لا أقول في القرآن شيئاً (١) .
قال أبو بكر في تفسيره: منه (٢) ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك مثل (٣) الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك. قال الله تعالى: (يسْألُونَك عَنِ الساعة أيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إنمَا عِلْمها عِنْدَ رَبَي لاَ يُجَليهَا لِوَقْتهَا إَلا هُوَ ثَقلتْ في السمَوَات وَالأرْض لاَ تأتِيكُمْ إلا بَغْتَة) (٤) .
ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك [مثل] إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تالياً يتلو: (وَإذا قيل لَهُم لاَ تُفْسِدُوا في الأرْض قَالُوا إنما نحْنَ مصْلِحُونَ أَلاَ إنهمْ
стр. 912
هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَ يَشْعُرُونَ) (١) ، لم يجهل أن [١٠٠/أ] ، معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله تعالى [إفساداً، والمعاني التي جعلها الله] (٢) صلاحاً (٣) .
فصل (٤)
فأما تعليم التفسير، ونقله عمن قوله حجة، ففيه ثواب وأجر، كتعليم الأحكام من الحلال والحرام.
وقد فسر أحمد ﵀ آيات كثيرة، رواها المروذي عنه في سور متفرقة، سُئل عنها، وقال في قوله تعالى: (إنني مَعَكُمَا) (٥) : هو جائز في اللغة، يقول الرجل: سأجري عليك رزقاً،، أي: أفعل بك خيراً (٦) .
وظاهر هذا أنه أجاز تفسير القرآن على مقتضى اللغة. والدلالة عليه: قوله تعالى: (كتَابٌ أنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ ليدّبّرُوا آيَاتِه وَلِيَتَذَكرَ أولُوا الألْبَابِ) (٧) ، وهذا فيه حث على معرفة التنزيل.
стр. 913
واحتج على ذلك يحيى بن سلام في تفسيره بما رواه عن أبيه عن الخليل ابن مرة أن النبي ﷺ دعا لابن عباس فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (١) ، قال يحيى: ولولا أن علم التأويل من الحق ما دعا به النبي ﵇ لابن عباس.
стр. 914
.................................
стр. 915
.................................
стр. 916
وروى أبو بكر بإسناده في تفسيره عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن، حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن (١)
وبإسناده عن شقيق (٢) قال: استعمل علي بن أبى طالب ابن عباس علي الحج، قال: فخطب الناس خطبة لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ عليهم سورة النور، فجعل يفسرها (٣) .
وبإسناده عن سعيد بن جبير (٤) قال: من قرأ القرآن، ثم لم يفسره،
стр. 917
كان كالأعمى أو كالأعرابي (١)
فصل
في تفسير القرآن على مقتضى اللغة هل يجوز أم لا؟ (٢)
قد فسر أحمد ﵀ قوله: (إنني معكما) (٣) على مقتضى اللغة، قال: هو جائز في اللغة، يقول الرجل: سأجري عليك رزقاً (٤) .
وقال أيضاً ﵀: تفسير روح الله إنما معناها: أنها روح خلقها الله تعالى، كما يقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله (٥) .
ونقل الفضل بن زياد عنه وقد سئل عن القرآن تمثل له الرجال بشيء من
стр. 918
الشعر، فقال: ما يعجبني. فظاهر هذا يقتضي المنع.
ووجه الجواز:
قوله تعالى: (إنا أنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِياً) (١) ، وقوله: (بلسَان عَرَبِي مُبينِ) (٢) ، وهذا يفيد أنا إذا تحققنا معنى اللفظ من طريق اللغة، صح حمل القرآن عليه.
ووجه من منع:
قوله تعالى: (لِتُبَينَ للِناسِ مَا نُزلَ إلَيْهِم) (٣) ، فاقتضى ذلك أن البيان من جهته يوجد.
والجواب: أن هذا محمول على بيان الأحكام.
واحتج بقوله: (الأعْرَابُ أشَد كُفْراً ونفَاقاً وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أنْزَلَ الله عَلى رَسُولِهِ) (٤) .
والجواب: أنا لا نحتج بقولهم في الحدود، وإنما نحتج بقولهم [١٠٠/ب] في الألفاظ.
واحتج بأنا وجدنا منهم الكفر والكذب، نحو قولهم: إن الله ثالث ثلاثة، وتسميتهم الأصنام آلهة فقال تعالى: (إنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُموها) (٥) .
والجواب: أنا نرجع اليهم في الألفاظ المفردة المرسلة، نحو السواد
стр. 919
والبياض والإنسان لا في الألفاظ المركبة، التي يقع فيها الصدق والكذب.
وفي قولهم: ثالث ثلاثة، في أفراد هذه الألفاظ ليس فيها صدق ولا كذب.
فصل
وأما تفسير الصحابة فيجب الرجوع إليه (١) .
وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في مواضع من كتاب طاعة الرسول رواه صالح عن أبيه فقال: قال الله تعالى: (يا أيها الَذينَ آمنُوا لاَ تقْتلوا الصيد وَأنْتُم حرُمٌ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل) (٢) فلما حكم أصحاب رسول الله ﷺ في الظبي بشاة (٣) ، وفي النَعامة ببدنة (٤) ، وفي الضبع بكبش (٥) ، دل على أنه أراد
стр. 920
السنة (١) .
وقال: (فَمَنْ تَمتع بالْعُمرَةِ إلَى الْحج فما اسْتيسر مِن الْهَدْيِ) (٢) فلما استدل أصحاب رسول الله ﷺ ، فذبحوا البقرة عن سبعة، دلّ على أن ذلك أيسر (٣) .
стр. 921
وقال: (فَمَنْ لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) (١) ، فلما قال من قال من أصحاب رسول الله ﷺ : يكون آخر ذلك يوم عرفة، استقر حكم الآية على ذلك (٢) .
وقال: لما كان أكثر قول أصحاب رسول الله ﷺ : ان الكلالة من لا ولد له ولا والد (٣) ، استقر حكم الآية على ذلك.
стр. 922
والوجه فيه: أنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، فعرفوا ذلك، ولهذا جعلنا قولهم حجة.
فأما تفسير التابعين فلا يلزم.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي داود: إذا جاء الشيء عن الرجل من التابعين، لا يوجد فيه عن النبي، لا يلزم الأخذ به (١) .
وقال ﵀ في كل موضع آخر: الاتباع أن يتبع ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو بعد في التابعين مخير (٢) .
والوجه فيه: أن قول آحادهم ليس بحجة. ويفارق آحاد الصحبة، لأنه حجة.
وقال في رواية المروذي: ينظر ما كان عن النبي ﷺ ، فإن لم يكن فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين.
ويمكن أن يحمل هذا على إجماعهم.
مسألة
لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٣) .
لأن وقت الحاجة وقت الأداء، فإذا لم يكن مبيناً تعذر الأداء، فلم يكن بد من البيان.
стр. 923
وأما تأخيره عن وقت الخطاب وقبل وقت الحاجة:
فقد اختلف أصحابنا: فقال شيخنا أبو عبد الله (١) ﵀ يجوز ذلك. وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية صالح وعبد الله في [١٠١/أ] الآية ترد عامة، ينظر ما جاءت به السنة، فهو دليل علي ظاهرها، ولا فرق بين تأخير البيان عن المجمل أو عن العموم.
وذلك مثل قوله تعالى: (اقْتُلوا الْمشركينَ) (٢) ، (وَالسارِقُ وَالسارِقة فَاقْطَعُوا أَيْديهما) (٣) ، (الزَّانية وَالزَّاني فاجْلدُوا) (٤) ، (وَآتُوا حقه يوْمَ حَصًادِهِ) (٥) .
وبهذا قالت الأشعرية، إلا أنهم لا يثبتون للعموم صيغة، لكنهم يجوزون تأخير بيان المراد، كاللفظ الذي أراد خلاف ظاهره، وبيان المجمل إلى وقت الفعل.
وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمى: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
فقال أبو بكر في أول كتاب التنبيه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت النطق.
وقال في مجموع له بخطه: بيان الرد على من قال بتأخير البيان إلى وقت العمل، وذكر كلاماً كثيراً.
стр. 924
وقال في إثباته: اتفق الفريقان على أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، ولم يحده إلا وقت التكليف.
وقال أبو الحسن التميمي في بعض مسائله: لا يختلف المسطور عن أحمد ﵀: أنه لا يجوز تأخير البيان.
وبهذا قالت المعتزلة (١) ، وأهل الظاهر: داود وشيعته (٢) .
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز تأخير بيان المجمل، ولايجوز تأخير بيان العموم (٣) .
واختلف أصحاب الشافعي على مذاهب: فذهب الأكثر منهم إلى جواز ذلك على الإطلاق. وقال بعضهم: يجوز في المجمل، ولايجوز في العموم (٤) .
فالدلالة على جواز تأخيره في الجملة:
قوله تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) (٥) فأمره أن يتبع قرآنه ويسمعه (٦) ، وأخبر أنه يبينه فيما بعد؛
لأن "ثم" تقتضي مهلةً وفصلاً.
فإن قيل: معناه: إن علينا إظهاره وإعلانه، ألا ترى أنه اشترط ذلك في جميع القرآن؟
стр. 925
قيل: حقيقة البيان هو إظهار الشيء من الخفاء إلى حالة التجلي والإظهار، وهذا إنما يكون فيما يفتقر إلى البيان، فأما ما هو مبين فلا يوجد.
وقولهم: إنه اشترط ذلك في جميع القرآن، فلا يمتنع أن يكون المراد به بعضه، كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذكْرَ لتُبَينَ للنَّاسِ مَا نُزلَ إليهم) (١) ، والمراد بعضه (٢) .
وأيضاً قوله تعالى في قصة نوح: (إنَّ ابْنِي مِنْ أَهلِي وَإن وَعْدَكَ الحق) فقال: (إنَّهُ لَيْسَ من أَهْلِكَ إنهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح) (٣) فدل على أن الله تعالى قد كان أطلق الأهل، وأراد به المصلحين منهم، دون المفسدين، وأخر بيانه عن وقت الخطاب.
وأيضاً: فإن الله تعالى أوجب الصلاة مجملة، فقال: (إن الصلاَةَ كانت علىَ الْمؤمنين كتاباً موقوتاً) (٤) ، ثم بينها جبريل [١٠١/ب] ﵇ بفعله صلاة في أول الوقت وآخره، ثم بينها رسول الله ﷺ بفعله، فقال ﵇: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
وأيضاً: فإن تأخير بيان النسخ يجوز عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، كذلك يجوز تأخير بيان التخصيص؛ لأن النسخ تخصيص الأزمان، والتخصيص تخصيص الأعيان؛ لأن قوله: توجهوا إلى بيت المقدس في كل
стр. 926
صلاة، قام في جميع الأزمان، وقد أراد به بعض الأزمان، وأخر بيانه.
وقوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) (١) عام في جميع أعيان المشركين، وأراد به بعضهم، وأخر بيانه عن وقت الحاجة فلم يكن بينهما فرق.
فإن قيل: تأخير بيان النسخ لا يخل بصحة الأداء، وتأخير بيان التخصيص يخل بصحة الأداء.
قيل: لا يخل بصحة الأداء، لأنا لا نجوز تأخير البيان عن وقت الفعل.
وجواب [آخر] وهو: أن خطاب العاجز عن الفعل يصح إذا أقدره عليه في حال الفعل، وعدم القدرة يخل بصحة الأداء، ولا يمنع ذلك من صحة الخطاب.
فإن قيل: لا يجوز أن تؤخر القدرة عن وقت الفعل، فلا يخل بصحة الأداء.
قيل: وكذلك لا يجوز أن يؤخر البيان عن وقت الفعل، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: الخطاب العام في الأزمان مخالف للخطاب العام في الأعيان في موضوع اللغة، ألا ترى أن رجلاً لو قال لعبده أو وكيله: اعط فلاناً كل يوم رطلاً من خبز، فلما كان بعد مدة منعه من ذلك، كان الخطاب في الأول حسناً عند جميع العقلاء، وإن كان قد أخر بيان وقت المنع إلى وقت الحاجة، ولو قال له: اعطه كل يوم رطلاً من تمر، وهو يريد به رطلاً من لحم أو خبز، كان الخطاب في قبيحاً، فدل على الفرق بينهما.
стр. 927
قيل: قوله: "اعطه كل يوم رطلاً من تمر"، وهو يريد رطلا، ً من لحم أو خبز لا يفيد المأمور به، فكان عبثاً أو لغواً، وليس كذلك إذا قال: "اقتلوا المشركين"، فإن القتل المأمور به معقول معلوم، والخطاب مفيد، وإنما أخر بيان من يوقع القتل فيه، كما أخر في النسخ بيان الزمان الذي يوقعه فيه.
فإن قيل: لا يجوز تأخير بيان النسخ، إلا أن يقترن به بيان النسخ، فيقول: صلوا إلى بيت المقدس، ما لم أنسخه عنكم، وهذا يمنع من عموم الخطاب في جميع الأزمان. وقيل: إن هذا سؤال كان يورده ابن الدقاق (١) .
قيل: هذا خطأ؛ لأن هذا مقرون بكل خطاب، وإن لم ينطق به المخاطب، لأن الدليل قد دل على جواز النسخ، فصار ذاك مقدراً في خطاب صاحب الشرع ومقروناً به، وإن لم يذكره، فوجب [١٠٢/أ] أن يكونا سواء، فيجب أن يخبر هذا في بيان العموم، فيقول (٢) : اقتلوا المشركين إلا من أبين لكم.
ودليل آخر، وهو: أنه يجوز أن يخاطب العاجز عن الفعل، ويؤخر خلق القدرة له وإيجاد الآلة التي بها يتمكن من الفعل إلي وقت الفعل؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك قبل الفعل، كذلك البيان لا حاجة به إليه قبل الفعل، ولا فرق بينهما؛ لأن الفعل يفتقر إلى القدرة كما يفتقر إلى البيان.
فإن قيل: تأخير القدرة عن الفعل لا يفضي إلى أن يعتقد المخاطب جهلاً؛ لأنه يعلم أنه أريد به حال القدرة، والبيان متى تأخر اعتقد المخاطب جهل ما أمر به.
стр. 928
قيل: لا يعتقد جهلاً؛ لأنه يعتقد قتل المشركين أجمع، ما لم يرد البيان.
واحتج المخالف:
بأن تأخير البيان يؤدي إلى اعتقاد الجهل والعزم على الباطل؛ لأن المخاطب يلزمه اعتقاد عمومه، وهذا اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، وذلك جهل، ويلزمه أن يعزم على قتل من وصل إلى قتله من المشركين، وهذا عزم على باطل؛ لأن من بذل الجزية أو أمنه (١) مسلم لا يجوز قتله، وإذا أدّى إلى هذا، وجب أن لا يجوز تأخيره.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى هذا؛ لأنه يعتقد عمومه إذا تجرد عما يخصه ويصرفه عن ظاهره، كما نقول أجمع في النسخ، وكما نقول إذا أسمعه الله العام ولم يسمعه الخاص، وكان بيان الخصوص في الأصول سابقا للعموم، وكان يحتاج إلى الاجتهاد في طلبه، واستقراء الأصول بسببه، فإنه في حال اجتهاده يعتقد العموم إن تجرد عما يخصه عند المخالف، كذلك في مسألتنا يعتقد العموم والظاهر إن تجرد، والخصوص والباطن إن اقترنت به قرينة.
واحتج: بأن العموم والخصوص يفيد كل واحد كل منهما غير ما يفيده الآخر، فلا يجوز أن يعبر بأحدهما عن صاحبه من غير بيان، كما لا يعبر بالصلاة عن الصيام، وإذا كان كذلك، بطل أن يعبر بالعموم عن الخصوص من غير إشعار.
والجواب: أنه باطل بالعموم في الأزمان، فإنه يفيد غير ما يفيده الخصوص، ومع هذا فقد يعبر بأحدهما عن صاحبه كذلك.
ولا يشبه هذا ما قالوه من الأمر بالصلاة، أنه لا يكون عبارة عن
стр. 929
الصيام، ألا ترى أنها لا تكون عبارة عنها بلفظ مقارن، فلو قال: "صلّ" ثم قال عقيبه: أردت بذلك الصيام لم يصح، ولو قال في العموم: "اقتلوا المشركين"، ثم قال متصلاً به: "إلا النساء"، صح.
واحتج: بأنه لا سبيل للمخاطب إلى معرفة مراد المخاطب به، فوجب أن يكون قبيحاً، كما يقبح أن يخاطب العرب بلغة الزنج ولغة العجم، وكما يقبح أن يقول: "صلوا"، ويريد به: "صوموا"، ويقول: "صوموا" ويريد به: "صلوا".
[١٠٢/ب] والجواب: أن ذلك الخطاب غير مفيد؛ وليس كذلك ها هنا؛ لأن هذا الخطاب مفيد؛ لأنه عرف لفظه، وعقل معناه، واعتقد فيه العموم إن بقي على حالته، والخصوص إن دل عليه الدليل.
واحتج: بأن من خوطب بالعموم، فقد ألزم اعتقاده والإخبار به لغيره، فلو كان المراد به الخصوص، وقد أخبر عنه بالعموم لكان قد ألزم الإخبار بالكذب، وهذا لا يجوز تكليفه.
والجواب: أن هذا يبطل بالنسخ، فإن هذا المعنى موجود فيه، ومع هذا فإنه يصح تأخيره. وعلى أنه يعتقده ويخبر عنه إن حكي معه، ولم ينقل عنه، كما قلنا في النسخ.
واحتج: بأن من أطلق كلاماً له ظاهر، ثم قال بعد استقراره من غير إشعار بخلاف ذلك استقبح منه، وإن كان متعلقاً بحق آدمي لم يقبل منه، وإذا كان ذلك مستقبحا منه، لم يجز أن يرد كلام الله تعالى وكلام رسوله على ذلك.
والجواب: أن هذا المعنى موجود في النسخ، وعلى أنه إنما يقبح ذلك في اللفظ الصريح، فأما المحتمل، فلا.
واحتج: بأن البيان في العام كالاستثناء، فإذا لم يجز تأخير أحدهما، كذلك الآخر.
стр. 930
والجواب: أنه لم يجز إلحاق التخصيص بالاستثناء دون إلحاقه بالنسخ، وإلحاقه بالنسخ أولى، لأن لفظ الخصوص إذا انفرد استقل بنفسه، فإنه يقول بعد يوم: لاتقتل أهل الذمة فيفيد حكماً بنفسه كلفظ النسخ، فكان إلحاقه به أولى. ويفارق لفظ الاستثناء، فإنه لا يستقل بنفسه، ولا يفيد حكماً، فإنه لو قال: اقتلوا المشركين، ثم قال بعد يوم: إلا أهل الذمة لم يفد هذا بمجرده فائدة، لأنه لا ندري هذا الكلام إلى ماذا يرجع.
واحتج: بأن الله تعالى أمر نبيه بالتبليغ على الفور، فإذا أخر البيان عن وقت الخطاب، لايكون قد بلغ على الفور.
والجواب: أنا لا نسلم أنه أمر بالتبليغ على الفور، بل أمر به على التراخي، وعلى أن البيان مخالف لحكم التبليغ، وذلك لأن التبليغ يجوز أن يتأخر بدليل آخر يدل عليه، والبيان لا يجوز عندهم أن يتأخر بدليل يدل عليه، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
واحتج: بأن تأخير البيان يفضي إلى أن يكون اللفظ الوارد في حكم ما لم يرد ويكون المخاطب به بعد وروده بمنزلته قبل وروده؛ لأنه لا ندري المراد به.
والجواب: أنه باطل بالنسخ، فإن لفظ العموم المستغرق للأزمان يرد (١) مع تجويز النسخ، ولا يكون بمنزلة ما لم يرد، وعلى أنه إذا لم يرد، لم يعقل المكلف شيئاً، ولا يفيد إلزام حكم عبادة، وليس كذلك [١٠٣/أ] ، ها هنا، فإنه يفيد إلزام حكم عبادة واعتقاد العموم، إن عريَ اللفظ عن دليل التخصيص.
واحتج: بأنه لو جاز تأخير البيان، وأن يكون بيانه من جهة النبي ﷺ فيخترم النبي قبل بيان المراد به، فيلزم الأمة العمل، كذلك
стр. 931
الخطاب، وليس المراد به هذا الظاهر، وتكون الأمة قد كلفوا غير المراد.
والجواب: أنه لا يجوز في صفة الحكيم أن يخترم رسوله المبلغ المبين عنه معنى ما أراد، قبل (١) أن يبينه للناس، وإذا كان كذلك لم يفض (٢) إلي ما قالوه.
وعلى أنه باطل بالنسخ، لأنه يرد معرضاً، ثم قد يخترم النبي قبل بيان الناسخ، كذلك ها هنا.
وعلى أن هذا غير ممتنع في بيان العموم؛ لأنه لإن اخترم قبل البيان تمسك الناس بذلك العموم، وأخذوا بموجبه، إذ ليس عليهم أن يعلموا مراد الله تعالى به من غير الظاهر منه.
فصل
وما ذكرنا من الدلائل، فهو دليل على أصحاب أبي حنيفة في فرقهم بين بيان العموم وبيان المجمل، ومما يخصهم أن بيان المجمل كبيان العموم؛ لأنه ينكشف به المراد باللفظ، ثم جاز ذلك في المجمل، وجب أن يجوز في العموم.
فإن قيل: فرق بينهما، وذلك أن بيان العموم إذا أفاد إلزام اعتقاد أمر ليس بمراد، وهذا يقبح أن يرد به التكليف، والمجمل يفيد اعتقاد حكمه وبيان صفته حال الحاجه، فيحصل به توطين النفس لفعل المأمور به، وهذا حسن في التكليف.
قيل: يبطل بالنسخ، فإنه يجوز تأخيره، وإن أفضى إلى ما قالوه.
стр. 932
وعلى أنا قد بينا أنه يعتقد عموم ذلك، ما لم يخص، وينقل عنه، كما يعتقد ذلك في الزمان.
مسألة (١)
أفعال النبي ﷺ ينظر فيها، فإن لم يكن على سبيل القربة، كالأكل والشرب واللباس والقيام والقعود ونحو هذا، فإنه يدل على أنه فعل مباح؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل المحظور، وإن فعل لم يقر عليه.
وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله عن الاضطجاع، فقال: ما فعلته إلا مرة، وليس هو من أمر النبي ﷺ .
فلم يجعل ذلك حجة؛ لأن الاضطجاع ليس بقربة.
وإن كان على سبيل القربة والطاعة والعبادة، فعلى ثلاثة أضرب: ما كان بياناً، أو امتثالاً لأمر، أو ابتداءً من غير سبب.
فإن كانت بيانا لم تدل على شيء غير البيان، ويكون حكمها مأخوذاً من المبين، فإن كان المبين واجباً، فقد بين الواجب، وإن كان ندباً، فقد بين الندب.
والبيان على ضربين: [بيان] مجمل وتخصيص عموم.
فبيان المجمل نحو قوله تعالى: (وَآتُوا حقَّهُ يَوْمَ حَصَاده) (٢) ثم أخذ النبي يوم الحصاد العشر، فكان فعله صلى الله عليه بياناً لذلك [١٠٣/ب] المجمل، وفعله لا يدل على غير البيان.
стр. 933
وبيان التخصيص نحو قوله تعالى: (وَالسارِقُ وَالسارِقة فَاقْطَعُوا أيْديهمَا) (١) هذا عام في كل سارق سرق، قليلاً أو كثيراً، من حرز وغير حرز، فإذا حمل إليه سارق من غير حرز وأقل من ربع دينار فلم يقطعه كان (٢) هذا بياناً وقع به التخصيص.
وإنما يعلم أن هذا خرج على وجه البيان، إذا تقدم العام.
وإن كانت امتثال أمر، لم تدل (٣) أيضاً في أنفسها على شيء، غير أن ينظر إلى الأمر، فإن كان على الوجوب، علمنا أنه فعل واجباً بالأمر، وان كان ندباً، علمنا أنه فعل الندب بالأمر، فأما من فعْلِه، فلا.
وأما إن كان ابتداءً من غير سبب مستند إليه ففيه روايتان: إحداهما: أنها على الوجوب، أومأ إليه ﵀: في مسائل، فقال في رواية حرب: يمسح رأسه كله، كذا جاء الحديث أن النبي ﷺ : "مسح الرأس كله" (٤) .
وقال أيضاً ﵀ في رواية الأثرم: إذا رمي الجمار، فبدأ
стр. 934
بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى، لم يصح، قد فعل النبي ﷺ الجمار (١) ، وبين فيها سنته (٢) .
وقال أيضاً في رواية الجماعة: المغمى عليه يقضي، لأن النبي ﷺ
أغمي عليه، فقضى (٣) . وقد احتج بأفعاله على الوجوب.
стр. 935
وبهذا قال أصحاب مالك (١) .
وفيه رواية أخرى: أن ذلك لا يقتضي الوجوب، وإنما يقتضي الندب، نص عليه ﵀ في رواية إسحاق بن ابراهيم فقال: الأمر من النبي سوى الفعل؛ لأن النبي ﷺ يفعل الشيء من جهة الفضل، وقد يفعل الشيء هو له خاص، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين.
وقال في رواية الأثرم: وقيل له: أليس ينبغي أن يستعمل بأن يقول كما يقول المؤذن؟ قال: ويجعل هذا واجباً، إنما روي أن النبي ﷺ كان إذا سمع المؤذن، قال كما يقول (٢) ، فهو فضل، ليس على أنه واجب.
وهو اختيار أبي الحسن التميمي فيما وجدته له مسألة مفردة، يقول فيها: انتهى إليّ من قول أبي عبد الله: أن أفعال رسول الله ﷺ ليست على الإيجاب، إلا أن يدل دليل، فيكون ذلك الفعل الدليل الذي صار به على الإيجاب.
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه أبو سفيان السرخسي عن
стр. 936
أصحابه (١) ، وأهل الظاهر أيضاً (٢) .
وذهبت المعتزلة (٣) والأشعرية الى أن ذلك على الوقف، ولا يحمل على الوجوب، ولا على الندب إلا بدلالة.
واختلف أصحاب الشافعي على مذاهب:
منهم من قال: هي على الوجوب.
ومنهم من قال: هي على الندب.
ومنهم من قال: هي على الوقف (٤) .
فالدلالة [١٠٤/أ] على أنها على الوجوب:
قوله تعالى: (قُلْ يا أيها الناس) إلى قوله: (وَاتَّبِعُوهَ لعلكم تَهْتدُونَ) (٥) ، فأمر باتباعه، والأمر على الوجوب.
стр. 937
فإن قيل: الاتباع هو: أن يفعل ذلك على الوجه الذي فعله النبي ﷺ ، فإذا لم يعلم الوجه الذي أوقع الفعل عليه، من وجوب أو ندب أو إباحة، لم نكن متبعين له.
قيل: الاتباع يكون في الفعل، وإن اختلف قصد التابع والمتبوع، كالمتنفل يأتم بالمفترض، فيتبعه في صلاته، وإن اختلفا في القصد والاعتقاد وكذلك من خرج للجهاد، فتبعه آخر يريد تجارة، سمي متبعاً له في سفره وإن خالفه في قصده.
فإن قيل: في الآية إضمار، وتقديره: واتبعوه في فعله، فيحتاج أن تثبت صفة الفعل على أي وجه وقع حتى يتبع فيه.
قيل: نحن نستدل بالآية على وجوب اتباعه في فعله الواقع منه وفي صورته وصفته، فأما كيفية وقوعه فلا تعرض له.
ويدل عليه قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول الله أسْوَةٌ حسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) (١) .
فإن قيل: هذا يدل على أن التأسي بالنبي مستحب.
قيل: قوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) تهديد (٢) يدل على أن ذلك إيجاب وإلزام.
فإن قيل: قوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) ليس بتهديد، لأن الرجاء تأميل النفعة.
стр. 938
قيل: المراد به ها هنا لمن كان يخاف الله واليوم الآخر. قال أبو ذؤيب الهذلي (١) :
إذَا لسعَتْهُ النّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالَفَها في بَيْتِ نُوب عَوَامِلِ (٢)
يريد: لم يخف لسعها من اشتيار (٣) العسل في بيوت النحل. والنوب:
стр. 939
النحل (١) ، والنوب (٢) : القرب.
ويدل عليه قوله تعالى: (قُلْ إنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتبعُوني يُحْببْكم اللهُ وَيغفِرْ لكُم ذُنُوبكَمُ) (٣) ، وهذا يدل على أن التأسي بالنبي ﷺ واتباعه واجب.
ومن جهة السنة:
ما روي أن النبي ﷺ كان يصلي، فخلع نعله، فخلعوا نعالهم، فلما فرغ قال: "لم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا، فقال: "أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً" (٤) .
стр. 940
فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ استفهم منهم، فقالوا فعلنا كفعلك، فلم ينكر عليهم، ولم يقل لا يجوز لكم ذلك، بل أقرهم على اتباعه، وبين لهم السبب الذي فعل لأجله.
فإن قيل: فلو كان اتباعه واجباً لم يستفهم منهم؛ لأنهم فعلوا الواجب.
قيل: يحتمل أن يكون استفهم لينظر هل فعلوا ذلك لاتباعه أم لمعنى آخر؟ فلما أخبروه أنهم فعلوه لأجله، [١٠٤/ب] أقرهم عليه، وبين العلة التي خلعها لأجلها.
فإن قيل: لم ينكر عليهم؛ لأنه قال (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
قيل: لا نعلم أن هذا القول قاله قبل هذه القصة أو بعدها، فنقف حتى نعلم كيف كان، على أن النبي ﷺ أمرهم أن يصلوا كما يصلي، وخلع النعل ليس بصلاة، وإنما هي أفعال أوقعها فيها من غيرها، بدليل: أن هذا لو كثر منه وتكرر بطلت صلاته.
وأيضا: ما روت أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله سألوني عن القُبلة للصائم، فقال: "لِمَ لم تقولي لهم: إني أقبل وأنا صائم (١) ؟! ". فَعَرفها
стр. 941
شرعَه، وأنكر عليها ترك إخبارهم لفعله. فلولا أن فعله يقتدى به لما أمرها بذلك.
ولا معنى لقولهم: إن هذه أخبار آحاد فلا يثبت: بها أصول؛ لأن أخبار الآحاد إذا تلقيت بالقبول، كانت مقطوعًا بها كالتواتر. وليس في الأمة أحد يكذّب حديث خلع النعلين في الصلاة (١) .
وأيضاً: وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وذلك أنهم لما اختلفوا في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فقال قوم: يجب. وقال أُبي بن كعب: لا يجب ما لم ينزل، وقال (٢) : الماء من الماء (٣) ، فسألوا عائشة فقالت: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا (٤) [فـ] رجعوا إليها وأقروها على ما احتجت به في وجوبه، فثبت أنهم أجمعوا على ذلك.
وروي أن عمر ﵁ قَبّل الحجر، وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت حبيبي رسول الله قَبّلك ما قَتلتك (٥) .
стр. 942
وغير ذلك من رجوع الصحابة إلى أفعاله في المسح وغيره.
وأيضا: فإن أفعال النبي ﷺ كأقواله، بدليل: أنه يخص به العموم، ويبين به المجمل، فوجب أن يكون بمنزلته في حمله على الوجوب عند تجرده (١) .
كما أن السنة لما ساوت الكتاب فيما ذكرنا ساوته في حملها على الوجوب عند التجريد.
ولأن الفعل إذا كان منه على سبيل القربة، احتمل أن يكون ندباً واحتمل أن يكون واجباً واحتمل الندب، فحمله على الوجوب أولى لما فيه من الاحتياط؛ لأن الندب يدخل في الواجب، والواجب لا يدخل في الندب.
فإن قيل: فقد يكون واجباً في حقه خاصاً له، فلا يلزم غيره.
قيل: إطلاق أفعاله عندنا محمولة على أنها له ولأمته، وإنما بقع منها خاصاً بدلالة، وإلا فالأمر بيننا وبينه مشترك.
واحتج من قال يستحب:
بقوله تعالى: (قُلْ إنْ كُنتُم تُحِبونَ اللهَ فَاتبعُوني يحبِبْكم اللهُ) (٢) ، ومحبته تقتضي الاستحباب دون الإيجاب.
стр. 943
[١٠٥/أ] والجواب: أن قوله: (فَاتَّبِعُونِي) (١) أمر، والأمر يقتضي الإيجاب. فالآية حجة لنا من هذا الوجه.
وقوله: (يُحْببْكُم اللهُ) لا يقتضي الاستحباب، لأن المحبة تكون لفعل الواجب والمستحب جميعاً.
واحتج: بقوله تعالى: (لقدْ كَانَ لَكُم في رَسوُلِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (٢) ولم يقل عليكم، فدل على أن التأسي به مستحب.
والجواب: أن في سياقها ما يدل على الوجوب، وهو قوله: (وَمَن يَتَول فَإن اللهَ هُوَ الْغَنِيَّ الْحَميدُ) (٣) فتوعد على المخالفة.
ولأنه قال تعالى: (وَلَهُم اللَّعْنَةُ، وَلَهمْ سُوءُ الدارِ) (٤) معناه: عليهم اللعنة.
واحتج: بأن وجوب أفعال ﷺ لا تخلو من أن تثبت بالعقل أو بالسمع، والعقل لا يقتضي وجوبها؛ لأن المصالح تختلف باختلاف أحوال المكلفين، ولهذا خالفت الحائض الطاهر، والمقيم المسافر، فيجوز أن يكون فعله صلاحا له، ومتى فعلنا مثله كان فساداً لنا، فثبت بهذا أن العقل لا يقتضي وجوب مثل أفعاله علينا، والسمع لم يرد أيضاً بذلك ووجوبه.
والجواب: أنها وجبت بالسمع، وقد بينا ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.
واحتج: بأنه متى وجب علينا أن نفعل مثل فعله كنا متبعين له فيه،
стр. 944
ومعلوم أن المتبوع أوكد حالاً من التبع، فإذا كان كذلك، وكان (١) ظاهر فعله لا ينبىء عن وجوبه عليه، فلأن لا يدل على وجوبه علينا أولى.
والجواب: أن هذا يبطل على أصل المخالف، بالأمر، فإنهم جعلوه دالاً على الوجوب في حق غيره، ولا يدل على وجوبه عليه، لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر، فلا يمتنع أن يكون الفعل من جهته كالأمر.
وعلى أنا نقول: إن ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه، كما قلنا في أوامره: هي لازمة له وهو داخل تحتها كالمأمور سواء، ولا فرق بينهما. وهذا قياس المذهب.
واحتج: بأن النبي ﷺ قد يفعل الأفعال في أحوال لا يشاهد فيها، ولا يمكن حضوره والوقوف عليه، وما هذه صفته لا يجوز أن يكون واجباً علينا؛ لأن ما لا طريق لنا إلى معرفته لا نتعبد به، وإذا لم يكن الفعل الذي هذه حاله واجباً علينا، لم يجب أيضاً غيره من الأفعال، لأنه ليس بعض أفعاله بالوجوب أولى من بعض.
والجواب: أن ما يفعله في الخَلوَات يمكنه أن يخبر بها من لم يشاهد، كما أنه يجوز أن يأمر بالفعل من ليس يحضره، ثم يقع لهم بذلك الخبر.
واحتج: بأنه لا يخلو أن يكون [١٠٥/ب] المعتبر في هذا الباب بصورة أفعاله التي ظهرت دون الوجوه التي عليها وقعت، أو يكون المعتبر بصورتها مع الوجوه التي وقعت عليها، ولا جائز أن يكون المعتبر بصورتها فقط؛ لأنه لو وجب ذلك لجاز لنا إيقاع مثل الفعل الذي فعله على جهة الإيجاب مع وقوعه منه على جهة الندب أو الإباحة، وهذا باطل بالاتفاق. وإذا وجب
стр. 945
اعتبار صورة الفعل مع الوجه الذي وقع، فهذا يمنع أن يكون ظهور فعله دلالة على الوجوب.
والجواب: أن المعتبر بصورة الفعل فقط، إذا كان واقعاً على وجه القربة.
وقولهم: إنه قد يقع منه على وجه الندب والإباحة، غلط؛ لأن إطلاق أفعال القرب منه يقتضي الإيجاب، وإنما يحمل على الندب بدلالة.
واحتج: بأن أفعال النبي ﷺ يَعْتوِرها معنيان: أحدهما الفعل و [ثانيهما] الترك؛ لأن الترك أحد قسمي الفعل، فلما لم يكن تركه موجباً علينا ترك الفعل الذي تركه، كذلك فعله، لا يوجب علينا مثل فعله.
والجواب: أن هذا يبطل بالأمر فإنه يَعْتَوِره معنيان: الأمر والترك، وترك الأمر لا يوجب ترك ما ترك الأمر به، وأمره يوجب امتثال ما أمر به.
واحتج: بأن حمله على الندب أولى؛ لأنه متحقق، وما عداه مشكوك فيه.
والجواب: أن حمله على الوجوب أولى، لما فيه من الاحتياط والخروج من الغرر.
واحتج أبو الحسن في مسألته (١) : بأن فعله قد يكون مصلحة له، دون أمته.
والجواب: أنه يبطل بأمره إذا خرج في رجل بعينه قد تكون مصلحة له ولا يختصه.
стр. 946
وذكر أيضاً: بأن الصغائر قد تقع من الأنبياء، قال تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبهُ فَغَوَى) (١) .
وأخبر عن موسى لما قتل الرجل (هَذَا مِن عَملِ الشَّيْطَانِ) (٢) .
وكذلك ما وجد من إخوة يوسف، ومن داود، وإذا ثبت وقوع الخطأ منهم، لم يجب علينا احتذاء أفعالهم.
والجواب: أنا قد بينا أنه إنما يجب ما كان على سبيل القربه والطاعة.
واحتج من قال: إنها على الوقف:
بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون فعله واجباً، ويحتمل أن يكون ندباً، ويحتمل [أن يكون] (٣) إباحةً، ويحتمل أن يكون مخصوصاً دون أمته، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح الاقتداء به.
والجواب: أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجبا عاما فيه وفي أمته، وإنما يكون ندباً أو خاصاً له عند انضمام قرينة الندب، كما قلنا في صيغة الأمر إذا وردت [١٠٦/أ] متجردة عن القرائن اقتضت الوجوب، وإنما يحمل على الندب بقرينة.
وعلى أنه وإن كان محتملا للوجوب والندب، فحمله على الوجوب أولى، لما فيه من الاحتياط.
وجواب آخر، وهو: أن الاتباع قد يكون في الفعل وإن اختلف
стр. 947
قصد التابع والمتبوع، فالمتنفل يأتم بالمفترض، فيتبعه في صلاته، وإن اختلفا في القصد والاعتقاد.
وكذلك من خرج للجهاد، فتبعه آخر يريد تجارة، سمي متبعاً له في سفره، وإن خالفه في قصده.
ومما يلحق بأول المسألة ما رأيت (١) في آخر كتاب النفقات من كتاب الشافي بخط عتيق: روى محمد بن هبيرة البغوي (٢) عن أحمد بن حنبل ﵀ قلت له: أليس أمر رسول الله ﷺ واحداً؟ قال: نعم، إلا أن منه أشد، قلت له: ففعله؟ قال: فعله ليس عليك بواجب، وذلك أنه كان يقوم حتى ترم قدماه (٣) ، ويفعل أفعالا لا تجب عليك (٤) .
وبهذا قال أصحاب أبى حنيفة.
فصل
وإذا ثبت أن أفعاله على الوجوب، فإن وجوبها من جهة السمع، خلافاً لمن قال: تجب بالعقل.
стр. 948
دليلنا:
أن أصل النبوة لما لم يثبت عقلاً، وإنما يثبت بدليل، ففعله أولى.
ولأن الأفعال الشرعية، تختلف بحسب اختلاف أحوال المكلفين، بدلالة أن الحائض مخالفة لحال الطاهر، وكذلك المقيم مخالف للمسافر، والغني والفقير، لم يمتنع أن تكون حال النبي ﷺ مخالفة لأحوالنا في الفعل، فيكون ما يفعله صلاحاً له، ومتى فعلنا مثله كان فساداً لنا، فوجب الرجوع في اتباع أفعاله إلى دلالة أخرى غير الفعل.
واحتج المخالف:
بأن النبي ﷺ إذا فعل ذلك على وجه القربة كان من مصالحه، فيجب أن يكون من مصالحنا.
والجواب: أن هذا يوجب كون الصلاة مصلحة في حق الحائض، لأنها مصلحة في حق الظاهر، وكذلك الصيام والقصر في حق المقيم، والزكاة في حق الفقير.
واحتج بأن ما أوقعه صواب وحق، فوجب اتباعه.
والجواب: أن هذا يبطل بما كان مخصوصاً به من الأشياء، ويبطل بالصلاة في حق الطاهر صواب وحق، وليس ذلك بصواب في حق الحائض.
واحتج: بأن في ترك اتباعه إظهار خلاف عليه ومباينة له، وذلك يوجب التنفير عنه والتصغير لشأنه، فوجب حملها على الوجوب.
والجواب: أن هذا باطل بما كان مخصوصاً به.
ويبطل أيضاً بأفعاله المباحة من الأكل والشرب واللبس والمشي،
стр. 949
فإن ترك اتباعه فيها يفضي إلى ما قالوه، ومع هذا لا يجب اتباعه وعلى [١٠٦/ب] أن هذا يوجب المشاقة في حق من لا يوجبها، وعندنا أنه يجب اتباعه فيها، وإنما تختلف في الطريقة التي بها يجب، فلا يصح ماقالوه.
مسألة (١)
يجوز أن يكون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول، والعقل لا يمنع من ذلك؛ لما فيه من المصلحة له، فلما لم يمنع أن يتفق حكم زيد وعمرو فيما هو مصلحة لهما من الشرعيات، ولم يمتنع أيضاً أن يختلف حكمهما في ذلك، وجب أن يجوز كون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول.
فإن قيل: لو جاز أن يكون الثاني متعبداً بما كان الأول متعبدا به لكان لا فائدة في بعثه وإظهار الإعلام على يده: ولأنه لم يأت بشريعة مبتدأة، وإنما نقل إلى قومه شريعة من تقدمه.
قيل: إنما يحسن إظهار الإعلام على يد النبي الثاني؛ لأنه لا بد من أن يأتي بما لا يعرف إلا من جهته، إما أن يكون ما يأتي به في شريعة مبتدأة، أو يكون ذلك مما كان الأول متعبداً به، إلا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف إلا من جهة النبي الثاني (٢) .
فإن قيل: فما أنكرتم أن لا يجوز أن يتعبد الثاني بخلاف ما كان الأول
стр. 950
متعبداً به؛ لأْنه حينئذ يصير راداً لما أتى به الأول ومخالفاً له فيه، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز أن يخبر الثاني بخلاف ما أخبر به الأول.
قيل: لو كان الثاني متعبداً بما تعبد به الأول [فذلك] لا يوجب أن يكون راداً لما أتى به في الأول؛ لأنه يقول: ما يأتي به الأول حق وصواب، مثل ما أتيت به، وإن كان مخالفاً له، كما أن المستشارين إذا أشار أحدهما بخلاف ما يشير به صاحبه، لم يكن أحدهما راداً لرأي الآخر، بل يقول كل واحد منهما: إن ما يراه صاحبي صواب منه، وما رأيت أنا صواباً مني، وليس هذه حال الخبر، لأنه إنما يكون صدقاً وكذباً بحال (١) يرجع إليه؛ لأنه إن كان مخبره على ما أخبر به كان صدقاً (٢) ، وإن كان بخلاف ما أخبر به كان كذباً.
وأما الأفعال الشرعية، فإنها لا تكون حقاً وصواباً بحال يرجع إليها، وإنما يكون صوابا، لما فيه من المصلحة، فيكون الفعل الواحد مصلحة في حال، وتكون المصلحة في خلافه في حال أخرى، كالمرأة الطاهر (٣) تكون المصلحة لها في الصلاة والصيام، وإذا حاضت كانت المصلحة لها في ترك ذلك.
وكذلك المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، ولا يمتنع أن تكون المصلحة للنبي الثاني في أن يتعبد بخلاف ما تعبد به الأول.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم، وعندكم أن العقل لا يبيح ولا يحظر؟
قيل: من أصلنا: أن العقل لا مدخل له في إباحة شيء [١٠٧/أ] ولا