واستدبارها١، وما روي من فعله بخلاف ذلك٢، لا يجعله تخصيصًا.
стр. 737
دليلنا:
أن النبي ﷺ وأمته في أحكام الشرع سواء؛ إلا ما دل الدليل على تخصيصه به، ألا تراه إذا فعل شيئًا ابتداء، لا على وجه البيان والتخصيص؛ كنا نحن وهو فيه على السواء، حتى يخصه دليل، كذلك هذا الفعل الوارد على وجه البيان والتخصيص، يجب أن يتساويا فيه أيضًا.
стр. 738
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه يحتمل أن يكون مخصوصًا بهذا الفعل، ويحتمل أن يكون هو وغيره فيه سواء، ولا يجوز تخصيص العموم بالشك.
والجواب: أن هذا يدل عليه الفعل الوارد من جهته ابتداء. وعلى أنه ليس ههنا شك، بل ههنا ظاهر يدل على مساواتنا له في أفعال.
стр. 739
يجوز تخصيص العام بالإجماع
...
فصل: ويجوز التخصيص بالإجماع ١
لأن الإجماع حجة مقطوع بها؛ فإذا جاز التخصيص بخبر الواحد والقياس؛ كان بالإجماع أحق.
ويفارق هذا النسخ بالإجماع أنه لا يجوز؛ لأن الإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي ﷺ ، وبعد وفاته انقطع النسخ؛ فلا يصح أن ينسخ به، وليس كذلك التخصيص؛ لأنه يقترن باللفظ دليل يخرج منه ما ليس مرادًا؛ فإذا انعقد الإجماع على تخصيصه؛ علم أنه خطاب عام أريد به الخاص، والنسخ بالإجماع على هذا يتصور؛ فإن المسلمين إذا أجمعوا على ترك خبر؛ تبينا بالإجماع: أنه منسوخ، لا أن٢ الإجماع ينسخه.
стр. 740
يجوز تخصيص العام بدليل الخطاب
...
فصل: ويجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب ١
سواء دل دليل هو مفهومه
стр. 741
وفحواه، وهو: التنبيه، نحو قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١؛ فدل [على] المنع من٢ الضرب، فيقع به التخصيص.
أو كان في ضد النطق؛ كقوله: "في سائمة الغنم الزكاة"؛ دل على أنه: لا زكاة في المعلوفة، فيخص به العموم٣؛ لأن الدليل خارج مخرج النطق، ومعناه معنى النطق في باب الاحتجاج به، [وقد] ثبت جواز التخصيص بالنطق، كذلك بما هو جار مجراه٤.
стр. 742
يجوز تخصيص العام بقول الصحابي إذا لم يظهر خلافه
مدخل
...
فصل: [٨٠/أ] يجوز تخصيص العموم بقول الصحابي إذا لم يظهر خلافه
وكذلك تفسير الآية المحتملة١.
وهذا على الرواية التي تجعل قوله حجة، مقدمًا على القياس.
وقد نص على هذا في رواية صالح وأبي الحارث: في الآية إذا جاءت تحتمل أن تكون عامة، وتحتمل أن تكون خاصة، نظرت ما عملت عليه السنة؛ فإن لم يكن؛ فعن الصحابة، وإن كانوا على قولين، أخذ بأشبه القولين بكتاب الله تعالى.
стр. 743
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة١.
واختلف أصحاب الشافعي على القول القديم، الذي يجعلون قوله حجة؛ فمنهم من خص به، ومنهم من لم يخص٢.
стр. 744
ودليلنا:
أن قول الصحابي أقوى من القياس، بدليل أنه يترك له القياس؛ فيجب أن يخص به الظاهر، كخبر الواحد.
ولأنه مقدم على القياس، والقياس يخص؛ فبأن يخص خبر الواحد أولى وأحرى.
стр. 745
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الصحابي يترك مذهبه وقول نفسه للعموم، ألا ترى أن ابن عمر قال: "كنا نخابر أربعين سنة، ولا نرى به بأسًا، حتى أتانا رافع بن خديج، فأخبر أن النبي ﷺ نهى عنه؛ فتركناها"١ لقول رافع.
والجواب: أنه يترك قوله للنص؛ فأما العموم فلا؛ لأنه فيما ذهب
стр. 746
إليه عن دليل، وذلك الدليل لا يخلو إما أن يكون عمومًا أو خصوصًا أو قياسًا؛ فإن كان خصوصًا أو قياسًا؛ فهما يقضيان على هذا العموم، وإن كان عمومًا؛ فقد عارض هذا لعموم؛ فلا يجب ترك قوله.
على أن بكر بن محمد سأله: يلتحف الصماء من فوق القميص١؟ فقال: لا يعجبني، يروى عن ابن عباس: أنه كرهه، وإن كان عليه
стр. 747
قميص، وإن كان حديث النبي: أنه ثوب واحد١، ولكن ابن عباس كرهه، فقدم قول ابن عباس.
واحتج: بأن الخبر حجته؛ فلا تخص حجته بفتياه، كسائر الفقهاء.
والجواب: أن سائر٢ الفقهاء قول آحادهم ليس بحجة، وقول الصحابي حجة.
فإن قيل: فما تقولون في تخصيص العموم وتفسيره بقول التابعين؟
قيل: لا يخص بقوله، ولا يفسر به؛ لأن قوله ليس بحجة.
وهو ظاهر كلام أحمد ﵀؛ فإنه رجع في تخصيص الآية إلى ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي: يوجد العلم بما كان عن النبي ﷺ ؛ فإن لم يكن، فعن أصحابه؛ فإن لم يكن، فعن التابعين. وإنما قال هذا؛ لأن غالب أقوالهم أنها لا تنفك عن أثر.
وقد صرح بهذا في رواية أبي داود: إذا جاء الشيء عن الرجل [٨٠/ب] من التابعين، لا يوجد فيه عن النبي ﷺ لا يلزم الرجل الأخذ به، ولكن لا يكاد يجيء عن التابعين [شيء] ؛ إلا يوجد فيه عن أصحاب النبي ﷺ .
وقال أيضًا: يتبع ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، وهو في التابعين مخير.
стр. 748
التفسير
مدخل
...
فصل ١: التفسير
وتفسير الراوي للفظ النبي ﷺ يجب العمل به، إذا كان مفتقرًا إلى التفسير.
وذلك مثل قوله ﵇: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" ٢.
стр. 749
فمن الناس من قال: بالتفرق بالقول١، ومنهم من قال: بالتفرق بالبدن٢.
وأجمعوا على أن المراد أحدهما؛ فصرنا إلى ما دل تفسير الراوي عليه، فإن عبد الله بن عمر كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلًا، ثم رجع٣.
وكذلك نهى النبي ﷺ عن صيام يوم الشك٤.
стр. 750
فمن الناس من قال: هو عام في الغيم والصحو.
ومنهم من قال: المراد به الشك في الصحو، وهو: إذا تطابق أهل البلد على ترك الترائي للهلال فيه ليلة الثلاثين، فشكوا هل طلع أم لا١؟ فصرنا
стр. 751
إلى ما دل [عليه] تفسير الراوي، قال ابن عمر١: "كان إذا كان في السماء غيم؛ أصبح صائمًا، وإن كانت مصحية؛ أصبح مفطرًا"٢.
وقد صار أحمد ﵀ إلى تفسير ابن عمر ﵁ في الموضعين جميعًا في رواية المروذي.
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ... " ٣ ففسره ابن عمر٤ على أن المراد بقوله:
стр. 752
["هاء وهاء"] : القبض في المجلس.
فروى مالك بن أوس بن الحدثان١ أنه قال: التمست صرفًا بمائة دينار، فدعاني٢ طلحة بن عبيد الله٣، فتراوضنا حتى اصطرف مني، وأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى٤ يأتي خادمي٥ من الغابة وعمر بن الخطاب يسمع؛ فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه٦.
وروي أنه قال لطلحة: لا تفارقه حتى تعطيه وَرِقه٧، أو ترد عليه
стр. 753
ذهبه١.
وبهذا قال أصحاب الشافعي.
وذكر أبو سفيان عن الكرخي أنه كان يقول: يجب العمل بظاهر الآية والخبر، ولا يرجع إلى تفسير الصحابي.
وإنما رجعنا إلى تفسيره في ذلك؛ لأن هذا اللفظ مما يفتقر إلى البيان، وهو أعرف به من غيره، لمشاهدته التنزيل؛ فوجب الرجوع إلى تفسيره، كما وجب الرجوع إلى تفسير النبي ﷺ للآية المحتملة.
وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في رواية أبي طالب: في العبد يتسرى، فقيل له: فمن احتج [٨١/أ] بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون﴾ [ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ] ٢، فأي ملك للعبد؟ فقال: القرآن أنزل على [أصحاب] النبي ﷺ ، وهم يعلمون فيما أنزل، وقالوا: يتسرى العبد.
ويفارق هذا ما لا يفتقر إلى البيان؛ لأن اللفظ غير محتمل؛ فكان هو وغيره في تفسيره سواء.
стр. 754
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الآية والخبر يجب العمل بظاهرهما؛ لكونهما١ حجة، وقول الصحابي ليس بحجة؛ فلم يرجع إلى تفسيره.
والجواب: أن قوله حجة عندنا وعندهم إذا انفرد، وله٢ حكم المنفرد عند احتمال اللفظ.
стр. 755
مخالفة الراوي للفظ النبي ﷺ لا تؤثر في إحدى الروايتين عن أحمد
مدخل
...
فصل ١: فإن ترك الراوي لفظ النبي ﷺ ، وعمل بخلافه
وجب العمل بلفظ النبي ﷺ ، ولم يؤثر فيه مخالفة الراوي له في أصح الروايتين.
قال في رواية الأثرم في الحجام: نحن نعطي كما أعطى، يعني النبي صلى الله عليه وسلم٢، ولكن صاحبه لا يأكله، يطعمه الرقيق، ويعلفه الناضح٣
стр. 756
وقول ابن عباس: لو كان حرامًا؛ لم يعطه١. فهذا تأويل من ابن عباس.
وظاهر هذا: أنه أخذ بظاهر الخبر، ولم يلتفت إلى تأويله. وهو قول أصحاب الشافعي.
وفيه رواية أخرى: لا يجب العمل به، نص عليه ﵀ في رواية حرب٢؛ فقال: لا يصح الحديث عن عائشة؛ لأنها زوجت بنات أختها، والحديث عنها.
وقال أيضًا ﵁ في رواية المروذي: لا يصح الحديث؛ لأنها فعلت بخلافه.
стр. 757
وقال أيضًا ﵀ في رواية الحسن بن محمد بن الحارث١ وقد سئل عن حديث الزهري٢، فقال: الزهري يقول بخلاف هذا.
وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي: أنه قال: هذا على وجهين:
أحدهما: أن يكون الخبر محتملًا للتأويل؛ فلا يلتفت إلى عمل الصحابي، كما روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا"، التفرق: يحتمل أن يكون بالقول، ويحتمل أن يكون بالفعل، ثم حمله ابن عمر على التفرق بالأبدان؛ فلا يعمل على تأويله.
والثاني: أن يكون الخبر غير محتمل للتأويل؛ فعمله بخلافه؛ يكون دليلًا على أنه قد علم بنسخ الخبر، إن عقل من ظاهر حاله أن مراد النبي ﷺ ؛ كان غير ما دل عليه ظاهر الخبر من الندب دون الإيجاب.
وكان يحكى ذلك عن الكرخي: أن الأخذ بما رواه أولى مما عمل به من غير تفصيل.
стр. 758
وجه الرواية الأولى:
أن قول النبي ﷺ حجة، وقول الصحابي وفعله على أحد القولين: ليس بحجة، وعلى الرواية الأخرى: هو حجة؛ إلا أن خبر الواحد عن النبي ﷺ مقدم عليه، وإذا كان كذلك؛ وجب العمل بالخبر.
وأيضًا: فإن [٨١/ب] أبا حنيفة: قال: ليس بيع الأمة المزوجة طلاقًا.
واحتج هو وغيره من الفقهاء بما روى ابن عباس: أن عائشة اشترت بريرة، فأعتقتها، فخيرها رسول الله ﷺ ، ولو كان بيعها طلاقًا لما خيرها.
وخالف ابن عباس هذا الخبر، وكان يقول: بيع الأمة طلاقًا، وإن لم يكن ذلك موجبًا لترك الخبر.
стр. 759
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الصحابي لا يخالف الخبر ولا يعانده؛ فإذا رأينا قوله بخلافه؛ استدللنا على نسخ الخبر، وأنه إنما تركه وخالفه عن توقيف.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون بسنة، أو تركه بضرب من الاجتهاد في تقديم غيره عليه؛ فيجب أن ينظر فيه ولا يقلده.
واحتج: بأن الصحابي أعرف إذًا؛ فإنه شاهد الوحي والتنزيل، وعرف البيان والتأويل، وكانوا أعرف بما يقوله.
والجواب: أنه كذلك فيما يفتقر إلى البيان؛ فأما في مخالفة الخبر بقوله فلا؛ لأنه يحتمل أن يكون تركه للاحتمال الذي ذكرنا.
وجواب آخر، وهو: أنه لو علم مراد النبي ﷺ ؛ لوجب عليه نقله، كما يجب عليه [نقل] نص النبي على المراد بخطابه؛ فلما لم يبطل ذلك؛ علمنا أنه لم يعلم مراد النبي ﷺ ، وإن كان حاله في ذلك كحال غيره ممن لم يشاهد الخطاب.
стр. 760
العادة لا تخصص العموم
مدخل
...
فصل ١: [العادة لا تخصص العموم]
إذا ورد لفظ عام؛ لم يجز تخصيصه بعادة المكلفين، مثل أن يرد تحريم البيع مطلقًا، وعادتهم جارية بنوع منه٢.
стр. 761
وكقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١، وقد جرت عادتهم بأكل نوع منه.
لأن الحكم يتعلق باللفظ؛ فوجب القضاء به على جميع ما يصح أن يعبر به عنه، اعتبارًا بالعموم.
ولأن الظاهر أن الكلام خرج لقطع العادة الجارية، ودفع الأمر الواقع؛ فلم يجز تركه في هذا الوضع بعينه.
فإن قيل: أليس قد خصصتم الاسم بالعرف، مثل اسم الدابة ونحوها إذا أطلق؛ هلا فعلتم مثل هذا في الحكم؟
قيل: عرف الاستعمال هناك مقارن للفظ؛ فيصير ذلك هو اللغة الجارية، وهذا معدوم ههنا، مع أن اسم الدابة عام في غير المتعارف مجازًا.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية مهنا: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: أدركت أبناء المهاجرين والأنصار، فكانوا٢ يعمون، لا يجعلونها تحت٣ الخيل: هو معروف، ولكن الناس على غير هذا، أهل الشارع خاصة لا يعمون
стр. 762
إلا نجب١ الخيل. وظاهر هذا أنه اطرح الحديث بعادة المكلفين.
قيل: إنما عارض عرفًا بعرف، [٨٢/أ] ولم يخصص خبرًا بعرف.
стр. 763
مسألة تخصيص الأخبار جائز
مدخل
...
مسألة: ١ [تخصيص الأخبار جائز] :
التخصيص يدخل في نحو قوله: رأيت المشركين؛ كما يدخل في الأوامر.
وقد تكلم أحمد ﵁ على آيات في القرآن وردت بلفظ الخبر، وبين أنها مخصوصة؛ ذكره فيما خرجه في محبسه، فقال: قوله تعالى للريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ٢، وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها، منازلهم ومساكنهم والجبال٣ التي بحضرتهم -وقال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤ لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه. وقال لملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥ وقد كان ملك سليمان شيئًا لم تؤته.
خلافًا لبعضهم في قولهم: لا يدخل التخصيص في الخبر، كما لا يدخله النسخ.
стр. 764
دليلنا:
أن التخصيص إنما دخل في لفظ الأمر؛ لأنه يحتمل أن يراد به جميع
стр. 765
ما وضع له اللفظ، ويحتمل أن يراد به بعضه، وهذا المعنى موجود في الخبر، كوجوده في الأمر؛ فإنه يصح أن يقول: رأيت المشركين، ويكون قد رأى بعضهم؛ فساوى الأمر الخبر في هذا، ويفارق النسخ؛ لأنه يرفع جميع الحكم ويزيله؛ فيؤدي إلى الكذب فيما أخبر به، والتخصيص لا يرفع جميع الحكم، بل يبقى بعضه؛ فلا يؤدي إلى التكذيب والإبطال.
ويدل عليه وجود ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومعلوم أن ذاته لم تدخل فيه، وكذلك: ﴿اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، و ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ، ولم تدمر السموات والأرض، وما أشبه ذلك.
стр. 766
مسألة إذ ورد الخطاب من صاحب الشرع بناء على سؤال سائل
مدخل
...
مسألة: ١ [إذا ورد الخطاب من صاحب الشرع بناء على سؤال سائل] :
نظرت؛ فإن لم يكن مستقلًا بنفسه، ومتى أفرد عن السؤال لا يكون مفهوم المراد، مثل ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال لأبي بردة بن نيار: "يجزيك ولا يجزي أحدًا بعدك" ٢؛ فهذا خرج على قول أبي بردة: لا أجد إلا جذعة من المعز؛ فهو مقصور على السؤال ومضموم إليه، ويكون تقديره: إذا ذبحت جذعة من المعز يجزيك في الأضحية، ولا يجزي أحدًا بعدك.
وإن كان مستقلًا بنفسه نظرت:
فإن كان مطابقًا للسؤال فهو على ضربين:
стр. 767
ضرب هو سؤال عنه جملة، وجواب عنها.
وضرب هو سؤال عن حكم عين، وجواب عن حكمها.
فالسؤال عن الجملة مثل ما روي أن النبي ﷺ سئل عن الفرض في اليوم والليلة؛ فقال: "خمس صلوات، كتبهن الله على عباده" ١.
وما روي أنه سئل عن صلاة التطوع بالليل والنهار، فقال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" ٢.
وما روى أبو سعيد الخدري١: أن النبي ﷺ سئل عما يقتل المحرم فقال [٨٢/ب] : "الحية والعقرب والفويسقة ٢ والغراب والحدأة والكلب العقور والسبع العادي" ٣.
стр. 771
والسؤال عن حكم عين من الأعيان، مثل ما روي: "أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ ، وهو يضرب نحره، وينتف شعره ويقول: هكلت وأهلكت، فقال: "ماذا فعلت؟ فقال: وقعت على امرأتي في رمضان،
стр. 772
فقال: أعتق رقبة" ١ حين ذكر له السبب؛ فالظاهر أن الرقبة متعلقة بالوقوع الذي ذكره، تعلق الحكم بالعلة؛ لأن السبب هو الذي اقتضى الحكم وآثاره، كما إذا سمع رجلًا يقول شيئًا؛ فقال له: "استغفر الله"، يدل على أن القول الذي اقتضى الاستغفار، والسبب يكون جميعه، عليه لا يجوز أن يزاد فيه بغير دليل؛ لأن الظاهر الذي اقتضى الحكم هو الذي ذكره لرسول الله ﷺ ، وأمره بالحكم لأجله؛ لأن النبي ﷺ إذا حكم بحكم بسبب ذكر له، يجب أن يكون الحكم جميع موجبه؛ لأن تأخير
стр. 773
البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فلو كان للسبب حكم غيره؛ لم يترك بيانه، ولهذا قلنا فيما روي أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ ، وعليه مقطعه١، وهو متضمخ بالخلوق، فقال: أحرمت وعلي هذا، فقال: "انزع الجبة، واغسل الصفرة" ٢، ولم يأمره بالفدية؛ فدل على أن الفدية غير
стр. 774
واجبه، وتكون العين المنصوص على حكمها١ أصلًا، ويكون كل من وجد منه مثل ذلك السبب في حاله٢؛ وإنما كان المنصوص عليه أصلًا؛ لأنه ثبات حكمه بلفظ تناوله خصوصًا، وكان غيره في حاله٣؛ لأنه حكم فيه بعلة تعدت إليه منه، كما أن الأرز وسائر المكيلات، فروع للأربعة المنصوص عليها للمعنى الذي ذكرته.
وأما إذا كان الجواب مخالفًا للسؤال نظرت:
فإن كان أخص من السؤال، مثل: أن يسأل عن قتل النساء الكوافر؛ فيقول: "اقتلوا المرتدات؛ فيجب قتل المرتدات باللفظ، وغير المرتدات من الحربيات لا يجوز قتلهن من طريقين: أحدهما: من طريق دليل الخطاب، والثاني: أن النبي ﷺ لما عدل عن الاسم العام إلى الاسم الخاص؛ دل على أنه قصد المخالفة بين المرتدات، وبين الحربيات.
وهكذا كما قال أصحابنا في خبر حذيفة بن اليمان٤ عن النبي ﷺ : أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وجعل ترابها طهورًا" ٥،
стр. 775
فعلق على اسم الأرض كونها مسجدًا، وعلى نوع منها كونه طهورًا؛ فدل على أنه قصد المخالفة بين المسجد والطهور.
خلافًا لأبي حنيفة أن كل أرض مسجد وطهور.
وأما إن كان أعم من السؤال، مثل ما روي أن النبي ﷺ سئل فقيل: إنا نركب أرماثًا١ لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، [٨٣/أ] أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: "البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" ٢؛ فسئل عن حال الضرورة، وأجاب بأنه