مسائل الإستثناء
مدخل
...
مسائل الاستثناء: ١
الاستثناء: كلام ذو صيغ٢ محصورة، تدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول٣.
стр. 842
ولا يدخل على هذا التخصيص وأدلته المنفصلة، أنها ليست باستثناء وإن كان هذا المعنى موجودًا فيها؛ لأن تلك الأشياء ليست تختص بالقول، ألا ترى أن التخصيص يكون تارة بقول صاحب الشريعة، وتارة يكون بدليل العقول، وليس ذلك بقول؟
ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم، نحو قولهم: "رأيت المؤمنين، وما رأيت زيدًا، ولم أر عمرًا وخالدًا"؛ لقولنا: "كلام ذو صيغ محصورة". وحروف الاستثناء محصورة، وليس الواو منها.
стр. 843
مسألة الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام
مدخل
...
مسألة ١: الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام:
فأما إذا انقطع فإنه لا يعمل.
وقد ذكره الخرقي في كتاب الإقرار٢ فقال: "ومن أقر بعشرة دراهم وسكت٣ سكوتًا يمكنه٤ الكلام فيه، ثم قال: زيوفًا، أو صغارًا، أو إلى شهر؛ كانت عشرة وافية جيادًا٥ حالة".
وقد اختلفت الرواية عنه في الاستثناء في اليمين٦.
стр. 844
فقال في رواية أبي طالب: إذا حلف بالله، وسكت قليلًا، ثم قال: إن شاء الله؛ فله استنثاؤه؛ لأنه يكفر.
وكذلك نقل المروزي عنه ﵁: إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره.
وظاهر هذا جواز الفصل بزمان يسير ما دام في المجلس.
وقد نقل أبو النصر١ وأبو طالب عن أحمد ﵀: ما يدل على أنه لا يصح إذا فصل.
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: "إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل٢".
وهو الصحيح.
وبه قال جماعة الفقهاء والمتكلمين.
وحكي عن عبد الله بن عباس: جواز الاستثناء، وإن كان منطقعًا.
стр. 845
دليلنا:
ما روي عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر [٩٢/أ] عن يمينه" ١، ولو
стр. 846
كان الاستثناء يرفعهما بعد مدة، كان الخلاص به أسهل من الحنث والكفارة؛ فلما جعل النبي ﷺ خلاصه منها بالحنث والكفارة؛ ثبت أنه لا خلاص له بغير ذلك.
ولأن الاستثناء جارٍ١ مجرى الشرط؛ لأنه إذا انفصل عما قبله لم يعد، ألا ترى أنه إذا قال: اضرب زيدًا أو أعطه درهمًا، ثم قال بعد يوم: إذا قام، أو أكل؛ لم يعد ذلك، ولم يكن شرطًا صحيحًا. كذلك قوله: له عشرة، أو قال: والله لا أكلت الخبز، ثم قال بعد شهر: يومي هذا، لم يقبل٢ ذلك؛ فلم يكن صحيحًا.
ويفارق هذا النسخ والتخصيص؛ لأن لفظ النسخ ولفظ التخصيص
стр. 847
مقيد بانفراده؛ فلهذا جاز أن يتأخر.
ولأن تصحيحه يفضي إلى أن لا يستقر حكم الخطاب أبدًا، ولا يعتقد وجوب ما أمر به الرسول ويتعبد به؛ لجواز أن يعقبه باستثناء يرفعه، وهذا ظاهر الفساد.
ويفارق هذا النسخ؛ لأن النسخ يرفع الحكم حال وجوده، بعد أن سبق اعتقاد الحكم وثبت قبل ورود النسخ، فلا يرفع الحكم حال وجوده؛ فلا يرفع حكم الخطاب بكل حال. والاستثناء إذا ورد؛ تبينا أنه لم يثبت للخطاب حكم فيرفعه بكل حال.
ويفارق هذا التخصيص؛ لأنه يجوز تأخيره عن وقت الخطاب١ ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة؛ فلا يؤدي إلى إسقاط حكم اللفظ على التأبيد، والاستثناء على قول غيره يرد أبدًا، فيرفع حكم الخطاب.
стр. 848
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "والله لأغزون قريشًا"، ثم سكت ساعة ثم قال: "إن شاء الله" ١؛ فلولا صحة الاستثناء لم يذكره.
стр. 849
والجواب: أن قوله: "إن شاء الله"؛ لم يكن على وجه الاستثناء؛ وإنما كان على معنى أن الأفعال المستقبلة تقع بمشيئة الله تعالى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
واحتج: بأنه معنى يرفع اليمين؛ فجاز أن يقع منفصلًا كالكفارة.
والجواب: عن الكفارة ما ذكرناه في النسخ، وهو أن تأخر الكفارة لا يرفع حكم اليمين بكل حال، والاستثناء يرفع حكمها، وإن قاسوا على النسخ وعلى التخصيص؛ فالكلام عليه ما ذكرنا.
وفيما ذكرنا من الخبر والشرط دلالة على من أجاز ذلك في المجلس؛ لأن الشرط والجزاء متى تفرقا بقدر المجلس لم يصح، كذلك الاستثناء.
فإن قيل: المجلس يجري مجرى حال العقد، بدليل قبض رأس مال السلم وثمن الصرف.
قيل: اعتبار هذا بالشرط والجزء أشبه، لما ذكرنا.
стр. 850
يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه
...
فصل: يجوز أن يقدم الاستثناء [٩٢/ب] على المستثنى منه
إذا كان متصلًا به، نحو قوله: ما جاءني إلا أخاك من أحد، وما مررت إلا إياك بأحد.
стр. 851
وقد قال حسان:١
الناسَ ألِّب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر٢
فقدم قوله:
إلا السيوف وأطراف القنا ...
وجعله بمثابة قوله: ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا.
وقال الكميت:٣
فما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب٤
فنصبا جميعًا بالاستثناء مما هو في موضع النصب والخفض، وقد قال أهل العربية: إن الاستثناء إذا تقدم نصب أبدًا المستثنى منه، تقول: ما جاءني إلا إياك أحد، وما مررت إلا إياك أحد، واستشهدوا بهذين البيتين.
стр. 852
يجوز الاستثناء من الاستثناء
مدخل
...
فصل: يجوز الاستثناء من الاستثناء
قال تعالى: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ١.
стр. 853
مسألة لا يصح استثناء الأكثر
مدخل
...
مسألة: لا يصح استثناء الأكثر
ذكره الخرقي في كتاب الإقرار١.
وحكى ذلك عن ابن درستويه النحوي٢، ونصره ابن الباقلاني في كتاب التقريب من أصول الفقه.
وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى جواز ذلك.
стр. 854
دليلنا:
أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة قد نفوا ذلك وأنكروه.
قال أبو إسحاق الزجاج في كتاب المعاني لما تكلم على قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ ١: ولم يأت في كلام العرب إلا في القليل من الكثير٢.
وقال أبو الفتح ابن جني٣ ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين، ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامه عيًا ولكنةً.
وقال القتبي٤ في جوابات المسائل٥، وذكر أيضًا في كتاب
стр. 855
الجامع في النحو١ فقال: يجوز أن يقول: صمت الشهر كله [إلا يومًا، ولا يجوز أن يقول: صمت الشهر كله] ٢ إلا تسعة وعشرين يومًا، ويقول: لقيت القوم جميعًا إلا واحدًا أو اثنين، ولا يجوز أن يقول: لقيت القوم جميعًا إلا أكثرهم، وأنشد:
عداني أن أزورك أن بهمي ... عجاف٣ كلها إلا قليلًا٤
ولأنه لو جاز استنثاء الأكثر؛ جاز استثناء الكل، ألا ترى أن التخصيص لما جاز في أكثر العموم؛ جاز في جميعه، وهو النسخ؛ فلما لم يجز في الكل؛ لم يجز في الأكثر؛ لأن الأكثر قد أجري مجرى الكل.
ولأنه استثناء الأكثر؛ فلم يصح، كالراهن إذا استثنى الأكثر في الإقرار.
ولأنه استثنى الأكثر؛ فلم يصح، كما لو قال: أنت طالق، وطالق،
стр. 856
وطالق؛ إلا طالق طلقتين؛ فإنه لا يصح.
فإن قيل: هناك لو استثنى [٩٣/أ] الأقل، وهو طلقة؛ لم يصح، وكان المعنى فيه أن هناك جملًا١؛ فالاستثناء عدد، فرفع جملتين؛ فلم يصح.
قيل: عندنا لو استثنى طلقة صح؛ فلا نسلم هذه المعارضة، وقولهم: إن هناك جملًا٢؛ فهو يرفع جملتها؛ فلا يصح؛ لأنها في حكم الجملة الواحدة، فالواو تجعل الكلام بمنزلة جملة واحدة، بدليل أن الاسثتناء يرجع إلى الجميع، وكذلك الشرط.
стр. 857
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ١، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينََ﴾ ٢، فاستثنى الغاوين من المخلصين، والمخلصين من الغاوين وأيهما كان الأكثر؛ فقد استثنى الأكثر وأبقى الأقل؛ على أن الغاوين أكثر من غير ذلك.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما أن هذا استثناء من جميع الجنس؛ فيجوز أن يقال فيه: إنه يجوز إخراج الأكثر من الأقل؛ فأما استثناء الأكثر من الأعداد المحصورة فلا، ويكون الفرق بينهما: أن اللغة وردت بجواز ذلك في الجنس، وهو ما ذكروه من الآية، ومنعت من ذلك في الأعداد، وهو ما حكيناه عنهم.
стр. 858
ولأن حمل جميع الجنس على العموم؛ إنما هو بطريق الظاهر، لا من جهة القطع على جميع الجنس، وليس كذلك في الأعداد؛ لأن جميعها منطوق به نصًا وصريحًا؛ فلهذا فرقنا بينهما.
وجواب آخر عن الآية وهو: أنه يحمل هذا على الاستثناء المنقطع، وهو بمعنى: لكن من اتبعك من الغاوين، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ معناه: لكن رب العالمين، وكقوله: ﴿إِلاَّ خَطَأً﴾ ٢ يعني: لكن خطأ.
واحتج بقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ٣؛ فقد استثنى النصف.
والجواب: أن أصحابنا اختلفوا في استثناء النصف.
فالخرقي أجاز ذلك؛ لأنه قال: إذا استثنى منه الكثير، وهو أكثر من النصف٤. فعلى هذا يقول بظاهر الآية.
وأبو بكر منع استثناء النصف٥؛ فعلى هذا: قوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾ كلام مبتدأ، وليس باستثناء.
واحتج بقول الشاعر:
стр. 859
أدوا التي نقصت تسعين١ من مائة ... ثم ابعثوا حكمًا بالحق قوالًا٢
والجواب: أن هذا ليس باستنثناء؛ لأنه لم يأت بحرف الاستثناء؛ وإنما ذكر نقصان الأكثر مما دخل تحت الاسم.
واحتج: بأنه إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ؛ فصح في الأكثر كما يصح في الأقل، كالتخصيص.
والجواب: أن التخصيص أوسع، ألا ترى أنه يصح بدليل منفصل، والاستثناء لا يصح إلا متصلًا، والتخصيص لا يختص بعبارة، والاستثناء [٩٣/ب] يختص بحروف مختصة، والتخصيص يجوز بسائر الأدلة: الشرع والعقل، والاستثناء لا يقع إلا باللفظ.
ولأن من جنس التخصيص ما يرفع الجملة، وهو النسخ؛ لأن التخصيص تخصيص الأعيان، والنسخ تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع الجملة.
وقد ذكر هذا ابن عرفة النحوي٣ في كتاب الاستثناء
стр. 860
والشروط١، وأنه لم يخرج مخرج الاستثناء؛ وإنما خرج مخرج الاقتضاء لبقية دية المقتول فيما أنشدوه من البيت، وأعلم أنه أعطى ثلاثين، ونفى سبعين، وأنشد أمام هذا البيت:
إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما٢
ثم قال: أدوا التي نقصت.
واحتج: بأنه استثنى إبقاء بعض الجملة؛ فوجب أن يصح، كما إذا أبقى الأكثر.
والجواب: أن الاستثناء للأقل يطابق اللغة، والأكثر يخالف اللغة، وقد بينا: أن الاستثناء لغة؛ فلهذا فرقنا بينهما.
وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن يصح إذا بقي الأكثر دون الأقل، كما قال أصحاب أبي حنيفة: يصح ترك بعض الطواف واللعان إذا أتى بالأكثر، وكذلك قال الجميع: يصح إدراك بعض الركعة مع الإمام إذا فاته الأكثر.
стр. 861
مسألة لا يصح الاستثناء من غير الجنس
مدخل
...
مسألة ١: لا يصح الاستثناء من غير الجنس
وقد ذكر أصحابنا هذا في الإقرار، فقال الخرقي: ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه؛ كان الاستثناء باطلًا٢.
وذهب أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك إلى جواز ذلك.
وهو اختيار أصحاب الشافعي: فذهب بعضهم إلى جوازه، ومنهم من قال: لا يصح، مثل قولنا.
стр. 862
دليلنا:
أن الاستثناء هو إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه غير داخل فيه؛ فلا يصح الاستثناء منه.
والدليل على أن الاستثناء ما ذكرته: أنه مشتق من قولهم: ثنيت فلانًا عن رأيه، وثنيت عنان دابتي، إذا رده ومنعه؛ فدل على أن الاستثناء يرد بعض ما يجب دخوله في اللفظ ويثنيه عنه،
وقد قيل: إنه يسمى استثناء لشبه الخبر بعد الخبر، وعلى هذا يجب أن يكون المستثنى منه والاستثناء قد تناولاه جميعًا؛ فإذا كان كذلك؛ وجب أن يصح الاستثناء في بعض ما دخل في اللفظ.
وأيضًا: فإنه إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ؛ فوجب أن لا
стр. 863
يصح من غيره؛ كالتخصيص.
وأيضًا: فإن الاستثناء [٩٤/أ] لا ينفرد١ بنفسه؛ فلا يجوز الابتداء به؛ وإنما يصح إذا كان متصلًا بالمستثنى منه؛ فدل على أنه متعلق به، واستنثاؤه لبعض ما شمله اللفظ وتناوله.
وأيضًا: فإنه قبيح في الخطاب أن يقول: خرج القوم إلا الحمير، ورأيت الناس إلا الحمير والكلاب. وليس قبحه إلا لما ذكرته.
стр. 864
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن هذا جائز في القرآن وفي أشعار العرب:
قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ ١، وليس إبليس من الملائكة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا، إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ ٣، وقوله: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ، إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ٦، والظن ليس بعلم، وقوله: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ
стр. 865
أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمْ﴾ ١، ومعلوم أن من رحم معصوم، وليس بعاصم.
وقال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس٢
فاستثنى من الأنيس ما ليس من جنسه.
وقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب٣
فاستثنى الفلول من العيب.
وتقول العرب: ما نفع إلا ما ضر، وما زاد إلا ما نقص، وما بالدار أحد إلا الحمار، وما جاءني زيد إلا عمرًا، ونظائر ذلك.
والجواب عن قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
стр. 866
إلا إبليس﴾ ١؛ فهو أن إبليس من الملائكة.
قال أبو إسحاق٢: سمعت الشيخ يعني أبا بكر٣، وقد سئل عن إبليس أمن الملائكة؟ فقال: أمر الله بالسجود الملائكة؛ فلولا أن إبليس منهم ما كان مأمورًا.
قال أبو إسحاق: فقلت له: أجمعنا على أن الملائكة لا تناكح، ولا يكون لها ذرية، وقد كان لإبليس ذرية؛ دل على أنه من غيرها.
وأما غيره من الآيات: فإنما معناه: لكن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً﴾ ٤، وأراد: لكن إن قتل خطأ، تقول العرب: "ما لي ابن بنت" و"ما لي نخل إلا شجر"، والمراد به: لكن، ولا "تلق فلانًا إلا ما لقيت"، معناه: لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه.
وقال ابن قتيبة في كتاب "الجامع في النحو": ومما يكون فيه "إلا" بمعنى "لكن" قوله تعالى: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ ٥ أي: لكن من رحم. وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ ٦ معناه: لكن قليلًا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا [٩٤/ب]
стр. 867
إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ ١ يعني: لكن. وهذا قول سيبويه٢.
وأما قول الشاعر:
إلا اليعافير وإلا العيس
فإنه استثناء من الأنيس وهذا مما يستأنس به.
فأما الفلول في السيوف في البيت الآخر؛ فهو عيب؛ وإنما سببه هو الذي يمدح به.
وما حكوه عن العرب؛ فقد حكينا خلافه.
واحتج: بأنه استثناء لا يرفع الجملة؛ فصح كما لو كان من جنسه، وكما لو استثنى عينًا من ورق.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الجنس بغيره، كما لم يجز اعتبار التخصيص بغيره، ولأن الاستثناء من الجنس يوجد فيه معنى الاستثناء، وههنا لا يوجد معناه؛ لأن معناه إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ.
وأما استثناء العين من الورق: ففيه خلاف بين أصحابنا؛ فأبو بكر يمنع منه٣. والخرقي يجيزه٤؛ لأنهما أجريا مجرى الجنس الواحد في أشياء، مثل كونها قيم الأشياء والأروض وغير ذلك.
стр. 868
مسألة الاستثناء إذا تعقب جملا عطف بعضها على بعض
مدخل
...
مسألة ١: الاستثناء إذا تعقب جملًا عطف بعضها على بعض
وصلح أن يعود إلى كل واحد منها لو انفرد؛ فإنه يعود إلى جميع ما تقدم ذكره.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٢؛ فإنه يرجع الاستثناء إلى نفي الفسق وقبول الشهادة، ونظائر ذلك.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية ابن منصور وقيل له: قوله: "لا يُؤَم الرجل في أهله، ولا يُجلَس على تكرمته؛ إلا بإذنه" ٣،
стр. 869
قال: "أرجو أن يكون الاستثناء على كله".
وبهذا قال أصحاب الشافعي١.
وقال أصحاب أبي حنيفة٢ وجماعة من المعتزلة٣: يعود إلى أقرب مذكور.
وقال أصحاب الأشعري: هو على الوقف على ما يبينه الدليل٤.
стр. 870
دليلنا:
أن الشرط يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره؛ لأنه لو قال: نساؤه طوالق وعبيده أحرار، وماله صدقة إن شاء زيد، وإن دخلت الدار لم يقع شيء من ذلك قبل مشيئته، وكان الشرط راجعًا إلى الجميع، كذلك الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه؛ وإنما هو متعلق بما قبله من الكلام، ويجب أن يكون متصلًا به، وإذا انفصل؛ سقط حكمه، والشرط بمثابته في ذلك، فكانا سواء.
فإن قيل: الشرط يؤثر في الجملة، والاستثناء يؤثر في بعضها.
قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في الجملة الواحدة، ولأن الاستثناء بمشيئة الله يرجع إلى الجميع عندهم؛ يجب أن يكون الاستثناء بغيره [٩٥/أ] كذلك.
ولأن الجملة المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، لأنه لا فرق بين أن يقول: "رأيت رجلًا ورجلًا"، وبين أن يقول: "رأيت رجلين"، وإذا كان كذلك وجب أن يرجع إلى جميعها، ويكون بمنزلة جملة واحدة.
وهذا صحيح على مذهب أحمد ﵀؛ لأنه قال١: "إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق وطالق؛ يقع عليها ثلاث، فتكون بمنزلة الجملة الواحدة".
وعلى هذا الأصل إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة؛ تقع
стр. 871
عليها طلقتان، ويصح الاستثناء؛ لأنه يكون استثناء واحدة من ثلاث ولا يكون استثناؤه واحدة من واحدة.
فإن قيل: الجملة الواحدة ليس بينهما وبين الاستثناء حائل؛ لهذا رفعها، وإذا فرقها فقد جعل بينهما وبينه حائل؛ فلهذا لم يرفعها، وإنما يرفع ما يتعقبه.
قيل: وأول العطف يقتضي الاشتراك، ويجعل الثاني والأول كأنهما معا مذكوران بلفظ واحد؛ فلا يصح أن يكون بينهما حائل في الحكم، وإن كان بينهما حائل في الصورة.
ولأن الاستثناء إذا تعقب جملًا، وصلح أن يعود إلى كل واحد منهما؛ فليس عوده إلى بعضها بأولى من البعض؛ فوجب رده إلى الجميع، كالعموم لما لم يكن حمله على بعض مسمياته أولى من بعض؛ حمل على الجميع.
стр. 872
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن العموم قد ثبت في جملة من الجمل المتقدمة، وعود الاستثناء إلى الجميع مشكوك فيه؛ فلا يجوز أن يزيل العموم بالشك.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن العموم إنما ثبت بوقوع السكوت عن الكلام من غير استثناء، وإذا اتصل به الاستثناء؛ لم يثبت العموم، وعلى هذا يلزم عليه العموم؛ لأنه قد يخص بأمر مقطوع عليه، كالنص، وقد يخص بأمر غير مقطوع عليه، كالقياس، وإن كان العموم قد ثبت في جميع المسميات.
واحتج: بأن الاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا يفيد بانفراده؛ فوجب رده إلى ما تقدم ذكره؛ فإذا رد إلى ما يليه، فقد استقل وأفاد؛ فلا تجب الزيادة عليه.
стр. 873
والجواب: أنه يبطل بالشرط، ويلزم عليه لفظ العموم؛ فإنه إذا حمل على أقل الجمع أفاد، ومع ذلك لا يقضي عليه، بل يحمل على جميع الجنس، وكذلك الاستثناء إذا تعقب جملة تناولت أشياء؛ فإنه إذا علق ببعض تلك الأشياء أفاد، ومع ذلك فإنه يرد إلى جميعها.
واحتج: بأن الاستثناء إذا تعقب الاستثناء بغير الواو رجع إلى ما يليه، ولا يرجع إليهما، كذلك ههنا. وبيانه: أن يقول: "له علي عشرة إلا أربعة إلا درهمين١"، إن الاستثناء الثاني يرجع إلى الاستثناء [٩٥/ب] الأول، ولا يرجع إليه وإلى العدد الذي قبله، فيلزمه ثمانية دراهم".
والجواب: أنه إنما رجع إلى ما يليه؛ لأنه لا يصح رجوعه إليهما٢؛ فإن أحدهما نفي والآخر إثبات؛ فإذا رجع إليهما تناقض.
واحتج: لو قال: "أنت طالق وطالق وطالق إلا طالق"؛ لم يصح الاستثناء، وهذا يدل على أنه رجع إلى ما يليه؛ فلا يرجع إلى الجميع، إذ لو رجع إلى الجميع؛ لصح الاستثناء؛ لأنه قد رفع الأقل، ولما لم يصح؛ دل على أنه رجع إلى ما يليه، فقد رفع جميعه؛ فلهذا لم يصح.
والجواب: أنه يصح الاستثناء، هذا قياس المذهب؛ لأنه قد قال في غير المدخول بها: "أنت طالق وطالق وطالق، يقع ثلاثًا"، وجعل الواو للجمع؛ فحصلت في حكم الجملة الواحدة؛ فعلى قياس هذا يصح الاستثناء؛ لأنها جملة واحدة.
وقد سلم أصحاب الشافعي هذا، وقالوا: لا يصح الاستثناء؛ لأنه يرفع الجملة؛ وإنما يرجع إلى الجميع، إذا لم يرفع جميع الجملة من الجمل المتقدمة.
стр. 874
وهذا غير صحيح؛ لأن الواو للعطف يجعل الجمل١ كالجملة الواحدة لعطف بعضها على بعض، وإذا جعلت كالجملة الواحدة؛ صح الاستثناء، وكان راجع إلى الجميع.
فأما من قال بالوقف؛ فقوله ظاهر الفساد؛ لأن السلف اختلفوا في هذه المسألة على قولين: منهم من قال: إنه يعود إلى الكل، ومنهم من قال: إنه يعود إلى الأقرب، ولم يقل أحد: إنه موقوف؛ فالقول بالوقف إحداث قول ثالث، لا يجوز إثباته.
وأيضًا: فإن الاستثناء يؤثر في الكلام كالشرط، ومعلوم أن الشرط يرجع إلى ما يليه، ولا يتوقف فيه، كذلك الاستثناء.
واحتج المخالف:
بأن الاستثناء يصح أن يعود إلى البعض، ويصح أن يعود إلى الجميع؛ فوجب التوقف فيه.
والجواب: أن عوده إلى الجميع هو الظاهر؛ وإنما يعود إلى الأقرب بقرينة ودليل؛ فلا نسلم لهم تساوي الأمرين.
стр. 875
مسألة: في المحكم والمتشابه ١
ظاهر كلام أحمد ﵀: أن "المحكم": ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان.
و"المتشابه": ما احتاج إلى بيان٢.
لأنه قال في كتاب "السنة": بيان ما ضلت فيه الزنادقة في القرآن.
стр. 876
ثم ذكر آيات تحتاج إلى بيان١.
وقال في رواية ابن إبراهيم "المحكم": الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه: الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا.
ومعناه: ما ذكرنا؛ لأن قوله: "المحكم": الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا، معناه: الذي يحتاج إلى بيان؛ فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا؛ لحصول الاختلاف في تأويله، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢؛ لأن القرء من الأسماء المشتركة، تارة يعبر عن الحيض، وتارة عن الطهر. ونحو قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٣.
وهذا قول عامة الفقهاء.
وقد اختلف في ذلك:
стр. 877
فقال قوم: "المحكم": هو الأمر والنهي، والحلال والحرام، والوعد والوعيد١.
و"المتشابه": ما كان من ذكر القصص والأمثال.
قالوا: لأن "المحكم" ما استفيد الحكم منه، و"المتشابه" ما لا يفيد حكمًا.
ومنهم من قال: "المحكم" ما وصلت حروفه، و"المتشابه": ما فصلت حروفه، وتفصيلها: أن ينطق بكل حرف كالكلمة، كقوله: ﴿الم﴾ ٢، ﴿المص﴾ ٣، ﴿الر﴾ ٤، و ﴿كهيعص﴾ ٥، ونحو ذلك. والموصولة: ما لاينطق بكل حرف وحده، كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٦، ونحو ذلك.
وذلك أن "المحكم": ما عرف معناه، و"المتشابه": ما لا يعقل معناه، وهو أوائل السور، بالحروف المقطعة٧.
ومنهم من قال: "المحكم": الناسخ، و"المتشابه": المنسوخ٨.
стр. 878
فإن المنسوخ ما لا يستفاد منه حكم؛ وإنما يستفاد من الناسخ.
وذكر أبو الحسين البصري١ عن أصحابه: أن "المحكم" يستعمل على وجهين:
أحدهما: أنها محكمة الصيغة والفصاحة.
والآخر: أنه لا يحتمل تأويلين مشتبهين، وأما "المتشابه": [ف] يستعمل أيضًا على وجهين: أحدهما: أنه متشابه ومتساوٍ في الحكمة.
والآخر: يحتمل تأويلين مختلفين مشتبهين احتمالًا شديدًا٢.
والدلالة على ما قلناه:
قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
стр. 879
مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١، وأم الشيء: هو الأصل الذي لم يتقدمه غيره، فاقتضى ذلك، أن "المحكم": ما كان أصلًا بنفسه، مستغنيًا عن غيره، لا يحتاج إلى بيان ولا من لفظ قرينة ولا غيره.
و"المتشابه": ما خالف ذلك، وافتقر إلى بيان ودليل يعرف به المراد.
وإنما يكون هذا فيما ذكرناه من المحتمل، دون ما ذكروه من القصص والناسخ والمنسوخ.
يبين صحة هذا: قوله تعالى في سياق الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢ فثبت أن المتشابه هو الذي يحتاج إلى تأويل وبيان.
يبين صحة هذا: أن المتشابه والقصص يعقل معناها، وكذلك المنسوخ، فكيف يقال متشابه؟!
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ اختلفوا في هذه "الواو"، هل هي واو عطف أو ابتداء كلام؟
فمنهم من قال: الواو للابتداء، وليست للعطف؛ فهذا [٩٦/ب]
стр. 880
القائل يقول: الله تعالى يعلم تأويل المتشابه وحده، وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ معناه: يقولون آمنا به؛ فأما أن يعلموا ذلك فلا١.
ومنهم من قال: الواو واو العطف، ويكون معناه: الله يعلم تأويله، وأهل العلم يعلمون ذلك أيضًا٢.
والوجه الأول أشبه بأصولنا. وقد بينا ذلك في أول كتاب "إبطال التأويل لأخبار الصفات"٣.
والوجه فيه" ما ذكره أبو بكر ابن الأنباري٤ في كتاب "الرد على أهل الإلحاد" ما ذهب إليه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبي٥ وابن مسعود وابن عباس.