ثم ذكر آيات تحتاج إلى بيان١.
وقال في رواية ابن إبراهيم "المحكم": الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه: الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا.
ومعناه: ما ذكرنا؛ لأن قوله: "المحكم": الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا، معناه: الذي يحتاج إلى بيان؛ فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا؛ لحصول الاختلاف في تأويله، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢؛ لأن القرء من الأسماء المشتركة، تارة يعبر عن الحيض، وتارة عن الطهر. ونحو قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٣.
وهذا قول عامة الفقهاء.
وقد اختلف في ذلك:
стр. 877
فقال قوم: "المحكم": هو الأمر والنهي، والحلال والحرام، والوعد والوعيد١.
و"المتشابه": ما كان من ذكر القصص والأمثال.
قالوا: لأن "المحكم" ما استفيد الحكم منه، و"المتشابه" ما لا يفيد حكمًا.
ومنهم من قال: "المحكم" ما وصلت حروفه، و"المتشابه": ما فصلت حروفه، وتفصيلها: أن ينطق بكل حرف كالكلمة، كقوله: ﴿الم﴾ ٢، ﴿المص﴾ ٣، ﴿الر﴾ ٤، و ﴿كهيعص﴾ ٥، ونحو ذلك. والموصولة: ما لاينطق بكل حرف وحده، كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٦، ونحو ذلك.
وذلك أن "المحكم": ما عرف معناه، و"المتشابه": ما لا يعقل معناه، وهو أوائل السور، بالحروف المقطعة٧.
ومنهم من قال: "المحكم": الناسخ، و"المتشابه": المنسوخ٨.
стр. 878
فإن المنسوخ ما لا يستفاد منه حكم؛ وإنما يستفاد من الناسخ.
وذكر أبو الحسين البصري١ عن أصحابه: أن "المحكم" يستعمل على وجهين:
أحدهما: أنها محكمة الصيغة والفصاحة.
والآخر: أنه لا يحتمل تأويلين مشتبهين، وأما "المتشابه": [ف] يستعمل أيضًا على وجهين: أحدهما: أنه متشابه ومتساوٍ في الحكمة.
والآخر: يحتمل تأويلين مختلفين مشتبهين احتمالًا شديدًا٢.
والدلالة على ما قلناه:
قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
стр. 879
مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١، وأم الشيء: هو الأصل الذي لم يتقدمه غيره، فاقتضى ذلك، أن "المحكم": ما كان أصلًا بنفسه، مستغنيًا عن غيره، لا يحتاج إلى بيان ولا من لفظ قرينة ولا غيره.
و"المتشابه": ما خالف ذلك، وافتقر إلى بيان ودليل يعرف به المراد.
وإنما يكون هذا فيما ذكرناه من المحتمل، دون ما ذكروه من القصص والناسخ والمنسوخ.
يبين صحة هذا: قوله تعالى في سياق الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢ فثبت أن المتشابه هو الذي يحتاج إلى تأويل وبيان.
يبين صحة هذا: أن المتشابه والقصص يعقل معناها، وكذلك المنسوخ، فكيف يقال متشابه؟!
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ اختلفوا في هذه "الواو"، هل هي واو عطف أو ابتداء كلام؟
فمنهم من قال: الواو للابتداء، وليست للعطف؛ فهذا [٩٦/ب]
стр. 880
القائل يقول: الله تعالى يعلم تأويل المتشابه وحده، وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ معناه: يقولون آمنا به؛ فأما أن يعلموا ذلك فلا١.
ومنهم من قال: الواو واو العطف، ويكون معناه: الله يعلم تأويله، وأهل العلم يعلمون ذلك أيضًا٢.
والوجه الأول أشبه بأصولنا. وقد بينا ذلك في أول كتاب "إبطال التأويل لأخبار الصفات"٣.
والوجه فيه" ما ذكره أبو بكر ابن الأنباري٤ في كتاب "الرد على أهل الإلحاد" ما ذهب إليه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبي٥ وابن مسعود وابن عباس.
стр. 881
ففي قراءة عبد الله١: "إن تأويله إلا عند الله والراسخون يقولون٢".
وفي قراءة أبي: "ويقول الراسخون في العلم"٣. وعن ابن عباس أنه كان يقرأ: "ويقول الراسخون في العلم"٤. وكان الفراء٥ وأبو عبيدة٦ يقولان: الراسخون مستأنفون، والله هو المنفرد؛ لأن الله تعالى
стр. 882
قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ . ومعناه: صدقنا به؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولم يقل: "والراسخون في العلم يقولون علمنا به"، وإذا كان كذلك لم يقتضِ١ العطف المشاركة في العلم، وجرى هذا مجرى قول القائل: ما يعلم ما في هذا البيت إلا زيد، وعمرو يقول: آمنا به، ومعناه: أنه مصدق له، ولا يقتضي مشاركته في العلم بما في البيت، كذلك ههنا.
ووجه من قال: إنها عاطفة احتج:
بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢، وعلى قولكم، ليس فيه بيان المشكل.
وقول النبي ﷺ : "الحلال بين، والحرام ٣ بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس" ٤؛ فدل على أن القليل
стр. 883
من الناس يعلمها، وهم العلماء.
ولأنه لو لم يكن ذلك مع العلم؛ لم يكن للراسخين على العامة فضيلة؛ لأن الجميع يقولون: آمنا به.
ولأنه لو لم يكن معلومًا؛ أفضى ذلك إلى أن يتعبد بالشيء المجهول, لا يعلم ما هو.
ومن نصر الأول أجاب عن قوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١؛ فلا يقتضي جميع الأشياء، كما قال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ ولم تؤت مثل ذكر الذكر ومثل لحيته. وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣، ولم تدمر السموات والأرض.
وأما قوله: "لا يعلمها٤ كثير من الناس"؛ فهو محمول على الأحكام الشرعية؛ لأن الحلال والحرام يرجع إلى ذلك.
стр. 884
وأما قوله: لو لم يعلموه؛ لم يكن للراسخين فضيلة؛ لأن لهم مزية بمعرفة غيره من الأحكام.
وأما قوله: إنه يفضي إلى أن يتعبد بالشيء المجهول؛ فغير ممتنع مثل هذا، كما تعبدنا بالإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وإن لم نعرف ملائكته ورسله وما في كتبه؛ كذلك ههنا.
стр. 885
فصل جواز ورود القرآن بآيات متشابهة
مدخل
...
فصل ١: يجوز أن يرد القرآن بآيات متشابهة
يدل ظاهرها على التشبيه، وقد ذكر أحمد ﵀ آيات من المتشابه، وتكلم عليها [٩٧/أ] وبين وجوهها في رواية عبد الله عن أبيه.
فإن قيل: يجب أن لا يجوز هذا؛ لأن في جوازه ما يدل على أنه يشبه الأشياء.
قيل: لا يدل على ذلك؛ لأنه قد نصب لنا أدلة تدلنا على أنه منزه عن التشبيه، وأنه أراد بكلامه التأويل.
فإن قيل: فلو كان الغرض ما ذكرتم، لاقتصر على الدليل المحكم دون المتشابه.
قيل: لا يجب ذلك، كما لم يجب أن يقتصر على رفع الشبه، التي ضل بها الضالون، كإيلام الأطفال وغيره.
стр. 886
فإن قيل: لا يجب هذا؛ لأن الوصول إلى الحق ممكن مع هذه الشبه؛ وإنما يؤتى المكلف من قبل نفسه، ولا يمتنع أن يكون في إيلام الأطفال مصالح لا نعلمها.
ولأن وصولنا إلى الحق مع اعتراض الشبه وإمعان الفكر والنظر تخريجًا١ للأفهام، وزيادة في الثواب.
قيل: مثله في الآيات المتشابهة.
فإن قيل: فما الفائدة في إنزال بعض القرآن متشابها؟
قيل: يجوز أن يكون في ذلك فائدة يعلمها الله ولا نعلمها؛ على أنا نذكر في ذلك فوائد، منها:
أنه لو كان كل القرآن محكمًا دالًا ظاهره على التوحيد؛ لاحتج أكثر الناس به في التوحيد، وأعرضوا [عن] الاستدلال بأدلة العقول، لما في طباع أكثره من استثقال الفكر والفحص؛ فكانوا يتوصلون إلى الشيء من غير طريقه؛ لأن صحة القرآن إنما تعرف بعد المعرفة بالتوحيد، وإذا كان بعض القرآن ظاهره يفيد التوحيد، وينفي٢ التشبيه، وبعضه يوهم التشبيه؛ لم يكن المكلف بأن يصير إلى أحدهما أولى من أن يصير إلى الآخر فاضطر عند ذلك إلى إعمال عقله، ولو كان كله محكمًا لم يكن إلى ذلك مضطرًا.
ومنها: أن في ذلك زيادة للأذهان، وتخريجًا للعقول مع زيادة الدرجات.
ومنها: أن العرب كانت تمنع من استماع القرآن، من أن يستميل
стр. 887
السامع إلى الإسلام؛ فكان إنزاله محكمًا ومتشابهًا يوهم مستمعهم أنه متناقض، ويطعمه في الظفر بمثله من المتناقض عنده، فيدعوه إلى إعمال الإصغاء إليه؛ فإذا تأمله، وطال استماعه، علم أنه لا تناقض فيه، واستماله ودعاه إلى الإسلام بما فيه من الفصاحة وغيرها.
стр. 888
مسألة في القرآن مجاز
مدخل
...
مسألة: [في القرآن مجاز] : ١
نص عليه أحمد ﵀ فيما خرجه في متشابه القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ٢ هذا في مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرًا٣.
وهو قول الجماعة.
خلافًا لمن منع ذلك من أصحابنا، وطائفة من أهل الظاهر.
стр. 889
دليلنا:
أن الله تعالى تكلم بالقرآن على لغة العرب، ووجدناهم تكلموا [٩٧/ب] بالمجاز والحقيقة؛ فوجب أن يجوز ذلك في كلام الله تعالى.
стр. 890
ولأن المجاز تارة يكون بزيادة حرف، لو حذف استقل الكلام بحذفه.
وتارة يكون بنقصان حرف، ولا بد من إضمار فيه، وقد وجدا جميعًا في القرآن.
أما الزيادة فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، ومعناه ليس مثله شيء. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٢، وتقديره: تجري تحتها. وقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٣ وتقديره: بما كسبتم. وهذا نفس المجاز.
والنقصان نحو قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ ٤ معناه: حب العجل؛ فحذف الحب، وأقام ذكر العجل مقامه٥. وكذلك قوله: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ ٦ معناه: أهلها٧.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِ﴾ ٨ معناه: صاحب قول الحق.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٩ وتقديره: أولياء
стр. 891
الله، وأولياء رسوله.
وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ١ وتقديره: أفعال الحج في أشهر معلومات؛ لأن الأشهر لا تكون حجًا٢.
ورأيت في كتاب أصول الفقه في كتب أبي الفضل التميمي قوله٣: والقرآن ليس فيه مجاز عند أصحابنا، واستدل بأن المجاز لا حقيقة له، ثم قال: فأما قوله: "واسأل القرية ... والعير" فيجوز أن تكلم الجمادات الأنبياء، ثم قال: وسمعت قول الخرزي ﵀، وقد قيل: قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ ، أو حب العجل؟ فقال: قيل: العجل في نفسه، مثل القرية والعير سواء.
وذكر أبو بكر في تفسيره: اختلاف الناس في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ ، فقال: حدثنا معمر عن قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال: أشربوا حب العجل بكفرهم٤.
وعن أحمد حدثنا هاشم حدثنا أبو جعفر٥ عن الربيع٦: ﴿وَأُشْرِبُوا
стр. 892
فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ قال: أشربوا العجل في قلوبهم١.
وقال أسباط٢ عن السدي٣: [لما] ٤ رجع موسى٥ أخذ العجل الذي وجد قومه قد عبدوه، وهم عاكفون عليه، فذبحه، ثم حرقه، ثم ذراه في اليم؛ فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه، ثم قال لهم موسى:
стр. 893
اشربوا منه؛ فشربوا؛ فمن كان يحبه خرج على شاربه؛ فلذلك قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ ١.
قال أبو بكر٢: وأولى التأويلين [تأول] ٣ من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأن الماء لا يقال: أشرب فلان في قلبه؛ وإنما يقال ذلك في حب الشيء، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ٤ وأنشد قول طرفة بن العبد٥:
ألا إنني٦ سُقِّيتُ أسود كالحًا٧
стр. 894
يعني: سقيت سمًا١ أسود، فاكتفي بذكر "أسود"، عن٢ ذكر "السم" لمعرفة السامع؛ فقد صرح أبو بكر بأن هناك مضمرًا محذوفًا٣.
ويبين صحة هذا أن الموضع المذكور فيه "القرية"، والمراد أهلها، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ ٤ [٩٨/أ] ، ومعلوم أن المحاسبة والعذاب لم يقعا٥ على الجدار. وقال ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ إلى قوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ ٦.
فإن قيل: هناك حذف في الكلام.
قيل: إلا أن هذه الألفاظ لم يوضع لها في صميم اللغة؛ فإن لم تسمها مجازًا؛ فذلك منازعة في عبارة، مع تسليم المعنى الموجود في المجاز.
وأيضًا: فإن أهل اللغة قد صنفوا في ذلك كتبًا؛ فمن منع ذلك؛ فهو كمن دفع أن يكون في اللسان مجاز.
стр. 895
حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن المجاز كذب؛ لأنه يتناول الشيء على خلاف الوضع.
стр. 896
والجواب: أن هذا خرق الإجماع؛ لأنهم استحسنوا التكلم بالمجاز مع استقباحهم الكذب، وعلى أن الكذب يتناول الشيء على غير سبيل المطابقة، والمجاز فيه تطابق الخبر من طريق العرف، وإن كان لا يطابق اللغة.
واحتج: بأنه لو تكلم بالمجاز؛ لكان به حاجة إليه.
والجواب: أن هذا يوجب أن لا يتكلم بالحقيقة؛ لأنه يقتضي الحاجة أيضًا؛ فإن قيل: إنما يتكلم بالحقيقة لحاجة عبيده، لا لحاجة نفسه، قيل: وكذلك المجاز.
واحتج: بأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز للضرورة؛ فلا يجوز وصف الله تعالى بالحاجة والضرورة إليه.
والجواب: أنه يستعمل في غير ضرورة؛ بل ذلك يستحسن في لغتهم، كما تستحسن الحقيقة، كما أن الإطالة قد تستحسن في موضع من كتاب الله تعالى، ولم يدل ذلك على أنه إنما يحتاج إليها من لا يقدر على الإيجاز، كذلك ههنا.
стр. 897
فصل: يصح الاحتجاج بالمجاز ١
والدلالة عليه: أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع، كما أن الحقيقة تفيد معنى من طريق الوضع. ألا ترى أن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ٢ يفيد المعنى، وإن كان مجازًا؛ لأن الغائط هو المكان
стр. 898
المطمئن في الأرض، استعمل في الخارج.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١ ومعلوم أنه أراد أعين الوجوه ناظرة؛ لأن الوجوه لا تنظر؛ وإنما العين.
وقد احتج بهذه الآية في وجوب النظر في يوم النظر يوم القيامة، في رواية المروذي، والفضل بن زياد، وأبي الحارث.
وأيضًا: فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب، كقول الرجل لصاحبه: "تعال"، أبلغ من قوله: يمنة ويسرة، وكذلك قوله: لزيد علي درهم، مجاز، وهو أسبق إلى النفس، من قوله: يلزمني لزيد درهم. وإذا كان يقع المجاز أكثر مما يقع بالحقيقة؛ صح الاحتجاج به.
стр. 899
مجاز من وجه آخر
...
فصل: ١
[٩٨/ب] قد قيل في المجاز٢: لا يقاس عليه؛ لأنه غير موضوع لما تناوله٣ في أصل اللغة؛ ألا ترى أنه لا يصح أن يقال: وأسأل الثوب والقلنسوة، ويريد صاحب الثوب وصاحب القلنسوة، قياسًا على قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤ أو يقول: فبما كسبت أرجلكم، كما قال: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٥، ولا يقول: تحرير صدر، كما قال:
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٦.
стр. 900
تناول اللفظ الواحد للحقيقة والمجاز فيكون حقيقة من وجه مجازا من وجه آخر
...
فصل ١: يجوز أن يكون اللفظ الواحد متناولًا لموضع الحقيقة والمجاز؛ فيكون حقيقة من وجه، مجازًا من وجه آخر:
نحو قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢ حقيقة في الوطء؛ بدليل أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، نحو قول النبي ﷺ : "ناكح البهيمة ٣، والناكح يده" ٤.
وقولهم: "انحكنا الفرا فسنرى"٥، ثم استعمل في الموضعين جميعًا
стр. 901
في العقد؛ فيحرم عليه أن يتزوج بمن تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء.
وكذلك قوله: "أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ" ١، حقيقة في اللمس باليد؛ إلا أنه يطلق على الجماع مجازًا؛ فيحمل عليهما جميعًا، ويوجب الوضوء منهما جميعًا.
والدلالة عليه:
أنه لا تدافع بين الإرادتين٢ اللتين تتناول اللفظ بوضع الحقيقة والمجاز؛ فجاز اجتماعهما؛ ليكون اللفظ متناولًا لهما جميعًا.
يبين صحة هذا: أن قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣ متناول للرقبة الحقيقية ولغيرها من الأعضاء على طريق المجاز. وكذلك قوله: اشتريت كذا وكذا رأسًا من الغنم؛ فيتناول الرأس الذي هو العضو المخصوص وسائر الأعضاء.
ويبين صحة هذا: اشتهار قولهم: "عدل العمرين"، يريدون أبا بكر وعمر، وهو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وكذلك قولهم: ما لنا طعام إلا الأسودان: التمر والماء.
стр. 902
وقد نقل مهنا قال: سألت أبا عبد الله ﵀ من العمران؟ قال: عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز١.
стр. 903
فصل: في وجوه المجاز: ١
منها: أن يستعمل اللفظ في غير ما هو موضوع له، نحو اسم "الحمار"، أطلقوه على البليد، واسم "الأسد" أطلقوه على الرجل الشجاع.
ومنها: المستعمل في موضوعه وغير موضوعه، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٢ يتناول الرقبة وجيمع الذات. وقوله: "اشتريت كذا رأسًا من الغنم" يتناول الرأس وسائر الأعضاء.
وكذلك إطلاق اسم الشيء على ضده؛ كإطلاقهم "السليم" على اللديغ، و"المفازة" على المهلكة.
стр. 904
ومنها: الحذف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ حذف الأهل٢: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٣ حذف: حب العجل٤. ومنها: الصلة [ك] قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٥ يعني: بما كسبتم.
ومنها: [٩٩/أ] أن يطلق اسم المصدر على المفعول، كقولك: "هذا الدرهم ضرب فلان، والعالم خلق الله"، أي: مخلوقه ومضروبه.
ومنها: إطلاق اسم الفاعل على المفعول، كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ٦، أي مرضية. واسم المصدر على الفاعل، كقولك: "رجل عدل"، أي عادل.
ومنها: أن يطلق اسم الفاعل على المصدر، كقولهم: "لحقتني اللائمة"، يعني: اللوم.
ومنها: أن يطلق اسم المدلول على الدليل، يقال: "سمعت علم فلان"، أي: عبارته عن علمه الدال عليه.
ومنها: أن يطلق اسم المسبب على السبب، كإطلاقهم اسم الرحمة على المطر.
فهذه جملة وجوه المجاز.
стр. 905
مسألة
ليس في القرآن شيء بغير العربية (١) .
ذكر ذلك أبو بكر في أول كتاب التفسير. وهو قول عامة الفقهاء والمتكلمين.
وروي عن ابن عباس وعكرمة (٢) : أن في القرآن شيئا بغير العربية (٣) نحو قوله تعالى (طه) (٤) و (نَاشِئَةَ الليل) (٥) وغير ذلك، فقالوا: هي بالحبشية والسريانية، وغير ذلك من اللغات.
стр. 906
دليلنا:
قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عَرَبيا لَعلكُم تَعْقِلُونَ) (١) ، وقال في آية أخرى: (قُرْآنا عَربَياً غَيْرَ ذي عِوَج) (٢) ، وآيات كثيرة في هذا المعنى، فثبت أن جميع القرآن عربي لا شيء سواه.
ولأن الله تعالى تحدى العرب بالإتيان بمثل هذا القرآن وبمثل سورة منه، فلولا أن القرآن كله عربي (٣) لما صح أن، يتحداهم بأن يأتوا بما ليس في لسانهم ولا يحسنونه، فثبت أنه كله عربي لا شيء سواه.
واحتج المخالف:
بأن النبي ﷺ مبعوث إلى أهل اللغات كلها، فيجب أن يكون في كتابه من سائر اللغات.
والجواب: أن هذا مطرح بالإجماع، فإنه ليس في القرآن من الزنجية، ولا من التركية، ولا من الخوارزمية، وهو كل مبعوث إلى هؤلاء.
وعلى أنه لو اعتبر ما ذكروه لكان يجب أن يكون في القرآن من كل لغة قدر يقع به التبليغ، وإلا فإذا لم يكن فيه ما يقع به التبليغ لم يكن له معنى.
ثم نقول (٤) : النبي ﷺ وإن كان قد بُعِثَ إلى الكافة إلا أن المقصود العرب، الذين هم أهل الفصاحة واللسان، وغيرهم تبع لهم، فإذا بلغ العرب دخل الباقون على وجه التبع لهم، كا أن موسى لما أعجز السحرة كان الناس تبعاً لهم، وكذلك عيسى مع الطب.
стр. 907
واحتج: بأنا نجد في القرآن شيئا بغير العربية، نحو قوله: (كَمشْكَاة) (١) قيل: كلمة هندية. و (اسْتَبْرَق) (٢) كلمة فارسية، وقولهَ: (القِسْطَاس) (٣) قيل: كلمة رومية. وقوله: (وَفَاكِهَة وَأبا) (٤) الأب: لا يعرف في العربية، [٩٩/ب] فثبت: أنها بغير العربية.
والجواب: أن هذه الأشياء عربية، يجهلها بعض العرب، ويعرفها البعض.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أعرف كلمات من القرآن بلسان قومي حتى عرفتها من غيرهم. من ذلك قوله (٥) : (فَاطِرِ السموات) (٦) سمعت امرأة تقول: أنا فطرته، يعني ابتدأته، فعلمت أنه أراد مبتدأ السموات ومنشأها (٧) .
стр. 908
ومثل هذا في العجمية، قد يكون ألفاظ يعرفها بعض العجم، ولا يعرفها البعض، فلا يخرجها ذلك عن أن تكون من جملة العجمية.
والذي يبين صحة هذا، وأن هذه عربية: أن الله تعالى أضاف ذلك اليهم، فاقتضى الظاهر أن الكل لغة لهم.
فصل
تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد غير جائز (١) .
لقوله تعالى: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلىَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون) (٢) .
وقال تعالى: (لتُبين للناس مَا نُزلَ إلَيْهِم) (٣) فأضاف البيان إليه. وروى أبو بكر بإسناده عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) (٤) ، وروي أيضا بإسناده
стр. 909
عن جندب (١) أن رسول الله ﷺ قال: (من قال برأيه فأصاب فقد أخطأ) (٢) .
стр. 910
قال أبو بكر (١) : معنى قوله ﷺ : أنه "أخطأ" في فعله بِقيله فيه برأيه، وإن وافق قيلُه عينَ الصواب عند الله؛ لأن قيلَه فيه برأيه ليس فعِل عالم (٢) ، فإن الذي قال، نُهي عنه وحظر عليه (٣) .
وبإسناده عن عائشة قالت ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئاً من القرآن إلا آيا بعدد، علمهن إياه جبريل ﵇ (٤) .
وروي بإسناده عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (٥) .
وبإسناده عن سعيد بن المسيب (٦) أنه سُئل عن آية من القرآن فقال:
стр. 911
لا أقول في القرآن شيئاً (١) .
قال أبو بكر في تفسيره: منه (٢) ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك مثل (٣) الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك. قال الله تعالى: (يسْألُونَك عَنِ الساعة أيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إنمَا عِلْمها عِنْدَ رَبَي لاَ يُجَليهَا لِوَقْتهَا إَلا هُوَ ثَقلتْ في السمَوَات وَالأرْض لاَ تأتِيكُمْ إلا بَغْتَة) (٤) .
ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك [مثل] إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تالياً يتلو: (وَإذا قيل لَهُم لاَ تُفْسِدُوا في الأرْض قَالُوا إنما نحْنَ مصْلِحُونَ أَلاَ إنهمْ
стр. 912
هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَ يَشْعُرُونَ) (١) ، لم يجهل أن [١٠٠/أ] ، معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله تعالى [إفساداً، والمعاني التي جعلها الله] (٢) صلاحاً (٣) .
فصل (٤)
فأما تعليم التفسير، ونقله عمن قوله حجة، ففيه ثواب وأجر، كتعليم الأحكام من الحلال والحرام.
وقد فسر أحمد ﵀ آيات كثيرة، رواها المروذي عنه في سور متفرقة، سُئل عنها، وقال في قوله تعالى: (إنني مَعَكُمَا) (٥) : هو جائز في اللغة، يقول الرجل: سأجري عليك رزقاً،، أي: أفعل بك خيراً (٦) .
وظاهر هذا أنه أجاز تفسير القرآن على مقتضى اللغة. والدلالة عليه: قوله تعالى: (كتَابٌ أنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ ليدّبّرُوا آيَاتِه وَلِيَتَذَكرَ أولُوا الألْبَابِ) (٧) ، وهذا فيه حث على معرفة التنزيل.
стр. 913
واحتج على ذلك يحيى بن سلام في تفسيره بما رواه عن أبيه عن الخليل ابن مرة أن النبي ﷺ دعا لابن عباس فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (١) ، قال يحيى: ولولا أن علم التأويل من الحق ما دعا به النبي ﵇ لابن عباس.