القرينة المنفصلة بمنزلة المتصلة، وتكون بمنزلة الاستثناء؛ فلا يكون ذلك تركًا لموضوع اللفظ وحقيقته.
فإن قيل: أليس من مذهبكم: أنه لا يجوز رفع الأكثر بالاستنثاء وكذلك لا يجوز في التخصيص؟
قيل: هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يجوز الاستثناء ما بقي من اللفظ شيء، وأما على أصلنا؛ فلا يعتبر أن يبقى لفظ الجمع؛ لأنه لو قال: له علي عشرة إلا ستة؛ فقد١ بقي لفظ الجمع وزيادة، ولا نجيزه؛ وإنما امتنع أن يرفع بالاستثناء الأكثر أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة منعوا من استثناء الأكثر. وسنبين ذلك في مسائل الاستثناء إن شاء الله تعالى٢؛ فأما في تخصيص العموم؛ فلم يُرَ عنهم منع ذلك.
وجواب آخر وهو: أن التخصيص أوسع؛ لأنه يصح منفصلًا ومتصلًا، والاستثناء لا يكون إلا متصلًا؛ ولأن التخصيص من جنس ما يرفع الجملة، وهو النسخ؛ لأن التخصيص هو تخصيص الأعيان، والنسخ تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع [٧٥/أ] الجملة.
стр. 702
مسألة يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل
مدخل
...
مسألة ١: يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل
نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢، ومعلوم أنه لم
стр. 703
يخلق نفسه، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ١، ولم يدخل تحته الصبيان والمجانين.
وقد تكلم الإمام أحمد ﵀ فيما خرجه في محبسه على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٢ فقال: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، ليس فيها من عظم الرب شيء، أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والوشي والأماكن القذرة، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٣.
فقد عارض الظاهر بالعقل والشرع، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال قوم: لا يجوز ذلك٤.
دليلنا: أنه يفضي بنا العلم، كالكتاب والسنة المتواتر والإجماع؛ فلما جاز تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع، كذلك يجوز تخصيصه بدليل العقل.
стр. 704
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه لو جاز تخصيص العموم بالعقل؛ لجاز نسخه بذلك، كما أن الكتاب والسنة والإجماع لما جاز التخصيص بها جاز النسخ بها.
والجواب: أن القياس يخصص به، ولا ينسخ، وكذلك الإجماع، وعلى أن النسخ إنما لم يجز بالعقل؛ لأن النسخ بيان مدة الحكم، والعقل يجوز بقاء الحكم من غير زوال؛ فلا يجوز أن يكون له تأثير في إزالة ما يجوز بقاؤه، وليس كذلك التخصيص؛ لأنه بيان مراد المخاطب، وهذا المعنى يصح ثبوته بدليل العقل، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ ١، وكان مخصوصًا في المكلفين، دون الأطفال والمجانين، وكان خصوصه معلومًا بدليل العقل.
وجواب آخر وهو: أن دليل العقل له تأثير فيما هو في معنى النسخ، وإن لم يسم نسخا؛ لأن معنى النسخ هو المنع من أن يلزم في المستقبل، مثل ما كان لازمًا فيما مضى من الوقت، وهذا يثبت بدليل العقل، ألا ترى أن دليل العقل يمنع من لزوم الفرض عند العجز عنه، كما يمنع من ذلك دلالة السمع، إلا أن ذلك لا يطلق عليه اسم النسخ؛ لأن اسم النسخ يختص بما كان ثابتًا من جهة السمع دون العقل، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس، لما كان ثابتًا من جهة السمع؛ كان زواله نسخًا؟
وأن إباحة شرب الخمر، لما لم تكن ثابتة من جهة السمع، لكن من جهة العقل؛ لم يسم زوالها نسخًا؛ فإذا كان كذلك، وكان سقوط التكليف بدلالة العقل غير ثابت من جهة السمع؛ لم يكن نسخًا، ولم تجر عليه هذه التسمية، وإن كانت تجري عليه لو كان [٧٥/ب] متعلقًا بدلالة من جهة السمع.
стр. 705
واحتج بأن دلالة العقل مقدمة على العموم، والتخصيص إنما يكون بما يقارب العموم أو يتأخر عنه.
والجواب: أنه يجوز أن يتقدم دليل الخطاب على العموم؛ لأن الدليل يجوز أن يتقدم عن مدلوله١؛ ألا ترى أن الدليل قد دل على أن الله يثيب المؤمنين بالجنة، ويعاقب الكفار بالنار؟ وإن كان مدلول هذا الدليل متأخرًا عن دليله، كذلك لا ينكر أن يسبق دلالة التخصيص لفظ العموم.
واحتج بأن التخصيص بمنزلة الاستثناء، ثم لا يجوز أن يتقدم الاستثناء الجملة، كذلك دليل التخصيص.
والجواب: أن تقدم الاستثناء لا يفيد شيئًا، ألا ترى أنه لو قال: "زيدًا"؛ لم يكن لهذا الكلام معنى؟
وأما التخصيص فإن انفراده قد يكون مفيدًا؛ ألا ترى أنه لو قال: خطابي إنما يتناول العقلاء دون الأطفال والمجانين؛ لكان هذا كلامًا مفيدًا، كذلك إذا تقدمت دلالة العقل على هذا المعنى، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٢ كان ذلك مخصوصًا بالعقلاء، بدلالة العقل السابقة للخطاب، وهكذا كل عموم هذه صفته؛ فإن دليل العقل يكون مخصصًا، لمنع كونه متقدمًا عليه.
стр. 706
مسألة يجوز تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد
مدخل
...
مسألة ١: يجوز تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد
سواء كان العموم قد
стр. 707
دخله التخصيص، أو لم يدخله.
نص على هذا ﵀ في رواية عبد الله في الآية إذا كانت عامة، ينظر ما جاءت به السنة؛ فتكون السنة هي دليلًا على ظاهر الآية، مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ١؛ فلو كانت الآية على ظاهرها؛ ورث كل من وقع عليه اسم ولد، وإن كان يهوديًا أو نصرانيًا أو عبدًا أو قاتلًا؛ فلما جاءت السنة أنه لا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا، ولا يرث قاتل ولا عبد؛ كانت هي دليلًا على ما أراد الله تعالى من ذلك، ونحو هذا قال في رواية [أبي] عبد الرحيم الجوزجاني.
وهو قول أصحاب الشافعي٢.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان العموم قد دخله التخصيص بالاتفاق٣؛ جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإن لم يكن دخله التخصيص؛ لم يجز تخصيصه بخبر الواحد٤.
стр. 708
وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يجوز التخصيص بخبر الواحد في الجملة١.
فالدلالة على جوازه في الجملة:
إجماع الصحابة، روي عنهم: أنهم خصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ ٢، بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : قال: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها" ... الخبر.
وقبلوا ما روي عن النبي ﷺ : "لا يرث القاتل" ٣ وخصوا به آية [٧٦/أ] المواريث، ونظائر ذلك يطول [ذكره] ، وإذا انعقد إجماعهم على ذلك؛ لم يجز مخالفته.
فإن قيل: فقد رد عمر بن الخطاب ﵁ حديث فاطمة بنت قيس٤ لما روت: أن النبي ﷺ "لم يجعل لها سكنى ولا نفقة"، وقال:
стр. 709
لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة١.
قيل: عمر لم يمتنع من قبول هذا الخبر؛ لأنه يعارض الظاهر؛ لكن لم يتقبله؛ لأنه عارضه بغيره، فاعتقد خطأ فاطمة وسهوها في الرواية؛ يدل عليه: أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لعلها نسيت أو شبه لها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة" ٢.
стр. 710
وأجاب عنه أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: كان ذلك منه على [وجه] احتياط، وقد كان يقبل من غير واحد قوله وحده.
مع أن هذا الخبر مطرح الظاهر؛ لأن السكنى مخصوصة في حق الصغيرة؛ فإنه لا سكنى لها، وخبر الواحد يخص به الظاهر المخصوص عند أبي حنيفة، فعلم أن الخبر مطرح الظاهر.
فإن قيل: فقد قبلوا خبر الواحد فيما يوجب النسخ بدلالة: أن أهل قباء قبلوا قول المخبر الواحد بتحويل القبلة؛ فكان يجب أن يتبعوهم فيه، كما اتبعوهم في التخصيص بخبر الواحد.
قيل: هكذا نقول: ونتبعهم في النسخ، كما فعلنا في التخصيص.
وقد نص أحمد ﵁ على هذا في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث في خبر الواحد إذا كان إسناده صحيحًا: وجب العمل به، ثم قال: أليس قصة القبلة حين حولت، أتاهم الخبر، وهم في الصلاة فتحولوا نحو الكعبة١؟
стр. 711
وخبر الخمر أهراقوها١، ولم ينتظروا غيره؛ فقد أخذ بخبر الواحد.
واحتج: بقصة أهل قباء، وأن الصحابة أخذت بهذا الخبر، وإن كان فيه نسخ.
وأيضًا: فإن خبر الواحد يجب العمل به، كما يجب بخبر التواتر، ثم ثبت أنه يجوز التخصيص بخبر التواتر للعموم، الذي دخله التخصيص والذي لم يدخله، كذلك خبر الواحد.
فإن قيل: خبر التواتر يوجب العلم كالعموم؛ فلهذا جاز التخصيص به، وليس كذلك خبر الواحد؛ فإنه لا يوجب العلم.
قيل: هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في باب التخصيص، كما لم يوجب الفرق بينهما في باب العمل، ولأن خبر التواتر وإن أوجب العلم؛ فليس له رتبة العموم؛ لأن الكتاب ينفرد بأنه معجز، وخبر التواتر ليس كذلك. ولأن خبر الواحد وإن لم يوجب العلم؛ فإنه لا يرفع ما هو مقطوع به؛ لأن المقطوع به هو صيغة العموم، والخبر لا يرفعها؛ وإنما يخص ما تناوله [٧٦/ب] من الحكم، وذلك غير مقطوع [به] ، بل يثبت بالتخصيص
стр. 712
أنه لم يكن مرادًا بالعموم. وهذا معنى قول أحمد ﵁: "إنه دليل على ما أراد الله تعالى من ذلك".
وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن لا يوجب العلم، ويزيل ما يوجب العلم، ألا ترى أن خبر الواحد مقبول فيما يقتضي العقل خلافه، مثل تحريم الربا وشرب الخمر، وما يجري لليقين، وخبر الواحد لا يوجب إلا غلبة الظن، وكذلك لو قال النبي: إن هذه الدار ملك لفلان، ثم قامت بعد ذلك بينة على أن زيدًا قد ملك الدار على فلان؛ فإنا نزيل ملكه الثابت من جهة اليقين، بالبينة التي لا توجب إلا غلبة الظن، كذلك ههنا.
وأيضًا: فإن صيغة العموم معرضة للتخصيص ومحتملة له، وخبر الواحد غير محتمل؛ فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل، كالمجمل وتفسيره؛ فإنه يقضي بتفسيره عليه، كذلك ههنا.
وأيضًا: فإن خبر الواحد وإن لم يكن مقطوعًا به، فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به، وكذلك شهادة الشاهدين لا يقطع الحاكم بها، ولكن ثبتت بأمر مقطوع به، وما ثبت عن أمر مقطوع به جرى مجراه في العمل؛ ألا ترى أن النبي ﷺ لو قال: إذا زالت الشمس فصليا ركعتين، وما أخبركم به فلان عني؛ فهو شرعي، فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه، وإن لم يكن مقطوعًا به، كذلك ههنا.
стр. 713
حجة المخالف١
...
واحتج المخالف:
بأن الكتاب مقطوع عليه، وخبر الواحد محتمل؛ فلا يخص المقطوع به بأمر محتمل.
والجواب عنه: ما تقدم من أن هذا لم يمنع العمل، ومن أن خبر التواتر ليس له رتبة الظاهر، ومع هذا جاز تخصيصه به، ومن أن هذا لا يمتنع -كما قلنا- في الأشياء التي ينتجها العقل، تطرح بخبر الواحد،
стр. 714
وبقول الشاهد، ومن أن الصيغة مقطوع عليها، ولسنا نرفعها؛ وإنما نخص ما تناولته من الحكم، وما تناولته١ من الحكم لا يقطع به أنه مراد؛ وإنما يخص ما كان محتملًا.
وجواب آخر، وهو: أن السنة -وإن لم يكن مقطوعًا بها- فإن حكمها ثبت بأمر مقطوع به.
واحتج: بأن الكتاب أقوى من السنة، بدليل أنهما لو تعارضا؛ أسقطنا الخبر للكتاب٢، وإذا كان أقوى منه لم يخص القوي بالضعيف.
والجواب: أنا لا نسقط الكتاب بالسنة، بل نستعمل كل واحد منهما، ولا يمتنع أن يجمع بين القوي وما هو دونه، ألا ترى أن خبر التواتر دون الكتاب؛ لأنه وإن كان كل واحد منهما مقطوعًا به؛ فإن الكتاب ينفرد بأنه معجز، ومع هذا يخص بخبر التواتر.
وعلى أن هذا يبطل بما ذكرنا.
وفيما ذكرنا دلالة على أصحاب أبي حنيفة في فرقهم بين العموم المخصوص والذي لم يخص؛ وذلك [٧٧/أ] أن العموم الذي لم يخص، صيغته معرضة للتخصيص ومحتملة له، وخبر الواحد غير محتمل؛ فجاز أن يقضي به عليه، كخبر التواتر، وكالمجمل والمفسر.
ولأن خبر الواحد وإن لم يكن مقطوعًا به؛ فإنه قد يثبت العمل به بأمر مقطوع به، وما ثبت عن أمر مقطوع جرى مجراه في العمل، كخبر
стр. 715
التواتر، وكما لو قال النبي ﷺ : إذا زالت الشمس؛ فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان؛ فهو شرعي؛ فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه وإن لم يكن مقطوعًا.
ولأن ما جاز أن يزاد في تخصيص اللفظ به؛ جاز أن يبتدأ تخصيصه، قياسًا على اللفظ الخاص.
ولأنه لما جاز أن يزاد في تخصيصه به لخصوصه ومنافاته لبعض ما شمله اللفظ العام، وهذا المعنى موجود في ابتداء التخصيص.
стр. 716
حجة المخالف٢
...
واحتج المخالف:
بأن العموم الذي لم يتفق على تخصيصه مقطوع فيما يتضمنه من المسميات؛ لأن صاحب الشريعة لو قال بخصوصه؛ لذكره مع لفظه، ولو ذكره لنقل، ويفارق هذا ما دخله التخصيص؛ لأنه غير مقطوع على ما تضمنه من المسميات؛ لأنه قد صار مجازًا فيما بقي، على قول جماعة من أهل العلم، وإذا كان مقطوعًا به؛ لم يجز أن يعترض عليه بما ليس بمقطوع به، كما لا يعترض عليه بالنسخ بخبر١ الواحد.
والجواب: أنا لا نسلم أنه مقطوع [به] فيما يتضمنه من المسميات؛ لأنه محتمل للعموم وللخصوص، والخبر أخص منه؛ فهو مبين له.
وقولهم: لو كان مخصوصًا لذكره مع لفظه غير صحيح؛ لأنه يجوز تأخير البيان عندنا.
وأما نسخ الظاهر بخبر الواحد؛ فإنما لم يجز، لا لأجل أنه مقطوع عليه؛ ألا ترى أنه لا يجوز نسخه بخبر التواتر على أصلنا.
وعلى أنه ليس إذا لم ينسخ به لم يخصص به، بدليل القياس مع خبر
стр. 717
الواحد يخصصه ولا ينسخه، وكذلك قول الصحابي.
وعلى أن هذا يلزم عليه ما ذكرناه على الطائفة الأولى من تلك الوجوه كلها.
وجواب آخر. وهو: التخصيص إزالة بعض الحكم، وجمع بين الدليلين، وليس كذلك النسخ؛ فإنه إزالة حكم جميع اللفظ وإسقاطه بخبر الواحد، وهذا لا يجوز.
ولأن النسخ ابتداءه والزيادة فيه سواء، كذلك يجب أن تستوي الزيادة والابتداء.
стр. 718
مسألة يجوز تخصيص العموم بالقياس
مدخل
...
مسألة ١: يجوز تخصيص العموم بالقياس ٢
أومأ إليه الإمام أحمد ﵁ في مواضع:
فقال في رواية بكر بن محمد٣: إذا قذفها بعد الثلاث، وله منها ولد، يريد نفيه، يلاعن، فقيل: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ
стр. 719
يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ١، وهذه ليست بزوجة؟ فاحتج: بأن الرجل يطلق ثلاثًا، وهو مريض فترثه؛ لأنه فار من الميراث، وهذا فار من الولد٢.
فقد عارض الظاهر بضرب من القياس٣.
وكذلك قال -في رواية الأثرم في المرأة: تنفي بغير [٧٧/ب] محرم؛ فقيل له: فالنبي ﷺ يقول: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" ٤، فقال: هذا أمر قد لزمها، يسافر [بها] ٥، فهم يقولون: لو وجب عليها حق، والقاضي على أيام رفعت إلى القاضي، ولو أصابت حدًا في البادية؛ جيء بها، حتى يقام عليها.
стр. 720
وكذلك نقل أبو داود في رجل قال لامرأته: أنت طالق، ونوى ثلاثًا؛ فهي واحدة، فقيل١: إسحاق٢ يقول: هي ثلاث، ويأخذ بالحديث: "الأعمال بالنيات" ٣، فقال: ليس هذا من ذلك، أرأيت إن نوى أن يطلق امرأته ولم يتلفظ، أيكون طلاقًا؟!
стр. 721
وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز فيما وجدته في بعض تعاليق أبي إسحاق بن شاقلا قال: ألزمني الشيخ -يعني أبا بكر- على أن الظاهر يخص بالقياس، أن الله تعالى قد نص على الإماء في قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١، والعبيد مقيسون عليهن٢. قال أبو إسحاق: نظرت وإذا هذا ليس بحجة.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك، ولم يفرق بين عموم الكتاب والسنة وبين أخبار الآحاد أو التواتر، وربما ذهبوا إلى ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية الحسن بن ثواب٣: حديث رسول الله ﷺ لا يرده
стр. 722
إلا مثله١. وقع إلي جزء فيه مسائل في أصول الفقه، إملاء أبي الحسن الجزري٢، وذكره فيه هذه المسألة، وحكى فيها خلافًا بين أصحابنا.
واختار أبو الحسن: أنه لا يجوز تخصيصه بالقياس، وذكر فيها كلامًا كثيرًا.
وذكر أبو إسحاق في جزء وقع إلي من شرح الخرقي فقال: أصحابنا على وجهين: فمنهم من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذلك.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان عمومًا دخله التخصيص باتفاق؛ جاز تخصيصه بالقياس، وإن لم يكن دخله؛ فالحكم في القياس عندهم، كالحكم في الخبر الواحد٣.
واختلف أصحاب الشافعي: فذهب الأكثر منهم إلى جواز ذلك على
стр. 723
الإطلاق١، ومنهم من منع ذلك على الإطلاق٢.
فالدلالة على جوازه: ما تقدم من الكلام في المسألة التي قبلها، وهو: أن القياس وإن لم يكن معلومًا؛ فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به، وما ثبت عن أمر مقطوع جرى مجراه في العمل، ألا ترى أن النبي ﷺ لو قال: "إذا زالت الشمس، فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي؟ فإن "به" من قوله كالذي يخبر به عنه، وإن لم يكن مقطوعًا، كذلك ههنا.
ولأن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له، والقياس غير محتمل؛ فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل، كالمجمل وتفسير المجمل؛ فإنا نقضي بتفسيره عليه، كذلك ههنا.
ولأن القياس حجة في نفسه إذا انفرد؛ فإذا اجتمع معه غيره وأمكن
стр. 724
استعمالهما كان أولى، كالمطلق والمقيد.
[٧٨/أ] وأيضًا: فإن الاسم الخاص إذا نافى بعض ما شمله الاسم العام، وجب تخصيصه به، كذلك إذا نافاه معناه؛ لأن العلة في الاسم أنه نافى بخصوصه بعض ما شمله الاسم العام.
وبيان ذلك أن الله تعالى١ قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢، ولم يفرق بين الحر والرقيق، ثم قال عز من قائل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٣، مخصصًا به قوله: ﴿الزَّانِيَةُ﴾ ، وأخرجنا الإماء منه، وقضينا بالاسم الخاص على الاسم العام، ثم وجدنا أن المعنى الموجب لنقصان الحد في الإماء هو الرق؛ لأنها إذا اعتقت وجب الحد كاملًا، ولم يزل بالعتق غير الرق؛ فثبت أن نقصان الحد كان متعلقًا به، وهذه العلة موجودة في العبد، فنقصنا حده، وجعلناه خمسين، وخصصنا بهذا المعنى قوله ﵎: ﴿وَالزَّانِي﴾ ، وأخرجنا العبيد منه؛ لأن معنى الاسم الخاص نافى بعض ما شمله الاسم العام، كمنافاة الاسم إياه.
فإن قيل: إنما كان كذلك في الاسم الخاص مع الاسم العام؛ لأنهما نطقان، فتساويا في القوة، وانفرد الخاص بقوة الخصوص، وليس كذلك المعنى؛ فإنه ليس بنطق.
قيل: المعنى مثل الاسم، في وجوب العمل به، والمصير إلى موجبه، وتخصيص الاسم العام من العمل بموجبه، فاستويا فيه.
стр. 725
حجة المخالف
...
واحتج من يمنع ذلك:
بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ بن جبل: "فإن لم تجد في سنة رسول الله، قال: أجتهد رأيي ولا آلو" ١، فدل على أن القياس مع عدم السنة.
стр. 726
والجواب: أن ما عارضه القياس من العموم؛ فليس من السنة كما أن ما عارضه لفظ السنة من عموم القرآن؛ ليس من القرآن، ووجب القضاء بخاص السنة على عموم القرآن ههنا.
واحتج: بأنه لا يجوز أن ينزع من الاسم معنى يخصه، كذلك لا يجوز أن يخص به اسم غيره.
والجواب: أن الحكم إذا كان مطلقًا؛ فإن المطلوب هو على الحكم المطلق؛ فلا يجوز أن تكون مخصصة له مسقطة لإطلاقه؛ لأنها إذا كانت هكذا؛ لم تكن هي المأمور بطلبها، وليس كذلك اسم آخر؛ فإن المطلوب مخالف له؛ فجاز أن يكون مخصصًا له، ولأن الاسم لا يجوز أن يخص نفسه؛ كذلك معناه. ويجوز أن يخص اسمًا آخر، كذلك معناه يجوز أن يخص اسمًا آخر.
واحتج: [٧٨/ب] بأن العموم أعلى رتبة في الحجة من القياس، ألا ترى أن القياس قد يمنع في كثير من الأصول، والعموم لا يجوز وجوده عاريًا عن إيجاب حكم؛ فلم يجز ترك الأقوى بالأضعف.
والجواب: أن هذا يبطل بخبر الواحد، يجوز أن يخص به العموم وإن كان القرآن أعلى رتبة.
على أن امتناع القياس في مواضع فيها نص يعارض القياس، وأما في مواضع فيه عمومه يجوز تخصيصه؛ فلا.
стр. 727
واحتج: بأن النسخ كالتخصيص؛ لأن النسخ تخصيص الزمان، والتخصيص يخص الأعيان، ثم ثبت أنه لا يجوز نسخ العموم به، كذلك لا يجوز التخصيص.
والجواب: أنه يبطل بخبر الواحد، لا ينسخ، ويخص، وكذلك الإجماع. على أنا قد بينا الفرق بين النسخ وبين التخصيص في التي قبلها.
واحتج: بأن القياس فرع للكتاب؛ فلا يجوز أن يخص الفرع أصله ويسقطه.
والجواب: أنا لا نخص الأصل بفرعه؛ وإنما نخص غير أصله؛ لأن القياس متى استنبط من أصله، يكون مماثلًا له في حكمه؛ فلا يخصص به، وإنما يخص أصلًا آخر يضاده، وينافيه.
واحتج: بأنه إنما يصح القياس، إذا جرى على الأصول واطرد، وهذا العموم من جملتها، وهو ينافيه؛ فيجب أن لا يصح القياس معه، كما لا يجوز مع وجود الإجماع على ضده؛ لأنه لم يجر على الأصول، كذلك ههنا.
والجواب: أنا لا نسلم أن ما خصصه القياس كان مرادًا بالعموم حتى يكون معارضًا له ومضادًا له؛ بل يتبين بالقياس، أنه لم يكن مرادًا ولا داخلًا تحته.
واحتج: بأن العموم مقطوع عليه، والقياس مظنون.
والجواب: أن المقطوع عليه هو الصيغة، وذلك لا يرفعها بالقياس؛ وإنما يخص بعض الحكم، وذلك غير مقطوع على أنه مراد، وعلى أنه إن لم يكن مقطوعًا عليه؛ فقد ثبت بدليل مقطوع عليه؛ فهو كالحكم بشهادة الشاهدين، غير مقطوع عليه، لكن ثبت بدليل مقطوع عليه.
стр. 728
واعتمد أصحاب أبي حنيفة في الفرق بين العموم المخصوص١ وغير المخصوص، بما حكيناه عنه في المسألة التي قبلها، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية.
стр. 729
مسألة ١: يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن
أومأ إليه أحمد ﵀ في نسخ السنة بالقرآن؛ فقال في رواية عبد الله، وذكر قصة أبي جندل٢ فقال: ذلك صالح على أن يرد من جاءهم مسلمًا؛ فرد النبي ﷺ الرجال، ومنع النساء، ونزل٣ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ٤ [٧٩/أ] فظاهر هذا أنه أثبت نسخ القصة بالقرآن.
وبهذا قال الجماعة من الفقهاء والمتكلمين.
стр. 730
وخرج الشيخ أبو عبد الله١ في ذلك وجهًا آخر: أنه لا يجوز.
أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية حنبل وغيره؛ فقال: السنة مفسرة للقرآن، ومبينة له. وظاهر هذا: أن البيان بها يقع٢.
وقال أيضًا في رواية محمد بن أشرس٣: "إذا كان الحديث صحيحًا معه ظاهر القرآن، وحديثان مجردان في ضد ذلك؛ فالحديثان أحب إلي إذا صحا".
وظاهر هذا أيضًا: أنه لم يجعل ظاهر الآية يخص أحد الحديثين ولا يقابله.
وبهذا قال أصحاب الشافعي٤.
стр. 731
والدلالة على جواز التخصيص:
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء﴾ ١.
ولأن الكتاب أقوى من السنة؛ فإنه مقطوع على جميعه، والسنة إنما يقطع على البعض منها.
ولأن فيه إعجازًا، والسنة لا إعجاز فيها؛ فإذا جاز تخصيص القرآن بالضعيف؛ فإنه يجوز تخصيص الضعيف بالقوي [من باب] أولى، ألا ترى أن من جوز نسخ الكتاب بالسنة؛ كانت تجويزه لنسخ السنة بالكتاب أولى؟
واحتج من منع من ذلك:
بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢.
стр. 732
والجواب: أن المراد بالبيان ههنا: الإظهار لا التخصيص؛ فإن الكلام يقتضي أن يبين جميع المنزل، وجميع المنزل لا يحتاج إلى تخصيص؛ وإنما يحتاج إلى الإظهار.
وعلى أن نحمل الكلام على أن المراد به: لتبين للناس ما يحتاج إلى بيان وهو ما لم يبين بالكتاب؛ فأما ما بين بالكتاب فبيانه مأخوذ منه لا من السنة١.
واحتج: بأنا لو خصصنا السنة بالآية؛ جعلنا السنة أصلًا، والقرآن تابعًا له ومفسرًا، وهذا فيه نقصان منزلته.
والجواب: أنه لا يوجب جعلها أصلًا والقرآن تابعًا، كما لم يجب ذلك في تخصيص أخبار الآحاد بأخبار التواتر، وقد ثبت جواز ذلك. ولا يقول أحد: إن أخبار الآحاد أصل، وأخبار التواتر تابعة لها ومفسرة لها.
стр. 733
مسألة يجوز تخصيص العموم بأفعال النبي ﷺ
مدخل
...
مسألة ١: يجوز تخصيص العموم بأفعال النبي ﷺ
فإذا وقع من النبي فعل يخالف عموم قول تعلق بسائر المكلفين؛ كان ذلك موجبًا لتخصيصه، إن أمكن حمله عليه.
وكذلك الإقرار على فعل، مثل أن يفعل عنده فعل يخالف العموم؛ فأقر عليه؛ فإنه يختص به.
وقد أشار أحمد ﵀ إلى هذا في مواضع:
فقال في رواية صالح: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ٢، ولما ورث النبي ﷺ [٧٩/ب] ابنتي سعد بن الربيع٣ الثلثين٤؛ دل على أن الآية إنما قصدت الاثنتين فما فوق.
стр. 734
وقال أيضًا في رواية صالح: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١؛ فلما قالت عائشة وميمونة٢: كانت إحدانا إذا حاضت انفردت، ودخلت مع رسول ﷺ في شعاره٣؛ دل على أنه أراد الجماع.
стр. 735
وهو قول أصحاب الشافعي١ وأصحاب أبي حنيفة٢ إلا الكرخي؛ فإن أبا عبد الله الجرجاني حكى عن بعض أصحابه، أنه حكي عنه أنه يحمل فعله ﵇ على أنه مخصوص به، مثل نهيه عن استقبال القبلة
стр. 736
واستدبارها١، وما روي من فعله بخلاف ذلك٢، لا يجعله تخصيصًا.
стр. 737
دليلنا:
أن النبي ﷺ وأمته في أحكام الشرع سواء؛ إلا ما دل الدليل على تخصيصه به، ألا تراه إذا فعل شيئًا ابتداء، لا على وجه البيان والتخصيص؛ كنا نحن وهو فيه على السواء، حتى يخصه دليل، كذلك هذا الفعل الوارد على وجه البيان والتخصيص، يجب أن يتساويا فيه أيضًا.
стр. 738
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه يحتمل أن يكون مخصوصًا بهذا الفعل، ويحتمل أن يكون هو وغيره فيه سواء، ولا يجوز تخصيص العموم بالشك.
والجواب: أن هذا يدل عليه الفعل الوارد من جهته ابتداء. وعلى أنه ليس ههنا شك، بل ههنا ظاهر يدل على مساواتنا له في أفعال.
стр. 739
يجوز تخصيص العام بالإجماع
...
فصل: ويجوز التخصيص بالإجماع ١
لأن الإجماع حجة مقطوع بها؛ فإذا جاز التخصيص بخبر الواحد والقياس؛ كان بالإجماع أحق.
ويفارق هذا النسخ بالإجماع أنه لا يجوز؛ لأن الإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي ﷺ ، وبعد وفاته انقطع النسخ؛ فلا يصح أن ينسخ به، وليس كذلك التخصيص؛ لأنه يقترن باللفظ دليل يخرج منه ما ليس مرادًا؛ فإذا انعقد الإجماع على تخصيصه؛ علم أنه خطاب عام أريد به الخاص، والنسخ بالإجماع على هذا يتصور؛ فإن المسلمين إذا أجمعوا على ترك خبر؛ تبينا بالإجماع: أنه منسوخ، لا أن٢ الإجماع ينسخه.
стр. 740
يجوز تخصيص العام بدليل الخطاب
...
فصل: ويجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب ١
سواء دل دليل هو مفهومه