والسؤال عن حكم عين من الأعيان، مثل ما روي: "أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ ، وهو يضرب نحره، وينتف شعره ويقول: هكلت وأهلكت، فقال: "ماذا فعلت؟ فقال: وقعت على امرأتي في رمضان،
стр. 772
فقال: أعتق رقبة" ١ حين ذكر له السبب؛ فالظاهر أن الرقبة متعلقة بالوقوع الذي ذكره، تعلق الحكم بالعلة؛ لأن السبب هو الذي اقتضى الحكم وآثاره، كما إذا سمع رجلًا يقول شيئًا؛ فقال له: "استغفر الله"، يدل على أن القول الذي اقتضى الاستغفار، والسبب يكون جميعه، عليه لا يجوز أن يزاد فيه بغير دليل؛ لأن الظاهر الذي اقتضى الحكم هو الذي ذكره لرسول الله ﷺ ، وأمره بالحكم لأجله؛ لأن النبي ﷺ إذا حكم بحكم بسبب ذكر له، يجب أن يكون الحكم جميع موجبه؛ لأن تأخير
стр. 773
البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فلو كان للسبب حكم غيره؛ لم يترك بيانه، ولهذا قلنا فيما روي أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ ، وعليه مقطعه١، وهو متضمخ بالخلوق، فقال: أحرمت وعلي هذا، فقال: "انزع الجبة، واغسل الصفرة" ٢، ولم يأمره بالفدية؛ فدل على أن الفدية غير
стр. 774
واجبه، وتكون العين المنصوص على حكمها١ أصلًا، ويكون كل من وجد منه مثل ذلك السبب في حاله٢؛ وإنما كان المنصوص عليه أصلًا؛ لأنه ثبات حكمه بلفظ تناوله خصوصًا، وكان غيره في حاله٣؛ لأنه حكم فيه بعلة تعدت إليه منه، كما أن الأرز وسائر المكيلات، فروع للأربعة المنصوص عليها للمعنى الذي ذكرته.
وأما إذا كان الجواب مخالفًا للسؤال نظرت:
فإن كان أخص من السؤال، مثل: أن يسأل عن قتل النساء الكوافر؛ فيقول: "اقتلوا المرتدات؛ فيجب قتل المرتدات باللفظ، وغير المرتدات من الحربيات لا يجوز قتلهن من طريقين: أحدهما: من طريق دليل الخطاب، والثاني: أن النبي ﷺ لما عدل عن الاسم العام إلى الاسم الخاص؛ دل على أنه قصد المخالفة بين المرتدات، وبين الحربيات.
وهكذا كما قال أصحابنا في خبر حذيفة بن اليمان٤ عن النبي ﷺ : أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وجعل ترابها طهورًا" ٥،
стр. 775
فعلق على اسم الأرض كونها مسجدًا، وعلى نوع منها كونه طهورًا؛ فدل على أنه قصد المخالفة بين المسجد والطهور.
خلافًا لأبي حنيفة أن كل أرض مسجد وطهور.
وأما إن كان أعم من السؤال، مثل ما روي أن النبي ﷺ سئل فقيل: إنا نركب أرماثًا١ لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، [٨٣/أ] أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: "البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" ٢؛ فسئل عن حال الضرورة، وأجاب بأنه
طهور، ولم يخص حال الضرورة دون حال الاختيار؛ فيجب عندنا أن يحمل الجواب على عمومه، ويكون الاعتبار بعموم اللفظ، دون خصوص السبب.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن الوضوء من ماء البحر؛ فقال: لا بأس به، وذكر حديث النبي ﷺ : "هو الطهور ماؤه، الحلال ميتته"؛ فقد احتج بالحديث على العموم، ولم يعتبر السبب الذي ور عليه.
وهو قول أصحاب أبي حنيفة١، وأكثر أصحاب الشافعي٢، وأصحاب الأشعري.
стр. 778
وقال أصحاب مالك١: يقتصر على السؤال، وحكى ذلك٢ عن المزني٣ وأبي بكر الدقاق٤.
إن الدلالة على الحكم هو لفظ صاحب الشريعة، دون سؤال السائل؛ فإذا كان لفظه عامًا؛ وجب حمله على عمومه، كما لو ورد ابتداء.
ولأن الاعتبار بلفظه، دون السؤال، بدليل: أن السؤال إذا كان عامًا، والجواب خاصًا؛ وجب حمله على خصوصه اعتبارًا به، كذلك ههنا.
ولأنا نعتبر صفة اللفظ في كونه أمرًا ونهيًا وإباحة؛ كذلك في كونه عمومًا وخصوصًا.
ولأن المرأة إذا قالت لزوجها: طلق ضرائري؛ فقال: كل امرأة لي
стр. 779
طالق؛ طلقت السائلة مع ضرائرها؛ لأن لفظ الزوج عام؛ فوجب حمله على عمومه، دون خصوص السؤال، كذلك ههنا.
ولأنه زائد على السؤال؛ فوجب أن يثبت حكمها وتكون شرعًا، كما إذا كانت الزيادة منفصلة، مثل قوله: "الحل ميتته".
ولأن العام إنما يخص بما يعارضه وينفيه، والسبب الوارد عليه اللفظ مماثل له ومطابق له في حكمه؛ فلا يجوز تخصيصه.
ولأن الخطاب قد ورد في مكان وزمان، ثم لا يقتصر به على المكان والزمان؛ كذلك لا يقتصر به على السبب.
ولأن خروجه على شخص بعينه، لا يوجب تخصيصه به، مثل آية اللعان، نزلت في شأن هلال بن أمية١. وآية القذف نزلت في
стр. 780
شأن الإفك١، وآية الظهار في شأن خولة٢، كذلك خروجه على مسبب.
стр. 781
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن الجواب والسؤال بمنزلة الجملة الواحدة؛ فيصير كأنه قال: إذا ركبتم البحر، وكان معكم القليل من الماء، وإن توضأتم خفتم العطش؛ فتوضئوا بماء البحر؛ فإنه طهور، ولو كان هكذا؛ لكان مقصورًا على حال الضرورة؛ لأن خوف العطش، يصير شرطًا في الوضوء بماء البحر، ويدل على أنهما بمنزلة الجملة الواحدة: أن الجواب مقتضى السؤال.
والجواب: أنا لا نسلم أنه بمنزلة الجملة، ونقول: هما ضمنان؛ لأن السؤال ليس بعلم على الحكم، والجواب [٨٣/ب] علم على الحكم؛ فدل على أنهما جملتان مختلفتان.
وقولهم: إن الجواب مقتضى السؤال؛ فهو وإن كان مقتضاه؛ فيجوز أن يكون زائدًا عليه، ويجيب عما يسأل وعما لم يسأل، ولهذا قال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ١.
واحتج: بأنه يجوز أن يكون الجواب مبهمًا محالًا به على بيان السؤال.
والجواب: أنه يجوز أن يكون جواب النبي ﷺ مبهمًا محالًا على بيان القرائن، وبيان القياس، ويكون لفظ القرآن محالًا على بيان السنة، وإذا كان كذلك؛ لم يدل هذا على أنهما جملة واحدة.
واحتج بأن قول النبي ﷺ للأعرابي: "أعتق رقبة"، مقصور على
стр. 782
السبب الذي خرج الكلام عليه، ولا يجوز أن يتعدى ذلك حال وقوع الفعل.
والجواب: أن قول النبي ﷺ : "أعتق رقبة"؛ لا يعم حال الوقوع، وغير حال الوقوع، وليس كذلك: "هو الطهور ماؤه"؛ فإنه عام في جميع الأحوال. وحمله على حال الضرورة، تخصيص له بأمر ما، يدل على ذلك: أنها لو قالت: طلقني، فقال: أنت طالق، كان الظاهر أنه طلقها لسؤالها، وأن قولها هو المقتضى لإيقاع الطلاق عليها. وإذا قالت له: طلق ضرائري، فقال: كل امرأة له طالق؛ حمل قوله على عمومه فيها وفي ضرائرها؛ فدل على ما قلناه.
واحتج: بأن الخطاب لما ورد عقيب السبب، كان الظاهر أنه بيان لحكمه١؛ فإنه لو كان بيانًا لحكم غيره٢ لذكره قبل حدوثه.
والجواب: أنه لو ذكره قبل ورود السبب؛ لجاز إخراج هذا السبب منه وتخصيصه، وحين ذكره عند وجود السبب؛ أفاد أنه لا بد أن يكون السبب داخلًا في حكم الخطاب، وأنه لا يجوز تخصيصه؛ لكونه منصوصًا عليه، وعلى أن هذا يوجب إذا ورد في مكان مخصوص، وزمان مخصوص، وسائل مخصوص أن يقتصر على سؤال السائل، وعلى الزمان والمكان.
وقد أشار أحمد ﵀ إلى أنه إذا ورد على سبب؛ لم يجز خروج السبب من الخطاب في رواية أبي داود٣ وقيل له: إن فلانًا قال: قراءة الفاتحة يعني خلف الإمام -مخصوص من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ
стр. 783
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ ١، فقال: من يقول هذا؟! أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة. فقد أنكر تخصيص الآية، وحملها على غير المصلي؛ لأنها واردة في المصلي؛ [فلم] يخرج [بها] عن سببها.
واحتج بأن الجواب إذا كان بلا [أ] ونعم، كان مقصورًا على السؤال؛ كذلك إذا كان أعم منه.
والجواب: [٨٤/أ] أن الجواب هناك غير مستقل بنفسه؛ ألا تراه لا يصح تفرده عنه، وهذا بخلافه.
واحتج: بأن السبب كالعلة في الحكم، والعلة لا تدل على أكثر من معلولها.
والجواب: أنه إذا كان الخطاب أعم من السبب، كان السبب كالعلة في قدر حكمه، وما زاد عرف حكمه باللفظ.
واحتج: بأن قصره على سببه وتخصيصه بتلك العين، قد يكون فيه مصلحة؛ فلا يجوز أن يتعدى ذلك.
والجواب: أن قصره على الوقت والمكان، قد يكون فيه مصلحة، ومع هذا فلا يجب ذلك.
واحتج: بأنه لما كانت الأيمان مقصورة على أسبابها، يجب أن تكون ألفاظ صاحب الشريعة كذلك.
والجواب: أنا لا نقصرها على أسبابها، بل يعتبر في تفهم الحكم وزيادته على اللفظ؛ فأما في تخصيص اللفظ بالسبب؛ فلا؛ ولهذا نقول: إذا حلف لا يلبس من غزلها لمنّة؛ فانتفع بثمنه، أو بشيء من مالها حنث.
وقد قال أحمد ﵀ فيمن حلف لا يصيد في نهر؛ لأجل ظلم السلطان؛ فزال الظلم: فإن اصطاد؛ حنث، كذلك ههنا.
стр. 784
إذا كان أول الآية عاما وآخرها خاصا حمل كل واحد منهما على ما ورد
مدخل
...
فصل ١: إذا كان أول الآية عامًا وآخرها خاصًا:
كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢ هو عام في البائن والرجعية، وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ٢ خاص في الرجعية، فيحمل كل واحد منهما على ما ورد، ولا يخص أولها بآخرها.
وهذا بناء على الأصل الذي تقدم، وأنه لا يقصر اللفظ على سببه ولا على السؤال؛ لأن التخصيص إنما يكون بما يخالفه ويعارضه، وهذا يوافقه؛ لأن قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ بعض ما اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ .
ولأن اللفظ الأول يستقل بنفسه؛ ولأن اللفظ الثاني يحتمل أن يكون راجعًا إلى جميع ما تقدم، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى بعضه، ولا يجوز تخصيصه بالشك.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ٣ قال: أول الآية يدل على أن علمه معهم. وقال في سورة أخرى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ٤.
وقال ﵀ في رواية أبي طالب: يأخذون بأول الآية ويدعون آخرها٥.
стр. 785
وليس هذا من أحمد ﵁ على أنه يجب تخصيص أولها بآخرها؛ وإنما قال ذلك بدليل دل على ذلك، وعضده بما في سياق الآية.
ولو أن قائلًا قال: ظاهر الكلام التسوية بين أول الآية وآخرها، كان له وجه في الاعتبار؛ لأن المتكلم متى وضع كلامه على وجه؛ فظاهر أمره أنه يخرجه [٨٤/ب] على ما وضعه عليه، وأنه لم يعدل عنه إلى غيره، ويجري ذلك مجرى الكناية، وسائر ما يعطف بعضه على بعض.
стр. 786
مسألة تعارض العام والخاص
مدخل
...
مسألة ١: [تعارض العام والخاص] :
إذا تعارضت آيتان أو خبران، وأحدهما عام والآخر خاص، والخاص منافٍ للعام؛ وجب تخصيص العام، سواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ٢ وقال النبي: "لا قطع إلا في ربع دينار". وقوله: ﴿لا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤، ونحو هذا.
وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في مواضع:
فقال في رواية يعقوب بن بختان٥ في الخبرين: يجيئان٦ عن النبي
стр. 787
صلى الله عليه وسلم متضادين لكل خبر وجهه.
وقال في رواية المروذي: لا تضرب الأخبار بعضها ببعض؛ لكل خبر وجهه، مثل: من اشترى شاة مصراة؛ فليرد معها صاعًا من تمر، وذكر قول النبي ﷺ : "الخراج بالضمان"، وذكر مع السلم: أن النبي ﷺ : "نهى حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده".
وقال ﵁ في رواية أبي طالب: حديث أم سلمة: "من أراد أن يضحي؛ فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره"، وحديث عائشة١ عام، وحديث أم سلمة مخصوص؛ فهو آكد؛ لأنه قد خص من العام: إذا أراد أن يضحي أمسك؛ وإذا بعث لم يمسك، هذا على وجهه، وهذا على وجهه.
وقال في رواية عبد الله وقد سأله عن الثوب تصيبه الجنابة٢ فقال: أذهب إلى الحديثين، حديث سليمان بن يسار٣ عن عائشة: "أن النبي
стр. 788
صلى الله عليه وسلم كان يغسله"١، وحديث الأسود٢ عن عائشة: "أن النبي ﷺ فركه"٣؛ أذهب إليهما، ولا أرى أحدهما٤.
стр. 789
ولهذا أمثال منه قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" ثم أجاز السلم، والسلم: بيع ما ليس في ملكه؛ وإنما هو على صفة.
ومنه الشاة المصراة، إذا اشتراها الرجل فحلبها، إن شاء ردها وصاعًا من تمر، وقول النبي صلى الله عليه [وسلم] : "الخراج بالضمان"؛ فكان ينبغي أن يكون اللبن للمشتري؛ لأنه ضامن بمنزلة العبد، إذا استعمله فأصاب به عيبًا رده، فكان عليه ضمانه، تستعمل١ الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر؛ فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به.
وقال في رواية خطاب بن بشر٢ وقال له أبو عثمان الشافعي٣ تذهب إلى الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ٤ فقال:
стр. 790
قد روي عن النبي ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" ١؛ فقد بين أنه ...
стр. 791
يستعملها١، وأنه يقضي بالخاص منهما على العام، ولم يجعل أحدهما ناسخًا للآخر.
وقوله: إن الأخير أولى [٨٥/أ] أن يؤخذ به؛ أراد إذا كان جميعًا خاصين، وقد تعارضا؛ فيكون الثاني ناسخًا للأول؛ فأما إذا كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا، والخاص ينافي العام؛ فالحكم فيه على ما ذكرناه.
وهو قول أصحاب الشافعي.
وقال أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه الجرجاني: إن كان العام هو المتقدم؛ كان الخاص المتأخر ناسخًا لبعضه، وإن كان العام هو المتأخر كان ناسخًا لجميع الخاص.
وإن لم يعلم التاريخ؛ فقد ذكره عيسى٢ على أربعة أقسام:
فقال: إن كان الناس قد عملوا بهما جميعًا؛ وجب استعمالها ويرتب العام على الخاص، مثل نهيه عن بيع ما ليس عنده، ورخص في السلم.
وإن كانوا اتفقوا على استعمال أحدهما؛ فالعمل على ما اتفقوا عليه
стр. 792
والآخر منسوخ، وذلك مثل قوله: "فيما سقت السماء العشر" ١، وقوله: "ليس في الخضروات صدقة" ٢، العام: قد تلقته الأمة
стр. 793
بالقبول، وخبر الخضروات مختلف في حكمه؛ فلم يجز أن يقضي به على العام.
وإن كانوا اختلفوا في ذلك؛ فعمل بعض الناس بأحد الخبرين،
стр. 794
وعامة الفقهاء تخالفه وتنكر على الواحد؛ فالعمل١ على ما عليه العام، ويسقط الآخر.
وإن كان الخبران مما يتعلق الحكم بهما، ويسوغ الاجتهاد في الحكم الذي تضمن كل واحد من الخبرين، ولم يظهر من الصحابة العمل بأحد الخبرين؛ فالواجب: المصير إلى الاجتهاد في تقدم أحدهما على الآخر، أو استعمال كل واحد فيما يقتضيه.
ومعنى هذا عندهم: أنهما يسقطان، ويرجع إلى دليل غيرهما.
وحكي عن أبي بكر ابن الباقلاني أنه قال: إذا جهل التاريخ؛ وجب التوقف فيهما.
стр. 795
دليلنا:
أن الخاص يتناول ما تناوله بصريحه من غير احتمال، والعام يتناول بظاهره وعمومه، ويحتمل أن يكون المراد به ما عدا ما تناوله الخاص؛ فإذا كان كذلك، وجب القضاء بالخاص، كما يجب أن يقضي بالنص الذي لا يحتمل على اللفظ المحتمل.
ولأنا نجمع بين الخاص والعام، والجمع بين الدليلين أولى من إسقاط أحدهما بالآخر أو وقفهما وإيقاع التعارض بينهما؛ لأن كل واحد يقتضي العمل به والمصير إلى موجبه، فما أدى إلى استعماله؛ كان أولى.
ولأنه يجوز تخصيص العموم بالقياس وبدليل العقل، وإن كان متقدمًا عليه؛ فجاز تخصيصه بالخبر الخاص وإن كان متقدمًا عليه.
стр. 796
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأنه إذا كان متقدمًا والخصوص متأخرًا؛ فإنما كان ناسخًا ببعضه؛ لأن بيان العموم لا يجوز تأخيره عن حال وروده؛ فإذا ورد متأخرًا عنه لم
стр. 797
يجز أن يقع موقع بيانه؛ فلم يبق إلا أن يكون ناسخًا.
والجواب: أن تأخير البيان [٨٥/ب] جائز عندنا، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
واحتج بأنه إذا كان الخصوص متقدمًا؛ أن العام المتأخر ينسخ الخاص: أن العموم يفيد الحكم في جميع ما يصح أن يعبر به عن المسميات بدلالة اتفاقهم إذا كان الخصوص متقدمًا عليه؛ وإذا كان كذلك؛ صار كل واحد بمنزلة ما ورد منفردًا؛ فيصير مقدار ما وقعت المعارضة فيه متنافيًا؛ فيقضي بالثاني على الأول، مثل اللفظين إذا وردا بلفظ الخصوص.
والجواب: أن العموم وإن كان يفيد الحكم في جميع المسميات؛ فقد بينا أنه يفيد ذلك من طريق الظاهر، ويحتمل أن يكون المراد ما عدا ما تناوله الخاص، والخاص يتناول ما يتناوله بصريحه من غير احتمال؛ فوجب القضاء عليه.
واحتج: بأنه لو كان أراد استثناء الأقل من العموم الثاني؛ لذكره ونبه عليه، لعلمه باعتقاد أهل اللغة الصيغة؛ فلما لم يبين كان الظاهر ورود الثاني في معارضة الأول؛ فيكون ناسخًا له.
والجواب: أنه لم يذكره مع اللفظ؛ لأنه يجوز تأخير بيانه؛ فإذا بينه بالثاني؛ وجب حمله عليه.
واحتج بأن الحكم الذي يفيده العام من المسميات طريقه القطع؛ فجاز إثبات النسخ لما تقدم به كالخاص المنفرد.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يفيد جميع المسميات من طريق القطع؛ وإنما يفيد ذلك من طريق الظاهر، ويجوز أن يكون المراد ما عداه.
واحتج بأن ما اتفق على استعماله قد صار مقطوعًا عليه؛ فوجب أن يسقط ما طريقه الاجتهاد كما يسقط خبر الواحد إذا عارضه نص التواتر.
стр. 798
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه لم يخالف في الخضروات، وفيما دون خمسة أوسق، وأهل العلم على خلافه؛ حتى خالفه أصحابه، وإذا كان كذلك؛ وجب القول بالخاص؛ لأن عليه عامة أهل العلم.
ثم لا نسلم أنه متفق على استعماله؛ لأن ما قابله الخاص غير مستعمل عندنا.
ولأنا أجمعنا على أن قوله: "ليس فيما دون خمس ١ أواق من الورق ٢ صدقة" ٣ يقضي به على قوله:
стр. 799
"في الرقة ١ ربع العشر ٢"؛ فوجب أن يقضي بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق ٣ من التمر صدقة" ٤ على قوله: "فيما سقت السماء العشر"، على أن أبا حنيفة ناقض فيه؛ لأنه يقضي بالنهي عن أكل الطافي على قوله ﵇: "أحلت لنا ميتتان ودمان"، وهذا متفق على استعماله، والنهي عن أكل الطافي مختلف فيه.
стр. 800
مسألة إذا تعارض خبران كل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه آخر
مدخل
...
مسألة ١: إذا تعارض خبران [٨٦/أ] كل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه آخر:
هما سواء، مثاله: قوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها"، وقوله: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس"؛ الأول خاص في الفائتة، عام في الأوقات، والثاني خاص في الوقت، عام في الصلوات.
وقد نص على هذا أحمد ﵀ في رواية حنبل وصالح فقال: "نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح"، والنهي من النبي على الجملة، وقال: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها"؛ فكان هذا مخصوصًا من جملة نهيه عن الصلاة بعد العصر، وإن كان على جملته ما صلى أحد بعد العصر صلاة فائتة؛ فيستعمل كل واحد منهما على وجهه.
وهو قول أصحاب الشافعي.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يقدم الخبر الذي فيه ذكر الوقت؛ ذكره الجرجاني عن أصحابه؛ لأن الخلاف واقع في الوقت، وجواز فعل الصلاة، فقدم ما فيه ذكر الوقت لتناوله المقصود.
стр. 801
دليلنا:
أن كل واحد منهما قد تناول ما وقع الاختلاف فيه؛ فإن الخلاف واقع في الوقت، وجواز فعل الصلاة فيه واقع في جواز فعل الصلاة في الوقت؛ فكل واحد منهما خاص فيما فيه اختلاف من وجه، وعام من وجه، وعام فيما فيه اختلاف من وجه؛ فتساويا.
стр. 802
مسألة تفصيل القول فيما لو تعارض نصان أحدهما عام والآخر خاص
مدخل
...
مسألة ١: إذا تعارض آيتان أو خبران أحدهما عام والآخر خاص:
والخاص موافق للعام، أو أحدهما مطلق والآخر مقيد؛ فهل يقضي بالعام على الخاص، والمطلق على المقيد؟
فهو على أربعة أوجه:
стр. 803
الوجه الأول
...
أحدهما:
أن يكون الحكم والسبب واحدًا، مثل أن يقول: في كفارة القتل مؤمنة، ثم يذكر القتل في موضع آخر؛ فيقول: تحرير رقبة؛ فإنه يبني المطلق على المقيد، ويتعلق الحكم بالزائد، ويكون بمنزلة أن يرد خبران في حكم واحد وسبب واحد، وأحدهما زائد، فالأخذ بالزائد أولى، كما روي: "أن النبي ﷺ دخل البيت، ولم يصل"١ ونقل الآخر: "أنه دخل البيت وصلى"٢؛ فكان الأخذ بالزائد أولى.
стр. 804
فإن كان الحكم والسبب واحدًا؛ إلا أن أحدهما خاص والآخر عام، ولم يكن للخاص دليل؛ فإن الخاص داخل في العام، وهو بعض ما شمله العموم، ويكون ما تناوله الخاص ثابتًا بالخاص والعام، وما زاد على ذلك ثابتًا بالعام دون الخاص.
مثاله: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أفطر في رمضان؛ فعليه ما على المظاهر" ١، وقضى في الذي وقع على امرأته بعتق رقبة أو صيام
стр. 805
شهرين؛ فغلب وجوب الكفارة في حق ذلك الواطئ بالخبرين جميعًا، وثبت وجوب الكفارة فيما عدا ذلك الواطئ بالخبر [٨٦/ب] العام.
وإن كان له دليل خطاب؛ فإنه يقضي بدليل خطابه على العام؛ فيخرج منه ما تناوله دليله، وذلك مثل قوله ﵇: "في أربعين شاة شاة"، مع قوله: "في سائمة الغنم زكاة" ١؛ لأن دليل الخطاب بمنزلة النطق في وجوب العمل به، والنطق الخاص يقضي به على النطق العام، وكذلك ههنا في قوله ﵇: "إذا كان الماء قلتين" ٢،
стр. 806
لم ينجسه شيء١"، مع قوله: "الماء طهور، لا ينجسه إلا ما غير
طعمه أو ريحه" ١؛ فإنه يحمل على القلتين؛ فيقضي بدليل خطابه عليه، فيخرج ما دون القلتين منه.
стр. 809
فإن قيل: فقد ناقضتم في ذلك؛ فإن النبي ﷺ : "نهى عن بيع ما لم يقبض"، وروي أنه قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"؛ فكان يجب أن يقضي بدليل خطابه على اللفظ العام، ويخرج منه ما عدا الطعام.
قيل: تخصيص العام بدليل الخطاب واجب، إلا أن يمنع منه دليل أقوى من دليل الخطاب؛ فيسقط ويبقى دليل الخطاب، ويجب حمل العام على عمومه، وهذا دليل أقوى من دليل الخطاب، وهو التنبيه؛ فإن التنبيه آكد من الدليل؛ لأنه مجمع عليه، ودليل الخطاب مختلف فيه، فوجب ترك الدليل للتنبيه، ووجه التنبيه: أن الطعام إذا لم يجز بيعه قبل القبض مع حاجة الناس إليه؛ فلأن لا يجوز غيره أولى.
موجود في حال تلف السلعة، والقياس يترك له دليل الخطاب؛ لأنه يجري مجرى التخصيص؛ لأنه إسقاط بعض حكم اللفظ؛ فإن اللفظ يوجب إثباتًا ونفيًا؛ فإسقاط أحدهما بالقياس بمنزلة التخصيص بالقياس.
стр. 810
ولأن القياس يقدم على دليل الخطاب؛ لأن ترك دليل الخطاب يجري مجرى تخصيص اللفظ العام، والقياس يدل على أن غير الطعام بمنزلته؛ لأنه إنما لم يجز بيع الطعام؛ لأنه لم يتعين بالعقد، وهذه العلة موجودة في غير الطعام.
وفي معنى هذا قوله ﵇: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة؛ فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار" ١؛ لم يقض٢ بدليل خطابه على عموم قوله: "إذا اختلف المتبايعان؛ فالقول قول البائع" ٣ ولم يختص ذلك بقيام السلعة؛ لأن التنبيه مقدم على دليل الخطاب؛ لأنه متفق عليه، ووجه التنبيه: أنه إذا أمر بالتحالف، وهناك سلعة قائمة، يمكن أن يستدل بها على صدق أحدهما؛ فإذا كانت تالفة، لا يمكن الاستدلال على صدق أحدهما أولى.
ولأن القياس يوجب ترك دليل الخطاب؛ لأن النبي ﷺ : أمر بالتحالف؛ لأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعًى عليه، وهذا المعنى