← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ابن أبي سعيد الخُدْرِي، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول على المنبر: «ما بال أقوام (١) يقولون: إن رحم رسول الله، ﷺ ، لا تنفع يوم القيامة قومه (٢)؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فَرَطٌ لكم على الحوض (٣)». وحدثنا محمد بن يوسف، أنبأنا أبو القاسم: جعفر بن محمد المُوسوِيّ، بمكة، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب خطب أم كلثوم إلى علي بن أبي طالب، فذكر القصة إلى أن قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «إنّ كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة، إلا ما كان من سببي ونسبي (٤)».

стр. 107

ورواه محمد بن سحاق بن يسار، عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين. وروى عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن الحسن (١) بن الحسن، عن أبيه، عن عمر، عن النبي، ﷺ . وروى عن عُقبْةَ بن عامر، عن عمر بن الخطاب، عن النبي، ﷺ . وروى عن ابن عباس، وعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، وعن ابن عمر، عن النبي، ﷺ . * * * قال أحمد: وكنت حين بلغني وُقُوع من وَقَعَ في الشافعي، وطَعْنُه (٢) فيه بقلة العلم بالكتاب (٣)، وأنه لم يكن من أهل الاجتهاد - جمعتُ ما وصلت إليه يدي من كتب الشافعي، ﵀، ورددت مسائله إلى ترتيب (٤) مختصر أبي إبراهيم المزني، ﵀. ثم نسخها بعض أصحابي بخط دقيق، فوقعت في قريب من عشر مجلدات، كلّها من كلام الشافعي، ﵀، سوى ما وضع (٥) في أصول الفقه في كتاب «الرسالة القديمة» ثم «الجديدة»، وفي «كتاب جماع العلم» و «كتاب إبطال الاستحسان» و «كتاب اختلاف الأحاديث»

стр. 108

و «كتاب اختلافه ومالك» و «كتاب صفة الأمر والنهي» وغير ذلك مِمَا (١) صنّفه في الأصول، فإنّي لم أنقل كلامه في هذه الكتب إلى كتابي على الوجه، وإنما نقلت إليه ما احتجت إليه من مسائل الفروع. وله كتب رواها عنه الحسين بن علي الكَرابِيسِي، وحسين الفلاّسي، وأحمد بن يحيى بن عبد العزيز، المعروف بأبي عبد الرحمن الشافعي - لم تقع إلى ديارنا «إلا كتاب السير» رواية أبي عبد الرحمن. وله كتب وأمَالٍ رواها عنه حَرْمَلَة بن يحيى وغيره من المصريين - لم يقع منها إلى ديارنا إلا القليل، وفيما وقع إلى ديارنا - من رواية الحين بن محمد الزَّعْفَرَاني، والرّبيع بن سليمان المُرَادِي، وأبي إبراهيم المُزَني (٢) وحَرْمَلَةَ ابن يحيى وغيرهم، ورَدَدْتُهُ الى ترتيب المختصر وجمعته - كفايةٌ تامة. وفيه بيان خطأ من نسبه الى قلة العلم - أو (٣) قلّة الكتاب. ومن نظر في كتبه المصنَّفة في الأصول، وكان من أهل الاجتهاد - علم أنّه كان من أهل (٤) الاجتهاد. ومن وقف على الحكايات التي وردت عن علماء عصره، وفقهاء دهره، الذين مات بعضهم قبله، وبعضهم بعده - عرف اعترافهم له بالعلم والتقدّم، وأنّه لم يُسبَق إلى التصنيف في الأصول، وأنهم عنه أخذوا هذا النوع من العلم.

стр. 109

وظاهر بيِّنٌ في كتب من صنّف في أصول الفقه بعده - أنهم عنه اقتبسوا علمها، وعلى تأسيسه (١) وضعوها. وفي انتفاع من انتفع بعلمه في وقته، وينتفعون به بعده - دليلٌ واضح على صحة عزمه، وجميل عَقْدِه، وأنّه أراد الله سبحانه بما كان من جهده واجتهاده في تصنيف الكتب، وتقريب ما أَوْدَعَها على من (٢) أراده، بإيجاز لفظه (٣)، والإشارة إلى معانيه التي تهديه إلى أشباه (٤) ما أوْرَدَه، مع عَجَلَةِ موته، وقصر مدته، رحمة الله عليه ورضوانه، فلم يدع لعائب فيما قدّمه مَغْمَزا، ولا لحاسد (٥) فيما رسمه مَرْتَعاً (٦). وقد أحسن أبو الحسين: مسلم بن الحجَّاج النَّيْسَابُورِي فيما ذَبَّ عن الشافعي، ﵀، فيما عيب (٧) به في مسألة ذكرها، وحكى قوله فيها، ثم قال: فقد أعطى الحق مِنْ نفسه، ولم يترك للعائب فيه قولا، ولا لُعيَّا به موضعاً. وقد أحسن الشاعر في وصف الرجل العَيَّابَةِ للأقوام، حيث يقول: رُبّ عَيّابٍ لهُ مَنْظرٌ ... مُشْتَمِلُ الثّوبِ عَلَى العيْبِ (٨) وقال غيره (٩):

стр. 110

شَرُّ الرّجَالِ يُريدُ عَيْبَ خِيَارِهِم ... وكذاك كُلُّ مُلَطَّخٍ بعيوب واذا (١) اشتغل الإنسان بما (٢) فيه من العيب لم يتفرغ إلى عيب غيره. ولذلك (٣) قال عبد الله بن عباس، ﵄، [فيما (٤)] أخبرنا أبو زكريا (٥): يحيى بن إبراهيم، أخبرنا أحمد بن سليمان الفقيه، حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد (٦): أنهم ذكروا رجلا، فقال ابن عباس: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك. وقال (٧) الحسن البصري، ﵀، في هذا المعنى [ما (٨)] أخبرنا أبو علي: الحسين بن محمد بن محمد بن علي الرُّوذَبَارِيّ، أخبرنا أبو عبد الله: الحسن ابن الحسين بن أيوب الطُّوْسِيّ، حدثنا أبو خالد: يزيد بن محمد بن حمّاد المكي، حدثنا المِنْهَالُ بن بحر، حدثنا أبو عبيدة النَّاحِي (٩) قال:

стр. 111

قال الحسن: ابن آدم، كيف تكون مؤمناً ولا يأمنك جارك؟ ابن آدم، كيف تكون مسلما ولا يسلم الناس منك؟ ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الإيمان في قلبك حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بإصلاح ذلك العيب، فإذا فعلت ذلك لم تصلح عيباً إلا وجدت آخر، فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصَّة بدنك. وخَيْرُ عبادِ الله تعالى، من كان كذلك. * * * وقد سألني بعض أصحابنا (١) من أهل العلم والبصيرة أن أجمع كتاباً مشتملا على: ذكر مولد الشافعي، ﵀، ونسبه، وتعلمه وتعليمه، وتصرفه في العلم، وتصانيفه، واعتراف علماء دهره بفضله، وما يستدل به على كمال عقله، وزهده في الدنيا، وورعه، واشتهاره بخصال الخير، ومكارم الأخلاق في وقته، وبعد وفاته – فأجبته إلى مسألته اقتصاراً مني في ذكر معرفته بالفقه، وحسن مناظرته على تسمية تصانيفه، وطرف من حكاياته، دون ذكر كيفية تصرفه؛ فإن العلم به إنما يقع بالنظر في كتبه المصنَّفة في أصول الفقه. ثم في «المبسوط» المَرْدُوْدِ إلى ترتيب المختصر. ثم في «السنن» التي خرّجتُها على مسائل المبسوط في مائتي جزء وأكثر. ثم بالنظر (٢) في كتاب «معرفة السنن والآثار» والذي أوردت فيه كلام

стр. 112

الشافعي على الأخبار بالجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل (١)، في سبعين جزءا. ثم في «كتاب المدخل» المخرّج على أصوله. فيستدل بذلك على صحة أصوله، وحسن بنائه الفروع عليها، موافقاً لشريعة المصطفى، ﷺ ، في اتباع الكتاب، والسنّة، والإجماع، وآثار الصحابة، والقياس على ما ثبت بأحد هذه الأصول. وهذا بعد أن استعنت بالله، ، في إتمامه، وسألته، عزّ اسمه، أن ينفعني والناظرين فيه، وبرئت إليه من حَوْلِي وقوَّتي (٢). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. و (٣ صلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين ٣).

стр. 113

باب ما جاء في مولد الشافعي المطلبي، ﵀ * * * أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: مولد الشافعي [﵁ (١)] بغزّة أو عَسْقَلان (٢). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر: محمد بن جعفر المُزَكِّي، يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق، يقول: سمعت محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ولدت بغزة، وحملتني أمي إلى عسقلان (٣). قال أبو عبد الله الحافظ: ولا أعلم خلافاً بين أصحابه أنه ولد سنة خمسين ومائة، في السنة التي مات فيها أبو حنيفة، رحمهما الله (٤). (٥ قال البيهقي ٥): وهذا الذي ذكره شيخنا أبو عبد الله في كتاب أبي الحسن

стр. 114

العَاصِمِيّ، بإسناده عن موسى بن أيوب النَّصِيْبِي. ثم قال أبو الحسن: وحكى لنا عن (١) الربيع بن سليمان، أنه قال: ولد الشافعي يوم مات أبو حنيفة. ثم رواه عن الزبير الهمذاني، عن علي ابن محمد بن عيسى، عن الربيع. قال أحمد البيهقي: وهذا التقييد باليوم لم أجده في سائر الروايات، فأما بالعام فإنه عام واحد فيما بَيَّنَ أهلُ التواريخ (٢). والذي يدل (٣) عليه ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الصفَّار، حدثنا أبو إسماعيل: محمد بن إسماعيل السُّلَمِي، قال: سمعت أبا نعيم الفضل بين دُكَيْن، يقول: مات أبو حنيفة سنة خمسين ومائة، وولد سنة ثمانين، وكان له يوم مات سبعون سنة، رحمه الله تعالى. وأخبرنا أبو عبد الله، الحافظ قال: أخبرني أحمد بن محمد بن مهدي

стр. 115

الطُّوْسِيّ، حدثنا محمد بن المنذر، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: ولدت بغزة سنة خمسين ومائة (١) وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين. كذا قال: «وحملت إلى مكة» ولعله أراد إلى عَسْقَلان. ثم منها إلى مكة بعد ذلك بزمان، جَمْعاً بين (٢) الروايتين عن ابن عبد الحكم. وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السُّلَمي، حدثنا محمد بن محمد بن داود، حدثنا ابن أبي حاتم، حدثنا ابن أخي: ابن وهب، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: ولدت باليمن، فخافت أمي عليّ الضَّيْعَةَ، فقالت: الحق بأهلك فتكون مثلهم (٣). فجهّزتني إلى مكة وأنا يومئذ ابن عشر سنين (٤). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسين، حدثنا عبد الرحمن، فذكر (٥) بإسناده نحوه -[وزاد] (٦): فإني أخاف أن تُغْلَبَ

стр. 116

على نَسَبِكَ (١). فجهزّتني إلى مكة فَقَدِمْتُها (٢) وأنا يومئذ ابن عشر (٣) أو شبيه بذلك، فصرت إلى نسيبٍ لي، فجعلتُ أطلب العلم، فيقول لي: لا تشتغل بهذا، وأقبل على ما ينفعك. فجعلتُ هِمَّتِي في هذا العلم، فطلبته (٤) حتى رزقني الله منه ما رَزَقَ. كذا ورد في هذه الرواية باليمن، والأول أصح. ويحتمل أن يكون أراد (٥) موضعاً يسكنه بعض بطون اليمن «وغَزَّة (٦)» من ذلك. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي، حدثنا محمد بن محمد بن داود، حدثنا ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن سَوَاد، قال: قال لي الشافعي: ولدت بعسقلان، فلما أتت على سنتان حملتني أمي إلى مكة. وكانت نهمَتِي (٧) في شيئين: الرمي، وطلبُ العلم. فنلت من الرّمي حتى إني لَأَصِيبُ من عشرةٍ، عشرة. وسكت عن العلم، فقلت: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي (٨).

стр. 117

وكذا جاء في هذه الرواية: ولدت بعسقلان. والذي يدل على سائر الروايات من ولادته بغزّة، ثم حمله منها إلى عسقلان، ثم إلى مكة - أشهر، والله أعلم. وغزّة من بيت المقدس على مرحلتين أو أقل، وهي من الأرض المباركة التي بارك الله فيها. وعَسْقَلان من غزّة على ستة أميال.

стр. 118

باب ما جاء في نسب الشافعي، ﵁ * * * أخبرنا محمد عبد الله الحافظ، ويحيى بن إبراهيم، ومحمد بن الحسين، وأحمد بن الحسن (١)؛ قالوا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن الهَمَيْسَع، ابن عمّ رسول الله، ﷺ . قال أبو عبد الله الحافظ: فحدثني أبو الفضل بن أبي نصر، أنه قرأ هذا النسب بعينه بمصر في مقابر بني عبد الحكم، في الحجر منقوراً مكتوباً على قبر الشافعي. وزاد فيه: ابن عدنان بن أُدّ بن أدد بن الهَمَيْسَع بن بنت بن إسماعيل ابن إبراهيم خليل الرحمن. كنيته أبو عبد الله. وأخبرنا أحمد بن محمد (٢) بن الخليل المَالِينِي، حدثنا أبو أحمد:

стр. 119

عبد الله بن أحمد (١) بن عَدِي الحافظ، قال: قرأت على قبر محمد بن إدريس الشافعي، بمصر، على لوحين (٢) [من] حجارة: أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، نسبه إلى إبراهيم الخليل، ﵇ (٣). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الطيب: عبد الله بن محمد القاضي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا أحمد بن روح، حدثنا الحسن بن محمد الزَّعْفَراني، حدثنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف (٤). أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني [محمد بن] أحمد بن محمد المُسافِرِي (٥)، حدثنا محمد بن المنذر، حدثنا المَيْمُوني، قال: سمعت أحمد بن حنبل، يقول لأبي عثمان بن الشافعي: إني لَأُحِبُّك لثلاث خلال: أنك رجل من قريش، وأنك ابن أبي عبد الله، وأنك من أهل السنة (٦).

стр. 120

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو أحمد الحافظ، أخبرنا أحمد بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل البخاري، عند ذكر الشافعي: «محمد بن إدريس ابن العباس: أبو عبد الله الشافعي القرشي. سكن مصر. مات سنة أربع ومائتين. حجازي، سمع مالك بن أنس» هكذا ذكره في التاريخ الكبير (١)، وكذلك منسوباً إلى قريش في التاريخ الصغير، دون ذكر العباس (٢). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل: محمد بن إبراهيم الهاشمي، حدثنا أحمد بن سَلَمَة، قال: سمعت مسلم بن الحَجَّاج، يقول: عبد الله ابن السائب والى مكة صحابي. الصحيح حديثه. وهو أخو الشافع بن السائب: جدّ محمد بن إدريس (٣). قال أحمد: هذا الحديث الذي أشار إليه مسلم بن الحجاج، ﵀، هو حديث رواه ابن جُرَيج، عن محمد بن عبّاد بن جعفر، عن أبي سلمة (٤) بن (٥) سفيان، وعبد الله بن عمرو (٦) بن العاص، وعبد الله بن المسيّب العَابِدِي، عن عبد الله بن السائب، قال:

стр. 121

صلّى النبي، ﷺ ، بمكة الصبح، فاستفتح بسورة (١) المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى - محمد بن عيادشك - أخذت النبيَّ ﷺ ، سَعْلَةٌ. قال: فركع، وابن السائب حاضر لذلك (٢). أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج (٣) فذكره. والسائب بن عبيد (٤) بن عبد يزيد: أبو عبد الله والشافع - أُسِرَ

стр. 122

يوم بدر، وكان شبيها (١) بالنبي، ﷺ ، ثم أسلم (٢). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد القاضي، حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو محمد: أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس (٣) بن عثمان بن شافع، الشافعي، قال: سمعت أبي يقول: اشتكى السائب بن عبيد بن عبد يزيد، قال: فقال عمر بن الخطاب، ﵁: اذهبوا بنا إلى السائب نعوده؛ فإنه من مُصَاصَةِ قريش. قال النبي، ﷺ ، حيث أُتِيَ به وبعمه العباس بن عبد المطلب: «هذا أخي وأنا أخوه» يعني السائب بن عبيد (٤). فالسائب بن عبيد بن عبد يزيد جدّ الشافعي، ﵁: صحابي، وعبد الله بن السائب أخو شافع بن السائب: صحابي، وركانة بن عبد يزيد أخو عبيد بن عبد يزيد – الذي طلق (٥) امرأته أَلبَتَّةَ – صحابي (٦). * * *

стр. 123

ومن رهط الشافعي جماعة من التابعين وأتباعهم إلى عصره، كانوا علماء يروى عنهم: منهم: نافع بن عجير (١) بن عبد يزيد، وعبد الله بن علي بن السائب، وطلحة بن رُكَانَة، ويزيد بن طلحة، والسائب بن يزيد بن ركانة، وعلي بن السائب، ومحمد بن علي بن يزيد بن ركانة، وأخوه عبد الله بن علي، والعباس ابن عثمان بن شافع، ومحمد بن علي بن شافع، ومحمد بن العباس، وعبد الله بن إدريس بن العباس، وإبراهيم بن محمد بن العباس، وأخوه عبد الله بن محمد بن العباس؛ وغيرهم، ﵏. وقد ذكرنا (٢) عن شيخنا أبي عبد الله الحافظ وغيره، الرِّوَاية عن كلِّ واحدٍ منهم فتركتها (٣) هنا طلباً للاختصار. ثم بعد هؤلاء آخرون من رَهْطِه سمعوا وحدثوا. فنسبُ الشافعي في قريش، واشتهارُه بالمطلبي عند الخلفاء والعلماء والشعراء – أشهر من ضوء النهار عند المبصر (٤).

стр. 124

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد بن حيان، حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا أبي، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: دخلت على بعض ولد الخلافة وابن دَأبٍ عنده، فسلمت عليه، فقال: ممن أنت؟ فقلت له، من ولد المطلب. فأعجلني، وقال: المطلب بن أبي وَدَاعَة؟ قلت: لا. قال: المطلب بن حَنْطَب؟ قلت؟ لا. قال: فضرب ابن دأب يده على فخذه، وقال: أصلح الله الأمير، هذا والله ابن المطلب بن عبد مناف الذي كان أبواه أبويك، وأخواه: هاشم وعبد شمس، يتوسطانه لشرفه في الجاهلية، يضع له هذا رداءه فيتكئ عليه، فإذا أَعْيَاهُ وضع له الآخر رداءه فاتَّكَأَ عليه. كان في كتابي: «الذي كان أخواه أخويك (١)، وعماه هاشم وعبد شمس» وهو خطأ فأصلحته. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا الحسن بن رَشِيق، إجازة، قال: حدثنا (٢) زكريا السَّاجِي، قال: حدثني ابن بنت الشافعي، قال: لما دخل الشافعي على هارون الرشيد، فسمع كلامه، قال: أكثر الله في أهلي مثلك. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو تراب المُذَكِّر بالنُّوقَان (٣)،

стр. 125

حدثنا أبو عبد الرحمن: محمد بن المنذر، قال: قال لي (١) داود ابن علي: وهذا قول مطّلِبِّينا الشافعي، الذي علاهم بنُكَتِهِ، وقهرهم بأدلَّته، وباينهم بشهامته، وظهر عليهم بحَمَازَتِهِ (٢)، التَّقِيُّ في دينه، النَّقِيُّ في حَسَبِه، الفاضِلُ في نفسه، المتَمَسِّكُ بكتاب ربه، ، المقتدي بسنَّة (٣) رسوله، الماحي لآثار أهل البدع، الذَّاهِب بخَبَرِهم، الطَّامِس لسيرهم، فأصبحوا كما قال الله، : ﴿هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤)﴾. أخبرنا أبو عبد الله، قال: وفيما أخبرونا (٥): أنَّ أبا عبد الله: محمد بن إبراهيم البُوشَنْحِي، أمْلَى عليهم بنَيْسابُورَ في نَسب الشافعي، ﵀: هُوَ الشَافِعِيُّ الهَاشِمِيُّ مُحمّد ... ووالدُهُ إدْرِيس حَمّالُ فَادِحِ (٦) وعبّاسُ يَنْمِيهِ (٧) (أبو الأب رُتْبةً (٨) ... ومِنْ بَعْدِهِ عُثْمانُ عَوْن المَنَادِحِ (٩)

стр. 126

إلى شافع بن السائب بن عُبَيْدِها ... بني الغُرِّ والشُّمِّ الأُنُوفِ الجَحَاجِحِ (١) وَعَبْدُ يزِيدٍ بَعْدَهُ ثُمَّ هاشِمٌ ... نَماءٌ لأعْرَاقٍ كِرَامِ المنَاكِح ومطَّلِبٌ مِنْ بَعْده هَاشِم قد نَمَا ... لعبْدِ مَنَافٍ سِرُّ نَصْرِ المَنَاحِح والأشعار والأخبار في أمثال ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا (٢) كفاية. * * * وأما انتسابه إلى جدّ أبي رسول الله، ﷺ ، هاشم بن عبد مناف: أخي المطلب بن عبد مَنَاف - فإني قرأتُ فِي كتاب أبي يَحْيَى: زكريا بن يحيى السَّاجِي، الذي رواه أبو الفضل: محمد بن أحمد الجَارُودِي الحافظ، عن أبي إسحاق: إبراهيم بن محمد بن سهل القرَّاب (٣)، عن زكريا، قال: سمعت أحمد بن حميد العَدَوِي النَّسّابَة، يقول: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. وقد ولده هاشم بن عبد مناف ثلاث مرات (٤): أم السائب: الشفاء بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف،

стр. 127

أُسِر السَّائِبُ يَوْمَ بَدْرٍ كافراً، وكان يُشَبَّه بالنبي ﷺ . وأمُّ الشفَّاء بِنتُ الأَرْقَم: خَلْدةُ بِنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. وأم عبد يزيد الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف بن قصي، كان يقال لعبد يزيد: مَحْض لا قَذَى فيه (١). وأما الذي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا نصر: أحمد بن الحسين. ح وأخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، قال: سمعت أبا نصر: أحمد بن الحسين ابن أبي مروان، يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَةَ، يقول: كان يونس ابن عبد الأعلى، يقول: لا أعلم هاشمياً والدته (٢) - في رواية أبي عبد الله ولدته - هاشمية إلا علي بن أبي طالب، ثم الشافعي، ﵁، فأم علي، ﵁: فاطمة بنت أسد بن هاشم، وجدة الشافعي: الشفاء بنت أسد بن هاشم. وأم الشافعي: فاطمة ابنة عُبَيْدِ الله (٣) بن الحسَنَ بن الحُسَين (٤) بن علي ابن أبي طالب (٥). زاد أبو عبد الله في روايته: وهي التي حملت الشافعي، ﵁، إلى اليمن، وأدبته.

стр. 128

فهذه رواية لا أعلمها إلا من جهة أبي نصر هذا، وسائر الروايات تخالفها (١). أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا الحسن بن رشيق (٢) إجازَةَ، قال: ذكر زكريا بن يحي السَّاجِي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن بنت الشافعي، ﵁، قال: مات جدّي محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، بمصر المحروسة (٣) وهو ابن نيّف وخمسين (٤) سنة. وكانت أمه أزْديّة، من الأَزْد، وكان منزله بمكة [في] الثنية بأسفل مكة. وكانت امرأته أم ولده: حمدة بنت نافع بن عنبسة ابن عمرو بن عثمان بن عفان، ﵁. وكانت أمه امرأة خيرة، ذكرنا من حكاياتها ما يدل على كمال عقلها ودينها (٥).

стр. 129

وهكذا قرأته (١) في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، رواية الجارودي، عن أبي إسحاق القراب (٢) عنه. وكذلك هو في حكاية نزول الشافعي بمصر، على أخواله الأزد، وهي مذكورة في مواضعها (٣). وأما الذي أخبرناه شيخنا أبو عبد الله الحافظ، فيما بلغه عن إبراهيم بن محمود المالكي، قال: حدثني داود بن علي، حدثنا الحارث بن سُرَيج، قال: سمعت الشافعي، يقول: عليّ ابن عمي وابن خالي (٤). وكذلك رواه شيخنا بإسناد آخر عن داود، عن الحارث في قصة الحجبي. وكذلك أخبرناه السلمي، عن أبي الوليد، عن إبراهيم بن محمود. فَكَوْنُه ابن عمه واضح معروف. وأما كونه ابن خاله (٥) فأنا أحسبه ابن خالته، وذلك لأنا قد كتبنا في حكاية زكريا بن يحيى السَّاجِي أن أمّ السائب بن عبيد جد الشافعي: هي الشفاء بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف [(٦ وأم الشفاء بنت الأرقم: هي خَلْدة بنت أسد عن هاشم بن عبد مناف ٦)] وأما أم علي بن أبي طالب، ﵁: فهي فاطمة بنت أسد

стр. 130

ابن هاشم بن عبد مناف. فأمه خالة أمّ السّائب (١) بن عبيد بن عبد يزيد، جد الشافعي، فيكون أمير المؤمنين علي، رضوان الله عليه، ابن خالته: يعني ابن خالة أم جده. والله أعلم. (٢ قال البيهقي، ﵀ ٢) وقد نظرت في كتاب زكريا الساجي، وجدت فيه حكاية الحَجَبِيّ، وقال فيها: «فقال له الشافعي: عَلِيُّ: ابنُ عمي وابنُ خَالَتي» فَصَحَّ ما توهَّمْتُه (٣). وقد روى في فضيلة قبيلة الأزد التي منها الشافعي من جهة أمه: ما أخبرنا أبو علي: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، البغدادي بها، حدثنا عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتَوَيه، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير، حدثني عمي: صالح بن عبد الكبير بن شعيب بن الحَبْحَاب، قال: حدثني عمي: عبد السلام بن شعيب، عن أبيه، عن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «الأزد أزد الله (٤)، ، في الأرض، يريد الناس أن يضعوهم، ويأبى الله إلا أن يرفعهم (٥)».

стр. 131

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ﵀، حدثنا أبو عبد الله: محمد ابن عبد الله الصفّار، حدثنا أحمد بن مهدي (١) بن رُسْتُم، حدثنا وهب بن جرير. ح وأخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت عبد الله بن خَلاَّد [الأشعري يحدث (٢)] عن نمير بن أوس، عن مالك بن مَسْرُوح، عن عامر [بن أبي عامر (٣)] الأشعري، عن أبيه، عن النبي، ﷺ ، قال: «نعم الحيُّ الأزْد والأشْعَريُّون، لا يَفِرُّون في القتال ولا يغلُّون، هم مني وأنا منهم» (٤). قال عامر. فحدثت به معاوية،، فقال: ليس هكذا قال رسول الله، ﷺ ، إنما قال «مني وإلي (٥)».

стр. 132

فقلت: ليس هكذا حدثني أبي [ولكن حدثني أبي (١)] عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «هم مني وأنا منهم». قال: فأنت إذاً (٢) أعلم بحديث أبيك (٣). وفي حديث أبي عبد الله: «نعم الحي الأسد» والأسد والأزد واحد، وهما عبارتان عن قبيلة واحدة. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا علي: الحسن بن علي السَّاوِي، المجاور بمكة، يقول: سمعت أبا الحسن: علي بن أحمد الدّينوري، الزاهد بمكة، يقول: رأيت النبي، ﷺ ، في النوم، فقلت: يا رسول الله، بِقَوْل مَنْ آخُذ؟ فأشار إليَّ أميرُ المؤمنين علي، ﵁، قال: خذ بيد هذا؛ فإنه ابن عمنا الشافعي، لتعمل بمذهبه فترشد وتبلغ باب الجنة. ثم قال: الشافعي بين العلماء كالبدر بين الكواكب. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أنبأني أبو القاسم الأسدي شِفَاهاً. أن زكريا بن يحيى السَّاجِي، حدثهم (٤)، قال: حدثني أحمد بن عمرو (٥) بن أبي عاصم النَّبِيل، قال: سمعت رجلا من بني هَاشم من آل نَوْفل من «رَامَهُرْمُز»

стр. 133

يقول: رأيت النبيَّ، ﷺ ، في منامي وهو يقول: قال الشافعيُّ، قال المطلبيّ. وكان خِصِيٌّ إلى جنب النبي، ﷺ ، وهو مُسْتَنِدٌ إلَى جَبَل حُنَيْن، فأقبل الخَصِيُّ عَلَى النبي، ﷺ ، فقال: إنّه تَرك شيئاً مِن حَدِيثنا، وجَعل النَّبي، ﷺ ، يَقُول: قال الشَّافِعِيّ، قال المطلبي، ولم يلتفت إلى كلام الخَصيّ. قال النَّوفلي: وَعَلْمت أنّ الشافعي من بَنِي المُطَّلِب حَتَّى سَمِعت رسولَ الله ﷺ ، يَقُول فِي مَنَامه. قال أبو يَحْيَى: زَكريَّا بن يَحْيى؛ وحدثني جماعة من أهل «رَامَهُرْمُز» عنِ النَّوْفِليّ، بذلك.

стр. 134

باب ما جاء في تسليمه إلى المعلم * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمود، حدثنا محمد بن إدريس، وَرَّاق الحُمَيدي، قال: سمعت الحُمَيْدي، يقول: قال محمد بن إدريس الشافعي، ﵁: كنت يتيما في حِجْرِ أمي، فدفعتني (١) إلى الكتاب، ولم يكن عندها تُعْطِي المعلمَ، وكان المعلمُ قد رضى مني أن أَخلُفَهُ إذا قام. فلما جَمَعْتُ القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء. وكنت أسمع الحديث والمسألة فأحفظها (٢). فلم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري (٣) به القراطيس، فكنت أنظر إلى العظم فآخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طَرحْتُه في جَرَّة، فاجتمع عندي حُبَّان (٤). وذكر باقي الحديث (٥).

стр. 135

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: سمعت الربيع يحدث (١): أن الشافعي، ﵁، قال: لم يكن لي مال، فكنت أطلب الحديث في الحداثة، فكنت أذهب إلى الدِّيوان أَسْتَوْهِبُ الظُّهُورَ فأكتب فيها (٢). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان، حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت الحسن – يعني ابن الأشعث – يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: سمعت الشافعي، ﵀، يقول: كان حَظَارُنا (٣) يسمَى كرانيفَ (٤) النَّخَل. يعني أنا كنا نعطي معلمنا كَرَانِيفَ النخل. أخبرنا أبو عبد الرحمن (٥) السلمي، حدثنا محمد بن علي بن طلحة المرْوَرُذي (٦) حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بنُ يَحْيى الساجي، قال: حدثني ابن بنت الشافعي، ﵀، قال:

стр. 136

مات أبو الشافعي عنه وهو صغير خارج عن مكة، وكان قليل ذات اليد، فخرج جدي إليه أبو أبي (١)، فحمله وحمل أمه إلى مكة من عسقلان. زاد فيه غيره (٢): قال أبو يحي، وقال أبو العلاء: حُدِّثت أنّه لما أُسْلِمَ الى الكتّاب جعل يتعلم، فإذا فرغ من درسه علَّم صبيان الكتاب (٣)، فنظر المعلم فإذا (٤) ما يكفيه من (٥) أمر الصبيان وينفعه أكثر من أجرته، فلم يأخذ من أمه أجراً. فلم يزل على ذلك حتى حَذقَ. وقرأت في كتاب أبي الحسن (٦): محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري العاصمي، سماعه (٧) من أبي إسحاق: ابراهيم بن محمد الرَّقِّي، يحكى عن زكريا ابن يحيى البصري، ويحيى بن زكريا بن حيويه (٨) النيسابوري، كلاهما عن الربيع بن سليمان، وأحدهما يزيد على الآخر. قال الربيع: سمعت الشافعي، يقول: كنت وأنا في الكتاب أسمع المعلم يلقِّن الصبيَّ الآية فأحفظها أنا. ولقد كان الصبيان يكتبون إملاءهم (٩)، فإلى أن يَفْرغَ المعلم من الإملاء عليهم كنت قد حفظت جميع ما أملى. فقال لي ذات يوم: ما يحل لي أن آخذ منك شيئاً. قال:

стр. 137

ثم لما أن (١) خرجت من الكتاب كنت ألتقط الخَزَفَ، والرُّقُوق (٢)، وَكَرَبَ (٣) النَّخْل، وأكْتَاف الجمال، أكتب فيها الحديث، وأجئ إلى الدَّواوين، وأَسْتَوْهِبُ (٤) منها الظُّهُورَ، فأكتب فيها، حتى كان (٥) لأُمي حُبّان (٦)، فملأتهما أكتافاً، وخَزَفاً، وكَرَباً، مملوءةً حديثاً. ثم ذكر خروجه إلى البادية، وتعلمه كلام هذيل. ثم ذكر ما قال له الزُّبَيْرِيّ في الاشتغال بالفقه، ثم ذكر خروجه إلى مالك، ثم خروجه إلى اليمن؛ على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.

стр. 138

باب ما جاء في اشتغاله بتعلم الأدب والشعر، وسبب أخذه في تعلم العلم * * * أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد: حسّان بن محمد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثني أبو سليمان - يعني داود الأصبهاني - حدثني مصعب بن عبد الله الزُّبَيْرِي، قال: كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأَيَّام الناس والأدب، ثم أخذ في الفقه بَعْد. قال: وكان سبب أخذه في الفقه (١) أنّه كان يوما يسير على دابة له وخلفه كاتب لأبي، فتمثل الشافعي ببيت شعر، فقرعه كاتب أبي بسوط (٢)، ثم قال له: مثلك تذهب مروءته (٣) في مثل هذا؟ أين أنت عن الفقه؟ قال: فهزه ذلك، فقصد مجالسة الزّنْجِيَ بن خالد - وكان مُفتِي مكة. ثم قدم علينا فلزم مَالكَ ابنَ أنس (٤). أخبرنا محمد بن الحسين (٥) السلمي، حدثنا محمد بن علي بن طلحة، حدثنا

стр. 139

أحمد بن علي الأصْبِهاني، حدثنا زكريا السَّاجِي، قال: قال داودُ بنُ علي: سمعت مُصْعَبَ - يعني ابن عبد الله - الزُّبَيْري، يقول: كان الشافعي، ﵁، ينظر في الشعر، فقال له كاتبٌ لأبي: إنّما الشِّعرُ مروءةُ الفِتْيان. عليك بالفِقْه. فَترَكه وأخذ في الفقه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأني أبو القاسم بن عُبَيْد (١) القاضي: أنّ زكريا ابن يحيى السَّاجِي حدّثَهُم، قال: حدثني أحمد بن محمد بن بنت الشافعي، قال: حُدِّثتُ عن الشافعي أنه قال: كنت أنظر في الشعر، فارتقيت عَقَبةً، فإذا صَوْتٌ من خلفي: عليك بالفقه. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المَرْوَرُذِي، حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجِي. فذكره بمثله، غير أنه قال عَقَبَةَ [مِنَى (٢)]. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا أبو جعفر: محمد ابن علي العُمَري، حدثنا إبراهيم بن غَسَّانَ الدَّقَاق، حدثنا أبو بكر الحُمَيْدي، قال: قال الشافعي: خرجت أطلب النحوَ والأدبَ، فلقيني مُسلمُ بْنُ خالد، فقال: يا فتى! مِنْ أينَ أَنْتَ؟ قلت: مِنْ أَهْلِ مَكَّة. قال: وأيْنَ مَنْزِلك بها؟ قلت: بشِعْبِ الخَيْف. قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف. قال: بخ بخ!! لَقَدْ شَرَّفَكَ الله في الدُّنْيا والآخِرة، أَلاَ جَعَلت فهمَك هذا في الفِقْهِ، فكانَ أحسنَ بك؟

стр. 140

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل: محمد بن إبراهيمَ المُزَكِّي، حدَّثَنا محمد بن رَوْح الأُسْتَوائي (١)، حدثنا الزبير بن أحمد الزُّبَيْرِي عن أصحاب الشافعي، ﵃، قال: قال الشافعي: قال لي مُسْلم بن خالد الزِّنجي: ألا جعلت فهمك هذا في الفقه (٢) فكان أحسنَ بك؟ فنمت تلك الليلة وأنا مفكر في ذلك، فأتاني آتٍ في منامي، فقال لي: يا أبا عبد الله، تَرى أن الشعر مُروءة؟ نعم، ولكن إذا تَكَهَّلَ الرجلُ فالفقه. فأقبلت أكْتُب الحديث. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أخبرنا أبو سعيد: أحمد ابن محمد بن رَميح الحافظ، حدثنا علي بن أحمد (٣) الحافظ، سمعت علي بن محمد ابن عبد الله القرشي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي، يقول: رأيت النبي، ﷺ ، فيما يرى النائم [قبل حُلُمِي (٤)] فقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ممن أنت؟ قلت: من رهطك يا رسول الله. قال: ادنُ مني. فدنوت منه، فأخذ من ريقه، ففتحت فمي، فَأَمَرَّ من ريقِه على لساني وفمي وشفتي، وقال: امض، بارك الله فيك. فما أذكر أني لحنت في حديث بعد ذلك ولا شعر (٥).

стр. 141

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - قال في موضع: قال أبو الوليد فيما أخبرت عنه: وفيما حدثني الحسن بن سفيان. وقال في موضع آخر: أخبرنا أبو الوليد الفقيه - قال: وفيما حدث الحسن بن سفيان (١)، عن حرملة، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: كنت صَبيًّا بمكة، فرأيت في المنام رجلاً ذَا هَيْبة يَؤُم النَّاس في المَسْجِد الحَرَامِ، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس يُعَلِّمهم. قال: فدنوت منه، فقلت: علمِّني. فأخرج ميزاناً من كُمَّه، فأعطاني، فقال: هذا (٢) لك. قال الشافعي: وكان ثَمَّ مُعَبِّر فَعَرضْتُ عليه، فقال: إنك تَبْلُغ وتصير إماماً في العلم، وتكون على السَّبيل والسُّنَّة؛ لأن إمام المسجد (٣) الحرام أفضل الأئمة كُلِّهم وفَوْقَهُم. وأمَّا الميزانُ فإنك تَعْلَمُ حقيقة الشَّيْءِ في نفسه. وقال في الموضع الأول: المسجد الجامع بمكان مسجد الحرام. وكأنه وجد سماعه فأعاده في الموضع الآخر باللفظ المسموع. والله أعلم وأحكم.

стр. 142

باب ما جاء في رحلته إلى أبي عبد الله: مالك بن انس، الإمام ﵀، في تعلم العلم * * * سمعت أبا عبد الله الحافظ، يقول: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: قال الشافعي، ﵁: جئت مالك بن أنس وقد حفظت المُوَطَّأَ ظاهراً، فقال لي: اطْلُب من يقرأ لك. فقلت: لا عليك أن تسمَعَ قِراءتي، فإن خَفَّت عليك قَرأتُ لنفسي. قال: فلما سمع قراءتي قرأت لنفسي (١). وسمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمي، يقول: سمعت محمد بن أحمد ابن حمدان (٢)، يقول: سمعت محمد بن إسحاق، يقول: سمعت محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، يقول: سمعت الشافعي، يقول: حفظت الموطَّأ قبل أن آتيَ مالكَ بن أنس، فلما

стр. 143

أتيته قال لي: اطلب مَنْ يقرأ لك. فقلت: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن أعجبتك قراءتي، وإلا طَلَبْتُ مَنْ يَقْرأ لي. فقال لي: هات، فلما قرأت أعْجَبَتْه قراءتي، فقرأتُ عليه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر: محمد بن أحمد ابن بَالَوْيه، يقول: سمعت عبد الملك بن محمد الفقيه، يقول: حدثني علاّن ابن المغيرة. وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، حدثنا أبو الحسن: أحمد بن محمد بن الحسن ابن قَحْطَبَة المَرْوَزِيّ، أنبأنا عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: سمعت علي بن عبد الرحمن بن المغيرة: علان (١) المصري، قال: سمعت حرملة، يقول: سمعت الشافعي، يقول: أتيت مالك بن أنس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ابن عم لي والي المدينة، فكلَّم لي مالكا، فأتيته لأقرأ عليه، فقال: اطلب من يقرأ لك. فقلت أنا أقرأ. قال: فقرأت عليه، وكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعد حديث كذا. فأعيد حفظاً، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة، فأجابني، ثم أخرى، ثم أخرى، فقال: أنت يجب أن تكون قاضياً. أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الحسن الصوفي، أخبرنا عبد الله بن على السَّرَّاج

стр. 144

الطوسي، قال: سمعت أبا نصر العَطَّار، يقول: قال لي الساجي، عن الربيع ابن سليمان، قال: سمعت الشافعي، يقول: خرجت من مكة، فلزمت هُذَيْلا في البادية، أتعلم كلامها وآخذ بِلُغَتها (١)، وكانت أفصح العرب، فأقمت معهم مدة أرجل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما أن رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، واذكر أيام الناس، فمر بي رجل من الزُّبيريّين (٢)، فقال لي: يا أبا عبد الله، عَزَّ عليَّ أن لا تكون (٣) في العلم والفقه، هذه الفصاحة والبلاغة. قلت: من بقى ممن يُقْصَدُ؟ فقال: مالك بن أنس، سيد المسلمين. قال: فوقع ذلك في قلبي، وعمدت إلى الموُطّأ فاسْتَعْرته من رجل بمكة وحفظته، ثم دخلت على والي مكة، فأخذت كتابه إلى والي المدينة، وإلى مالك بن أنس. فقدمت المدينة، فبلغت الكتاب، فلما قرأ والي المدينة الكتابَ، قال: يا بني (٤)، إن مشي من جَوْفِ المدينة إلى جوف مكة حافياً راجلاً أهون عليَّ من المشي إلى باب مالك، فإني لست أرى الذلَّ حتى أقفَ على بابه. فقلت: إن رأى الأمير أن يوجه إليه ليحضر، فقال: هيهات، ليت أني إن ركبت أنا ومن معي وأصابنا ترابُ العقيق يَقْضِي حاجتنا. فواعدته العَصْر، وقصدنا، فتقدّم رجلٌ وقَرَعَ الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير: قولي لمولاك إنَّنِي بالباب. فدخلت فأبطأت ثم خرجت، فقالت: إنّ مولاي يقول: إن كانت مسألة فارفعها إليّ في رقعة حتى يَخْرُجَ إليكَ الجوابُ، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس (٥)

стр. 145

فانصرف. فقال لها: قولي له: إن معي كتاب والي مكة في مُهمًّ. فدخلت، ثم خرجت وفي يدها كرسي، فوضعته، فإذا بمالكٍ رجل شيخ طُوَالٌ، قد خرج وعليه المهابة وهو مُتَطَيْلِسٌ. فدفع إليه الوالي الكتاب، فبلغ إلى قوله: إنّ هذا رجل شريفٌ مِنْ أمْرِه وحاله، فتحدِّثه وتفعل وتصنع. فرمى بالكتاب من يده، وقال: يا سبحان الله، قد صار عِلْمُ رسول الله، ﷺ ، يؤخذ بالوسائل! قال: فرأيت الوالي - وهو يَهَابُه أن يُكلمَه - فَتَقَدَّمت إليه، فقلت: أصلحك الله، إني رجل مُطَّلِبيّ، من حالي وقِصَّتي. فلما أن سَمِعَ كلامي نظر إليَّ ساعة، وكانت لمالك فِراسة، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد. قال: يا محمد، اتَّقِ الله، واجْتَنِبِ المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشَّان. فقلت: نعم وكرامة. فقال: إذَا كان غدٌ تَجِيء ويجيءُ من يقرأ لك الموطأ. فقلت: إني أقرأ ظاهراً. قال: فغدوت إليه وابتدأت، فَكُلَّمَا تهيبت مالكا وأردتُ أن أقطع، أعْجَبَه حُسْنُ قراءتي وإعْرَابِي، يقول: يا فَتى زِدْ. حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. ثم أقمت بالمدينة إلى أن تَوفَى مالِكُ بن أنس، ﵁ (١). ثم ذكر خُروجَه إلى اليمن. وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحُسَين العاصمي بسَمَاعِهِ من أبي إسحاق: إبراهيم بن مُحَمّد بن المولد الرَّقِّي، يحكى عن زكريا بن يَحْيى
следующие страницы →