وذكر أيضاً: بأن الصغائر قد تقع من الأنبياء، قال تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبهُ فَغَوَى) (١) .
وأخبر عن موسى لما قتل الرجل (هَذَا مِن عَملِ الشَّيْطَانِ) (٢) .
وكذلك ما وجد من إخوة يوسف، ومن داود، وإذا ثبت وقوع الخطأ منهم، لم يجب علينا احتذاء أفعالهم.
والجواب: أنا قد بينا أنه إنما يجب ما كان على سبيل القربه والطاعة.
واحتج من قال: إنها على الوقف:
بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون فعله واجباً، ويحتمل أن يكون ندباً، ويحتمل [أن يكون] (٣) إباحةً، ويحتمل أن يكون مخصوصاً دون أمته، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح الاقتداء به.
والجواب: أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجبا عاما فيه وفي أمته، وإنما يكون ندباً أو خاصاً له عند انضمام قرينة الندب، كما قلنا في صيغة الأمر إذا وردت [١٠٦/أ] متجردة عن القرائن اقتضت الوجوب، وإنما يحمل على الندب بقرينة.
وعلى أنه وإن كان محتملا للوجوب والندب، فحمله على الوجوب أولى، لما فيه من الاحتياط.
وجواب آخر، وهو: أن الاتباع قد يكون في الفعل وإن اختلف
стр. 947
قصد التابع والمتبوع، فالمتنفل يأتم بالمفترض، فيتبعه في صلاته، وإن اختلفا في القصد والاعتقاد.
وكذلك من خرج للجهاد، فتبعه آخر يريد تجارة، سمي متبعاً له في سفره، وإن خالفه في قصده.
ومما يلحق بأول المسألة ما رأيت (١) في آخر كتاب النفقات من كتاب الشافي بخط عتيق: روى محمد بن هبيرة البغوي (٢) عن أحمد بن حنبل ﵀ قلت له: أليس أمر رسول الله ﷺ واحداً؟ قال: نعم، إلا أن منه أشد، قلت له: ففعله؟ قال: فعله ليس عليك بواجب، وذلك أنه كان يقوم حتى ترم قدماه (٣) ، ويفعل أفعالا لا تجب عليك (٤) .
وبهذا قال أصحاب أبى حنيفة.
فصل
وإذا ثبت أن أفعاله على الوجوب، فإن وجوبها من جهة السمع، خلافاً لمن قال: تجب بالعقل.
стр. 948
دليلنا:
أن أصل النبوة لما لم يثبت عقلاً، وإنما يثبت بدليل، ففعله أولى.
ولأن الأفعال الشرعية، تختلف بحسب اختلاف أحوال المكلفين، بدلالة أن الحائض مخالفة لحال الطاهر، وكذلك المقيم مخالف للمسافر، والغني والفقير، لم يمتنع أن تكون حال النبي ﷺ مخالفة لأحوالنا في الفعل، فيكون ما يفعله صلاحاً له، ومتى فعلنا مثله كان فساداً لنا، فوجب الرجوع في اتباع أفعاله إلى دلالة أخرى غير الفعل.
واحتج المخالف:
بأن النبي ﷺ إذا فعل ذلك على وجه القربة كان من مصالحه، فيجب أن يكون من مصالحنا.
والجواب: أن هذا يوجب كون الصلاة مصلحة في حق الحائض، لأنها مصلحة في حق الظاهر، وكذلك الصيام والقصر في حق المقيم، والزكاة في حق الفقير.
واحتج بأن ما أوقعه صواب وحق، فوجب اتباعه.
والجواب: أن هذا يبطل بما كان مخصوصاً به من الأشياء، ويبطل بالصلاة في حق الطاهر صواب وحق، وليس ذلك بصواب في حق الحائض.
واحتج: بأن في ترك اتباعه إظهار خلاف عليه ومباينة له، وذلك يوجب التنفير عنه والتصغير لشأنه، فوجب حملها على الوجوب.
والجواب: أن هذا باطل بما كان مخصوصاً به.
ويبطل أيضاً بأفعاله المباحة من الأكل والشرب واللبس والمشي،
стр. 949
فإن ترك اتباعه فيها يفضي إلى ما قالوه، ومع هذا لا يجب اتباعه وعلى [١٠٦/ب] أن هذا يوجب المشاقة في حق من لا يوجبها، وعندنا أنه يجب اتباعه فيها، وإنما تختلف في الطريقة التي بها يجب، فلا يصح ماقالوه.
مسألة (١)
يجوز أن يكون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول، والعقل لا يمنع من ذلك؛ لما فيه من المصلحة له، فلما لم يمنع أن يتفق حكم زيد وعمرو فيما هو مصلحة لهما من الشرعيات، ولم يمتنع أيضاً أن يختلف حكمهما في ذلك، وجب أن يجوز كون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول.
فإن قيل: لو جاز أن يكون الثاني متعبداً بما كان الأول متعبدا به لكان لا فائدة في بعثه وإظهار الإعلام على يده: ولأنه لم يأت بشريعة مبتدأة، وإنما نقل إلى قومه شريعة من تقدمه.
قيل: إنما يحسن إظهار الإعلام على يد النبي الثاني؛ لأنه لا بد من أن يأتي بما لا يعرف إلا من جهته، إما أن يكون ما يأتي به في شريعة مبتدأة، أو يكون ذلك مما كان الأول متعبداً به، إلا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف إلا من جهة النبي الثاني (٢) .
فإن قيل: فما أنكرتم أن لا يجوز أن يتعبد الثاني بخلاف ما كان الأول
стр. 950
متعبداً به؛ لأْنه حينئذ يصير راداً لما أتى به الأول ومخالفاً له فيه، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز أن يخبر الثاني بخلاف ما أخبر به الأول.
قيل: لو كان الثاني متعبداً بما تعبد به الأول [فذلك] لا يوجب أن يكون راداً لما أتى به في الأول؛ لأنه يقول: ما يأتي به الأول حق وصواب، مثل ما أتيت به، وإن كان مخالفاً له، كما أن المستشارين إذا أشار أحدهما بخلاف ما يشير به صاحبه، لم يكن أحدهما راداً لرأي الآخر، بل يقول كل واحد منهما: إن ما يراه صاحبي صواب منه، وما رأيت أنا صواباً مني، وليس هذه حال الخبر، لأنه إنما يكون صدقاً وكذباً بحال (١) يرجع إليه؛ لأنه إن كان مخبره على ما أخبر به كان صدقاً (٢) ، وإن كان بخلاف ما أخبر به كان كذباً.
وأما الأفعال الشرعية، فإنها لا تكون حقاً وصواباً بحال يرجع إليها، وإنما يكون صوابا، لما فيه من المصلحة، فيكون الفعل الواحد مصلحة في حال، وتكون المصلحة في خلافه في حال أخرى، كالمرأة الطاهر (٣) تكون المصلحة لها في الصلاة والصيام، وإذا حاضت كانت المصلحة لها في ترك ذلك.
وكذلك المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، ولا يمتنع أن تكون المصلحة للنبي الثاني في أن يتعبد بخلاف ما تعبد به الأول.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم، وعندكم أن العقل لا يبيح ولا يحظر؟
قيل: من أصلنا: أن العقل لا مدخل له في إباحة شيء [١٠٧/أ] ولا
стр. 951
حظره، وكلامنا هاهنا: هل العقل يحيل ذلك؟ ولسنا نمنع وجوب (١) أشياء لا يحيل وجودها العقل كرؤية الله تعالى، وأشياء يحيل العقل وجودها كاجتماع الضدين.
مسألة (٢)
إذا ثبت جواز ذلك، فهل كان نبينا متعبداً بشريعة من قبله أم لا؟
فيه روايتان:
إحداهما: أن كل ما لم يثبت نسخه من شرائع من كان قبل نبينا ﵇ فقد صار شريعة لنبينا، ويلزمنا أحكامه من حيث إنه قد صار شريعة له، لا من حيث كان شريعة لمن قبله.
وإنما يثبت كونه شرعاً لهم بمقطوع عليه، إما الكتاب أو الخبر (٣) من جهة الصادق أو بنقل متواتر، فأما الرجوع إليهم وإلى كتبهم فلا.
وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا، فقال في رواية أبي طالب فيمن حلفت بنحر ولدها، [عليها] كبش (٤) ، تذبحه وتتصدق بلحمه، قال الله تعالى: (وَفديناهُ بِذِبْح عَظِيم) (٥) .
стр. 952
فقد أوجب أحمد ﵀ كبشاً في ذلك، واحتج بالآية عليه، وهي شريعة إلي إبراهيم.
وقال في رواية أبي الحارث والأثرم وحنبل والفضل بن [زياد و] (١) عبد الصمد (٢) وقد سئل عن القرعة، فقال: في كتاب الله في موضعين: قال الله تعالى: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحضِينَ) (٣) ، وقال: (إذْ يُلقُونَ أقلامهُم) (٤) فقد احتج بالآيتين في إثبات القرعة، وهي في شريعة يونس ومريم.
وقال أيضاً في رواية أبي طالب وصالح في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فيهَا أَن النَّفْسَ بالنَّفْسِ) (٥) فلما قال رسول الله ﷺ : (لا يُقتل مؤمن بكافر) (٦) ،َ قيل له: أليس قد قال الله تعالى: (النفس
стр. 953
بالنفس) ؟ قال: ليس هذا موضعه، علي بن أبي طالب يحكي ما في الصحيفة (لا يقتل مؤمن بكافر) ، وعن عثمان ومعاوية (١) : "لم يقتلوا مؤمناً بكافر" (٢) .
стр. 954
وهذا أيضاً يدل على أن الآية على ظاهرها في المسلمين ومن قبلهم، ولكنه عارضها بحديث الصحيفة، ولو لم يكن كذلك لما عارضها، ولقال:
ذلك خاص لمن قبلنا.
وبهذه الرواية قال أبو الحسن التميمي في جملة مسائل خرجها في الأصول. وهو قول أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان عن أبي بكر الرازي.
وفيه رواية أخرى أنه لم يكن متعبداً بشيء من الشرائع، إلا ما دل الدليل على ثبوته في شرعه، فيكون: شرعاً له مبتدأ.
أومأ إليه ﵀ في رواية أبي طالب في موضع آخر، فقال: (النفْسُ بالنفْسِ) كتبت على اليهود، وقال: (١) (وَكتبنا عليهمِ فِيهَا) (٢) َ [أي] (٣) في التوراة، ولنا (كُتِبَ عَليْكُم الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الحُر بِالحر وَالعبْدُ بالعبد وَاْلأنْثَى بالأنْثَى) (٤) .
وبهذا قالت المعتزلة (٥) والأشعرية.
стр. 955
واختلف أصحاب الشافعي:
فمنهم من قال: ما لم [١٠٧/ب] يثبت نسخه شرع لنا.
ومنهم من قال: ليس بشرع لنا.
واختلف القائلون بأنه كان متعبداً:
فقال بعضهم: بشريعة إبراهيم.
وقال قوم: بشريعة موسى إلا ما نسخ.
وقال قوم: بشريعة عيسى؟ لأنها ناسخة لشريعة موسى.
والأشبه: أنه كان متعبداً بكل ماصح من شرع من كان قبله من الأنبياء.
فالدلالة على أنه شرع لنا:
قوله تعالى: (أولئكَ الَّذيِنَ هَدىَ اللهُ فَبِهُداهُم اقْتَدِه) (١) ، فذكر الله تعالى أنبياءه (٢) : إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وغيرهم، وأخبر أنه هداهم، وأمر باتباعهم فيما هداهم به، والأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: إنما أمر باتباعهم في التوحيد وما يدل العقل عليه لوجوه: أحدها: أنه أضاف ذلك إليهم، فاقتضى ما يقطع على كونه شرعاً لهم، وهو التوحيد، فأما غيره من الأحكام فغير مقطوع عليه، بل يحكم به من جهة غلبة الظن.
ولأنه قال: (وَمِن آبائِهِم وَذُرياتِهِمْ) (٣) ، وهدى الذرية هو التوحيد.
стр. 956
ولأن الله تعالى ذكر من لم يكن نبياً في جملة من أمره بالاقتداء به من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم.
ولأن ملة إبراهيم قد كان فيها المنسوخ، ومعلوم أنه لا يتعبد بالمنسوخ.
قيل: الهدي يتناول التوحيد وغيره، فالآية تقتضي وجوب الاتباع في جميعه.
وعلى أن التوحيد لا يتبع فيه غيره عندهم، وإنما يوحد بما هو مأمور [به] ، والآية تقتضي اتباع غيره.
وجواب آخر وهو: أن التوحيد عندنا وما يدل العقل على صحته يجب بالشرع، ولا يجب بالعقل عبادة موجبة، ولا يصح السؤال.
وقولهم: إننا لا نقطع على أن غير التوحيد هدى لهم، فمتى لم نقطع على ذلك ونعلمه من جهة يقع العلم بها لم يجب اتباعه.
وما ذكروه من الذرية، فقد يكون التوحيد هدى لهم، وقد يكون غيره هدى لهم، فيجب اتباع جميعه.
وأما ذكر من لم يكن نبياً في جملة أمره بالاقتداء به، فغير مانع مما ذكارنا؛ لأن من لم يكن نبياً كانوا على شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم متمسكين بها، بدلالة قوله تعالى: (وَاجتبينَاهُم وَهديناهُم إلى صِرَاط مُستْقيم) (١) وقد قال تعالى: (وَاتبعْ سَبِيلَ مَنْ أنَابَ إلي) (٢) ، وقال: (ويتبع غير سبيل المُؤْمِنِينَ) (٣) ، فلما
стр. 957
كان سبيل المؤمنين متبعا، لم يمتنع أن يؤمر النبي باتباع ما اتبعه غيره ممن تقدمه.
وقولهم: إن في شريعة إبراهيم منسوخاً لا يضر؛ لأنا لما علمنا أنه لا يصح تكليف المنسوخ، علم أن الأمر لم يتناوله.
فإن قيل: لما أمر باتباعهم في هداهم صار ذلك ثابتاً بدليل شرعي، ونحن لا نمنع ذلك، وإنما الخلاف في حالة الإطلاق.
قيل: عندكم إذا دل على ذلك دليل شرعي [١٠٨/أ] صار حكماً مبتدأ، فإذا فعله الإنسان، لم يكن مقتدياً بهم ولا متبعاً لهم، والآية تقتضي اتباعهم والاقتداء بهم فيه.
ويدل عليه قوله تعالى: (وَكتَبْنا عَليهم فِيها أَنَّ النفْس بِالنفْسِ) (١) الآية، ولم يأمر بالاتباع، فلو كان الاتباع واجباً بأمر مجدد في شريعته لكان يقترن به، فلما لم يقترن به أمره دل على أنه إذا ثبت أنه شرع لغيره وجب عليه وعلى أمته الاتباع.
ويدل عليه قوله تعالى: (ثُم أوْحينا إليك أَنِ اتبعْ مِلةَ إبْرَاهيمَ حنِيفا) (٢) ، فأمره باتباع ملة إبراهيم، وأمره على الوجوب.
ويدل عليه قوله تعالى: (إنا أَنْزَلْنا التَوْرَاةَ فيهَا هُدى وَنورٌ يحكُمُ بها النبيونَ الَّذينَ أسْلَمُوا للذينَ هادُوا) (٣) ، ولم يفرق بين نبينا وبين سائر الأنبياء، قال: (وَمنْ لم يحكم بِما أَنْزَلَ اللهُ فأولِئكَ هُمُ الْكافِرُونَ) ، (فأولئِكَ هُمُ الظالِمونَ)
стр. 958
(فأولئِكَ هُمُ الفاسقونَ) (١) ، والتوراة مما أنزله وتواعد من لم يحكم بها.
يؤكد هذا ما روي أن الربيع (٢) كسرت سن جارية فقال النبى ﷺ : (كتاب الله القصاص) (٣) . والذي في كتاب الله ما حكاه عن التوراة، وأن السن بالسن، ثبت أن النبي ﷺ حكى الأحكام عنها، وعمل بها.
فإن قيل: قوله: (كتاب الله القصاص) إشارة إلى قوله: (فَمَنِ اعتَدى عَليْكُم فَاعتدوا عليْه) (٤) ، ولم يرد قوله: (السن بالسن) .
قيل: هذا عام، و (السن بالسن) خاص، فكان رد كلامه إلى ما هو نص أولى من العموم.
وأيضاً: فإن الحكم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه، حتى يرد دليل بنسخه وإبطاله، وليس في نفس بعثة النبي ما يوجب نسخ الأحكام التي
стр. 959
قبله، فإن النسخ إنما يكون عند التنافي، والبعثة إنما تكون بالتوحيد، وليس فيه منافاة لتلك الأحكام، فوجب التمسك بتلك الأحكام والعمل بها حتى يرد ما ينافيها ويزيلها، كما وجب ذلك قبل بعثة النبي ﷺ .
وأيضا: فإنه شرع مطلق، فوجب أن يدخل فيه كل مكلف إلا أن يثبت نسخه، أصله ما ثبت من الشرع المطلق، ولأن نبينا كان قد بعثه متعبداً، فدل على أنه كان مأموراً بشرع من قبله.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (لِكل جَعلنا منكم شرعة ومنْهَاجاً) (١) ، والشرعة والشريعة واحد، والمنهاج: الطريق الواضح.
والجواب: أنه لا بد أن يكون بين الشريعتين اختلاف من وجه، وهو ما نسخ، وإن كان بينهما اتفاق من وجه، فحصلت الإضافة لهذا المعنى.
واحتج: بما روي أن النبي ﷺ قال: (بعثت إلى الأحمر والأصفر، وكل من بعث إلى قومه) (٢) فدل على أنهم لم يكونوا مبعوثين [١٠٨/ب] إلينا، فلا يكون شرعهم لازماً لنا.
والجواب: أن قوله: "بعث" يعني: متبوعاً مقصوداً إلى قومه، وغير قومه تبع له.
стр. 960
واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب: أنه خرج يوماً وبريده قطعة من التوراة، فغضب النبي ﷺ ، وقال: ما هذا؟ جئت بها بيضاء نقية، لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي) (١) ، وأنكر حمل التوراة، وأخبر أن موسى لو أدركه لزمه أن يتبعه.
والجواب أنه إنما أنكر عليه، لأن التوراة مبدلة مغيرة، وأكثرها
стр. 961
منسوخ، فلا يجوز التمسك بها والرجوع إليها، ونحن لا نرجع إلى ما ثبت بالتوراة، وإنما نرجع إلى ما ثبت بدليل مقطوع عليه من قرآن أو خبر متواتر أو سنة متواترة أو وحي نزل به.
وقوله: (لو أدركني موسى لزمه أن يتبعني) ؛ لأنه يقتضي [أن يكون] واحداً من أمته، فيلزمه اتباعه.
فإن قيل: النبي ﷺ جعل العلة في نهيه عن النظر في التوراة: أنه لو كان موسى حيا لم يسعه إلا أن يتبعه، فامتنع أن تكون العلة في النهي كونها مغيرة مبدلة.
قيل (١) :
واحتج: بأن شرع من قبلنا لو كان شرعاً لنا لم يتوقف عن الجواب في الحادثة حتى ينزل الوحي، فلما توقف ولم يعمل بشرع من قبله، ثبت (٢) أنه ليس بشرع له.
والجواب: أنه توقف؛ لأنه لم يكن عنده الحكم، ولا ثبت عنده الحكم في شرع غيره، فلهذا توقف، ألا ترى أن ما ثبت عنده صحته من أحكامهم، مثل استقبال بيت المقدس في الصلاة (٣) ، وغير ذلك، لم يتوقف فيه، بل كان يسارع إلى اتباعه والاقتداء به.
واحتج: بأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لأمة نبي في شيء، ومصلحة أمة أخرى في ضدها، فإذا لم يمتنع هذا امتنع (٤) أن يكون: شرعهم شرعاً لنا.
стр. 962
والجواب: أنه لا يمتنع أن تكون مصلحة لهم، ويتصل بأمة بعدها، كما أن الصحابة تتعبد بما هو مصلحة لهم، ويكون شرعاً وديناً لمن بعدهم من التابعين.
واحتج: بأنه لو وجب علينا اتباع شرعهم لوجب أن نتتبع أدلتهم ونعرفها، كما يجب ذلك في حكم الإسلام، ولوجب علينا حفظ شريعتهم ودراستها.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يقال: إنه ثبت عندنا صحة بعض الأدلة بالأوجه التي ذكرناها، فوجب (١) المصير إلى موجبه والعمل به، كما يجب المصير إلى نفس الحكم، ويجب حفظه ودراسته ما يلزمنا حكمه، وهو ما ثبت عندنا كونه شرعاً لهم، فأما ما لم يثبت، وإنما يخبرون هم به، فإنه لا يجب ذلك؛ لأن حكمه لا يلزمنا.
واحتج: بأنه إنما يجب الرجوع إلى أحكام [١٠٩/أ] الشرع، إذا عرف جمل أحكامه وتفصيلها، لجواز أن يكون هناك ناسخ أو شيء يخص العام، وهذا غير ممكن في شرعهم.
والجواب: أن ما أخبر الله تعالى به فالظاهر أن حكمه ثابت غير منسوخ ولا مخصوص، لأنه لو كان منسوخاً أو مخصوصاً، لكان مطرحاً، ولم يبين حكمه.
واحتج: بأنه أضاف جميع الشرع إلى موسى وعيسى.
والجواب: أن هذا لا ينفي أن يكون الشيء منه شرعاً لغيره، لأننا نقول: إن جميعه مضاف إليه، وإن كان قد يلزم حكمه لغير أهل ملته.
стр. 963
واحتج: بأنه لو كان شرع من قبلنا شرعاً لنا، لوجب أن يبعث نبين في وقت واحد بشريعة واحدة، فلما لم يجز هذا، ثبت أنه ليس شرع من قبلنا شرعاً لنا، لأنه يفضي إلى أن يكون شرع نبيين على وجه واحد.
والجواب: أنه يجوز، وقد فعل، بعث إبراهيم وابن أخيه بشريعة واحدة، في وقت واحد، وبعث موسى وهارون بشريعة واحدة، في وقت واحد.
على أنه لو كان الأمر على ما قالوه، فإنما يمتنع هذا لوجود نبيين في وقت واحد، فأما إذا انقرض واحد، وقام غيره بعده، فإن شريعته شريعة نبي واحد.
واحتج: بأن جميع الشريعة مضافة إلى نبينا، فلو كان ما ليس فيها يجب العمل به بشريعة غيره، لم تضف إليه.
والجواب: أن ما يتبعه من شرع غيره، فهو شريعته، ومضاف إليه؛ لأنه لم ينسخه عنا.
فصل (١)
فأما قبل البعث، فإن نبينا ﵇ كان متعبداً بشريعة من قبله، سواء قلنا: ليس شرع من قبله له بعد البعث، أو قلنا: هو شرع له.
وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية حنبل فقال: من زعم أن
стр. 964
النبي ﷺ كان على دين قومه، فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب؟
وبه قال أصحاب الشافعي (١) .
وقال قوم: ذلك على الوقف (٢) ، يجوز أن يكون متعبداً، ويجوز أن لا يكون.
وحكى أبو سفيان السرخسي عن أصحابه (٣) أنه بعد البعث شرع من قبله قد صار شرعاً له، لا من حيث كان شريعة له قبله، فأما قيل أن يبعث، فإنه لم يكن متعبداً بشيء من الشرائع.
والدلالة على أنه كان متعبداً: ما تقدم من قوله تعالى: (ثُم أَوْحيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتبعْ مِلة إبْرَاهيمَ) (٤) ، وغير ذلك من الآيات.
ولأنه قبل البعث كان متبعاً لهم، بدليل أنه ركب الحيوان، وأمر بذبح الحيوان، وأكل لحمه، وحج واعتمر مراراً، فقيل: انه حج ثلاثاً، وكل هذا لا يوجد [١٠٩/ب] بالعقل، وإنما يفعل يشرعا، ثبت أن ما فعله شرع من قبله.
فإن قيل: ركوب الحمار وذبح الحيوان بالعقل.
قيل: الحج والعمرة لا يثبتان (٥) بالعقل، وقد فعل ذلك، ثبت أنه
стр. 965
فعل ذلك بالشرع لا غير.
وكذلك ذبح الحيوان ينافيه العقل، لما فيه من إيلام الحيوان. وكذلك الحصل عليه وركوبه (١) ، طريقه الشرع دون العقل.
واحتج المخالف: بما تقدم لمن منع أن يكون شرع من تقدم شرعاً لنا، وقد أجبنا عنه.
واحتج: بأنه لو كان كذلك لوجب ظهور عمله بتلك الشريعة واقتدائه بها، ولو ظهر لنقل، ولم يخفَ على أهله ومن أتى به.
والجواب: أنه قد ظهر، ونقل مما ذكرناه عنه من صلاته وصيامه وحجه وعمرته وذبحه وركوبه. ن (٢) .
стр. 966
باب النسخ (١)
حقيقة النسخ: هو الرفع والإزالة، ومنه يقال: نسخت الريحُ التراب والآثار، إذا أزالت ذلك. ونسخت الشمسُ الظل، إذا أزالته.
وقد يعبر به عن نقل الخط مِنْ موضع إلى كل موضع، يقال: نسخ فلان هذا الخبر إذا نقل ما فيه. ومنه قوله تعالى: (إنَّا كنَا نستنسخ ما كنتم تعملون) (٢) ، يعني نكتبه وننسخه، وهذا مجاز.
ويفتقر النسخ إلى وجود خمس شرائط:
أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، فإن كان ملفوظاً به معه، فإنه يكون استثناء وتخصيصاً.
وأن يكون الحكم المنسوخ قد ثبتت بالشرع، ثم رفع، فأما إن كان الناس فعلوا شيئاً بعادة لهم، أقروا عليها، ثم رفع ذلك، لم يكن نسخاً، وكان ابتداء شرع.
стр. 967
وأن يكون الرافع المزيل دليلاً شرعياً، فأما إن زال حكم العبادة من غير دليل، كمن جنَ أو مات، فإن فرض العبادة يسقط عنه، ولا يكون نسخاً.
وأن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معلومة، بل كانت مطلقة فقطع دوامها في الثاني. فأما إن كانت معلقة بمدة معلومة ففي نسخها كلام.
وأن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله، ولا يكون أضعف منه.
مسألة (١)
يجوز نسخ الشرائع عقلاً وشرعاً.
وقد قال أحمد ﵀ في رواية صالح وأبي الحارث: قوله تعالى: (ما نَنْسَخْ منْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأهَا) (٢) أن ذلك لجواز النسخ، وأن الله
стр. 968
تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب.
وبهذا قالت الجماعة.
وحكي عن أبي مسلم الأصفهاني (١) : أنه كان يمنع وقوع النسخ شرعاً ويجيزه عقلاً (٢) .
стр. 969
واختلفت [١١٠/أ] اليهود في جواز نسخ الشرائع على مذاهب:
منهم من منع ذلك من طريق العقل.
ومنهم من قال: لا يجوز من جهة السمع.
ومهم من قال: يجوز من جهة السمع والعقل، ولكن لا يؤمن بما جاء به نبينا، ولا يقر بمعجزاته، ولا يقبل شريعته.
والدلالة على جوازه شرعاً:
أن التوجه إلى بيت المقدس كان واجباً بلا خلاف، ثم نسخه الله بالتوجه إلى الكعبة، بقوله تعالى: (فَوَل وَجْهكَ شطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ) (١) الآية.
وكذلك تقديم صدقة بين يدي نجوى النبي ﷺ ، كان واجباً بقوله تعالى: (إذَا نَاجيتم الرَّسُولَ فَقَدمُوا بيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَة) (٢) ثم نسخ الله تعالى ذلك (٣) .
стр. 970
وقال تعالى: (ما نَنسَخ من آيَةِ أَوْ نَنْسَأهَا (١) نَأتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (٢) فأخبر أن فيه ناسخاً ومنسوخاً.
وقال تعالى: (فبِظُلْم من الذينَ هَادُوا حَرمنا عَلَيْهمْ طَيِّبَات أحِلَّتْ لَهُمْ) (٣) ، فأخبر أنه قد حرّم عليهم ما كان حلالاً لهم. وهذا هو النسخ. ونظائر ذلك كثير.
والدلالة على جوازه عقلاً:
أن الناس في التكليف على قولين:
منهم من قال: لله تعالى أن يكلف عباده بما شاء أن يكلفهم، لمصلحة ولغير مصلحة، ولكن لا يختلف أن التكليف إنما وقع على وجه المصلحة، كما أن ما يفعل فينا إنما يفعله للمصلحة.
ومنهم من قال: حسن التكليف لما فيه من مصالحهم.
وأيهما كان فإن النسخ يجب أن يكون جائزاً، لأنه على القول الأول، النسخ بمنزلة ابتداء التكليف، وعلى القول الثاني لا يمتنع أن يختلف حال المكلف في المصلحة، فيختلف التكليف، ألا ترى أن الرجل قد يكون من مصلحته في وقت البر واللطف، وفي وقت آخر مصلحته التشديد والعنف.
ويبين صحة هذا أن الطاهر تصوم وتصلي، والحائض تمنع منها.
ولأن تأخير بيان المراد باللفظ العام من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز، كتأخير بيان التخصيص، وهو تأخير لبيان المراد باللفظ العام في
стр. 971
الأعيان، مثل قوله تعالى: (فَإذَا انْسَلَخَ الأشْهرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمشْركينَ) (١) وما أشبه ذلك.
فإن قيل: تخصيص عموم القرآن يجوز بخبر الواحد وبالقياس، ولا يجوز نسخه بهما.
قيل: يجوز ذلك في العقل، كما جاز ذلك في التخصيص، وإنما منعناه (٢) شرعاً، وهو أن التخصيص لا يرفع الجملة، فجاز أن يقع بما هو دونه، والنسخ يرفع الجملة فلم يقع إلا بما هو أقوى من المنسوخ.
ولأن عندهم أن اعتقاد نبوة موسى ﵇، قبل أن بعث وظهرت معجزاته لا يجوز، ولم يجز الإخبارُ عن الله تعالى في تلك الحال وكان محظوراً، فلما ظهرت المعجزة على يده، صار الإخبار بثبوته طاعة، فما أنكرتم أن يكون الشيء عبادة ثم يخرج من [١١٠/ب] أن يكون عبادة.
وأيضاً: لما حسن أن ينقلنا من حال إلى حال في الخلقة، فننقل من الصغر إلى الكبر. ومن الشباب إلى الهرم، ومن الصحة إلى السقم، ومن الحياة إلى الممات، حسن أن ينقلنا في التكليف، لأنه لا فرق بين ما يفعله بنا، وبين ما يأمرنا بفعله.
ولأن الله تعالى أمر آدم ﵇ بتزويج بناته من بنيه، وحرم ذلك في شريعة من بعده من الأنبياء.
وأباح العمل في السبت على ألسنة سائر الأنبياء، وحرمه على لسان موسى ﵇.
وكذلك إبراهيم ﵇ خَتَن نفسه بعد الكبر. وهم يزعمون أن من
стр. 972
شرع موسى المبادرة إلى الختان في اليوم الذي في يولد المولود.
وكذلك يزعمون أن يعقوب جمع بين الأختين في وقت واحد، وذلك لا يجوز في شريعة موسى. وهذا يدل على بطلان ما قالته اليهود، لعنهم الله.
واحتج من منع ذلك عقلاً:
بأن النسخ يفضي إلى البَدَاء، فإنه قد يكون أمر بشيء وأراده ثم علم من حال المأمور به في الثاني ما لم يكن قد علمه منه في وقت الأمر به، فأوجب النهي عنه، إذ لو لم يكن ذلك لكان بيّن مدة الفعل في وقت الأمر، وفي حصول الإجماع على بطلان ذلك دليل على فساد قول ما أدى إليه.
والجواب: أنا لا نقول: إنه لما أمر بها أراد بقاءها على الدوام، ثم بان له خلاف ذلك فنسخها، بل نقول: أمر بما أمر به، وهو عالم بما أمر وبما ينهي عنه بعده، ولم يظهر له شيء كان خفياً عنه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، بل نقول: إنه حين أمر بها أمر وهو يريد بقاءها والتعبد بها، إلى أنه معلوم عنده أن فيه مصلحة أو لا مصلحة فيه، وإن لم يطلع عليه، ولا يوجب ذلك أن يكون قد ظهر له منه في حال النهي مالم يكن عالماً به، ألا ترى أنه إذا نهى عن فعل من الأفعال ابتداء، فإنه لا يوجب ذلك أن يكون عالماً حال النهي ما لم يكن قد علمه قبل ذلك، ثم هذا يبطل بنقل الانسان من حال إلى حال.
وقيل الجواب عن هذا: إنما يقتضي البَدَاء لو أمر بفعل عبادة في وقت، ثم ينهي عنها في ذلك الوقت على جهة واحدة، فأما إذا نهي عن مثل تلك العبادة التي أمر بها، فلا يفضي إلى البدَاء.
وقد كشف بعض المتكلمين عن هذا الجواب، وقال: إن هذا
стр. 973
يجري مجرى ما لو علق الآية بمدة، نحو قوله: "صلوا عشرين سنة"، فإن ما بعد المدة يسقط الأمر على غير وجه البَدَاء، كذلك إذا أمر به مطلقاً إلى مدة معلومة عنده، وكذلك أفعال الله تعالى تجري هذا المجرى بدليل أنه يغني الواحد في وقت، ويفقره في وقت آخر، ويسود الشيء في وقت، ويبيضه في وقت، [١١١/أ] ويحرك الشيء في وقت، ويسكنه في وقت، ويحييه في وقت، ويميته في وقت.
وكذلك آدم كان يزوج بناته من بنيه، وكان مباحاً، ثم حظره الله تعالى عندهم.
وكذلك جميع ما شرعه موسى لم يكن لمن قبله من الأنبياء.
وكذلك اختتان إبراهيم ﵇ بعد الكبر.
واحتج: بأنه يؤدي إلى التناقض من قبَل أنه أمر بعبادة، وكان عملها حسنا، فإذا نهي عنها بعد مدة يصير فعلها مفسدة، بعد أن كان مصلحة.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى ذلك، لأنا لا نجعل العبادة الواجبة مصلحة ومفسدة، أو حسنة وقبيحة، وإنما نجعل العبادة مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر. ثم إن هذا يبطل بانتقالنا من حال إلى حال.
واحتج: بأن الأمر إذا ورد مطلقاً اقتضى فعل المأمور به أبداً، ووجب على المأمور أن يعتقد وجوبه عليه أبداً، ويكون ذلك الاعتقاد حسناً، فلو جاز ورود النهي عن مثل ذلك في المستقبل، لكان ذلك دلالة على البداء؛ لأنه قد نهي عما وقع الأمر به على الوجه الذي أمر به، ولصار الاعتقاد الذي كان محكوماً له بالحسن قبيحاً.
والجواب: عن قوله: إن الأمر يقتضي فعل المأمور به أبداً، خطأ؛ لأن التكليف قد يسقط بمعانٍ (١) تطرأ على المكلف، مثل الموت والجنون
стр. 974
والعجز، وما يجري هذا المجرى، فكيف يصح أن يكون الأمر مقتضياً لوجوب المأمور به أبداً.
وقوله: إن ذلك يكون بدَاءً، خطأ؛ لأن النهي ها هنا لا يقع عما وقع الأمر به، وإنما وقع النهي عن مثله في المستقبل، وهذا غير ممتنع؛ لأن الفعلين قد يكونا متماثلين من جنس واحد، مع كون أحدهما حسناً وفيه المصلحة، وكون الآخر قبيحاً ولا مصلحة فيه، ألا ترى أن اعتقاد المكلف نبوته، واعتقاده لها يكون مصلحة بعد بعثه الله تعالى إياه، ولا يكون مصلحة قبل أن يبعثه نبياً.
وقولهم: إن عليه أن يعزم على الفعل ويعتقده أبداً، فليس كذلك، وإنما يعتقد وجوبه إلى ما لم يرفع عنه.
واحتج: بأنه لو جاز ورود النسخ في الشرائع، لجاز مثله في اعتقاد التوحيد.
والجواب: أن الفعل الشرعي يجوز أن يكون مصلحة في وقت، ولا يكون مصلحة في وقت آخر مع بقاء التكليف، ويكون مصلحة لزيد، ولا يكون مصلحة لعمرو.
فاما فعل التوحيد، فلا يخرج عن أن تكون المصلحة فيه لجميع المكلفين وفي جميع الأوقات.
يبين صحة هذا: أنه لايجوز أن يجمع بين الأمر بالفعل الشرعي وبين النهي عن مثله، بأن يقول: "صلوا هذه السنة، ولا تصلوا بعدها"، ولا يجوز أن يجمع بين إيجاب اعتقاد التوحيد وبين النهي [١١١/ب] عن مثله في المستقبل.
واحتج: بأنه لو جاز ورود النهي عن الفعل بعد ورود الأمر بمثله مطلقاً، لكان ذلك مؤدياً إلى أن لا يكون ها هنا معنى يدلنا على تأبيد
стр. 975
العبادة، وفي ذلك إبطال قدرة الله تعالى على أن يدلنا على تأبيد العبادة إلى وقت زوالها بزوال التكليف.
والجواب: أنه يجوز تأبيد العبادة بأن ينقطع الوحي، أو يضطر إلى قصد (١) الرسول فيه، كما اضطررنا إلى قصده في تأبيد شريعته، وأنه لا نبي بعده.
واحتج من قال منهم بأنه لا يجوز النسخ شرعاً: بما روي عن موسى ﵇ أنه قال: "شريعتي مؤبدة ما دامت السموات والأرض".
والجواب: أن هذا كذب.
وقيل: إن أول من قال هذا لليهود ابنُ الراوندي (٢) بأصبهان (٣) ، فإنه أخذ منهم دنانير، وعلمهم ذلك، وقال: قولوا لهم: إن شريعتنا مؤبدة، كما يقولون.
стр. 976
والدليل على ذلك: أن هذا لو كان صحيحاً لوجب أن يكون اليهود قالوا لعيسى ونبينا صلى الله عليهما وسلم مع تصديقهما لموسى ﵇ ومخالفتهما لشريعته ﵈، فلما لم ينقل أن أحداً قال لهما هذا، مع حرصهم على تكذيبهما والرد عليهما وتنفير الناس عنهما، دل على أنه لا أصل له.
وجواب آخر وهو: أنه لو ثبت لكان معناه إلا أن يدعو صارف إلى تركها وهو من ظهرت المعجزة على يده، وثبتت نبوته، مثل ما ثبتت نبوة موسى، والخبر يجوز تخصيصه كما يجوز تخصيص الأمر والنهي.
فصل (١)
والنسخ في اللغة عبارة عن شيئين:
أحدهما: الإزالة، فإذا كان في موضع آثار، فزالت، قالوا: "نسخت الآثار"، ويقال: "نسخت الشمس الفيء"، إذا أزالت الفيء.
والثاني: عبارة عن نقل مثل الشيء عن موضعه إلى موضع آخر، ومنه قوله تعالى: (إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كنْتم تَعْمَلُون) (٢) ، معناه ننسخ العمل، وهو باق على ما كان (٣) .
وهو في الشرع: عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ العام في الزمان، مع تراخيه عنه.
стр. 977
وقولنا: مع تراخيه، احتراز من التخصيص، فإنه يكون متراخياً ومقارناً. ولا يبطل هذا بقوله: (ثُم أَتمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْل) (١) ، أن زمان العبادة ينقص، وليس بنسخ؛ لأَنا قلنا مع تراخيه، والحد مقارن.
وقال قوم من المتكلمين: هو إخراج ما أريد باللفظ. وهذا غلط، لأنه يؤدي إلى البَداء على الله تعالى فإنه إذا أراد أن يكون التوجه إلى بيت المقدس واجباً بعد ستة عشر شهراً، ثم لم يرد ذلك، كان بداءً، وذك لا يجوز عليه لاستحالة جواز الجهل [١١٢/أ] والنسيان عليه.
فإن قيل: فقد أجزتم نسخ الشيء قبل فعله، وإن كان بداءً.
قيل: ليس ذلك بداءً؛ لأنه يحمله على أن الأمر اقتضى مقدمات الفعل، ويكون تقديره ما لم أنسخه عنك؛ لأنه ليس من شرط الأمر إرادة المأمور به.
الفرق بين النسخ والتخصيص
والفرق بين النسخ والتخصيص من وجوه:
أحدها: من شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ، فلا يسبقه، ولا يقارنه. وأما التخصيص: فالذي يقع به التخصيص يصح أن يسبق المخصوص ويقارنه ويتأخر عنه.
والثاني: لا يصح النسخ إلا بمثل المنسوخ في القوة، وأقوى منه، والتخصيص يصح بمثل المخصوص وما دونه، وأضعف منه، لأن
стр. 978
التخصيص لا يرفع كل الخطاب، وإنما يخص بعضه، وترك الباقي على ما هو عليه، فكان أخف من النسخ، فصح التخصيص بأخبار الآحاد والأفعال والقياس، والنسخ أقوى؛ لأنه رفع الخطاب كله، فقوي في بابه، فلا يجوز رفعه إلا بمثله في القوة أو ما هو أقوى.
الثالث: النسخ يرفع كل النطق، والتخصيص يبقي بعض اللفظ (١) .
فصل (٢)
والنسخ على ثلاثة أضرب: نسخ الحكم دون الرَّسْم، ونسخ الرسم دون الحكم، ونسخ الرسم والحكم.
أما نسخ الحكم دون الرسم فجائز، وذلك مثل الوصية للوالدين والأقربين (٣) . ومثل عدة الوفاة، فإن ذلك منسوخ، ورسمه في القرآن.
وذلك أن العدة كانت في بدء الأمر حولاً، فنسخت إلى أربعة أشهر وعشر، وهما جميعاً في القرآن، قال تعالى: (وَالّذِين يتَوَفّوْنَ مِنْكُم وَيَذَرُونَ أزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِم مَتَاعاً إلَى الْحَوْلِ
стр. 979
غيرَ إخْراج) (١) ، نسخ بقوله: (والّذِينَ يتوَفَّوْنَ منْكُم وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسهن أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً) (٢) .
وأما نسخ الرسْم دون الحكم فجائز أيضاً، وذلك مثل آية الرجم، وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لولا أن يقال: عمر زاد في كتاب الله، لكتبت في حاشية المصحف: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة، نكالاً من الله والله عزيز حكيم (٣) .
وكذلك نسخ التتابع في صوم كفارة اليمين في قراءة عبد الله، وبقي حكمها (٤) .
стр. 980
وقال قوم: لا يجوز نسخ الرسم مع بقاء حكمه.
دليلنا:
أن التلاوة لا تفتقر إلى الحكم الشرعي، ولا الحكم الشرعي يفتقر إلى التلاوة، بل يجوز أن ينفصل كل واحد كل منهما عن الآخر؛ لأن الحكم قد يثبت من غير تلاوة، مثل أفعال النبي، فصارت التلاوة مع حكمها بمنزلة عبادتين، فلما جاز نسخ إحدى العبادتين دون الأخرى، كذلك نسخ التلاوة [١١٢/ب] دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة.
فإن قيل: لما لم يجز وجود العلم في القلب من غير أن يكون صاحبه عالماً، ولا وجوده عالماً من غير وجود العلم في قلبه، كذلك لا يجوز وجود الحكم من غير تلاوة.
قيل: قد بينا هذا، وقلنا: إن التلاوة والحكم ينفصل كل واحد منهما، وليس كذلك العلم، لأنه لا يجوز أن ينفصل كونه علماً يعلم من العلم الذي صار به عالماً.
وأما نسخهما فمثل ما روي عن عائشة ﵄ أنها قالت: (كان فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات معلومات فتوفي (١) رسول الله ﷺ ، وهي مما يقرأ في القرآن) (٢)
стр. 981
فكانت العشر (١) منسوخة الحكم والرسم.
وقد ينسخ إلى بدل وغير بدل:
فما نسخ إلى غير بدل: العدة حولاً إلى أربعة أشهر وعشر، وما زاد على أربعة أشهر لغير بدل.
وما ينسخ إلى بدل فعلى أربعة أضرب: نسخ واجب إلى واجب، وواجب إلى مباح، وواجب إلي ندب، ومحظور إلى مباح.
فأما واجب إلى واجب، فعلى ضربين:
واجب مضيق إلى مثله، كنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة (٢) .
وواجب مخير إلى مضيق، كالصيام، كان المطيق القادر عليه في صدر (٣) الإسلام مخيراً بين الصيام والفدية، فنسخ إلى مضيق وحتم (٤) ،
стр. 982
قال الله تعالى: (وَعَلى الّذينَ يطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَام مَسَاكِين) (١) ، ثم قال: (فَمنْ شَهِدَ مَنْكُمُ الشَّهْرَ فَليَصُمْهُ) (٢) .
وأمّا واجب إلى مباح، فالصدقة عند مناجاة الرسول، كانت واجبة بقوله تعالى: (إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدموا بيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدقة) (٣) ، فنسخ ذلك الوجوب إلى جواز تركها وجواز فعلها بقوله [تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدَمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكمْ فَأَقيموا الصَلاَةَ وَآتُوا الزكاةَ ٠٠٠) ] (٤) وأما واجب إلى ندب [فـ] كالمصابرة في صدر الإسلام، على كل واحد أن يصابر عشرة، فنسخ إلى اثنين، وندب إلى ما زاد بقوله تعالى:
стр. 983
(إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عشْرونَ صَابِرُونَ يَغْلبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يكنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبوا أَلْفاً مِنَ الَّذينَ كًفَرُوا) (١) فنسخ الله هذا رحمة منه لعباده ورخصة بقوله: (الآنَ خَففَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أن فِيكُمْ ضَعْفاً فَإنْ يَكنْ منكمْ مائةٌ صابِرَةٌ يَغْلبوا مِائَتيْنِ وَإنْ يَكُنْ منْكُمْ أَلْفٌ يَغْلبُوا أَلْفَيْنِ بإذْن الله) (٢) فنسخ إلى مصابرة كل واحد اثنين، وندب إلى مصابرة أكثر.
وأما نسخ حظر إلى أمر (٣) إباحة، كقوله: (عَلِمَ اللهُ أنّكُمْ كنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عليْكمْ وَعفَا عنكمْ فَالآْنَ بَاشَرُوهُن وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لكُمْ وَكُلُوا وَاشْربُوا حَتّى يَتَبَيّن لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الْخَيْط الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (٤) فكان الأكل والشرب والمباشرة [١١٣/أ] محظورَة، ثم نسخت.
وقال ﷺ : (كنتم قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا إلا خيراً) ، فأباحه بعد الحظر.
مسألة (٥)
يجوز نسخ الشيء بمثله، وأخف منه وأثقل.
وهو قول الجماعة.
واختلف أهل الظاهر فيما حكاه الحرزي في مسائله:
стр. 984
فذهب جماعة منهم إلي هذا.
ومنع منه آخرون، وقالوا: لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل، وهو قول أبي [بكر بن] (١) داود.
دليلنا:
أن الله تعالى أوجب الصوم في أول الإسلام على التخيير. ثم نسخ ذلك وحتمه: والانحتام أغلظ من التخيير.
وهكذا كان حد الزاني في أول الإسلام الحبس (٢) بقوله تعالى: (وَالَلاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائِكُم فَاسْتَشْهِدُوا عَليْهِن أَرْبعة مِنْكمْ فَإنْ شَهِدُوا فأَمْسكوهُن فِي الْبُيوتِ حَتّى يَثوَفاهن الْمَوْتُ أَوْ يجْعلَ الله لهن سَبِيلاً) (٣) ثم نسخ ذلك، وجعل حد البكر الجلد والتغريب، والثيب الجلد والرجم. وهذا نسخ شيء إلي ما هو أغلظ منه وأشد، فثبت جواز ذلك.
ولأن حقيقة النسخ: الرفع والإزالة، وإثبات الحكم الثاني طريقه ابتداء شرع، لا أنه من مقتضى الحكم الأول وموجبه، ألا ترى أن الله تعالى لو رفع حكماً ولم يثبت مكانه شيئاً آخر كان ذلك نسخاً، فلم يمتنع أن يزيل حكماً ويثبت مكانه أغلظ منه وأشد؟
стр. 985
ولأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في الأغلظ، وفيما مضى من الأخف.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (ما ننْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نَنْسأها نَأت بِخيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) ومعلوم أنه لم يرد بقوله: خيراً منها فضيلة الناسخ على المنسوخ؛ لأن القرآن كله متساوي الفضيلة، فعلم أنه إنما أراد بالخير الأخف.
والجواب: أن الشيء إنما يوصف بأنه خير من غيره؛ لأن النفع الذي فيه يكون موفياً على النفع الذي في غيره. ألا ترى أنك تقول: فعْلُ الفرض خير لك من فعل النافلة، تريد (٢) أنه أنفع له (٣) ، ومعلوم أن النفع في الفعل، إنما يكثر بكثرة المشقة فيه، أو بكثرة انتفاع غير الفاعل به، بدلالة أن القتال في سبيل الله أكثر نفعاً في باب الثواب من الصوم؛ لأن المشقة فيه أكثر من المشقة في الصوم، وإن دعوة نبينا إلى دين الله تعالى كانت أعظم ثواباً من دعوة غيره من الأنبياء ﵈. لأنه قد انتفع بها أكثر مما انتفع بدعوة غيره، [١١٣/ب] إذ كان من أجابه إليها أكثر ممن أجاب إلى دعوة غيره من النبيين، وإن كان فيهم من لحقه من المشقة أكثر مما لحق نبينا ﵇، فإذا كان فعل الأشق أنفع من فعل الأخف في باب الثواب وجب أن يكون أنفع منه، فيصح النسخ به.
واحتج بأن النسخ في اللّغة هو الإزالة، وإسقاط العبادة، فمقتضاه التخفيف دون التثقيل.