← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ١، فروي أن عبد الله بن الزبعري٢ قال: لما نزل ذلك لأخاصمن محمدًا، وجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: قد عبدت الملائكة وعبد المسيح أفيدخلون النار؟، فأنزل الله تعالى٣: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٤ [٦٥/ب] . فحمل لفظ "ما" على عمومه، وهو حجة في اللغة. وأكد ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر ذلك عليه، وبين الله تعالى مراده

стр. 632

فيه، فأنزل قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ، يدل على أن "ما" للعموم. ثم أسلم عبد الله، واعتذر إلى رسول الله ﷺ بقصيدة، يقول فيه١: أيام يأمرني بأغوى خطة ... سهم ويأمرني بها مخزوم فاليوم آمن بالنبي محمد ... قلبي، ومخطئ هذه محروم فاغفر فدى لك والدي كلاهما ... ذنبي؛ فإنك راحم مرحوم٢ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ ٣، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ؛ فحمل نوح لفظ "الأهل" على عمومه، فلم ينكر الله تعالى عليه ذلك، وإنما بين أن مراده خاص، وهو: المصلح منهم.

стр. 633

ويدل عليه قوله تعالى: في قصة إبراهيم: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ١، علم من ذلك أنهم مهلكون لجميع أهلها، فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ؛ فأخبرته الملائكة أنهم ينجونه وأهله، واستثنوه من جملة أهل القرية؛ فعلم أن إطلاق اللفظ اقتضى العموم. فإن قيل: اللفظ يصلح للعموم؛ فلذلك حكم عليه في الآيات التي ذكر فيها. قيل: لا يجوز حمله عليه بالصلاح له، بل يجب التوقف فيه، ومن فعل ذلك؛ فقد أخطأ عند المخالف، فلا يجوز حمله على الخطأ. وعلى أن نوحًا ﵇ قد قطع به بقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ ، والصلاح لا يوجب القطع. وأما قصة إبراهيم فلا يصلح هذا السؤال فيها أيضًا؛ لأنه لو كان للصلاح؛ لكان الكلام يخرج مخرج الاستفهام والمسألة، فيقول: ألوط فيهم؟ أتهلكونه فيمن يهلكون؟ فلما ذكر لفظ التخيير والتخويف، يعني لا تهلكوهم، فإن فيهم لوطًا؛ علم أنه كان قد عقل من ظاهر اللفظ: أنه مقتضٍ للعموم والشمول. وأيضًا: فإن المسألة إجماع الصحابة ﵃. من ذلك: أن عمر احتج على أبي بكر الصديق ﵄ في منعه من قتال مانعي الزكاة لعموم قول رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إل الله؛ فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم"؛ فلم ينكر عليه ذلك؛ وإنما عدل إلى الاستثناء،

стр. 634

فقال: الزكاة من حقها، وقال النبي: "إلا بحقها". وكذلك مطالبة فاطمة١ أبا بكر ﵄ بالميراث٢ من النبي صلى الله [٦٦/أ] عليه وسلم، واحتجاجها بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٣؛ فأقرها على العموم، وقابلها بقوله: "ما نورث ما تركنا صدقة" ٤.

стр. 635

وكذلك لما اختلف عثمان١، وعلي ﵄ [في الجمع بين الأختين بملك اليمين] فقال عثمان: يجوز، واحتج بعموم٢ قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٣، وقال علي: لا يجوز، واحتج بعموم قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ٤.

стр. 636

واحتج أيضًا من كان يبيح شرب الخمر١ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ ٢، ولم ينكر سائر الصحابة ذلك؛ وإنما بينوا لقائل هذا أنه منسوخ. وروي عن عثمان٣ أنه لما سمع قوله: وكل نعيم لا محالة زائل٤

стр. 637

قال: كذبت، نعيم أهل الجنة لا يزول، وهذا يدل على أنه يجب حمل اللفظ على عمومه عندهم. فإن قيل: يحتمل أن يكون مع كل لفظ قرينة تدل على أن المراد بها الجنس، وهو دلالة الحال. قيل: لو كان لنقل؛ لأن ما لا يتم الدليل [إلا] به لا يسوغ للراوي ترك نقله، وحيث لم ينقل؛ ثبت أنه ما كان، يبين صحة هذا أنه معلوم أن الجماعة لم تشترك في معرفة القرينة؛ فلو كان موضوع اللفظ لا يفيد؛ ما قلنا لم يقتصروا على هذا اللفظ دون القرينة. فإن قيل: يحتمل أن يكون سكوت الصحابة عن الرد على من احتج بالعموم، لأجل علمها أن هذا الخطأ لا يبلغ بصاحبه المأثم. قيل: هذا لا يصح؛ لأن ألفاظ العموم جرت في احتجاج بعضها على بعض في الأحكام؛ فلو كان عند المحجوج عليه أن لا دلالة في اللفظ؛ لسأله عما أوجب القول بعمومه، كما سأله عن حجاج قوله؛ ألا ترى:

стр. 638

أن من ألزم غيره ما لا حجة فيه؛ لم يلزم، ولم تجر العادة بسكوته عنده، ولأنه لو كان هذا؛ لبطل تعلقنا بإجماع الصحابة في إثبات خبر الواحد والقياس، ولجاز أن يقال: إن سكوت الصحابة في ذلك؛ لأجل ما ذكره هذا القائل، دون تصويب الاجتهاد وقبل خبر الواحد. فإن قيل: ما ذكرتموه من أخبار الآحاد؛ فلا يجوز أن يثبت بها أصل يقطع به. قيل: أكثرها ثبت من جهة الاستفاضة فيما بينهم وانتشر؛ ولكن نقل إلينا نقل آحاد، وفي جملتها ما يقطع على صحته١، فهو مثل ما نقوله في الإخبار عن شجاعة عنترة وسخاء حاتم٢، ثم نقل إلينا نقل آحاد، ويجب العمل به؛ لأنه تواتر في المعنى. وأيضًا: فإن أهل اللغة متى أرادوا توكيد العموم؛ أكدوه بلفظ مخصوص لا يؤكدون به الخصوص؛ فقالوا في العموم: رأيت القوم أجمعين، ورأيتهم كلهم، وقالوا في الخصوص: "رأيت زيدًا نفسه"؛ فلولا [٦٦/ب] أن للعموم صيغة يتميز بها من الخصوص؛ لما اختلف حكمها في التوكيد. وقد عبر عن هذا بعبارة أخرى فقيل: لا يستعمل لفظ التأكيد مع اسم العموم إلا في الجنس كله، فيجب أن يكون الاسم موضوعًا للجنس،

стр. 639

وإلا خرج اللفظ المعرف بالاسم من أن يكون تأكيدًا؛ لأنه لا يكون تأكيدًا إلا أن يكون معناهما واحد. فإن قيل: قد يؤكد العموم والخصوص بالإشارة، وإن لم يكن لها صيغة يختص بها أحدهما دون الآخر. قيل: الإشارة لم توضع لتوكيد العموم؛ وإنما هي موضوعة للاستعانة بها١ لينظر بها المخالف إلى قصد المشير٢. فإن قيل: فلو كان للعموم صيغة لاستغنى بها عن التوكيد؛ لأن التأكيد لا يفيد إلا ما أفادته الصيغة؛ فلما حسن توكيد العموم بما ذكرتموه؛ علمنا أن العموم لا صيغة له. قيل: هذا يبطل بالاسم الخاص؛ لأنه يحسن توكيده بأن يقول: رأيت زيدًا نفسه، ثم لا يدل ذلك على أن الخصوص لا صيغة له، وكذلك الأعداد يحسن توكيدها؛ كقولك: عشرة كاملة، ثم لا يدل ذلك على أن "العشرة" ليست موضوعة لعدد مخصوص يفيد ذلك عند إطلاقه من غير توكيد. وجواب آخر وهو: أن الشيء الواحد، لما جاز أن يدل عليه بدليلين وثلاثة وأربعة، ثم لا يفيد الدليل الثاني والثالث والرابع إلا ما أفاده الأول، كذلك لا يمتنع أن يؤكد العموم بتأكيد لا يفيد إلا ما أفاده العموم ومع ذلك يكون للعموم صيغة. وأيضًا: فإنا وجدنا أهل اللغة يقولون: هذا اللفظ عموم، وهذا اللفظ

стр. 640

خصوص، كما يقولون: هذا خبر وهذا استخبار، ويقولون: هذا الاسم واحد، وهذا اسم تثنية و [هذا اسم] جمع؛ فلما كان الاسم الواحد والاثنين والجمع والخبر والاستخبار صيغة تختص بها، كذلك العموم والخصوص١. وأيضًا: فإن قوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ لا يخلو إما أن يحمل على العموم لظاهره، أو على الخصوص، أو يتوقف فيه، ولا يجوز حمله على الخصوص لوجهين: أحدهما: أن للخصوص لفظًا هو أخص به من هذا؛ فلو أراده لعبر عنه باللفظ المختص به. ولا يصح أن يستثنى منه أكثر من قدر الخصوص٣. ولا يجوز حمله على الوقف؛ لأن اللفظ يتضمن اقتضاء فعل القتل، ومن حمله على الوقف؛ لا يعدوه فعلًا؛ بل يخرجه٤ عن الإفادة، ويكون وجوده كعدمه، وهذا محال في صفة الحكيم أن يذكر ما لا فائدة فيه؛ فلم يبق إلا حمله على العموم به. وأيضًا: فإن حسن الاستثناء يدل على الصيغة؛ فإنه يقول: "اقتلوا المشركين إلا المعاهدين"، و "ومن وصلني وصلته؛ إلا بني فلان". وحسن

стр. 641

الاستثناء يدل على أن اللفظ عام في الجنس؛ لأن الاستثناء [٦٧/أ] إخراج ما لولاه لوجب دخوله فيه. فإن قيل: جواز الاستثناء لصلاح اللفظ له؛ لا لأنه أوجبه. قيل: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أنه قد قيل: أن الاستثناء مشتق من قولهم: "ثنيت فلانًا عن رأيه، وثنيت إليه عنان فرسي إذا صرفه إليه". وقيل: إنه سمي استثناء؛ لأنه تثنية الخبر، وأيها كان؛ فإنه يقتضي أن يكون اللفظ عامًا فيه متناولًا له لو لم يكن الاستثناء١. وجواب آخر وهو: أن الاستثناء من أسماء العدد يقتضي إخراج بعض ما تناوله اللفظ، كذلك الاستثناء من ألفاظ الجمع، والألفاظ المبهمة مثل ذلك، ولا فرق بينهما. وجواب آخر وهو: أنه لو كان دخول الاستثناء فيه، لأنه يصلح؛ لصلح أن يستثنى من جنسه وغير جنسه؛ فنقول: جاء القوم إلا زيدًا وإلا حمارًا، كان "الناس" يعبر بهم عن الحمير مجازًا لأجل البلادة؛ فلما لم يصح هذا، ثبت أن الاستثناء دخل؛ لأن اللفظ أوجبه، لا أنه يصلح له. وجواب آخر وهو: لو كان لأنه يصلح له، لا أنه أوجبه؛ لَمَا افترق الحال بين أن يقع الاستثناء موصولًا أو مفصولًا؛ لأنه يخبر عما صلح [له] ؛ فلما ثبت أن الاستثناء لو وقع مفصولًا كان تخصيصًا، أو نسخًا عند من لا يقول بتخصيص العموم؛ بطل أن يكون دخوله فيه؛ لأنه يصلح له، وثبت أن دخوله فيه؛ لأنه يتناوله. وأيضًا: فإنه إذا قال: "اقتلوا رجلًا من المشركين"؛ كان الرجل

стр. 642

شائعًا في جنس المشركين، وأي رجل قتلوا منهم كانوا ممتثلين لأمره؛ فإذا قال: "اقتلوا المشركين"؛ وجب أن يقتلوا جميعهم؛ لأن القتل يجب أن يتعلق ههنا بمن يتعلق الرجل الذي أمر بقتله بهم. وحكي عن أبي بكر بن الباقلاني: أنه كان يسلم هذا. وإن امتنع ممتنع من تسليمه، قيل له: الدليل: أنه إذا قال: "لا تقتل رجلًا من المشركين"؛ وجب أن يكف عن واحد من جنس المشركين، وهذا لا خلاف فيه؛ ولهذا قال أهل اللغة: إن النكرة في النفي تقتضي الجنس، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في الإثبات واحد١ من الجنس. يبين صحة هذا: أنه إذا قال: "والله لا أدخل دارًا"؛ اقتضى الجنس، فأي دار دخلها حنث في يمينه، وإذا قال: "لأدخلن دارًا"؛ اقتضى دخول دار من الجنس؛ فأي دار دخلها بر في يمينه، والبر والحنث في الإيمان بمنزلة الطاعة والمعصية. وأيضًا: فإن العموم معنى ظاهر تمس الحاجة إلى العبارة عنه والإخبار به في المخاطبة المتعلقة بالمصالح في الدين والدنيا، وقد رأيناهم وضعوا لكل ما تمس الحاجة إلى العبارة عنه من الأشخاص والأفعال اسمًا يخصه ويميزه٢ عن غيره، وجب أن يكون العموم والخصوص بمثابته؛ لأن الداعي إليه كالداعي إلى [٦٧/ب] سائر ما وضعوا له من العبارات٣. فإن قيل: هذا يبطل بالطعوم والروائح؛ لأنها متغايرة متباينة، ولم يضعوا لكل طعم، ولا لكل رائحة اسمًا يخصه ويميزه عن غيره مع الحاجة إلى العبارة

стр. 643

عنه، وكذلك قالوا١ في المواجهة: "فعلت أنت"، و"فعلتما أنتما"، و"فعلتم أنتم"، وكذلك في الإخبار عن الغائب قالوا: "فعل فلان"، و"فعلها"، و"فعلوا"، وقالوا في الإخبار عن نفسه وعن غيره: "فعلتُ" و"فعلنا"، ولم يميزوا التثنية من الجمع، وجعلوا اللفظ مشتركًا فيهما. قيل: قد ميزوا بالإضافة، فقالوا: "طعم الخبز"، و"طعم الماء"، و"طعم الفاكهة"، و"حلاوة السكر"، و"حلاوة العسل"، و"حموضة الخل"، و"حموضة المصل"، و"رائحة الكافور"، و"رائحة المسك" كما قالوا: "لحم الغنم"، و"لحم البقر"، و"لحم الجمل"، و"لحم العصافير"؛ فميزوا بينها٢ بالإضافة. وأما التثنية في الإخبار عن نفسه وعن غيره، فهو أنهم وضعوا له لفظًا يدل عليه؛ فقالوا: "فعلتُ أنا وأخي معي أو فلان"، و"إنا فعلنا"، و"فعلت أنا وجماعة معي أو فلان وفلان" و"وإنا فعلنا"؛ وإنما لم يضعوا التثنية من لفظ الواحد؛ لأنهم يثنون اللفظ بنظيره، ولا نظير له في الإخبار عن نفسه وعن غيره؛ لأنه لا يقول: أنا وأنا، كما [لا] يقول أنت وأنت، وهو وهو. فإن قيل: لفظ الجمع مع الرمز والإشارة ودلالة الحال يدل على قصد المتكلم ومن أحد من الخصوص؛ فاستغنوا بذلك عن اللفظ، كما تقول في قول القائل: "أي شيء يحسن زيد؟ " فإنه يحتمل التكثير والتقليل والاستفهام؛ وإنما يتوصل إلى قصد المتكلم بدلالة الحال. قيل: لم ننكر أن يكون في اللغة لفظ مشترك يدل دلالة الحال على قصد

стр. 644

المتكلم به؛ وإنما أنكرنا أن يكون ما تمس الحاجة إلى العبارة عنه في مصالح دينه ودنياه لم يضعوا له لفظه، وهذه المعاني التي يحتملها قوله: "أي شيء يحسن زيد؟ "، وقد وضعوا لها لفظًا تميز به عن غيره؛ فقالوا: "علمه قليل أو كثير، وأي شيء يحسن زيد"؟. وأيضًا: فإنه لفظة "من" إذا استعملت في الاستفهام كقوله: "من عندك؟ " و"من كلمت؟ "؛ صلح أن يجيب بذكر كل عاقل، فثبت أن اللفظ يتناول الجميع١. وكذلك إذا استعملت في المجازاة كقوله: "من دخل داري أكرمته"؛ صلح استثناؤهم؛ لأن الاستثناء: يخرج من اللفظ ما لولاه كان داخلًا فيه، ألا تراه لما لم يتناول غير العقلاء؛ لم يصح استنثاؤهم؟ فإن قيل: لا نسلم أن صيغة "من" لكل من يعقل؛ لأن ممن يعقل الجن والملائكة، ولا يدخلون فيه. قيل: الصيغة تناولت كل هؤلاء؛ وإنما خرج ذلك بدليل؛ لأنه إنما يسأله عمن يجوز أن يكون عنده، وعمن يجوز دخوله٢. فإن قيل: إنما كان مجيبًا ومستثنيًا؛ لأنه [٦٨/أ] أجاب من يصلح له اللفظ. قيل: هو يصلح له ويصلح لغيره عند المخالف؛ فكان ينبغي أن لا يكون مجيبًا حى يعلم مراد المستخبر بقوله: "من عندك؟ "، ولما أجمعوا على أنه يجيب بكل من ذكره من جنس العقلاء؛ بطل السؤال.

стр. 645

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن صيغة العموم لا تخلو من أن تكون ثبتت بالعقل أو بالنقل؛ فلا يجوز أن يكون بالعقل؛ لأنه لا مدخل فيه، ولا يجوز أن يكون بالنقل؛ لأن النقل لا يخلو إما أن يكون تواترًا أو آحادًا، ولا يجوز أن يكون تواترًا؛ لأن التواتر لم يوجد؛ لأنه لو وجد لعلمناه، ولا يجوز أن يكون آحادًا؛ لأن نقل الآحاد لا يوجب العلم، ومسألة العموم طريقها العلم والقطع؛ فلم يجز إثباتها بما لا يوجب العلم١. والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنا أثبتنا ذلك من طريق العقل والنقل، وقد ذكرنا الطريقين جميعًا. الثاني: أنا أثبتنا من طريق ثالث، وهو الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم وإرادتهم مثل ما ذكرته من الاستدلال بالنكرة في الإثبات والنفي والاستفهام والاستثناء، وهذا قسم ثالث لم يذكره المخالف. جواب ثالث: أنا نقلبه عليهم فنقول: إثباتك إياه مشتركًا؛ لا يخلو ذلك من أن يكون [عقلًا] أو نقلًا، ونذكر القسمين. وهذا كما قال نفاة القياس: من [أن] إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون عقلًا أو نقلًا، ولا يجوز أن يكون عقلًا؛ لأنه لا مدخل له فيه، ولا يجوز أن يكون نقلًا على ما ذكره المخالف؛ فقلنا لهم: تحريم القياس لا يخلو إما أن يكون بالعقل أو بالنقل، وإذا كان جوابنا هناك، فهو جوابنا ههنا.

стр. 646

واحتج بأن لفظ الجمع يستعمل مرة في البعض ومرة في الكل، واستعماله في البعض أكثر؛ لأنه يقال: "غلق الناس"، و"فتح الناس"، و"جمع التجار إلى دار السلطان"، ويراد به البعض دون الكل، ويقول الواحد: "غسلت ثيابي، وصرمت نخلي"، ويريد به البعض؛ فإذا كان كذلك؛ كان حقيقة في البعض والكل، وكان بمنزلة اللفظ المشترك، مثل: "العين"، و"اللون"، فإنه يحتمل: العين: "عين الذهب"، و"عين الماء"، و"عين الميزان"، و"عين الركبة"، و"عين القوم"، وهو خيارهم، والعين على القوم، وهو: "الجاسوس"، وكذلك "اللون" يحتمل "البياض"، و"الحمرة"، و"السواد"، و"الصفرة"، ولا يجوز حمل اللفظ على بعضها إلا بدليل، كذلك ههنا. والجواب: أن هذا يبطل بأسماء الأعيان واستعمالها١ في الحقيقة والمجاز، مثل تسميتهم الماء الكثير بحرًا، والرجل العالم والجواد بحرًا، وكذلك تسمتيهم "البهيمة حمارًا"، و"الرجل البليد" حمارًا، و"البهيمة أسدًا وليثًا"، و"الحية شجاعًا"، [٦٨/ب] و"الرجل الذي به بأس وشدة شجاع". ويبطل أيضًا باستعمال لفظ الجمع في الواحد، مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢، وقول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ٣، فأراد بالأول: "نعيم بن مسعود"٤، ومع هذا فلم يدل ذلك على الاشتراك.

стр. 647

ويفارق هذا: "العين" و"اللون"؛ لأن ذلك يستعمل بنفسه في أشياء مختلفة في كل واحد منها مثل استعماله في الآخر، وليس كذلك

стр. 648

ههنا، فإنه يستعمل بنفسه عند الإطلاق للعموم والشمول، بدليل ما ذكرنا من الاستدلال بالنكرة في الإثبات والنفي والاستفهام والاستثناء. واحتج بأن الاستفهام يحسن فيه، ولو كان موضوعًا للجنس؛ لم يحسن الاستفهام، كما لا يحسن في الأسماء الموضوعة للعدد، مثل: "العشرة"، و"المائة"، و"الألف". والجواب: أن الاستفهام يجوز في قوله: "إنا فعلنا"، وقوله: "رأيت بحرًا"، و"رأيت حمارًا", وتقول: "قلت ذلك ألف مرة"، فيحسن أن يكون قلته على التكثير أو على الوفاء والتكميل، وتقول: "رأيت زيدًا" فيقول السامع: "رأيته نفسه"، ولم يدل ذلك على الاشتراك. وجواب آخر وهو: أنه إنما يحسن الاستفهام فيه؛ لأن اللفظ وإن كان موضوعًا للعموم بإطلاقه؛ فظاهره قد يصلح للخصوص، فيستفهمونه ليتيقن أنه إنما أراد الخصوص؛ ولأنه قد يدخل الاستفهام على طريق التأكيد، كما إذا قال القائل: "اقتل فلانًا"، صلح أن يراجعه، فيقول: "أأقتله"؟ تأكيدًا واحتياطًا؛ لأن اللفظ ما تضمنه. واحتج: بأن اللفظ قد ورد وأريد به العموم، وورد وأريد به الخصوص؛ فلم يكن حمله على أحدهما أولى من حمله على الآخر؛ فوجب التوقف. والجواب: أن اللفظ الدال على العموم هو التجرد عن القرائن، وهذا اللفظ لم يرد قط إلا وهو دال على العموم؛ وإنما يدل على الخصوص بقرينة. واحتج: بأنه لو كان موضوعًا للعموم حقيقة؛ لكان إذا حمل على

стр. 649

الخصوص أن يصير [مجازًا] ١. والجواب: أنه إذا حمل على الخصوص؛ فقد حمل على بعض ما تناوله اللفظ، فلا يكون مجازًا، كما إذا قال: "لفلان عشرة إلا خمسة"، إذا حمل اللفظ على الخمسة حمل على ما تناوله اللفظ، ويكون حقيقة لا مجازًا. واحتج: بأن اللفظ لو كان موضوعًا للعموم لما جاز أن يوجد؛ إلا وهو دال عليه، كما لا يجوز أن يوجد الفعل إلا وهو دال على فاعل. والجواب: أن اللفظ الدال على العموم هو المتجرد عن قرينة، ولا يوجد هذا اللفظ إلا وهو دال على العموم؛ وإنما يدل على الخصوص بقرينة تنضم [٦٩/أ] إليه. واحتج بأن حمله على العموم يوجب التضاد؛ لأنه يحمل على العموم وعلى الخصوص، وهما ضدان. والجواب: أن اللفظ الذي يحمل على العموم لا يحمل على الخصوص، والذي يحمل على الخصوص لا يحمل على العموم؛ بل أحدهما مقترن والآخر متجرد. واحتج: بأنه لو كان اللفظ للعموم؛ لما جاز أن يطلق لفظين عامين متنافيين إلا على وجه النسخ، كالنصين المتنافيين؛ فلما جاز أن يقول: "اقتلوا المشركين"، ثم يقول: "لا تقتلوا أهل الذمة"؛ فلا يكون ذلك نسخًا، ثبت أن اللفظ ما دل على العموم بنفسه. والجواب: أن العمومين إذا وردا متنافيين؛ فهما في معنى النسخ؛ لأن النسخ يختص الأزمان، والتخصيص يختص الأعيان، فهما في المعنى

стр. 650

سواء، وإن اختلفا في الاسم، وعلى أن العمومين إذا وردا متنافيين؛ لم يوجد فيهما اللفظ الدال على استغراق الجنس؛ لأنه لم يتجرد لفظ أحدهما عن قرينة تدل على أن المراد به الخصوص. واحتج: بأنه لو كان اللفظ موضوعًا للاستغراق؛ لما جاز تخصيص الكتاب بأخبار الآحاد والقياس؛ فإنه لا يجوز إسقاط حكم بخبر واحد وقياس. والجواب: أن التخصيص ليس هو إسقاطًا لحكم اللفظ كله؛ وإنما يخرج بعضه ويبقى البعض، ويبين به أن هذا هو الذي كان مراعى باللفظ، فلا يكون إسقاطًا لحكم الكتاب؛ بل يكون بيانًا للمراد به.

стр. 651

فساد قول من حمل العموم على أدنى الجمع مدخل ... فصل: فساد قول من حمل العموم على أدنى الجمع ما تقدم ولأن الصحابة لم ينقل عن أحد منهم أنه اعتقد في عموم القرآن والسنة أدنى الجمع، والوقف في الباقي، بل حملوا اللفظ على عمومه؛ فدل على أنه ليس بموضوع الكلام، إذ لو كان كذلك لنقل ذلك عنهم. ولاحتج به بعضهم على بعض. ولأن للخصوص لفظًا هو أخص به من لفظ العموم، ولو كان المراد الخصوص١؛ لعبر عنه باللفظ المختص به. ولأنه يصح أن يستثنى منه أكثر من قدر الخصوص. ولأنه لو جاز أن يحمل على أقل الجمع لأنه اليقين؛ لجاز أن يحل على الواحد؛ لأنه هو اليقين؛ لأن لفظ الجمع قد يرد والمراد به الواحد

стр. 652

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ١، وقوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ ٢ قيل تقديره: ألقِ ألقِ على وجه التأكيد٣. وقول عمر حين كتب إلى سعد٤: إني قد وجهت إليك ألفي رجل؛ وإنما أنفذ إليه القعقاع٥ ومعه ألف، فسمي الواحد ألفًا؛ لأنه يسد مسدها، ولما لم يجز حمله على الواحد؛ لأن الإطلاق لا يتناوله؛ كذلك أقل الجمع.

стр. 653

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن الثلاثة متيقن؛ فوجب [٦٩/ب] حمله عليه١. والجواب: أن هذا يوجب حمله على الواحد؛ لأنه متيقن٢ واللفظ قد يعبر به عنه. ويوجب أيضًا: أن يحمل لفظ العشرة على أقل من ذلك، أنها٣ قد تستعمل في بعضها بدليل، وهو إذا اقترن به الاستثناء وأجمعنا على أنها تحمل على الجميع بظاهرها، وعلى أن الثلاثة٤ وإن كان متيقنًا؛ فإن اللفظ حقيقة فيما زاد عليه؛ فلم يكن حمله على الثلاثة٥ بأولى من حمله على الجميع. واحتج: بأن استعمال لفظ العموم في الخصوص هو الغالب؛ فحمل عليه. والجواب: أن هذا الغالب لا يختص بثلاثة. واحتج: بأن العموم مأخوذ من الخصوص، ومنه قولهم: "مطر عام". والجواب: أن العموم مأخوذ من قولهم: "عممت الشيء أعمه عمومًا، وعمهم العدل والرخص والغلاء".

стр. 654

فساد قول من فرق بين الأخبار والأوامر في صيغ العموم ... فصل: والدلالة على فساد قول من فرق بين الأخبار والأوامر أن الطريق إلى إثبات أحدهما هو الطريق إلى الآخر؛ فالممتنع من أحد الأمرين؛ يلزمه الامتناع من الآخر، ألا ترى أن استعمال اللغة في الأمرين على وجه واحد، ورجوع الصحابة إلى أوامر الله تعالى وأخباره إلى ظاهر الخطاب، كرجوعهم في الآخر، فدل على أنه لا فرق بينهما. ولأنه ثبت أن الله إذا أمر بلفظ عام؛ وجب حمله على العموم، كذلك إذا أخبر بلفظ عام؛ لأنه لا يجوز أن يخطابنا ويريد بخطابه غير ما وضع له في اللغة، ومتى لم يرد ذلك؛ دل عليه وبينه. واحتج من فرق بينهما: بأن الأوامر تكليف؛ فلو لم يعرف المراد به، لاقتضى تكليف ما لا يطاق، وليس كذلك الخبر عن الوعد والوعيد وغير ذلك؛ لأنه لا يقتضي وجوب شيء يحتاج أن يعلم به. والجواب: أن الخبر إنما يخاطب به لفائدة كالأمر، وإن كان فائدتهما تختلف؛ ألا ترى أنه يزجر بالوعيد ويرغب بالوعد، وذلك يقتضي العلم بمراده بها، فالحال فيهما واحدة. ولأن المقصود وإن اختلفت جهاته؛ فلا يوجب التفريق بين الأمرين، مثلًا اختلاف المقصود في الأوامر. فإن قيل: الخبر لا يدخله نسخ ولا تخصيص، والأمر يدخله الأمران. قيل: هذا يؤكد ما قلنا؛ لأن الأمر لما جاز أن يقع فيه النسخ والتخصيص١،

стр. 655

ومع هذا يحمل على العموم؛ فالخبر مع امتناع وقوع النسخ أولى أن لا نحمله١ على العموم. فإن قيل: يجوز وقوع الخبر عن مجهول، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ٣ ثم لا يبينه أبدًا، ولا يجوز أن يأمر بمجهول، ولا يبينه في الثاني. قيل: يجوز ذلك بأن يقول: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٤ [٧٠/أ] ثم لا يبين ذلك، وتكون فائدة الأمر صحة تنزيله ووجوب اعتقاده.

стр. 656

يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني مدخل ... فصل: يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني ١ فأما المضمرات نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢، و: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ ٣، معلوم أنه لم يرد نفس العين؛ لأنها فعل الله تعالى؛ وإنما المراد أفعالنا فيها، فيعم تحريمها بالأكل والبيع٤.

стр. 657

وكذلك قول النبي ﷺ : "لا أحل المسجد لجنب" ١ ليس المراد عين المسجد؛ وإنما المراد به أفعالنا، فهو عام في الدخول واللبث. وكذلك قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ٢،

стр. 658

والنسيان لا يمكن رفعه؛ لأنه قد تقضى، والمراد به حكمه، فهو عام في المأثم والحكم به. وكذلك قوله: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين"؛ عام في الصحة والكمال. وقد قال الإمام أحمد ﵀ في رواية صالح في الرجل يحدث نفسه بما إن سكت عنه يخاف١ أن يكون قد أشرك٢، فقال: يروى

стр. 659

عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ١ ما لم تعمل [أو] ٢ تتكلم" ٣ فاستعمل٤ هذا في رفع المأثم، وقد استعمله في رفع الحكم في رواية. وذهب الأكثر من أصحاب أبي حنيفة والشافعي إلى أنه لا يعتبر العموم في ذلك.

стр. 660

دليلنا: أن قوله: "رفع" قد علم أنه ما أراد به نفس الفعل؛ لأن ذلك لا يمكن رفعه بعد وقوعه. وكذلك قوله: "لا نكاح؛ إلا بولي" لا يمكن رفعه بعد وقوعه؛ وإنما أريد ما تعلق بذلك الفعل والعقد؛ فصار اللفظ محمولًا على ذلك بنفسه، لا بدليل، ويحصل تقديره كأنه قال: "رفع عن أمتي ما تعلق بالخطأ والنسيان؛ فيعم المأثم والحكم، ولا نكاح إلا بولي، يعم الكمال والصحة. وكذلك: ﴿لا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١، قد علمنا أنه لم يرد اللفظ٢ بل أراد ذلك وما هو أعلى منه؛ فصار كأنه قال: لا تقربهما بسوء.

стр. 661

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن قولنا: عموم، معناه: خطاب موضوع للجنس، ولفظ يعم الجنس، وهذا لا يوجد في المعاني والمضمرات؛ فإن المضمر والمعنى ليس بلفظ. والجواب: أنا قد بينا أن اللفظ مراد بهذا، من الوجه الذي بينا؛ فإن قيل: فيجب أن يقولوا: إن التخصيص يدخل على المضمرات والمعاني. قيل: هكذا نقول.

стр. 662

إذا أضيف التحريم إلى ما لا يصح تحريمه كان عاما في أفعال العين المحرمة مدخل ... فصل: ١ لفظ التحريم إذا تعلق بما لا يصح تحريمه؛ فإنه يكون عمومًا في الأفعال في العين المحرمة إلا ما خصه الدليل، نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٣. وحكي عن البصري المعروف بالجعل٤: أن هذا اللفظ يكون مجازًا، ولا يدل على تحريم الأفعال.

стр. 663

دليلنا: أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ [٧٠/ب] قد علم أنه ما أريد به تحريم العين نفسها؛ لأن العين فعل١ الله تعالى، لا يتوجه التحريم إليها، وإنما أريد تحريم أفعالنا فيها، فصار اللفظ محمولًا على ذلك بنفسه، لا بدليل، وكل ما حمل اللفظ عليه بنفسه كان حقيقة لا مجازًا كقوله: "لا صلاة إلا بطهور" حقيقة هذا رفع الفعل؛ فلما استحال رفعه بعد وقوعه؛ كان معناه: حقيقة في رفع حكمه، كذلك ههنا. ولأن من أراد أن يحرم على عبده أو ولده شيئًا؛ فإنه يقول: حرمت عليك هذا، فيفهم منه تحريم تصرفه فيه بنفس اللفظ، فثبت أن اللفظ نفسه دل على ذلك، فكان حقيقة.

стр. 664

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن اللفظ اقتضى تحريم العين نفسها؛ فإذا حمل على الفعل؛ يجب أن يصير مجازًا، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١. والجواب: أنه وإن لم يتناول ذلك نطقًا؛ فهو المراد من غير دليل، ويفارق هذا دليل القرية ونحوه؛ لأنا لم نعلم أن المراد به أهلها باللفظ، لكن بدليل؛ لأنه لا يستحيل جواب حيطانها في قدرة الله تعالى، واحتيج إلى دليل يعرف به أنه أراد أهلها.

стр. 665

مسألة في الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام مدخل ... مسألة: في الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام ١ مثل: الإنسان، والسارق، والزاني، والقاتل، والكافر، والبيع، والصيد، والدينار، والدرهم، وما أشبه ذلك؛ فهو للجنس. وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد ﵁ في كتاب طاعة الرسول، فقال: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢. فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم السارق، وإن قل ذلك؛ فقد وجب عليه القطع، ولما قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع في ثَمَر ولا كَثَر"،

стр. 666

دل أنها ليست على ظاهرها، وأنها على بعض السراق دون بعض. فقد صرح بأن إطلاق اللفظ اقتضى العموم في كل سارق. وبهذا قال أبو عبد الله الجرجاني وحكاه عن أصحابه١. واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال مثل قوله، ومنهم من قال: هي للعهد٢.

стр. 667

دليلنا: أن لفظ الجمع إذا كان منكرًا، مثل: مسلمين، ومشركين، ورجال؛ كان لجمع منكر، ولم يكن للجنس، كما قال تعالى: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ﴾ ١؛ فإذا عرف بالألف واللام كان للجنس، كذلك ههنا. ولأنه يصح الاستثناء منه بلفظ الجمع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، وهذا يدل على أنه للجنس، كألفاظ الجمع٣.

стр. 668

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بأن اللام للتعريف عندهم؛ فإذا قال: دخلت السوق، فرأيت رجلًا، ثم عدت إلى السوق فرأيت الرجل؛ كان تعريفًا لما تقدم ذكره، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ١. ويدل عليه [٧١/أ] قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٢ لن يغلب عسر يسرين٣. فجعل العسر الثاني هو الأول؛ لما كان معرفًا٤ بالألف واللام، وليس الثاني

стр. 669

عين الأول، لما كان منكرًا؛ فوجب أن يكون تعريفًا لما اقتضاه الاسم، وهو واحد من الجنس، ولا يكون تعريفًا للجنس؛ لأن الاسم لا يصلح له، إذا لم يكن فيه الألف واللام؛ فلا يقتضيه، فكان تعريفًا لمقتضاه. والجواب: عن قولهم: إنه تعريف لما يقتضيه الاسم؛ فهو منتقض باسم الجمع؛ فإنه إذا كان معرفًا كان للجنس، وإذا كان منكرًا؛ كان لبعض الجنس. ولأن المنكر لا يصلح إلا للواحد، والمعرف يصلح للجنس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ١، وقال: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ٢، [وقال] : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ ٣، و [قولهم] : أهلك الناس الدرهم والدينار؛ فدل على الفرق بينهما. وأما قوله: "دخلت السوق فرأيت رجلًا، ثم عدت إلى السوق فرأيت الرجل"، فهو أنه ههنا رجع إلى المذكور قبله؛ لأن التعريف إذا تقدمته نكرة؛ كان الظاهر أنه راجع إليه، وتعريف له، وليس كذلك إذا لم يتقدمه نكرة؛ فإنه ليس في الكلام ما يوجب تخصيصه، فوجب حمله على تعريف الجنس٤.

стр. 670

الجموع المنكرة تحمل على أقل الجمع مدخل ... فصل ١ الجموع المنكرة تحمل على أقل الجمع ألفاظ الجموع كالمشركين، والمسلمين، والقائلين، إذا لم يدخلها الألف واللام، فقيل: مشركون، ومسلمون، وقائلون، لم يحمل على العموم، ولم يكن للجنس، ويحمل على أقل الجمع، كما قال أصحاب الخصوص والعموم. وقد أشار أحمد ﵀ إلى هذا في رواية أبي طالب، إذا قال: ما أحله الله علي حرام -يعني به الطلاق- أجاب: إنه٢ يكون ثلاثًا، وإذا قال: أعني به طلاقًا؛ فهذه واحدة، لأن طلاقًا غير الطلاق. فقد فرق بين دخول الألف واللام على الطلاق في أنه يقتضي الجنس، وبين حذفها في أنه لا يقتضي جنسه. واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: مثل قولنا، ومنهم من حمله على العموم واستغراق الجنس. وحكي ذلك عن الجبائي٣. وقد أشار إليه الإمام أحمد في رواية صالح وقد سأله ﵁:
следующие страницы →