وكذلك احتج ابن عباس: في أن الأخوات لا يرثن مع البنات١ بقوله [تعالى] : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ٢، فلما ورث الأخت مع عدم الولد؛ ثبت أنها لا ترث مع وجوده، وأقرته الصحابة على هذا الاحتجاج، وعارضته بالسنة.
وهذا احتجاج من دليل الخطاب؛ لأن نطق الآية أفاد ثبوت الإرث مع عدم الولد، فأما سقوطه مع وجود الولد؛ فإنما أفاده الدليل.
وكذلك امتنع من الرد واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ، فلا يجوز أن تزاد على النصف، والمنع من الزيادة عليه عقله من دليل الخطاب.
وكذلك من قال: لا يجب الغسل من التقاء الختانين، إذا لم يكن معه إنزال؛ بقول النبي ﷺ [٦١/أ] : "الماء من الماء" ٣، وهذا احتجاج بدليل الخطاب.
стр. 597
ومن أوجب الغسل قال: هو منسوخ١.
فدل هذا على أن القول بدليل الخطاب إجماع منهم.
فإن قيل على حديث يعلى بن أمية: أن الله تعالى أمر بالإتمام حال الأمن٢ بقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٣، وخص القصر بحال الخوف، فكان عندهما: أن الإتمام واجب حال زوال الخوف بالآية الأخرى، لا بدليل اللفظ.
قيل: عمر ويعلى رجعا إلى آية القصر دون الآية الأخرى؛ فلم يصح السؤال.
стр. 598
فإن قيل: من قال: لا يجب الغسل بالتقاء [الختانين] ، يحتمل أن يكون علموا ذلك بدلالة أخرى لا بدليل اللفظ.
قيل: من ذهب إلى هذا؛ رجع إلى قول النبي: "الماء من الماء"؛ فلم يصح السؤال.
فإن قيل: فقوله: "الماء من الماء" يقتضي الاستغراق؛ فلهذا دل على نفي ما عداه، وخلافنا في تخصيص المحكوم فيه ببعض صفاته.
قيل: المعروف من مذهب المخالف: أنه لا فرق بين ما دخله الألف واللام، أو لم يدخله.
وأيضًا: فإن أبا عبيد١ قد قال في قول النبي ﷺ : "لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" ٢ دليله: أن لَيَّ غير الواجد لا يحل عرضه ولا
стр. 599
عقوبته؛ فصرح بالقول بدليل الخطاب، وهو أوثق من نقل اللغة عن أهلها، فوجب المصير إلى ذلك.
فإن قيل: أبو عبيد لم يحك ذلك بعينه عن العرب، ولا يجوز أن يجعل ظاهر كلامه أنه عن العرب؛ لكونه من أهل اللغة؛ لأنه ممن يتكلم في الأحكام ويختار المذاهب؛ فجاز أن يكون قاله من جهة الحكم، وطلب فائدة اللفظ.
وقد عارض ذلك ما ذكره الأخفش١ في قول القائل: "ما جاءني غير زيد"، أن ذلك لا يدل على مجيء زيد.
قيل: أن أبا عبيد ذكره هذا في كتب اللغة، ولم يذكره في كتب الأحكام، والظاهر: أنه لغة العرب.
وقولهم: ما ذكره عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد؛ لأن الأخفش لم يكن من أهل اللغة؛ وإنما كان له معرفة بالنحو، وأبو عبيد إمام في اللغة، وله غريب المصنف٢ وغيره من الكتب في اللغة.
стр. 600
وأيضًا: فإن أهل اللغة لا يضمون الصفة إلى الاسم، ويقيدون الاسم بها إلا للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه.
يبين ذلك: أنهم لا يقولون: اشترِ عبدًا أسود، أو جارية بيضاء، أو خبزًا سميذًا١، أو لحمًا نيئًا أو مشويًا، ولا يقولون: ادفع هذا المال إلى بني فلان الفقراء منهم، أو الفقهاء منهم، وما أشبه ذلك، إلا لتخصيص الموصوف بهذا الوصف وتمييزه. والمخالفة٢ بينه وبين من عداه.
ومن كان عنده جميع الصفات واحدة؛ لم يقيد خطابه بذلك، بل يطلق٣ الاسم إطلاقًا، ومن قيده مع [٦١/ب] تساويهما عنده كان مسقطًا في قوله، ملغزًا في خطابه؛ فوجب إذا قال صاحب الشريعة: "في سائمة الغنم والزكاة" أن تكون الزكاة مختصة بالسائمة، ولا تكون واجبة في المعلوفة، ولا يلزم على هذا الاسم المجرد إذا ضم الحكم إليه؛ لأنا نقول فيه ما نقوله في الصفة المضمومة إلى الاسم.
وقد صرح بهذا أحمد ﵁ في رواية الميموني وقد سئل عن
стр. 601
التيمم بالسهلاة١، فقال: كيف يتيمم بهذه الأشياء وليست بصعيد؛ ولكن يتيمم ويعيد جميع ذلك؛ لأن اسم الصعيد لا يتناوله، والآية تضمنت التيمم بما يسمى صعيدًا بقوله: "صعيدا" فدل على أن غيره لا يجوز التيمم به.
وكذلك قال في رواية الميموني: لا يتوضأ بماء الورد، هذا ليس بماء، وإنما يخرج من الورد.
وأيضًا: فإن اسم الغنم عام في المعلوفة والسائمة؛ فإذا ذكر الصفة معه فقال: في سائمة الغنم، فخص الاسم، فوجب أن يكون مقصورًا عليها، كالحكم المعلق على الغاية، والاستثناء إذا تعقب عددًا.
وقد قال بعضهم: ينظر الحكم، بماذا اخترل٢ عم الحكم؛ فوجب أن يتضمن نفيًا وإثباتًا؛ كالاسم المقرون بالاستثناء والمقيد بالغاية.
وأيضًا: فإن النبي ﷺ امتدح بالاختصار بقوله ﷺ : "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا" ٣. فإذا قلنا: إن قوله:
стр. 602
"في سائمة الغنم الزكاة"؛ لم يفد ذكر السوم غير ما أفاده الإطلاق؛ حملنا الكلام على الإطالة من غير فائدة، فكان حمله على فائدة أولى.
فإن قيل: فائدة تخصيص المذكور بيان الحكم فيه، ليقف ما سواه على تعريض المجتهد لطلب الثواب.
قيل: هذه الفائدة غير حاصلة من جهة اللفظ؛ بل هي سابقة له؛ لأن المجتهد معرض لطلب الثواب بالاجتهاد، فامتنع أن يكون ورود هذا الفظ أفاد ذلك، ولم يبق إلا أن تكون الفائدة ما ذكرنا.
стр. 603
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لا يجوز أن يكون لله تعالى دليل على حكم من الأحكام، ويوجد ذلك الدليل عاريًا من مدلوله؛ فلما وجدنا الله تعالى قد خص أشياء بذكر بعض أوصافها، وعلق بها أحكامًا، ولم يكن تخصيصها بها موجبًا للحكم بما عداها بخلافها، وعلق بها أحكامًا، ولم يكن تخصيصها بها موجبًا للحكم بما عداها بخلافها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ١؛ فخص النهي عن ذلك بحال خشية الإملاق، ولم يختلف النهي في الحالين.
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢، فخص
стр. 604
النهي عن الظلم لهذه الأشهر، ثم كان الظلم منهيًا عنه في سائر الشهور.
وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ ١، وهو ﵇ منذر البشر.
وقوله: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٢.
علمنا: أن تخصيص الشيء ببعض [٦٢/أ] أوصافه وإيجاب الحكم فيه؛ لا يدل على أن ما عداه حكمه بخلافه.
والجواب: أن دليل الخطاب سقط في هذه المواضع؛ لقيام الدلالة عليه.
ثم لا يمنع ذلك لكونه موضوعًا في الأصل على ما اعتبرناه، كما أن قيام الدلالة على كون العموم غير مستغرق للجنس، لا يدل على أنه غير موضوع في الأصل للاستغراق، نحو قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣، ومعلوم أنها لم تؤتَ مثل فرج الرجل.
وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤، ومعلوم أنه لم يخلق نفسه سبحانه.
وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ٥، ومعلوم أنها لم تدمر السموات والأرض.
فلئن جاز أن يعترض بمثل هذا علينا في دليل الخطاب؛ كان لأصحاب
стр. 605
الخصوص أن يعترضوا على الجميع في القول بالعموم بهذه المواضع.
فإن قيل: العموم لا يجوز وجوده عاريًا عن إيجاب حكم، وههنا يوجد عاريًا عن إيجاب حكم.
قيل: بالقياس يوجد عاريًا عن إيجاب حكم، وهو إن عارضه نص، ومع هذا لم يدل ذلك على أنه ليس بحجة.
واحتج: بأن ما يقتضيه الخطاب بصريحه أو دليله طريقه اللغة دون غيرها، وثبوته من طريق اللغة لا يخلو من أن يكون بالعقل أو بالنقل، ولا يجوز أن يكون بالعقل؛ لأنه لا مدخل للعقل في إثبات اللغة، ولا يجوز أن يكون بالنقل لأنه لا يخلو: إما أن يكون متواترًا أو آحادًا، ولا يجوز أن يكون تواترًا؛ لأنه لو نقل ذلك من طريق التواتر لعلمنا؛ لأنه لا يجوز أن يختص المخالف بعلم النقل المتواتر، ولا يجوز أن يكون آحادًا؛ لأن هذه المسألة من مسائل الأصول, ولا يجوز إثباتها بخبر الواحد الذي لا يوجب العلم.
والجواب: أنا أثبتناه بالنقل الذي قامت الحجة به، كما يستدل المخالف على إثبات العمل بخبر الواحد وبالإجماع بنقل ليس بمتواتر؛ لقيام الحجة عنده بصحته.
وأثبتناه أيضًا بالعقل، وقول المخالف: إن العقل لا مدخل له في إثباته: ليس بصحيح؛ لأن له مدخل في الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم وموضوعاتهم، وقد استدللنا بذلك على ما تقدم بيانه.
واحتج: بأنه لو كان يدل على المخالفة؛ لم يجز أن يصرح بالتسوية بينهما؛ فلما جاز أن يقول: في سائمة الغنم وفي معلوفتها زكاة؛ دل على أن تخصيص السائمة بالذكر؛ لا يدل على المخالفة؛ لأنه لو دل على المخالفة؛ لكان ذلك متناقضًا.
стр. 606
والجواب: أن هذا باطل "بالغاية"؛ فإنها تدل على خلاف ما قبلها، وإن جاز الجمع بينهما نحو قوله: وأيديكم إلى المرافق واغسلوا ما ببعد المرافق.
وكذلك صيغة العموم تدل على الاستغراق، وإن جاز أن يقترن بها [٦٢/ب] دليل الاستثناء، فنقول: اقتلوا المشركين إلا زيدًا، ولا يكون هذا مناقضًا للفظ.
وجواب آخر: وهو أنه لا يمتنع أن يختلف حكم الاتصال والانفصال؛ فيجوز الجمع بينهما باللفظ المتصل، ولا١ يجمع بينهما في المنقطع، ألا ترى أنه لو قال: "لا إله"، وسكت؛ حكم بكفره، ولو وصل ذلك بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ ٢، ولم يكفر٣، وكذلك لو قال لغير مدخول بها: أنت طالق، وسكت؛ طلقت، ولو قال: إن دخلت الدار؛ لم تطلق قبل وجود الصفة، كذلك ههنا.
واحتج: بأن المسموع إيجاب الزكاة في السائمة، ولم يسمع في المعلوفة ذكر حكمي؛ فوجب التوقف، كما أن أصل الأحكام قبل أن يرد السمع على الوقف.
والجواب: أن قبل النطق لم يسمع للمعلوفة حكم بنفي ولا إثبات، وبعد النطق قد علم حكم بعضها سمعًا وبعضها مفهومًا من السمع من الوجه الذي بينا.
يبين صحة هذا: أن الشرع قد يفهم من حكم اللفظ، كما يفهم
стр. 607
بالنطق؛ ألا ترى أن الوجوب معقول من الأمر، وليس لفظ الوجوب مسموعًا، وكذلك حكم التعريض معقول، وإن لم ينطق به، كقول القائل: ما أنا بزانٍ، ولا أمي بزانية، في الخصومة، وكذلك قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾ ١، وقوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٢ معقول أن لا يضربهما.
واحتج: بأنه لو كان تعليقه على صفة يدل على ضد حكمها؛ لم يوضع له عبارة تدل عليه، ولما جاز أن يقول: في السائمة الزكاة ولا زكاة في المعلوفة؛ علم أن ذلك مأخوذ مما وضع له.
والجواب: أن نفي الزكاة في المعلوفة يحصل بالدليل، والنطق يؤكد، كما يقول: "اقتلوا المشركين أجمعين"، ولو لم يقل "أجمعين"؛ لوجب قتل الجميع؛ كذلك ههنا.
واحتج: بأنه لو كان للخطاب دليل؛ لوجب أن يبطل حكم الخطاب ويبقى حكم الدليل، كما جاز٣ أن يبطل حكم الدليل ويبقى حكم الخطاب، وهذا مثل قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل" ٤، دليله أنها إذا أُذِنَت أن
стр. 608
يصح١، وعندكم: لا يصح؛ فيبطل حكم الدليل، ويبقى حكم الخطاب.
وكذلك: قوله: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان"؛ دليله: أن الثالثة تحرم، وعندكم: لا تحرم، فسقط حكم الدليل، ويبقى حكم الخطاب، ولهذا نظائر.
والجواب: أنه لا يمتنع أن نقول: يبطل حكم الخطاب، ويبطل حكم الدليل؛ لأن النطق ودليله يجريان مجرى نطقين، فيجوز أن يسقط أحدهما ويبقى حكم الآخر.
وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في [٦٣/أ] رواية محمد بن العباس وقد سئل عن الرضاع فقال: "عن النبي ﷺ : "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان"؛ فأرى أن الثالثة تحرم"، فأسقط الخطاب في الرضعتين، وبقي حكم الدليل في الثالثة.
стр. 609
قال أبو بكر بن فورك: وهذا [هو] الصحيح.
ويحتمل: أن الدليل يسقط، ويبقى حكم اللفظ؛ لأن الدليل فرع النطق ونتيجته؛ فلا يصح ثبوت الفرع مع إسقاط الأصل، وهذا هو الأشبه، ويفارق هذا النطقين؛ لأن كل واجب منهما ليس بأصل للآخر.
واحتج: بأنه لو كان للخطاب دليل؛ لوجب أن يكون ضد النطق فقط، لا يكون ضدًا لغيره، مثل قوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، كان يجب أن يكون دليله: أن غير سائمة الغنم لا زكاة فيها؛ وقد قلتم: إن دليله في غير السائمة من الإبل والبقر [و] اللفظ لم يتناول ذلك.
والجواب: أنه قد قيل: إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم فحسب؛ لأن الدليل ما كان مضادًا للنطق، فيتعلق به ضد ما تعلق بالنطق، ونقطه أفاد ثبوت الزكاة في الغنم حسبُ؛ فيجب أن يكون دليله سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم حسبُ.
وقيل: إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الحيوان كله، وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية إبراهيم بن الحارث١؛ لأنه ذكر له حديث بهز بن حكيم٢، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : "في كل
стр. 610
إبل سائمة" ١، هل يدخل في هذا أنه لا يكون إلا في السائمة، ولا يكون في العوامل زكاة؟ فقال: أجل، لا يكون في العوامل زكاة، ولا يكون إلا في السائمة؛ فعم سقوط الزكاة في غير السائمة من سائر الحيوان باللفظ المنصوص عليه في الإبل.
قال ابن فورك: هو الظاهر٢؛ وذلك لأن السوم يجري مجرى العلة في تعلق الحكم به؛ فوجب كذلك حيث وجد، وعدمه حيث عدم كالشرط المعلق عليه الحكم.
ويلزم هذا القائل: أن يقول: ما عدا السائمة من الغنم لا زكاة فيه من الحيوان وغيره، حتى لو استدل به على أن الزيتون لا زكاة فيه كذلك؛ جاز لأنه ليس بغنم سائمة، وقد لا يلزمه ذلك؛ لأن النطق اقتضى إيجاب الزكاة فيما فيه السوم، فاقتضى إسقاطه فيما لا سوم فيه مما يدخله السوم.
واحتج: بأنه لو كان دليل الخطاب حجة في الإثبات؛ لكان حجة في النفي.
والجواب: أنه حجة في النفي، كما هو حجة في الإثبات، ولا
стр. 611
فرق بين قوله: "القطع في ربع دينار"، وبين قوله: "لا قطع إلا في ربع دينار".
وقد قال أحمد ﵀: قوله: "لا وصية لوارث"؛ [٦٣/ب] دليل على أنها تصح لغير وارث.
стр. 612
فصل ١ إذا تعلق الحكم باسم؛ دل على أن ما عداه بخلافه:
أن٢ الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره، كما أن الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره؛ فإذا قال: ادفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو، واشتر لي شاة أو جملًا، وما أشبه ذلك، لم يجز العدول عنه، وكانت التسمية للتميز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء، ثم لو علق الحكم على صفة؛ دل [على] أن ما عداه بخلافه، كذلك إذا علقه بالاسم.
فإن قيل: الاسم لا يجوز أن يكون علة للحكم، والصفة يجوز أن تكون علة.
قيل: يجوز أن يكون الاسم علة كالصفة.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية الميموني: يتوضأ بماء الباقلا، وماء الحمص؛ لأنه ماء؛ وإنما أضفته إلى شيء لم يفسد، وإنما غير لونه، فقد جعل العلة في جواز الوضوء به وقوع اسم الماء عليه.
فإن قيل: لو قال: أوجبت الزكاة في الغنم، وأوجبتها في البقر؛ لم
стр. 613
يتنافيا١ ذلك، ولو قال: في سائمة الغنم وفي المعلوفة زكاة؛ تنافيا، وسقط أن يكون الحكم متعلقًا بصفة السوم أو بصفة العلف، وصار الوجوب متعلقًا بصفة السوم أو بصفة العلف، وصار الوجوب متعلقًا٢ باسم الغنم فحسب.
ولأنهم يسمون كل واحد من الجماعة باسم مع تساويهم في الحكم؛ فيقولون: أعط زيدًا وعمرًا وخالدًا وبكرًا، واشتر لحمًا وتمرًا، ولا يضمون بصفة إلى اسم، والموصوف بالصفة وبضدها سواء عندهم في الحكم؛ فلا يقولون: ادفع إلى رجل فقير أو إلى رجل غني، والفقير والغني سواء عندهم٣.
قيل: لا فرق بينهما، وذلك أنهم يضمون صفة إلى اسم الموصوف، كما يضمون اسمًا إلى اسم، فيقولون: أعط الفقراء والأغنياء.
وعلى أن هذا باطل بـ"الغاية"؛ فإن ما بعدها٤ مخالف لما قبلها؛ وإن كان الجمع بين ما بعد الغاية وما قبلها، فيقول: اغسلوا أيديكم إلى المرافق، واغسلوا ما فوق المرافق، كذلك لا يمتنع في الحكم إذا علق باسم يجوز الجمع بينه وبين ضده، ومع هذا إطلاقه يدل على خلافه؛
فإن قيل: لو قال: زيد أكل؛ لم يدل على أن غيره لم يأكل، ألا ترى أنه لو أفاد ذلك لما حسن أن يخبر من بعد. أن عمرًا أكل؛ لأنه يكون متناقضًا٥ في كلامه، وكذلك لو قال: جاء زيد الطويل، دل على أن ما عداه بخلافه؛ لأن هذه زيادة صفة.
قيل: لا نسلم هذا، بل نقول: قوله: زيد أكل، يدل على أن
стр. 614
غيره لم يأكل، ثم هذا باطل بالصفة؛ فإنه لو قال: السائمة أكلت، وجاءت السائمة؛ لم يدل ذلك على أن المعلوفة لم تأكل ولم تجئ، ومع هذا تعليق الحكم بها يدل على خلافها.
وما ذكروه من أنه يحسن أن يخبر [٦٤/أ] بعد ذلك أن عمرًا قد أكل؛ فإنه يبطل بالصفة، فإنه يصح أن يخبر١ [أن في] السائمة زكاة، ويخبر بعد ذلك في المعلوفة.
فإن قيل: استعمال دليل الخطاب في الاسم يسد باب القياس؛ لأنه إذا قال: لا تبيعوا البر بالبر؛ يجب أن لا يقاس الأرز عليه؛ لأن تخصيص البر بالذكر يوجب إباحة التفاضل في غيره؛ فلما كان مانعًا من القياس الثابت وجب اطراحه.
قيل: هذا لا يصح لوجوه:
أحدها: أن الكلام في هذه المسألة في أصل اللغة، وهو للخطاب دليل أم لا؟ والقياس حكم شرعي، فكان يجب أن يثبت له دليل في أصل اللغة وإن منع منه الشرع.
وعلى أن هذا يبطل بالصفة؛ فإنه يمنع القياس فيما عداها، كذلك الاسم يمنع القياس فيما عداه، ولا فرق بينهما.
وعلى أنه كان يجب استعماله ما لم يعترض٢ على معنى اللفظ؛ فإذا اعترض٣ عليه؛ سقط، كما استعملنا الدليل ما لم يعارض التنبيه، نحو قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٤ دليله: أن غير التأفيف يجوز، لكن لما كان ذلك يسقط معنى اللفظ؛ سقط.
стр. 615
فصل ١ أفعال النبي ﷺ لها دليل:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل: لا يصلى على القبر بعد شهر، على ما فعل النبي ﷺ على قبر أم سعد٢ بعد شهر٣؛ فجعل صلاته بعد شهر دليلًا على المنع فيما زاد عليه؛ لأن الفعل كالقول في أنه يقتضي الإيجاب، ويخصص به٤ العموم.
стр. 616
قوله ﵇ "إنما الولاء لمن أعتق "
مدخل
...
فصل ١ قوله ﵇: "إنما الولاء لمن أعتق":
قوله ﵇: "إنما الولاء لمن أعتق"، يقتضي نطقه: إثبات
стр. 617
الولاء للمعتق، وانتفاء الولاء لغير المعتق مستفاد من ناحية الدليل١.
وقال قوم: النطق أفاد الأمرين معًا٢، وهو اختيار أبي عبد الله الجرجاني؛ لأنه ذكر هذا الخبر وقال: قد قيل: إن ذلك يدل على نفي غيره، قال: وهو قول محتمل؛ لأنه يستعمل على وجه التأكيد للمذكور وتحقيقه، مثل قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣.
ولأنه يشبه الاستثناء من الجملة؛ لأن هذه إنما يستحق الإلهية إله واحد؛ وإنما الولاء يستحقه الذي يعتق، فأشبه٤ النفي والإثبات في الأشياء٥.
стр. 618
دليلنا:
إن قوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، إنما فيه الولاء للمعتق فحسب، وأما النفي؛ فليس في اللفظ ما يقتضيه؛ فلم يجز أن يدعي انتفاء الولاء من نفس اللفظ، وإنما هو مستفاد من الدليل، فلا يشبه هذا قوله: "لا صلاة إلا بطهور".
стр. 619
ولأن في اللفظ نفيًا وإثباتًا، فحكم بأن الأمرين معًا استفيدا من نفس اللفظ.
وما ذكروه من أنها تستعمل على وجه التأكيد للمذكور [٦٤/ب] وتحقيقه؛ فهو كما قال، إلا أن المذكور هو إثبات الولاء للمعتق؛ فأما نفيه عن غير المعتق؛ فغير مذكور.
وقوله: يشبه الاستثناء من الجملة، دعوى.
стр. 620
فصل ١ [مفهوم الخطاب والتنبيه واحد] :
وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ٢؛ نبه على أنه إذا أمن٣ بدينار أداه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٤؛ نبه على المنع من الضرب وهذا مستفاد من فحوى الخطاب ومفهومه، لا من نطقه.
وقد احتج أحمد بمثل هذا في مسائله فقال ﵀ في رواية أحمد بن سعيد٥: لا شفعة لذمي، واحتج بقول النبي ﷺ : "إذا لقيتموهم
стр. 621
في طريق فألجئوهم إلى أضيقه" ١؛ فإذا كان ليس لهم في الطريق حق، فالشفعة أحرى أن لا يكون لهم فيها حق٢.
وقال أيضًا في رواية الفضل بن زياد وقد سئل عن رهن المصحف عند أهل الذمة قال: "لا، نهي النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو٣".
وحكي عن قوم: أنه لا مفهوم للخطاب؛ وإنما دل الخطاب على المنع
стр. 622
من التأفيف حسبُ. سمعت أبا القاسم الجزري١ يحكي أنه قول داود.
وحكي عن قوم: أن المنع من التأفيف وسائر أنواع الأذى مستفاد من اللفظ٢.
أما من قال: لا مفهوم للخطاب؛ فقول ظاهر الفساد؛ لأنه قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٣ واضْرِبْه؛ مراد بالأول نفي الأذية عنه، كان ذلك نقضًا لموضوع كلامه ومفهوم نطقه؛ فلا يجوز أن يقال: إن اللفظ ما تضمن المنع من الضرب.
وأما من قال: إن اللفظ تضمن ذلك فهو ظاهر الفساد أيضًا؛ لأن قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٤ اقتضى نطقه المنع من التأفيف، وليس في لفظه المنع من غيره؛ فلا يجوز أن يكون غير التأفيف ممنوعًا بالنطق، لكن لما منع من التأفيف من الأذى، فكان الضرب فيه أكثر من الأذى، كان المعنى الذي يمنع من التأفيف لأجله مجودًا في الضرب وزيادة، فكان ممنوعًا منه٥.
باب العموم
مدخل
...
باب العموم ١:
العموم ٢ على أربعة أضرب ٣:
[الأول] :
لفظ الجمع، مثل: المسلمين، والمشركين، والرجال، والجبال، والأبرار، والفجار٤.
الثاني:
لفظ الجنس٥، مثل الناس، والنساء، والإبل، والحيوان وليس ذلك من ألفاظ الجمع؛ لأنه ليس له من جنسه واحد.
стр. 625
الثالث:
الألفاظ المبهمة، مثل "من" في العقلاء، و"ما" في غيرهم إذا كان في الاستفهام أو في [٦٥/أ] الشرط والجزاء، و"أي" في الجمع، و"أين" في المكان، و"متى" للزمان.
الرابع:
الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، مثل: الإنسان، والسارق، والزاني، والقاتل، والكافر، والبيع، والصيد، والدينار وما أشبهه١.
стр. 626
صيغة العموم
مدخل
...
[صيغة العموم] :
وله صيغة موضوعة له في اللغة، إذا وردت متجردة عن القرائن دلت على استغراق الجنس، نص على هذا في رواية ابنه عبد الله رحمهما الله،
стр. 627
وقد سأله عن الآية إذا جاءت عامة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١، وأخبره أن قومًا يقولون: لو لم يجئ فيها خبر عن النبي ﷺ توقفنا عندها؛ فلم نقطع حتى يبين الله لنا فيها، أو يخبر الرسول، فقال: قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٢ فكنا نقف عند الولد لا نورثه، حتى ينزل الله تعالى: أن لا يرث قاتل، ولا عبد، ولا مشرك.
وقال في كتاب طاعة الرسول: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣، فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم "سارق" وإن قل؛ فقد وجب عليه القطع. وكما قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع في ثمر ولا كثر" ٤ دل ذلك
[على] ١ أنها ليست على ظاهرها، وأنه على بعض السراق دون بعض.
واحتجاجه في المسائل بالعموم كثير، ورأيت في مجموع لأبي بكر بخطه: قد أبان أبو عبد الله ﵀ عموم الخطاب؛ فلا يخصه إلا بدليل، واستدل على ذلك بكلام كثير٢، وقال بعد ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣ كقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤؛ فلو لم يجئ بيان من يقتل من المشركين،
стр. 630
ويقطع من السراق؛ لاقتضى الحكم على العموم، وحكى قول من قال بالوقف.
وبهذا قال جماعة الفقهاء: أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود١.
وذهب أبو الحسن الأشعري وأصحابه: إلى أن العموم لا صيغة له، وأن الألفاظ التي تصلح للعموم والخصوص؛ يجب التوقف فيها إلى أن يدل الدليل على أحدهما، فيحمل عليه٢.
وحكي عن محمد بن شجاع الثلجي٣ أنه قال: يحمل على الثلاثة، ويتوقف فيما زاد عليه، حتى يقوم الدليل على المراد به، وحكي ذلك عن جماعة من المعتزلة.
ومن الناس من فرق بين الأوامر والأخبار؛ فقال: في الأوامر تحمل على العموم، ووقف في الأخبار.
стр. 631
دليلنا:
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ١، فروي أن عبد الله بن الزبعري٢ قال: لما نزل ذلك لأخاصمن محمدًا، وجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: قد عبدت الملائكة وعبد المسيح أفيدخلون النار؟، فأنزل الله تعالى٣: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٤ [٦٥/ب] .
فحمل لفظ "ما" على عمومه، وهو حجة في اللغة.
وأكد ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر ذلك عليه، وبين الله تعالى مراده
стр. 632
فيه، فأنزل قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ، يدل على أن "ما" للعموم.
ثم أسلم عبد الله، واعتذر إلى رسول الله ﷺ بقصيدة، يقول فيه١:
أيام يأمرني بأغوى خطة ... سهم ويأمرني بها مخزوم
فاليوم آمن بالنبي محمد ... قلبي، ومخطئ هذه محروم
فاغفر فدى لك والدي كلاهما ... ذنبي؛ فإنك راحم مرحوم٢
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ ٣، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ؛ فحمل نوح لفظ "الأهل" على عمومه، فلم ينكر الله تعالى عليه ذلك، وإنما بين أن مراده خاص، وهو: المصلح منهم.
стр. 633
ويدل عليه قوله تعالى: في قصة إبراهيم: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ١، علم من ذلك أنهم مهلكون لجميع أهلها، فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ؛ فأخبرته الملائكة أنهم ينجونه وأهله، واستثنوه من جملة أهل القرية؛ فعلم أن إطلاق اللفظ اقتضى العموم.
فإن قيل: اللفظ يصلح للعموم؛ فلذلك حكم عليه في الآيات التي ذكر فيها.
قيل: لا يجوز حمله عليه بالصلاح له، بل يجب التوقف فيه، ومن فعل ذلك؛ فقد أخطأ عند المخالف، فلا يجوز حمله على الخطأ.
وعلى أن نوحًا ﵇ قد قطع به بقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ ، والصلاح لا يوجب القطع.
وأما قصة إبراهيم فلا يصلح هذا السؤال فيها أيضًا؛ لأنه لو كان للصلاح؛ لكان الكلام يخرج مخرج الاستفهام والمسألة، فيقول: ألوط فيهم؟ أتهلكونه فيمن يهلكون؟ فلما ذكر لفظ التخيير والتخويف، يعني لا تهلكوهم، فإن فيهم لوطًا؛ علم أنه كان قد عقل من ظاهر اللفظ: أنه مقتضٍ للعموم والشمول.
وأيضًا: فإن المسألة إجماع الصحابة ﵃.
من ذلك: أن عمر احتج على أبي بكر الصديق ﵄ في منعه من قتال مانعي الزكاة لعموم قول رسول الله ﷺ :
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إل الله؛ فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم"؛ فلم ينكر عليه ذلك؛ وإنما عدل إلى الاستثناء،
стр. 634
فقال: الزكاة من حقها، وقال النبي: "إلا بحقها".
وكذلك مطالبة فاطمة١ أبا بكر ﵄ بالميراث٢ من النبي صلى الله [٦٦/أ] عليه وسلم، واحتجاجها بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٣؛ فأقرها على العموم، وقابلها بقوله: "ما نورث ما تركنا صدقة" ٤.
стр. 635
وكذلك لما اختلف عثمان١، وعلي ﵄ [في الجمع بين الأختين بملك اليمين] فقال عثمان: يجوز، واحتج بعموم٢ قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٣، وقال علي: لا يجوز، واحتج بعموم قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ٤.