← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22793

العدة في أصول الفقه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 836 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

لم ينجسه شيء١"، مع قوله: "الماء طهور، لا ينجسه إلا ما غير

стр. 807

..............................................................................................................

стр. 808

طعمه أو ريحه" ١؛ فإنه يحمل على القلتين؛ فيقضي بدليل خطابه عليه، فيخرج ما دون القلتين منه.

стр. 809

فإن قيل: فقد ناقضتم في ذلك؛ فإن النبي ﷺ : "نهى عن بيع ما لم يقبض"، وروي أنه قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"؛ فكان يجب أن يقضي بدليل خطابه على اللفظ العام، ويخرج منه ما عدا الطعام. قيل: تخصيص العام بدليل الخطاب واجب، إلا أن يمنع منه دليل أقوى من دليل الخطاب؛ فيسقط ويبقى دليل الخطاب، ويجب حمل العام على عمومه، وهذا دليل أقوى من دليل الخطاب، وهو التنبيه؛ فإن التنبيه آكد من الدليل؛ لأنه مجمع عليه، ودليل الخطاب مختلف فيه، فوجب ترك الدليل للتنبيه، ووجه التنبيه: أن الطعام إذا لم يجز بيعه قبل القبض مع حاجة الناس إليه؛ فلأن لا يجوز غيره أولى. موجود في حال تلف السلعة، والقياس يترك له دليل الخطاب؛ لأنه يجري مجرى التخصيص؛ لأنه إسقاط بعض حكم اللفظ؛ فإن اللفظ يوجب إثباتًا ونفيًا؛ فإسقاط أحدهما بالقياس بمنزلة التخصيص بالقياس.

стр. 810

ولأن القياس يقدم على دليل الخطاب؛ لأن ترك دليل الخطاب يجري مجرى تخصيص اللفظ العام، والقياس يدل على أن غير الطعام بمنزلته؛ لأنه إنما لم يجز بيع الطعام؛ لأنه لم يتعين بالعقد، وهذه العلة موجودة في غير الطعام. وفي معنى هذا قوله ﵇: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة؛ فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار" ١؛ لم يقض٢ بدليل خطابه على عموم قوله: "إذا اختلف المتبايعان؛ فالقول قول البائع" ٣ ولم يختص ذلك بقيام السلعة؛ لأن التنبيه مقدم على دليل الخطاب؛ لأنه متفق عليه، ووجه التنبيه: أنه إذا أمر بالتحالف، وهناك سلعة قائمة، يمكن أن يستدل بها على صدق أحدهما؛ فإذا كانت تالفة، لا يمكن الاستدلال على صدق أحدهما أولى. ولأن القياس يوجب ترك دليل الخطاب؛ لأن النبي ﷺ : أمر بالتحالف؛ لأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعًى عليه، وهذا المعنى

стр. 811

الوجه الثاني: إذا كان الخبر مختلفًا، مثل صيام وإطعام، صيام وصلاة؛ فإنه لا ينبني المطلق على [٨٧/أ] المقيد، سواء كان السبب واحدًا، كالكفارة فيها صيام شهرين متتابعين وإطعام مطلق، أو كان مختلفًا، مثل الصيام يقيده بالبالغ، والزكاة أطلقها؛ فإنه لا يبنى المطلق على المقيد. ولهذا قال أحمد ﵁ في رواية ابن منصور: إذا أخذ في الصوم، فجامع بالليل؛ يستقبل، فإن أطعم بوطء شيء؛ ليس هذا من نحو هذا. قال أبو بكر من أصحابنا: لأنه لم يشترط في الإطعام المسيس كما شرط في الأولين؛ فما شَرَطَه على شرطه، وما أطلقه على إطلاقه. والوجه في ذلك أنه إنما يحمل المطلق على المقيد، إذا كان الحكم المختلف فيه مذكورًا في الموضعين؛ إلا أنه مطلق في أحدهما مقيد في الآخر، وهذا معدوم في الجنسين. ولأن المقيد مع المطلق بمثابة الخاص مع العام والمفسر مع المجمل، وهناك يجب أن يكون كل واحد من جنس الآخر، كذلك ههنا.

стр. 812

و الوجه الثالث: إذا كان الخبر واحدًا، والسبب مختلفًا؛ لكن [قيد] في موضعين بقيدين مختلفين، وأطلق في الثالث، كالصيام، قيد بالتتابع في الكفارة: فقال: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ١، وقيل: بالتفريق في التمتع،

стр. 813

فقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ١، وأطلق في كفارة الأيمان، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ٢، وفي رمضان، فقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ﴾ ٣؛ ولهذا المطلق مثلان مقيدان مختلفان؛ فإنما يحمل المطلق على إطلاقه، ولا شيء على واحد منهما؛ لأنه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر. وإنما أوجب أصحابنا التتابع في صيام كفارة اليمين، بدليل، لا أنه٤ يحمله على المقيد. وقد بين أحمد ﵀ هذا في رواية صالح فقال: "وإن لم يكن فصيام٥ ثلاثة أيام متتابعة" في قراءة ابن مسعود. فبين أنه صار إلى التتابع في ذلك لهذا الدليل، وهي قراءة ابن مسعود٦.

стр. 814

الوجه الرابع: إذا كان الجنس واحدًا والسبب مختلفًا، كالرقبة في كفارة القتل والظهار؛ فالرقبة جنس واحد، قيدت بالإيمان في كفارة القتل، وأطلقت في كفارة الظهار، وهما سببان مختلفان. وكما قيد الأيدي إلى المرافق في موضع، وهو الغسل، وأطلقها في موضع، وهو المسح في التيمم؛ فهذا على روايتين:

стр. 815

إحداهما يبنى المطلق على المقيد من طريق اللغة، وقد أومأ أحمد ﵀ في رواية أبي طالب فقال: أحب إلي أن يعتق في الظهار مثله. واحتج من قال بذلك: بقول١ الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢، وقال في موضع آخر: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٣، ولم يذكر عدلا، ولا يجوز إلا عدل، كذلك يكونون٤ مسلمين، وظاهر هذا أنه بني٥ المطلق على المقيد من طريق اللغة، كما بني الإطلاق في العدالة على المقيد منها. وبهذه الرواية [٨٧/ب] قال أصحاب مالك٦. وفيه رواية أخرى: لا يبنى المطلق على المقيد، ويحمل المطلق على إطلاقه. أومأ إليه أحمد ﵁ في رواية أبي الحارث فقال: التيمم ضربة للوجه والكفين، فقيل له: أليس التيمم بدلا من الوضوء، والوضوء إلى المرفقين؟ فقال: إنما قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ٧، ولم يقل: إلى المرفقين، وقال في

стр. 816

الوضوء: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ١، وقال: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢ فمن أين تقطع يد السارق؟ من الكف. وظاهر هذا: أنه لم يبن٣ المطلق في التيمم على المقيد في الوضوء، وحمله على إطلاقه. وهو اختيار أبي إسحاق بن شاقلا، ذكره فيما وجدته بخطه معلقًا فقال: للمظاهر أن يطأ قبل الإطعام، وليس له ذلك في الصيام والعتق، وقال: فإن قيل: المطلق يحمل على المقيد. فقال: إذا كان المذكور واحدًا في حكم واحد، كالشاهدين؛ فأما مثل رقبة القتل، ورقبة الظهار؛ فلأنهما حكمان، كذلك الإطعام والصيام؛ لأنهما جنسان، بلى لو ذكر الإطعام في موضع فأبهمه وذكره في موضع آخر فقيده؛ حملنا المطلق على المقيد. وهو قول أصحاب أبي حنيفة. واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: مثل قولنا، وأنه يبنى المطلق على المقيد من طريق اللغة. ومنهم من حمل المطلق على المقيد بالقياس عليه؛ لا من جهة اللغة وهو قول الأكثر منهم. وهو اختيار أبي بكر بن الباقلاني. وهكذا الاختلاف في العام والخاص، نحو قوله: "فيما سقت السماء

стр. 817

العشر" عام في القليل والكثير، وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" خاص في المقدار؛ فهل يحمل العام على الخاص، على ما حكينا من الاختلاف في حمل المطلق على المقيد؟ وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل وصالح: "نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح"؛ فهو جملة١، وقال: "من نام عن صلاة أو نسيها"؛ فكان هذا مخصوصًا من جملة نهيه عن الصلاة بعد العصر.

стр. 818

دليلنا: أن العرب تطلق الحكم في موضع، وتقيده في موضع، والمراد بالمطلق المقيد. يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ١. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٢ وتقديره: والحافظات فروجهن٣، والذاكرات الله كثيرًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ٤ وتقديره: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد.

стр. 819

وكذلك قول الشاعر: [٨٨/أ] نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف١ يعني: بما عندنا راضون٢. وقال آخر: وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير، أيهما يليني٣؟

стр. 820

يعني: أريد الخير، وأتوقى الشر. فإن قيل: إنما حملنا المطلق ههنا على المقيد؛ لأن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه ولا مفيد؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرَات﴾ ابتداء لا خبر له وكذلك قوله: "عين اليمين"، وكذلك قوله: ﴿وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَات﴾ ، وليس كذلك في مسألة الخلاف؛ لأن المطلق مقيد١ مستقل بنفسه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِم﴾ ٢ يفيد إطلاقه: إخراج ما يتناوله اسم الرقبة. قيل: لا فصل بينهما؛ وذلك أن قوله: ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾ مفيد أيضًا؛ فإنه يحمل على عمومه في ذكر الله وأنبيائه ورسله، وغير ذلك. وكذلك قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ يحمل على عمومه في كونه قعيدًا٣ أو غير قعيد؛ لأن قعيدًا صفة زائدة. وكذلك قوله: ﴿وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ يحمل على عمومه في الابتداء بالنفس والنقصان منها. فإن قيل: إنما وجب حمل٤ المطلق هناك على المقيد بالعطف؛ فإن العطف يجعل المعطوف بمنزلة المعطوف عليه، كما إذا قال: "خرج

стр. 821

زيد وعمرو"، يكون تقديره: "وخرج عمرو"؛ فأما ههنا؛ فلم يعطف أحدهما على الآخر. قيل: العطف إنما حمل على المعطوف لإطلاقه، لا لأجل حروف العطف. يبين صحة هذا: أنه لو قيد العطف بحكم آخر، فقال: والحافظات ألسنتهن؛ لم يجب حمله على المعطوف في حفظ الفرج؛ لأنه مقيد١ بغيره٢. وكذلك لو قال: والذاكرات رسل الله؛ لم يجب حمله على ما قبله من ذكر الله، لأجل تقيده٣؛ فلما حمل على ما قبله عند الإطلاق؛ علم أن الموجب لذلك: الإطلاق، لا حرف العطف. يبين صحة هذا: أنه قد يخالف العطف المعطوف٤ عليه في الحكم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ٥، معلوم أن صلاة الملائكة غير صلاته. وقد قيل: إنه لا يجوز أن يكون حمل عليه لهذه العلة، ألا ترى أن العموم يحمل على الخصوص إذا كانا في حكم واحد، نحوه قوله: "فيما سقت السماء العشر" هو عام في القليل والكثير، وقوله: "إذا كان خمسة أوسق" خاص؛ فيحمل عليه، وإن لم يكن عطفًا عليه، كذلك ههنا يجب أن يكون الحمل عليه، لا من جهة العطف.

стр. 822

فإن قيل: لو كان هذا مقتضاه في اللغة؛ لوجب إذا انتفى هذا المعنى بلفظ يفارق المطلق، أن يكون مخرجًا له عن حقيقة كالعموم الذي يخرج عن موضوعه بدليل. قيل: [٨٨/ب] العموم إذا دخله التخصيص؛ لا يصير مجازًا عندنا. ويبين صحة هذا: أن الصحابة جعلت القرآن بمنزلة الآية الواحدة، يدل عليه ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال للخوارج١ -لما احتجوا عليه بآية من القرآن: "من فاتحته إلى خاتمته"، ومعناه: يجب أن يلتزم جميع ما فيه. وأيضًا: فإن في بناء الخاص على العام جمعًا بين الخبرين وأخذًا بهما؛ فكان أولى من اطراح أحدهما، وفيما ذكرنا دلالة على من قال: لا يحمل المطلق على المقيد، وعلى من قال: يحمل عليه بالقياس. واحتج من قال: لا يحمل عليه:

стр. 823

بأنه المطلق المراد به معلوم بظاهره؛ فوجب أن يحمل عليه، ولا يعدل به عنه إلا بدليل، والخاص ليس بدليل؛ لأن التخصيص إنما يقع بما يخالف الظاهر ويعارضه؛ فأما بما يوافقه فلا، والمقيد يوافق المطلق؛ فوجب أن لا يخص به. والجواب: أن المقيد يخالف المطلق ويعارضه؛ لأن تقييده يدل على أن ما عداه بخلافه، وإذا كان كذلك فقد خصصناه بما عارضه. وجواب آخر، وهو: أن المطلق وإن كان معلومًا؛ فإنه معلوم من حيث الظاهر، والخاص معلوم من حيث القطع؛ فيجب أن يحمل عليه، كالخاص والعام إذا تعارضا في حكم واحد؛ فإنه يقضى بالخاص عليه؛ لأنه مقطوع عليه، وإن كنا نعلم أن العام معلوم ظاهره؛ فكان يجب أن يتعارضا فيسقطا، أعني: العام والخاص؛ لأن كل واحد منهما معلوم بظاهره، ولما قضي بالخاص على العام، كذلك ههنا. وقولهم: إن التخصيص إنما يقع بما يخالف الظاهر ويعارضه، وكذا نقول؛ إلا أن دليل الخطاب الخاص يعارض الظاهر عندنا ويخالفه، وقد بينا ذلك فيما تقدم من الكلام في دليل الخطاب. واحتج: بأن شروط الإيمان في كفارة الظهار زيادة في النص، وذلك نسخ؛ والنسخ لا يجوز بالقياس ولا بخبر الواحد، قالوا: والذي يدل على أنه نسخ: أن النسخ هو حظر ما أباحته الآية، وإباحة ما حظرته؛ فلما كان شرط الإيمان في رقبة الظهار يوجب حظر ما أباحته الآية من جوازها عن الكفارة؛ وجب أن تكون هذه الزيادة نسخًا. والجواب: أن هذين ليس بزيادة؛ وإنما هو تخصيص ونقصان؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١ شائع في الجنس، مؤمنة وكافرة،

стр. 824

وسليمة ومعيبة. وقوله: لا تجزي إلا مؤمنة نقصان؛ فهو كما لو قال: أعط درهمًا من شئت من هؤلاء العشرة؛ فإذا قال: إلا زيدًا فلا تعطه؛ هذا نقصان وتخصيص، كذلك ههنا. وعلى أنها لو كانت زيادة في النص؛ [٨٩/أ] لم تكن نسخًا؛ وإنما هي زيادة حكم؛ لأن النسخ هو الإسقاط. واحتج: بأن الخصوص إنما يرد على الأعيان المنطوق بها، دون المعاني التي لم ينطق بها، وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ هو المنطوق بها؛ فأما صفاتها مؤمنة وكافرة، وسليمة ومعيبة، فما تناولها. والجواب: أن التخصيص ما دخل إلا على الأعيان؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ شائعة في الجنس أي رقبة كانت؛ فإذا قلنا: إلا مؤمنة؛ كان تخصيص الأعيان، فكأنه أخرج من هذا الشائع في جنسه عينًا موصوفة، فالتخصيص دل على الأعيان. ومثال هذا: لو قال: أعط درهمًا من شئت من هؤلاء العشرة إلا الفقيه منهم؛ فإنه قد أخرج منهم واحدا موصوفا، كذلك ههنا، وإذا قال: أعتق رقبة إلا كافرة؛ أخرج رقبة موصوفة. واحتج: بأن قياس المنصوصات بعضها على بعض لا يجوز؛ لأنها قد استغنت بدخولها تحت النص على القياس على غيرها، ولهذا لم يجز قياس التيمم على الوضوء في إيجاب مسح الرأس والقدمين، ولا قياس السارق على المحارب في قطع رجله، ولا قياس كفارة القتل على الظهار في إيجاب الإطعام؛ لأن كل واحد من ذلك منصوص عليه، كذلك ههنا. والجواب: أن هذا ليس بقياس المنصوص عليه على المنصوص؛ وإنما هو حمل المسكوت عنه على المنصوص عليه.

стр. 825

وإنما لم يحمل التيمم على الوضوء في إيجاب [مسح] الرأس والقدمين؛ لأنهما غير مذكروين في التيمم؛ وإنما يحمل المطلق على المقيد إذا كان الحكم المختلف فيه مذكورًا في الموضعين إلا أنه مطلق في أحدهما مقيد في الآخر كالرقبة هي مذكورة في الظهار والقتل؛ إلا أنها مقيدة في أحدهما، مطلقة في الآخر، وكذلك الإطعام غير مذكور في كفارة القتل. وكذلك قطع الرجل غير مذكور في قطع السارق؛ وإنما اعتبرنا وجود الحكم المختلف فيه في الموضعين؛ لأن المطلق والمقيد كالفرع والمقيد كالأصل. واحتج: بأنه ليس حمل المطلق على المقيد بأولى من حمل المقيد على المطلق. والجواب: أن في بناء المقيد على المطلق إسقاط ما تناوله النص، وبناء المطلق على المقيد تخصيص، والتخصيص جائز، والإسقاط غير جائز؛ فهو كما قلنا في العموم والخصوص: يخص العموم، ولا يسقط الخصوص. وهكذا الجواب عن أن الرقبة لو كانت مفسرة؛ لم يجز البناء، كذلك إذا كانت مطلقة؛ لأنها إذا كانت مقيدة، كان في البناء إسقاط النص، وهذا معدوم في بناء المطلق على المقيد. فإن قيل: أليس قد قلتم: إذا كان أول الآية عامًا وآخرها خاصًا، أو كان [٨٩/ب] أولها مطلقًا وآخرها مفسرًا؛ لم تقضوا بآخرها على أولها، نحو [٨٩/ب] قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ٢، حملتم أولها

стр. 826

على عمومه في البوائن والرجعيات، ولم تخصوه بآخرها في الرجعيات. قيل: هذا ليس من قبيل١ المطلق والمقيد؛ لما بينا أن من شرطه أن يكون الحكم المختلف فيه مذكورًا في الموضعين، وهذا غير مذكور في آخر الآية، ولا هو أيضًا من قبيل الخاص والعام بآيتين؛ لأنه إذا قضينا بآخرها على أولها؛ منعنا٢ صيغة العموم في أولها، وإذا كان آيتين؛ لم يمنع العموم من أحدهما. واحتج: بأن حمل العام على الخاص إهمال العام؛ لأنه يقتضي الاستغراق؛ فإذا خصصناه أهملناه. والجواب: أنه ليس بإهمال؛ وإنما هو جمع، ولا يمكن إلا على هذا الوجه. واحتج من قال: يحمل عليه بالقياس. بأن هذا تخصيص في الحقيقة؛ لأنه إذا قال: أعتق رقبة؛ فإن هذا لفظ شائع عام في الرقاب كلها؛ فإذا قلنا: إن الرقبة الكافرة لا تجزي؛ خصصنا بعض الرقاب، وأخرجناها عن كونها مجزئة؛ فيكون ذلك تخصيصًا للعموم، والتخصيص جائز بالقياس. والجواب: أنه تخصيص كما ذكرت؛ ولكن ليس يجب أن يكون التخصيص بالقياس، بل يجوز أن يكون التخصيص، وبلفظ خاص، كما كان تخصيص العموم بالخصوص إذا تعارضا في حكم واحد. واحتج: بأن قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣

стр. 827

لا يصلح لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١؛ فلم يجز أن يكون أحدهما قاضيًا على الآخر بلفظه: ولا مشاركًا له من جهة العطف؛ فوجب اعتبار المعنى. والجواب: أن قوله: ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٢، لا يصلح، لقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ﴾ ومع هذا فقد قضى بأحدهما على الآخر. وكذلك قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ٣. وكذلك قوله: ﴿وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ٤ لا يصلح، لقوله: ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ ، وقد منعنا أن يكون الموجب لذلك حرف العطف، وبينا أن الموجب لذلك الإطلاق، بدليل أنه لو قيد العطف؛ لم يجز حمله على المعطوف عليه.

стр. 828

مسألة أقل الجمع المطلق ثلاثة مدخل ... مسألة ١: أقل الجمع المطلق ثلاثة: وعلى هذا الأصل قال أحمد ﵀ في رواية حنبل في رجل وصى أن يكفر عنه فقال: أقل ما يكفر ثلاثة أيمان. قال الخرقي فيمن قالت له زوجته: "اخلعني على ما في يدي من الدراهم"؛ ففعل، فلم يكن في يدها شيء: لزمها ثلاثة دراهم٢.

стр. 829

وقال ﵀ في رواية صالح: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ١؛ فيلزمه أن لا [٩٠/أ] يحجب بالأخوين؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ، والإخوة ثلاثة. وبهذا قال مالك٢ وأصحاب أبي حنيفة٣ وأكثر أصحاب الشافعي٤. وحكى عن أصحاب مالك٥، وقوم من النحويين منهم علي بن عيسى٦،

стр. 830

وأبو بكر ابن الباقلاني١، وبعض الشافعية: أقله اثنان٢.

стр. 831

دليلنا: إجماع الصحابة، روي عن عبد الله بن عباس أنه قال لعثمان بن عفان ﵄: أن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس؛ إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ١، وليس أخوان إخوة في لسان قومك؛ فقال عثمان: لا أستطيع٢ أمرًا كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار٣. وهذا يدل على أن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن ابن عباس قاله، وأقره عثمان عليه؛ وإنما صرفه عنه بالإجماع الذي ذكره.

стр. 832

فإن قيل: فقد روي عن زيد بن ثابت: أقل الجمع اثنان١. قيل: إن صح هذا؛ فيحتمل أن يكون معناه، أن الاثنين في حكم الجمع في حجب الأم. وأيضًا: فإن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها؛ فلو كان اسم الجمع يقع على الاثنين حقيقة؛ لم يحسن أن يقول القائل: ما رأيت رجالًا؛ وإنما رأيت رجلين؛ فلما صح نفي ذلك؛ دل على أن الرجلين إذا سميا رجالًا كان مجازًا، وكان بمنزلة قوله: ما هذا أبي وإنا هو جدي، وما هذا بابني وإنما هو ابن ابني. وأيضًا: فإن أهل اللغة فرقوا بين التوحيد والتثنية والجمع، وجعلوا للإفراد بابًا وللتثنية بابًا وللجمع بابًا، ولا يخلو لهم كتاب من هذا الترتيب، وإذا كان كذلك؛ وجب أن يختص الجمع بما زاد على الاثنين، كما اختصت التثنية بما زاد على الواحد. وأيضًا: فإنهم إذا أرادوا بيان عدد الجمع ومقداره؛ بدءوا من الثلاثة، فقالوا: "ثلاثة رجال"، و"أربعة رجال" ولم يقولوا: "اثنان رجال"، وقالوا: "جماعة رجال"، ولم يقولون: "جماعة رجلين"؛ فدل هذا على ما ذكرنا.

стр. 833

حجة المخالف ... واحتج المخالف: بقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ

стр. 834

مُسْتَمِعُونَ﴾ ١ ولم يقل: معكما؛ فدل على أن معنى اللفظين واحد. والجواب: أن الله تعالى إنما أراد بذلك: موسى وهارون، ومن آمن معهما من قومهما. واحتج: بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢؛ فعبر عن الإخوة بالأخوين. والجواب: أن المراد به: أيها المؤمنون أنتم إخوة، يعني كل واحد منكم أخ لصاحبه، فأصلحوا بين كل أخ قاتَلَ أخاه. ويحتمل أن يكون المراد بالأخوين: الطائفتين [و] الجماعتين [٩٠/ب] والقبيلتين لأن اسم الأخوين يقع على ذلك. قال الشاعر: فالْحَقْ بحلفك في قضاعة إنما ... قيس عليك وخندف أخوان٣ِ فسمى القبيلتين أخوين، فيصير تقدير الآية: أيها المؤمنون أنتم الإخوة، فأصلحوا بين كل طائفتين من المؤمنين اقتتلوا. وعلى أنه لا حجة في ذلك؛ لأنه عبر عن الإخوة بالأخوين. واحتج بقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٤؛ فجعلهما طائفتين، ثم أضاف الفعل إليهما بلفظ الجمع. والجواب: أن الطائفة اسم للجماعة، بدلالة قوله: ﴿وَلْتَأْتِ

стр. 835

طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ ١، ولو كانت الطائفة واحدًا، لم يقل: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ ؛ فصار المراد به: وإن جماعة من المؤمنين اقتتلوا. واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٢؛ وإنما هما قلبان. والجواب: أن هذا ليس مما نحن فيه بشيء٣؛ لأن كل شيء يكون بعضًا لشيء؛ فإن أهل اللسان يعبرون عنه في حال التثنية بلفظ الجمع؛ ليفصلوا به بين ذلك وبين الشيء الذي ليس بعضًا من المضاف إليه، يقولون للاثنين: هذه رءوسكما، وهذه وجوهكما؛ ألا ترى أن الشيء إذا لم يكن بعضًا من المضاف إليه؛ لم يصح ذلك فيه؛ ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: هذه أثوابكما٤، وهذه دوركما، ويريد به ثوبيهما وداريهما، ولكن يقول: هذان ثوباكما وداراكما. وقيل فيه: إنه لما كان أكثر ما في البدن من الجوارح اثنين اثنين، أقيم القلب أيضًا مقام عضوين؛ فصار في التقدير: كما لهما٥ أربعة قلوب؛ فلهذا صح أن يقول: ﴿قَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ . واحتج بقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٦؛ فأضاف الفعل إليهما بلفظ الجمع.

стр. 836

والجواب: أن الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، يقال: رجل خصم، ورجال خصم، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون ذلك عبارة عن جمعين. فإن قيل: كان جبريل وميكائيل. قيل: يجوز أن يكون مع كل واحد منهما ملائكة، وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ١؛ لأنه يجوز أن يكون المراد به الجماعة, وتكلم الواحد منهم، وهو القائل منهم: ﴿هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ ٢، يبين ذلك قوله: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ٣، ولو كانا اثنين لقال: بغى أحدنا على الآخر. ولم يقل: بغى بعضنا على بعض؛ لأن ذلك إنما يقال: في الجماعتين والقبيلتين. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ٤، فأضاف الفعل إليهما في أول الآية بلفظ التثنية، وفي آخرها [٩١/أ] بلفظ الجمع. والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد به: حكم داود وسليمان وقومهما؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ . ويحتمل أن يكون المراد به: الحكم المشروع لأمة داود، كما يقال: هذا حكم المسلمين، يريد به: الحكم المشروع لهم. وقيل: المراد به: حكم الأنبياء، والكناية عن جماعتهم.

стр. 837

وقيل: إنه لا بد من محكوم له، فيكون داود وسليمان والمحكوم له، وهو صاحب الكرم؛ لأن الحكم يضاف إلى الحاكم بفعله، وإلى المحكوم له باستحقاقه؛ ولذلك يجوز له مطالبة الحاكم به، فلهذا قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ . فإن قيل: لم يجر ذكر المحكوم له؛ وإنما جرى ذكر الحاكمين. قيل: ذكر الحاكمين يتضمن ذكر المحكوم له، فكني عن الجميع. وقيل: إنه على سبيل التفخيم والتعظيم، كما قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ، وهو واحد لا شريك له، وقال: ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونََ﴾ ١ وأراد به عائشة رضي الله عنها٢. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٣، يعني عائشة. واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ٤ وكان الاثنان في حكم الثلاثة. والجواب: أن ظاهر الآية كان يقتضي أن لا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة؛ إلا أنا عدلنا بالآية عن ظاهرها لقيام الدلالة. واحتج بقوله تعالى في يوسف وأخيه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ ٥.

стр. 838

والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد به: يوسف وأخوه الذي وجدت السقاية في رحله، والأخ الذي يخالف وقال: ﴿لَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ١. ويحتمل أن يكون أطلق لفظ الجمع مجازًا، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ٢، وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ﴾ ٣ قيل: إنه كان واحدًا. واحتج بقوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" ٤.

стр. 839

الجواب: أنه قصد به بيان حكم الجمع في الصلاة، وأنه يحصل بالاثنين، وإن لم يكن في اللغة جميعًا، ولم يقصد به بيان الجمع؛ لمشاركة الصحابة له في معرفة الأسماء اللغوية. واحتج: بأن الجمع معناه: الضم؛ فإذا ضم واحد إلى واحد؛ وجد معنى الجمع. والجواب: أن الاشتقاق لا يدل على حقيقة الاسم؛ لأن اسم الدابة مشتق من دب يدب على الأرض، ولا يسمى الآدمي دابة، وسائر ما يدب على الأرض دابة حقيقة؛ لوجود المعنى الذي اشتق منه. وكذلك سميت الخابية١؛ لما يخبأ فيها، ولا يسمى الصندوق خابية، وإن كان يخبأ فيه. وجواب آخر، وهو: أن الضم قد يوجد في الأعداد المختلفة، والأجسام المتقاربة، ولم يكن ذلك [٩١/ب] موجبًا لكون جميع ما ضم في حكم الشيء الواحد. وهكذا الجواب عن قولهم: إن الواو حقيقتها الجمع.

стр. 840

واحتج: بأن الاثنين قد يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: فعلنا كذا وكذا. والجواب: أنه باطل بالواحد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، على أنه إنما يخبر بذلك الاثنان عن أنفسهما؛ لأن الإضافة إليهما كافية في التمييز، يعلم٢ بهذا أن هذا اسم للاثنين؛ فأما حالة الإطلاق؛ فليس هناك ما يقع به التمييز لتعرفه بلفظ التثنية والجمع. ثم نعارض هذا بمثله، فنقول: قد فرقوا بين الاثنين والجماعة في المواجهة؛ فقالوا: أنت وأنتما وأنتم، وكذلك: هو٣ وهما وهم، فسقط ما قالوه.

стр. 841

مسائل الإستثناء مدخل ... مسائل الاستثناء: ١ الاستثناء: كلام ذو صيغ٢ محصورة، تدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول٣.

стр. 842

ولا يدخل على هذا التخصيص وأدلته المنفصلة، أنها ليست باستثناء وإن كان هذا المعنى موجودًا فيها؛ لأن تلك الأشياء ليست تختص بالقول، ألا ترى أن التخصيص يكون تارة بقول صاحب الشريعة، وتارة يكون بدليل العقول، وليس ذلك بقول؟ ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم، نحو قولهم: "رأيت المؤمنين، وما رأيت زيدًا، ولم أر عمرًا وخالدًا"؛ لقولنا: "كلام ذو صيغ محصورة". وحروف الاستثناء محصورة، وليس الواو منها.

стр. 843

مسألة الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام مدخل ... مسألة ١: الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام: فأما إذا انقطع فإنه لا يعمل. وقد ذكره الخرقي في كتاب الإقرار٢ فقال: "ومن أقر بعشرة دراهم وسكت٣ سكوتًا يمكنه٤ الكلام فيه، ثم قال: زيوفًا، أو صغارًا، أو إلى شهر؛ كانت عشرة وافية جيادًا٥ حالة". وقد اختلفت الرواية عنه في الاستثناء في اليمين٦.

стр. 844

فقال في رواية أبي طالب: إذا حلف بالله، وسكت قليلًا، ثم قال: إن شاء الله؛ فله استنثاؤه؛ لأنه يكفر. وكذلك نقل المروزي عنه ﵁: إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره. وظاهر هذا جواز الفصل بزمان يسير ما دام في المجلس. وقد نقل أبو النصر١ وأبو طالب عن أحمد ﵀: ما يدل على أنه لا يصح إذا فصل. وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: "إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل٢". وهو الصحيح. وبه قال جماعة الفقهاء والمتكلمين. وحكي عن عبد الله بن عباس: جواز الاستثناء، وإن كان منطقعًا.

стр. 845

دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر [٩٢/أ] عن يمينه" ١، ولو
следующие страницы →