أن تفسد الصلاة في الدار المغصوبة لمعنى في غيرها، وهو تحريم الغصب، وكذلك بيع المحجور عليه منهي عنه لمعنى في العاقد لا في العقد، وهو فاسد.
فإن قيل: ما يختص العاقد والمعقود عليه يتعلق بالعقد ويرجع إليه.
قيل: فيجب أن يفسد بيع الحاضر للبادي؛ لأن النهي عن ذلك لمعنى في المتعاقدين.
стр. 577
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن النهي لا يرجع إلى المنهي عنه، بدليل: أنه ممنوع من الجلوس في الدار [٥٨/ب] في غير صلاة، وممنوع من لبس القميص وشرب الماء، وإذا لم يرجع النهي إليه؛ لم يؤثر فيها، كما لو صلى وعنده وديعة قد طولب
стр. 578
بها، فلم يسلمها مع سعة الوقت، أو طلق في الحيض، أو ذبح بسكين غصب، أو حد بسوط غصب، أو استام على سوم أخيه، أو توضأ بما يملكه في دار مغصوبة؛ فإن الوضوء صحيح، وإن كان ممنوعًا في هذه الحال.
والجواب: أنه إذا فرق بين الأمة وولدها في البيع؛ لم يصح عند الشافعي، وإن لم يكن ذلك لمعنى في العقد، وإنما هو لمعنى في المبيع، وهو ما يلحقهما من الحزن بالفراق، ثم هذا لا يصح؛ وذلك أنه ممنوع من الكون في الغصب، وذلك يتنوع أنواعًا، بعضه صلاة، وبعضه قعود، وبعضه قيام، وقد استوفيت الكلام على هذا في كتاب الصلاة.
وفي هذه المسألة طريقة أخرى، وهو: أن النهي راجع إلى شرط معتبر في العبادة؛ لأن الصلاة أفعال تفتقر إلى أكوان، وكذلك الحج، الوقوف فيه ركن يفتقر إلى كون في مكان؛ فإذا كان الكون الذي هو شرط: منهي عنه دل على الفساد، كما لو رجع النهي إلى نفسه، ألا ترى أنه لو صلى في ثوب نجس أو في وقت منهي عن الصلاة فيه، لم يصح؛ لأن النهي رجع إلى شرط معتبر، ولم يرجع إلى نفس الفعل الذي هو الاعتمادات، كذلك ههنا، وكذلك القعود لا فرق بين أن يرجع النهي إلى نفسه كأكل الربا، أو يرجع إلى شرط كالمبيع بشرط خيار مجهول، أو أجل مجهول في أنه باطل في الموضعين.
فإن قيل: الصلاة اعتمادات بفعلها في نفسها١، والنهي انصرف إلى اعتمادات في الأرض كالمنهي عن المأمور؛ فلا يصح؛ لأن الصلاة اعتمادات بفعلها في نفسها في مكان، إذ لا بد لتلك الاعتمادات التي هي
стр. 579
الركوع والسجود والجلوس من مكان، وما لا يتم الفعل إلا به؛ يحصل مأمورًا به.
فإن قيل: هو مأذون له في العرف من جهة صاحب الأرض.
قيل: لو كان كذلك؛ لم يكن مأثومًا في تلك الحال، ولوجب أن يحكم له بالثواب، كما إذا صلى فيها بإذن سابق.
فإن قيل: هو منهي عن الامتناع من رد الغصب؛ فهو فعل آخر غير الصلاة المأمور بها.
قيل: يبطل بالصلاة في ثوب نجس؛ فإنه منهي عن الامتناع من ترك النجاسة؛ لأن النجاسة طريقها التروك؛ فهو فعل آخر غير الصلاة المأمور بها على قولهم، ومع هذا فالصلاة باطلة.
فإن قيل: النهي عن القرب يدل على الفساد، ولا يدل على العقود١.
قيل: لا يصح؛ هذا [٥٩/أ] لأنه خلاف إجماع الصحابة، وذلك أنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها٢.
من ذلك احتجاج ابن عمر ﵁ في فساد نكاح المشركات بقوله: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ٣.
وكذلك احتجاجهم في فساد عقوبة الربا بقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا التمر بالتمر، ولا
стр. 580
الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح؛ إلا سواء بسواء، عينًا بعين، يدًا بيد"؛ فلولا أن إطلاقه يفيد فساد العقود، لم يرجعوا إلى ظاهر الكلام.
وكذلك أوجبوا فساد النكاح في العدة، وبيع ما ليس عنده، وإن لم يكن في هذه العقود قرب.
فإن قيل: لم يوجبوا إفساد البيع في وقت النداء.
قيل: روي عن ابن سلام١ في تفسيره بإسناده عن ابن عباس قال: "إذا أذن المؤذن يوم الجمعة حرم البيع". وتحريمه يدل على النهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
فإن قيل: البيع وقت النداء يؤدي إلى فوت الصلاة عن وقتها، وهذا لا يدل على الفساد.
قيل: بل يدل عليه، ألا ترى أن الصائم منع من القبلة إذا كانت تحرك شهوته؛ لأنه يعود بفساد العبادة؛ فلو وجد تحريك الشهوة والإنزال لفسد الصوم، [فـ] كان يجب إذا وجد فوات الجمعة أن يفسد البيع.
فإن قيل: إنما منع من خطبة الرجل على خطبة أخيه؛ لما فيه من وحشة الإخوان، وبيع الحاضر؛ لما فيه من إدخال الضرر على الناس؛ لما فيه من إغلاء الأسعار.
قيل: هذا لا يمنع فساد البيع، بدليل المنع من التفريق بين الوالدة
стр. 581
وولدها في البيع؛ لما فيه من إدخال الضرر على كل واحد بحصول الوله، لقوله ﵇: "لا توله والدة على ولدها" ١.
وكذلك لا يصح الجمع بين الأختين في عقد النكاح؛ لما يحصل بينهما من التباغض والتقاطع.
فأما الطلاق المخالف للسنة؛ فإنما أوقعناه؛ وإن كان منهيًا عنه تغليظًا على فاعله٢.
وإيجابنا قضاء الصلاة في الأرض تغليظًا؛ فهما٣ في المعنى سواء٤.
وأما الجلد بسوط غصب؛ فإنما أجزأ؛ لأنه لو لم يجزئ لأدى إلى الزيادة في الحد، ولا يجوز هذا، وليس كذلك في إعادة الصلاة؛ لأنه غير ممتنع، كما لو نسى صلاة من يوم لا يعلم عينها، فإنه يلزمه قضاء يوم كامل.
وأما بيع الحاضر للبادي فالمنصوص عن الإمام أحمد ﵀:
стр. 582
البطلان؛ لما فيه من الضرر على أهل البلد١.
واختلفت الرواية في البيع على بيع أخيه: فروي عنه ما يدل على البطلان؛ لما فيه من الضرر بأخيه٢.
стр. 583
مسألة دليل الخطاب حجة
مدخل
...
مسألة ١ [دليل الخطاب حجة] :
وهو: أن يعلق الحكم بصفة، نحو قوله: "في سائمة الغنم الزكاة ٢ ". أو بعدد نحو قوله: "في أربعين شاة شاة" ٣.
стр. 584
[٥٩/ب] أو باسم نحو قوله: "في الغنم الزكاة".
ويعبر عنه: بأن المسكوت عنه يخالف حكم المنصوص عليه بظاهره.
وقد نص أحمد ﵁ على هذا في مواضع:
فقال في رواية صالح: "لا وصية لوارث" دليل أن الوصية لمن لا يرث.
وقال ﵁ في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يحل للمسلمة أن تكشف رأسها عند نساء أهل الذمة١؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أوْ نِسَائِهِنَّ﴾ ٢.
стр. 585
وقال ﵀ في رواية محمد بن العباس١ وقد سأله عن الرضاع فقال: عن الني ﷺ : "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ٢ " فأرى الثلاث تحرم٣.
وقال ﵀ في رواية حنبل وقد سئل عن الأكل من منزل المجوسي فقال: ما كان من صيد أو ذبيحة فلا، قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ
стр. 586
أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ١ وهؤلاء ليسوا أهل كتاب٢.
ونقل عنه أيضًا ﵀: ليس على المسلم نصح الذمي، قال النبي صلى عليه وسلم: "والنصح لكل مسلم" ٣.
ونقل عنه أيضًا ﵀: يقتل السبع والذئب والغراب ونحوها٤ ولا كفارة عليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ٥. فجعل الجزاء في الصيد، وهذا سبع فلا كفارة فيه.
стр. 587
وقال في كتاب طاعة الرسول: قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ ١، يرجع في حليلة الابن من الرضاعة إلى قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" ٢.
стр. 588
وقال ﵁ في رواية حنبل: قول إبراهيم ﷺ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ ١؟ فثبت أن الله سميع بصير.
وقد احتج في هذه المواضع بدليل الخطاب.
وبهذا قال مالك٢ وداود٣.
وقال أصحاب أبي حنيفة: ليس بحجة٤.
стр. 589
واختلفوا: إذا علق الحكم بشرط؛ فمنهم من قال: ما عداه١.
ومنهم من قال: لا يدل، واختاره الجرجاني.
وقال ابن داود والأشعر [ية] ٢: دليل الخطاب ليس بحجة٣.
واختلف أصحاب الشافعي: فذهب ابن سريج٤ والقفال٥ إلى أنه ليس
стр. 590
بحجة١.
وذهب الأكثر منهم إلى أنه إن علق بصفة؛ فهو حجة، وإن علق باسم؛ لم يكن حجة٢.
ومنهم من قال: هو حجة، وإن علق باسم مثل قولنا. قال ابن فورك: وهو الصحيح٣.
ورأيت في جزء وقع إلي تخريج أبي الحسن التميمي: أن دليل الخطاب؛ ليس بحجة.
فالدلالة على صحة ما قلناه:
أنه تعالى لما أنزل قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٤، قال ﷺ : "والله لأزيدن على السبعين"، ذكره يحيى٥ بن سلام٦
стр. 591
في تفسيره عن قتادة١ قال: لما نزلت [٦٠/أ] هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "قد خيرني ربي فوالله لأزيدنهم على السبعين".
وفي لفظ آخر: "فلأستغفرن لهم"، فأنزل الله في سورة المنافقين: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٢. ٣.
стр. 592
وهذا فسوق المشرك؛ فعقل أن ما زاد على السبعين يخالف حكمه حكم السبعين.
فإن قيل: روى عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لو علمت إذا زدت على السبعين أن يغفر الله لهم لزدت" ١.
وهذا يمنع التعلق بالدليل، ويوجب التوقف عن الحكم بالدليل.
قيل: قوله: "لو علمت ... لزدت" تعلق بدليل الخطاب، لأنه ما استفاد الزيادة إلا من ناحية الدليل، وعدم العلم بالغفران لهم لا يمنع الاحتجاج؛ لأنا استدللنا به؛ فلا يقطع على العلم به، كما إذا استدللنا بالعموم وأخبار الآحاد.
فإن قيل: الكافر لا يغفر له من جهة السمع؛ فغير جائز أن يخالفه النبي ﷺ ؛ فدل ذلك على بطلان الخبر.
قيل: الحديث قد صح، وليس بمنكر استغفار النبي ﷺ لهم؛
стр. 593
لأن مغفرة الله تعالى لهم مما يجوز في العقل، ولا يحيلها، ويصح أن يجاب في ذلك: أفتغفر لهم؟، وهذا قبل التوقيف على أن عذابهم غير منقطع.
فإن قيل: فأنتم تثبتون وجوب الغفران بعد السبعين، والخبر يمنع ذلك.
قيل: لو خلينا وظاهر الخبر لقلنا بوجوبه، لكن لما قال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ١ نقلنا عن ظاهره.
فإن قيل: عادة العرب في قول القائل: لا أفعل كذا وإن سألتني سبعين مرة، تأكيد للنفي، وهذا لا يخفى على السامع؛ فلم يجز أن يفهم عنه دليل الإثبات.
قيل: قد فهم النبي منه دليل الإثبات بقوله: ﴿لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ؛ فلولا أن اللفظ يقتضي ذلك لم يسأله.
وجواب آخر وهو: أنه لو كان المراد تكثير الاستغفار؛ لم يحسم الطمع في مغفرتهم، فلما لم يفعل ذلك دل على أنه أراد التقدير والتحذير دون التكثير.
فإن قيل: فهذا الخبر لا يصح عن النبي ﷺ ؛ لأنه حلف أنه يستغفر للكافر، ولو كان قد حلف على ذلك لكان لا بد من أن يفعله؛ لأن في تركه تركًا للوفاء بالعهد، وهو منزه عن ذلك، ولو فعله لكان يجاب دعاؤه، وهذا يؤدي إلى أن الله تعالى يغفر للكافر.
قيل: إنما حلف على ذلك قبل النهي، ثم نهاه عن ذلك بقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ ، وإذا كان كذلك فقد حصل
стр. 594
منه الوفاء بالعهد، ولم تحصل الإجابة للنهي فيما بعد.
فإن قيل [٦٠/ب] : ليس في الخبر أن النبي ﷺ عقل من الآية ما زاد على السبعين مخالف لحكم السبعين من حيث تخصيص هذا القدر بالذكر؛ بل إنما قال: "والله لأزيدن على السبعين"؛ لأن الاستغفار للكفار كان مباحًا عنده في تلك الحال؛ لأن غفران الكافر جائز في طريق العقل؛ فلما حظر الله هذا القدر من الاستغفار؛ بقي ما زاد على السبعين على أصل الإباحة.
قيل: لو كان كذلك ما كان لقوله: "والله لأزيدن على السبعين" معنى، وذلك مباح كله، قاله أو لم يقله، فعلم أن المراد به: أن ما وراء السبعين بخلاف السبعين.
وعلى أنه أي حاجة كانت في الاستغفار للمشركين بعد موتهم، لا سيما والأصل١ الحظر في الأشياء.
فإن قيل: فهذا من أخبار الآحاد، وهذه مسألة أصل؛ فلا يكون دليلها خبر واحد.
قيل: مسألة الأصل تتضمن علمًا وعملًا؛ فيجب أن يثبت العمل فيه بالخبر، ويكون العلم دليله شيء آخر؛ لأن العلم مسألة، والعمل٢ به مسألة أخرى.
فإن قيل: فلو صح هذا الخبر؛ فلا حجة فيه؛ لأن من أصحابنا من يقول: إن المحصور بالعدد يدل على أن ما عداه بخلاف حكمه، وهذا مخصوص بالعدد.
стр. 595
قيل: تخصيصه بالعدد تنبيه على القول في نظيره وحكمه.
وأيضًا: فإنه إجماع الصحابة؛ لأن يعلى بن أمية١ روى أنه قال لعمر بن الخطاب ﵄: ما بالنا نقصر وقد أمنّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢؟ فقال عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه؛ فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" ٣، وهذا احتجاج بدليل الخطاب؛ لأن نطق الآية يفيد القصر بشرط الخوف، وسقوطه مع وجود الأمن من جهة الديل.
стр. 596
وكذلك احتج ابن عباس: في أن الأخوات لا يرثن مع البنات١ بقوله [تعالى] : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ٢، فلما ورث الأخت مع عدم الولد؛ ثبت أنها لا ترث مع وجوده، وأقرته الصحابة على هذا الاحتجاج، وعارضته بالسنة.
وهذا احتجاج من دليل الخطاب؛ لأن نطق الآية أفاد ثبوت الإرث مع عدم الولد، فأما سقوطه مع وجود الولد؛ فإنما أفاده الدليل.
وكذلك امتنع من الرد واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ، فلا يجوز أن تزاد على النصف، والمنع من الزيادة عليه عقله من دليل الخطاب.
وكذلك من قال: لا يجب الغسل من التقاء الختانين، إذا لم يكن معه إنزال؛ بقول النبي ﷺ [٦١/أ] : "الماء من الماء" ٣، وهذا احتجاج بدليل الخطاب.
стр. 597
ومن أوجب الغسل قال: هو منسوخ١.
فدل هذا على أن القول بدليل الخطاب إجماع منهم.
فإن قيل على حديث يعلى بن أمية: أن الله تعالى أمر بالإتمام حال الأمن٢ بقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٣، وخص القصر بحال الخوف، فكان عندهما: أن الإتمام واجب حال زوال الخوف بالآية الأخرى، لا بدليل اللفظ.
قيل: عمر ويعلى رجعا إلى آية القصر دون الآية الأخرى؛ فلم يصح السؤال.
стр. 598
فإن قيل: من قال: لا يجب الغسل بالتقاء [الختانين] ، يحتمل أن يكون علموا ذلك بدلالة أخرى لا بدليل اللفظ.
قيل: من ذهب إلى هذا؛ رجع إلى قول النبي: "الماء من الماء"؛ فلم يصح السؤال.
فإن قيل: فقوله: "الماء من الماء" يقتضي الاستغراق؛ فلهذا دل على نفي ما عداه، وخلافنا في تخصيص المحكوم فيه ببعض صفاته.
قيل: المعروف من مذهب المخالف: أنه لا فرق بين ما دخله الألف واللام، أو لم يدخله.
وأيضًا: فإن أبا عبيد١ قد قال في قول النبي ﷺ : "لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" ٢ دليله: أن لَيَّ غير الواجد لا يحل عرضه ولا
стр. 599
عقوبته؛ فصرح بالقول بدليل الخطاب، وهو أوثق من نقل اللغة عن أهلها، فوجب المصير إلى ذلك.
فإن قيل: أبو عبيد لم يحك ذلك بعينه عن العرب، ولا يجوز أن يجعل ظاهر كلامه أنه عن العرب؛ لكونه من أهل اللغة؛ لأنه ممن يتكلم في الأحكام ويختار المذاهب؛ فجاز أن يكون قاله من جهة الحكم، وطلب فائدة اللفظ.
وقد عارض ذلك ما ذكره الأخفش١ في قول القائل: "ما جاءني غير زيد"، أن ذلك لا يدل على مجيء زيد.
قيل: أن أبا عبيد ذكره هذا في كتب اللغة، ولم يذكره في كتب الأحكام، والظاهر: أنه لغة العرب.
وقولهم: ما ذكره عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد؛ لأن الأخفش لم يكن من أهل اللغة؛ وإنما كان له معرفة بالنحو، وأبو عبيد إمام في اللغة، وله غريب المصنف٢ وغيره من الكتب في اللغة.
стр. 600
وأيضًا: فإن أهل اللغة لا يضمون الصفة إلى الاسم، ويقيدون الاسم بها إلا للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه.
يبين ذلك: أنهم لا يقولون: اشترِ عبدًا أسود، أو جارية بيضاء، أو خبزًا سميذًا١، أو لحمًا نيئًا أو مشويًا، ولا يقولون: ادفع هذا المال إلى بني فلان الفقراء منهم، أو الفقهاء منهم، وما أشبه ذلك، إلا لتخصيص الموصوف بهذا الوصف وتمييزه. والمخالفة٢ بينه وبين من عداه.
ومن كان عنده جميع الصفات واحدة؛ لم يقيد خطابه بذلك، بل يطلق٣ الاسم إطلاقًا، ومن قيده مع [٦١/ب] تساويهما عنده كان مسقطًا في قوله، ملغزًا في خطابه؛ فوجب إذا قال صاحب الشريعة: "في سائمة الغنم والزكاة" أن تكون الزكاة مختصة بالسائمة، ولا تكون واجبة في المعلوفة، ولا يلزم على هذا الاسم المجرد إذا ضم الحكم إليه؛ لأنا نقول فيه ما نقوله في الصفة المضمومة إلى الاسم.
وقد صرح بهذا أحمد ﵁ في رواية الميموني وقد سئل عن