دل أنها ليست على ظاهرها، وأنها على بعض السراق دون بعض. فقد صرح بأن إطلاق اللفظ اقتضى العموم في كل سارق.
وبهذا قال أبو عبد الله الجرجاني وحكاه عن أصحابه١.
واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال مثل قوله، ومنهم من قال: هي للعهد٢.
стр. 667
دليلنا:
أن لفظ الجمع إذا كان منكرًا، مثل: مسلمين، ومشركين، ورجال؛ كان لجمع منكر، ولم يكن للجنس، كما قال تعالى: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ﴾ ١؛ فإذا عرف بالألف واللام كان للجنس، كذلك ههنا.
ولأنه يصح الاستثناء منه بلفظ الجمع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، وهذا يدل على أنه للجنس، كألفاظ الجمع٣.
стр. 668
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن اللام للتعريف عندهم؛ فإذا قال: دخلت السوق، فرأيت رجلًا، ثم عدت إلى السوق فرأيت الرجل؛ كان تعريفًا لما تقدم ذكره، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ١.
ويدل عليه [٧١/أ] قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٢ لن يغلب عسر يسرين٣. فجعل العسر الثاني هو الأول؛ لما كان معرفًا٤ بالألف واللام، وليس الثاني
стр. 669
عين الأول، لما كان منكرًا؛ فوجب أن يكون تعريفًا لما اقتضاه الاسم، وهو واحد من الجنس، ولا يكون تعريفًا للجنس؛ لأن الاسم لا يصلح له، إذا لم يكن فيه الألف واللام؛ فلا يقتضيه، فكان تعريفًا لمقتضاه.
والجواب: عن قولهم: إنه تعريف لما يقتضيه الاسم؛ فهو منتقض باسم الجمع؛ فإنه إذا كان معرفًا كان للجنس، وإذا كان منكرًا؛ كان لبعض الجنس.
ولأن المنكر لا يصلح إلا للواحد، والمعرف يصلح للجنس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ١، وقال: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ٢، [وقال] : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ ٣، و [قولهم] : أهلك الناس الدرهم والدينار؛ فدل على الفرق بينهما.
وأما قوله: "دخلت السوق فرأيت رجلًا، ثم عدت إلى السوق فرأيت الرجل"، فهو أنه ههنا رجع إلى المذكور قبله؛ لأن التعريف إذا تقدمته نكرة؛ كان الظاهر أنه راجع إليه، وتعريف له، وليس كذلك إذا لم يتقدمه نكرة؛ فإنه ليس في الكلام ما يوجب تخصيصه، فوجب حمله على تعريف الجنس٤.
стр. 670
الجموع المنكرة تحمل على أقل الجمع
مدخل
...
فصل ١ الجموع المنكرة تحمل على أقل الجمع
ألفاظ الجموع كالمشركين، والمسلمين، والقائلين، إذا لم يدخلها الألف واللام، فقيل: مشركون، ومسلمون، وقائلون، لم يحمل على العموم، ولم يكن للجنس، ويحمل على أقل الجمع، كما قال أصحاب الخصوص والعموم.
وقد أشار أحمد ﵀ إلى هذا في رواية أبي طالب، إذا قال: ما أحله الله علي حرام -يعني به الطلاق- أجاب: إنه٢ يكون ثلاثًا، وإذا قال: أعني به طلاقًا؛ فهذه واحدة، لأن طلاقًا غير الطلاق.
فقد فرق بين دخول الألف واللام على الطلاق في أنه يقتضي الجنس، وبين حذفها في أنه لا يقتضي جنسه.
واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: مثل قولنا، ومنهم من حمله على العموم واستغراق الجنس.
وحكي ذلك عن الجبائي٣.
وقد أشار إليه الإمام أحمد في رواية صالح وقد سأله ﵁:
стр. 671
عن لبس الحرير؛ فقال: لا، إنما هو للإناث، يروى عن النبي ﷺ في الحرير والذهب: "هذان حرامان على ذكور أمتي" ١.
فقد حمل قوله: "ذكور أمتي" على العموم في الصغيرة والكبيرة وإن كان جمعًا ليس فيه الألف واللام.
стр. 672
وجه الأول:
أن أهل اللغة سموا هذه الألفاظ عند حذف الألف واللام منها نكرة،
стр. 673
فلو كانت متناولة لجميع الجنس؛ لما كانت نكرة، بل كانت معرفة؛ لأن جميع الجنس معرف، ألا ترى أنه إذا دخلها الألف واللام لم تكن نكرة بل تكون معرفة؛ لأنه يصح تأكيدها بلفظة "ما" الدلالة [٧١/ب] [على] الخصوص فتقول: أقتل مشركين ما، ورأيت رجالًا [ما] ، وهذه اللفظة لا يصح دخولها على لفظ العموم، فإنه لا يصح أن تقول: أقتل المشركين [ما] ، ولا رأيت الرجال ما.
стр. 674
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لما صح دخول الاستثناء عليه، فخرج بعضه؛ ثبت أنه من ألفاظ العموم، كالجمع المعرف.
والجواب: أن الاستثناء يخرج البعض من الكل، ويخرج البعض من البعض، فههنا يخرج البعض من البعض، الذي هو أقل الجمع.
стр. 675
مسألة إذا ورد لفظ العموم الدال بمجرده على استغراق الجنس
مدخل
...
مسألة: ١ إذا ورد لفظ العموم الدال بمجرده على استغراق الجنس
فهل يجب العمل بموجبه واعتقاد عمومه في الحال قبل البحث عن دليل يخصه أم لا؟
стр. 676
فيه روايتان:
إحداهما يجب العمل بموجبه١ في الحال٢، وهذا ظاهر كلام
стр. 677
أحمد ﵀ في رواية عبد الله لما سأله عن الآية إذا كانت عامة مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ١، وذكر له قومًا يقولون: لو لم يجئ فيها بيان عن النبي ﷺ ؛ توقفنا٢، فقال: قوله: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٣، كنا نقف عند ذكر الولد [لا نورثه] ٤ حتى ينزل الله، أن لا يرث قاتل ولا عبد٥.
وظاهر هذا الحكم به في الحال من غير توقف.
وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا، ذكر٦ في أول كتاب التنبيه فقال: وإذا ورد الخطاب من الله تعالى أو من الرسول بحكم عام أو خاص، حكم بوروده على عمومه، حتى ترد الدلالة على تخصيصه أو تخصيص بعضه.
وفيه رواية أخرى: لا يحمل على العموم في الحال، حتى يتطلب دليل التخصيص؛ فإن وجد؛ حمل اللفظ على الخصوص، وإن لم يوجد؛ حمل حينئذ على العموم٧.
وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية ابنه صالح وأبي الحارث وغيرهما، فقال في رواية صالح، إذا كان للآية ظاهر، ينظر ما عملت السنة؛ فهو دليل على ظاهرها، ومنه قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ
стр. 678
فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ١؛ فلو كانت على ظاهرها؛ لزم من قال بالظاهر أن يورث كل من وقع عليه اسم ولد، وإن كان قاتلًا [أ] ويهوديًا.
وقال أيضًا فيما كتب به إلى [أبي] ٢ عبد الرحيم الجوزجاني٣: فأما من تأوله على ظاهر [هـ] ٤ -يعني القرآن- بلا دلالة من رسول الله، ولا أحد من أصحابه، فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة، ويكون حكمها حكمًا عامًا، ويكون ظاهرها في العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله ﷺ المعبر عن كتاب الله تعالى وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر، وما أريد بذلك.
وظاهر هذا: أنه لا يجب اعتقاده، ولا العمل به في الحال، حتى يبحث وينظر، هل هناك دليل تخصيص٥؟
واختلف أصحاب الشافعي، فذهب الأكثر منهم إلى التوقف فيه حتى ينظر.
وذهب بعضهم إلى [٧٢/أ] العمل به في الحال.
واختلف أصحاب أبي حنيفة: فحكى أبو عبد الله الجرجاني في
стр. 679
كتابه: أن السامع متى سمعه من رسول الله ﷺ على طريق تعليم الحكم؛ فالواجب اعتقاد عمومه. وإن سمعه من غيره؛ لزمه التثبت وطلب ما يقتضي تخصيصه، فإن فقده حمل اللفظ على مقتضاه في العموم.
وحكى أبو سفيان في مسائله: وجوب اعتقاد عمومه من غير توقف، على الإطلاق من غير تفصيل؛ فقال في أثناء الكلام في مسألة العموم: ما تقولون في عموم اللفظ إذا ورد ابتداء هل ترجعون عند سماعه إلى الأصول في طلب دلالة التخصيص، أو تحملوا به على الاستغراق؟ فقال: نحمله على عمومه، ولو كان خصوصًا؛ لم يخله الله من بيان عند وروده من غير توقف.
فالدلالة على أنه يجب العمل من غير توقف: أن صيغة العموم إذا ورد متجردًا عن قرينة ظاهرة؛ كانت حقيقة في الجنس كله، ووجب المصير إليه قبل البحث كما قلنا في أسماء الحقائق من الأعداد وغيرها، متى وردت وجب المصير إلى موجبها، ولا يجب التوقف على ما يدل على مجازها، كذلك ههنا.
فإن قيل: لا نسلم أنها متجردة عن القرينة؛ لأن التجرد ما ثبت، وهذا كما يقول: إذا شهد عند الحاكم شاهدان، لا يعرف حالهما، فإنه لا يحكم قبل السؤال عنهما، كذلك ههنا.
قيل: الأصل عدم القرينة؛ فوجب الاعتماد على ذلك الأصل؛ لأن هذا هو الظاهر، وجرى هذا مجرى شاهدين شهدا بحق؛ فإن الحاكم يحكم بشهادتهما، وإن جاز أن يكون قد حصل هناك إبراء من ذلك الحق، أو قضاء للحق وهما لا يعلمان به؛ لأن الظاهر عدم ذلك.
وأما عدالة الشهود: فإن الظاهر يقتضي عدالتهما؛ لأن الأصل العدالة؛ ولكن لم يقتصر في الشهادة على الظاهر، ألا ترى أن الظاهر صدق الشاهد الواحد، ولكن اعتبر فيه العدد، كذلك الظاهر العدالة، لكن
стр. 680
اعتبر زيادة معنى، وهو الحث، ويفارق هذا ألفاظ صاحب الشريعة؛ لأن الاعتبار فيها بالظاهرة، ألا ترى أنه يقبل خبر الواحد، ولا يبحث عن عدالته في الباطن.
فإن قيل: لا نسلم لكم أسماء الحقائق، بل نقول: يقف على الطلب؛ فإذا لم يجد ما يدل على المجاز؛ صار إليه.
قيل: إن لم نسلم الأصل فالاستدلال قائم بنفسه، وهو: أن اللفظ قد تجرد عن قرينة ظاهرة؛ لأن الأصل عدمها.
فإن قيل: فإن سلمنا لكم ذلك، ما الفرق بينهما؟ إن في العدول عنها ترك الحقيقة، وليس في تخصيص العموم ترك الحقيقة.
قيل: فيه ترك حقيقة اللفظ؛ لأنه موضوع للاستغراق، [٧٢/ب] فلا فرق بينهما.
وطريقة أخرى، وهي١: أن هذه الصيغة ترد في عموم الأزمان، كما ترد في عموم الأعيان، ثم ثبت أن ما ورد عامًا في الأزمان؛ لزم العمل بعمومه قبل البحث عن دليل الخصوص، كذلك ما ورد عامًا في الأعيان.
فإن قيل: الفرق بينهما: أن ما يخص الزمان نسخ، والنسخ يرد بعد ورود الصيغة، ولا يصح أن يرد معها ولا قبلها؛ فلهذا ألزم العمل بموجبها، وليس كذلك تخصيص العموم؛ لأن ما يخصه يرد معه أو قبله، فلهذا لم يعتقد وجوبه قبل البحث.
قيل: وقد يرد بعده؛ لأن تأخير البيان جائز؛ فإذا لم تكن هناك قرينة ظاهرة، فالأصل عدمها.
وجواب آخر وهو: أن هذا يوجب أن يقول: إذا سمع العموم من
стр. 681
غير النبي ﷺ أن لا يلزمه بعمومه في الأزمان؛ لأنه يجوز أن يكون النسخ معه، ولكن الراوي لم يعرفه، ومع هذا فإنه يجب اعتقاده في العموم في الأزمان في الحالين؛ فبطل ما قاله.
ولأن من قال بهذا يلحق بأصحاب الوقف؛ لأنه لا يحكم حتى ينظر دليل التخصيص، كما يفعل أصحاب الوقف.
فإن قيل: [إن] احتاج العبد إلى استعماله؛ فله أن يحمله على الاستغراق، دون بيان زائد، وعندهم: لا يجوز.
قيل: إذا حمله على الاستغراق، قبل أن ينظر دليل التخصيص، كان رجوعًا عن المسألة.
والقائل الأول يجيب عن هذا: بأن أهل الوقف يقفون فيه بعد البحث، حتى يرد لفظ صريح، أنه أراد العموم.
وقد ذكر بعض من نصر هذه الطريقة أشياء أخر، لا تلزم المخالف.
منها: أن الأصول غير محصورة؛ فلا يمكن المجتهد أن ينظر في جميعها؛ وإنما ينظر في بعضها، ويجوز أن يكون قد بقي شيء لم يبلغه نظره، ويكون ذلك الباقي فيه ما يدل على التخصيص، فيفضي إلى الوقف في العموم أبدًا، ويدخل في وقف الأشعري، وهذا لا يلزم المخالف؛ لأن الحاكم إذا توقف عن الحكم بشهادة الشاهدين حتى يسأل عنهما، وجب أن يتوقف أبدًا، كذلك ههنا.
ولأنه لا يمتنع أن يكون النظر الأول مستحقًا دون التكرار، ألا ترى أن الحاكم إذا نزلت به نازلة ليس فيها نص ولا إجماع، وجب أن يجتهد، وينظر فما غلب على ظنه حكم به، ولا يجب أن يكرر النظر، كذلك ههنا.
ولا يفضي ذلك إلى مقالة الأشعرية؛ لأن هذا القائل يقول: إذا لم
стр. 682
يجد في الأصول ما يخصه، حمله على عمومه، والأشعرية لا تقول ذلك، وتتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما دون الآخر.
وذكر أيضًا: أن السامع للعموم لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد؛ فإما أن يعتقد عمومه أو خصوصه، ولا يجوز أن يعتقد الخصوص؛ فوجب اعتقاد العموم.
وهذا لا يلزمه [٧٣/أ] أيضًا؛ لأن هذا القائل يقول: يعتقد عمومه أن تجرد عما يخصه؛ فلا يقطع باعتقاد العموم، والمعتمد لنصرة هذا القول: ما ذكرناه.
واحتج من قال بالوقف١:
بأن الدلالة على العموم وجود الصيغة المتجردة عن دليل التخصيص، والتجرد لم يثبت لجواز أن يكون في الأصول لفظ أو معنى يوجب التخصيص، فوجب الوقف.
стр. 683
والجواب: أنا قد بينا أن الأصل عدم القرينة، وأن الظاهر تجرده، ولأن هذا يلزم عليه الأعداد وغيرها من أسماء الحقائق، ويلزم عليه الزمان؛ فإن هذا الاحتمال موجود فيه من الوجه الذي ذكرنا، ومع هذا يجب العمل بعمومه؛ فبطل هذا.
واحتج: بأن من سمع قول الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، لا يخلو إما أن يقول: يلزمه أن يعتقد عمومه، فأمره باعتقاد خلق القرآن وهذا اعتقاد باطل، وإن قال: انظر في الدلالة، فقد ترك قوله.
والجواب: أن هذا الظاهر مع قرينة ظاهرة من جهة العقل؛ يمتنع اعتقاد عمومه في خلق القرآن وصفات الله تعالى؛ فلهذا لم يجز حمله على عمومه، وخلافنا في عموم خلا عن دلالة ظاهرة عقلًا أو شرعًا.
وأما أصحاب أبي حنيفة٢؛ فإنهم اعتمدوا في الفرق بين أن يسمعه من رسول الله ﷺ ، أو غيره؛ فإنه يجوز أن يكون في أدلة الشرع ما يمنع العموم، فلهذا يوقف حتى ينظر، وإذا سمعه من رسول الله ﷺ على وجه بيان الحكم، [و] لو كان في الشرع ما يمنع حمل اللفظ على العموم لبينه حال خطابه٣.
والجواب: أنه يجوز تأخير البيان عندنا.
стр. 684
مسألة العموم إذا دخله التخصيص فهو حقيقة فيما بقي
مدخل
...
مسألة ١ العموم إذا دخله التخصيص؛ فهو حقيقة فيما بقي
ويستدل به فيما خلا المخصوص.
وكلام أحمد ﵀ يدل على هذا؛ لأنه احتج فيمن ابتاع عبدًا أو أمة واستعملت ثم ظهر على عيب، أنه يرده، ويمسك الغلة٢؛ لقوله ﵇: "الخراج بالضمان" ٣،
стр. 685
وهو مخصوص بلبن المصراة١، فإنه إذا ردها رد قيمة
стр. 686
اللبن١، وإن كانت مضمونة عليه.
فقال في رواية عبد الله: حديث عائشة: "أن النبي ﷺ قضى أن خراج العبد بضمانه"٢، أذهب إليه، في العبد له وجهه، وفي المصراة له وجهه، لهذا وجه، ولهذا وجه.
واحتج أيضًا بحديث حكيم بن حزام٣ "في بيع ما ليس عنده" وهو مخصوص بالسلم.
قال ﵀ في رواية الميموني: لو ضربت بعضها ببعض رددت أحدهما؛ حكيم ببيع شيئًا حاضرًا، والسلم يبيع بصفة.
واحتج: أيضًا ﵀ بنهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر
стр. 687
حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس١" وهو مخصوص عنده بالفوائت٢، وبركعتي الطواف٣ والصلاة على الجنازة٤،
стр. 688
وإعادة الصلاة في الجماعة١.
وقد صرح بذلك ﵁ في رواية حنبل وصالح فقال: [٧٣/ب] "نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح"، والنهي من النبي جملة، وقال: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها" وقال: "من أدرك من صلاة العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدركها" ٢؛ فكان هذا مخصوصًا من جملة نهيه عن الصلاة بعد
стр. 689
العصر، يستعمل كل خبر منها على وجهه، ولا يضرب أحدهما بالآخر؛ فلهذا وجه لا يبتدأ بصلاة بعد العصر متطوعًا بها، ولو أدرك صلاة فائتة، صلاها بعد العصر، لقوله: "من نام عن صلاة أو نسيها"، فقد صرح بالأخذ بالنهي، مع حصول التخصيص فيه.
وبهذا قال أصحاب الشافعي١.
واختلف أصحاب أبي حنيفة:
فحكى أبو عبد الله الجرجاني في كتابه عن عيسى بن أبان: أنه مجاز
стр. 690
ويمنع من التعلق بظاهره، ولم يفصل بين الدليل المتصل وغيره١.
وحكي عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول: يصير مجازًا إذا كان المخصص له منفصلًا، ولا يوجب ذلك إذا كان متصلًا.
وحكي عن أبي بكر الرازي: أنه حقيقة فيما بقي، إذا كان الباقي جمعًا في الحقيقة٢.
وحكي عن المعتزلة والأشعرية: أنه يصير مجازًا، ولا يحتج به٣؛ وإنما يصح هذا على قول الأشعرية، إذا علم أن العموم غير مراد؛ لأن عندهم: لا صيغة للعموم٤.
فالدلالة على أنه حقيقة في الباقي: ما روي أن فاطمة ﵂ احتجت بقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ١؛ فلم ينكر أحد احتجاجها بهذه الآية٢، وإن كان قد خص منها: الولد الكافر، والرقيق، والقاتل؛ وإنما خصوا منها ميراث النبي ﷺ بسنة خاصة٣، فدل على أن تخصيص العموم لا يمنع من الاحتجاج به فيما لم يخص منه.
وكذلك روي عن عثمان وعلي ﵄: أنهما قالا في الجمع بين الأختين بملك اليمين، أحلتهما آية٤، وحرمتهما آية٥، وكل واحدة من الآيتين دخلها التخصيص٦.
стр. 693
وأيضًا فإن اللفظ فيما عدا الخصوص حقيقة؛ لأن اسم المشركين يقع حقيقة على من بقي بعد التخصيص؛ فوجب أن تكون دلالة اللفظ قائمة بعد التخصيص، كهي قبل التخصيص.
وقيل: بأن دلالة اللفظ سقطت فيما عارضه، وهي فيما عداه باقية؛ لأنه لا معارض فيه؛ فجاز الاحتجاج به.
ولا يلزم على هذا العلة إذا خصت، أنه لا يجوز الاحتجاج بها؛ لأنها إذا خصت؛ كانت منتقضة، ولم تكن علة، كذلك الحكم، وليس كذلك العموم؛ فإنه إذا خص منه شيء كانت دلالته باقية، فيما لم يخص منه لأنه إنما كان دليلًا في جميع ما تناوله الخبر؛ لكونه قولًا لصاحب الشريعة، لا معارض، وهذا موجود فيما لم يخص منه.
[٧٤/أ] وأيضًا: فإن دلالة التخصيص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة؛ فلما كان الاستثناء غير مانع من بقاء دلالة اللفظ فيما بقي، وصارت الجملة مع الاستثناء عبارة عن الباقي بالاتفاق، كذلك لفظ العموم، يصير مع دلالة التخصيص عبارة عما عدا الخصوص.
فإن قيل: إنما كان كذلك في الاستثناء؛ لأن الاستثناء يصير مع الجملة عبارة عن الباقي؛ لأن التسعة لها اسمان:
أحدهما تسعة، والآخر عشرة إلا واحدًا؛ فأيهما عبر عنهما؛ كان الاسم حقيقة فيها، كما أنه لا فرق بين أن يقول: اثنان، وبين أن يقول: واحد
стр. 694
وواحد، في أن العبارتين تفيدان معنى واحدًا، وكذلك: دلالة التخصيص إذا كانت مقارنة، ويفارق المنفصل؛ لأنه لا يجعل كالمتصل، كما لم يفعل ذلك في الاستثناء.
قيل: وكذلك التخصيص المنفصل يصير مع الجملة عبارة عن الباقي، كالتخصيص المتصل، ولا فرق بينهما.
стр. 695
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن اللفظ صار مستعملًا في غير ما وقع له؛ فاحتاج إلى دليل يدل على أن المراد به بمنزلة المجمل الذي لا يدل على المراد بلفظه، يحتاج إلى قرينة تفسره وتدل على المراد به.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يستعمل في غير ما وضع له؛ لأن هذا اللفظ موضوع للعموم بمجرده، وللخصوص بقرينة، وهذا غير ممتنع في اللغة، ألا ترى أنا أجمعنا: أنه موضوع بمجرده للعموم، وللخصوص بقرينة متصلة به، مثل الاستثناء، وكذلك يقول القائل: خرج زيد، فيكون إخبارًا عن خروجه، ويضم إليه "ما" فيكون إخبارًا عن ضده، وتضيف إليه ألفًا، فيكون استفهامًا، وذلك حقيقة، كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: هذا يؤدي إلى أن لا يكون في اللغة مجاز، ويقال: قولنا: "بحر"، موضوع للماء الكثير بمجرده، وللعالم أو الجواد بقرينة، وكذلك: "الأسد"، موضوع للبهيمة بمجرده، وللرجل الشديد بقرينة، و "الحمار" موضوع للبهيمة بمجرده، وللبليد بقرينة.
قيل: إن لزمنا هذا في التخصيص؛ لزمك في الاستثناء، فإن المخالف يقول في الاسثتناء ما نقول نحن في التخصيص.
وجواب آخر وهو: أن هذه المواضع أثبتناها مجازًا بالتوقيف من جهة أهل اللغة؛ فليس في تخصيص العموم أنه مجاز توقيف، ولا يشبه
стр. 696
هذا المجمل؛ لأن المجمل غير دال بلفظه على شيء، والعموم دال على ما تناوله؛ وإنما خرج بعضه بدليل أقوى منه، وبقي الباقي على موجب اللفظ.
ولا يشبه هذا استعمال اللفظ في الرجل الشجاع سبعًا، والبليد حمارًا، أنه مجاز؛ لأنه عدل باللفظ عما وضع له في أصل اللغة، وههنا لم يعدل باللفظ فيما بقي عما وضع له؛ لأن اسم المشركين حقيقة [٧٤/ب] فيما بقي.
стр. 697
مسألة يجوز تخصيص العموم إلى أن يبقى واحد
مدخل
...
مسألة ١: يجوز تخصيص العموم إلى أن يبقى واحد ٢
خلافًا لأبي بكر الرازي، فيما حكاه الجرجاني عنه وأبي بكر القفال
стр. 698
في قولهما: يجوز تخصيص لفظ الجمع، إذا كان الباقي جمعًا في الحقيقة، ولا يجوز النقصان منه إلا بما يجوز به النسخ١.
стр. 699
من عبيد أو دواب فهو لفلان إلا كذا وكذا، حتى يبقى واحد.
ولأن القرينة المتصلة بمنزلة المنفصلة؛ لأن كلام صاحب الشريعة، وإن تفرق؛ فإنه يجب ضم بعضه إلى بعض، وبناء بعضها على بعض؛ فإذا كان كذلك وكان المتصل صحيحًا ما بقي من اللفظ شيء، كذلك التخصيص.
стр. 700
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن لفظ الجمع موضوع للثلاثة فصاعدًا؛ فإخراج اللفظ عن الثلاثة إخراج عن موضوعه وترك الحقيقة، وهذا لا يجوز إلا بما يجوز به النسخ، ويكون بمنزلة إسقاط حكم جميع اللفظ.
والجواب: أنه يجوز عندنا ترك حقيقة اللفظ وصرفه إلى المجاز والاتساع بما يجوز التخصيص به، ولا يكون بمنزلة النسخ؛ وإنما يكون بمنزلة التخصيص، ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١، إن المراد به: موضع الصلاة٢، ونحمله على المجاز بضرب من الاستدلال.
وعلى أنه إذا وجب بناء بعض كلامه على بعض، وجب أن تكون
стр. 701
القرينة المنفصلة بمنزلة المتصلة، وتكون بمنزلة الاستثناء؛ فلا يكون ذلك تركًا لموضوع اللفظ وحقيقته.
فإن قيل: أليس من مذهبكم: أنه لا يجوز رفع الأكثر بالاستنثاء وكذلك لا يجوز في التخصيص؟
قيل: هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يجوز الاستثناء ما بقي من اللفظ شيء، وأما على أصلنا؛ فلا يعتبر أن يبقى لفظ الجمع؛ لأنه لو قال: له علي عشرة إلا ستة؛ فقد١ بقي لفظ الجمع وزيادة، ولا نجيزه؛ وإنما امتنع أن يرفع بالاستثناء الأكثر أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة منعوا من استثناء الأكثر. وسنبين ذلك في مسائل الاستثناء إن شاء الله تعالى٢؛ فأما في تخصيص العموم؛ فلم يُرَ عنهم منع ذلك.
وجواب آخر وهو: أن التخصيص أوسع؛ لأنه يصح منفصلًا ومتصلًا، والاستثناء لا يكون إلا متصلًا؛ ولأن التخصيص من جنس ما يرفع الجملة، وهو النسخ؛ لأن التخصيص هو تخصيص الأعيان، والنسخ تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع [٧٥/أ] الجملة.
стр. 702
مسألة يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل
مدخل
...
مسألة ١: يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل
نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢، ومعلوم أنه لم
стр. 703
يخلق نفسه، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ١، ولم يدخل تحته الصبيان والمجانين.
وقد تكلم الإمام أحمد ﵀ فيما خرجه في محبسه على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٢ فقال: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، ليس فيها من عظم الرب شيء، أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والوشي والأماكن القذرة، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٣.
فقد عارض الظاهر بالعقل والشرع، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال قوم: لا يجوز ذلك٤.
دليلنا: أنه يفضي بنا العلم، كالكتاب والسنة المتواتر والإجماع؛ فلما جاز تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع، كذلك يجوز تخصيصه بدليل العقل.
стр. 704
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لو جاز تخصيص العموم بالعقل؛ لجاز نسخه بذلك، كما أن الكتاب والسنة والإجماع لما جاز التخصيص بها جاز النسخ بها.
والجواب: أن القياس يخصص به، ولا ينسخ، وكذلك الإجماع، وعلى أن النسخ إنما لم يجز بالعقل؛ لأن النسخ بيان مدة الحكم، والعقل يجوز بقاء الحكم من غير زوال؛ فلا يجوز أن يكون له تأثير في إزالة ما يجوز بقاؤه، وليس كذلك التخصيص؛ لأنه بيان مراد المخاطب، وهذا المعنى يصح ثبوته بدليل العقل، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ ١، وكان مخصوصًا في المكلفين، دون الأطفال والمجانين، وكان خصوصه معلومًا بدليل العقل.
وجواب آخر وهو: أن دليل العقل له تأثير فيما هو في معنى النسخ، وإن لم يسم نسخا؛ لأن معنى النسخ هو المنع من أن يلزم في المستقبل، مثل ما كان لازمًا فيما مضى من الوقت، وهذا يثبت بدليل العقل، ألا ترى أن دليل العقل يمنع من لزوم الفرض عند العجز عنه، كما يمنع من ذلك دلالة السمع، إلا أن ذلك لا يطلق عليه اسم النسخ؛ لأن اسم النسخ يختص بما كان ثابتًا من جهة السمع دون العقل، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس، لما كان ثابتًا من جهة السمع؛ كان زواله نسخًا؟
وأن إباحة شرب الخمر، لما لم تكن ثابتة من جهة السمع، لكن من جهة العقل؛ لم يسم زوالها نسخًا؛ فإذا كان كذلك، وكان سقوط التكليف بدلالة العقل غير ثابت من جهة السمع؛ لم يكن نسخًا، ولم تجر عليه هذه التسمية، وإن كانت تجري عليه لو كان [٧٥/ب] متعلقًا بدلالة من جهة السمع.
стр. 705
واحتج بأن دلالة العقل مقدمة على العموم، والتخصيص إنما يكون بما يقارب العموم أو يتأخر عنه.
والجواب: أنه يجوز أن يتقدم دليل الخطاب على العموم؛ لأن الدليل يجوز أن يتقدم عن مدلوله١؛ ألا ترى أن الدليل قد دل على أن الله يثيب المؤمنين بالجنة، ويعاقب الكفار بالنار؟ وإن كان مدلول هذا الدليل متأخرًا عن دليله، كذلك لا ينكر أن يسبق دلالة التخصيص لفظ العموم.
واحتج بأن التخصيص بمنزلة الاستثناء، ثم لا يجوز أن يتقدم الاستثناء الجملة، كذلك دليل التخصيص.
والجواب: أن تقدم الاستثناء لا يفيد شيئًا، ألا ترى أنه لو قال: "زيدًا"؛ لم يكن لهذا الكلام معنى؟
وأما التخصيص فإن انفراده قد يكون مفيدًا؛ ألا ترى أنه لو قال: خطابي إنما يتناول العقلاء دون الأطفال والمجانين؛ لكان هذا كلامًا مفيدًا، كذلك إذا تقدمت دلالة العقل على هذا المعنى، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٢ كان ذلك مخصوصًا بالعقلاء، بدلالة العقل السابقة للخطاب، وهكذا كل عموم هذه صفته؛ فإن دليل العقل يكون مخصصًا، لمنع كونه متقدمًا عليه.